خمسة محاور تدور حولها العلاقات التركية ـ الإيرانية أهمها الاقتصاد والضغوط الدولية

الثلاثاء، 03 آذار/مارس 2020

  تمتعت تركيا وإيران بعلاقات سلمية طوال القرن العشرين، إن لم تكن دائمًا ودية، حيث عززت التوجهات الاستراتيجية للحرب الباردة لهذين الجارين تلك العلاقة، كما شكلت الثورة الإيرانية أول تحد كبير لاستقرار العلاقات التركية الإيرانية. ومع ذلك، خلال الثمانينات من القرن الماضي، تمكن المسؤولون في البلدين من إدارة خلافاتهم ببراعة، على الرغم من أنهم لم ينجحوا في حلها. كما أنه وخلال التسعينيات، تضاعفت وتزايدت حدة الضغوط والاستقطاب التي أثرت بشكل كبير على العلاقات الثنائية. تراوحت العلاقات التركية-الإيرانية اليوم، بين ممارسة النفوذ الأمريكي على تركيا، والديناميات السياسية المتغيرة في تركيا وإيران، على أرض غير مستقرة، حيث وعلى الرغم من أن المسار الدقيق الذي ستتخذه العلاقات التركية ـــ الإيرانية لا يزال غير واضح، إلا أن هناك ما يدعو للقلق بشأن حالتها الحالية.

             عند دراسة النصف الأول من القرن العشرين، من الأسهل تحديد أوجه التشابه في التطورات الوطنية داخل تركيا وإيران بدلاً من العثور على نقاط التقارب أو الخلاف الحاد في علاقاتهما الثنائية، حيث أنها تختلف اختلافًا جوهريًا عن الملكية المطلقة التي أنشئت في عهد رضا شاه. لقد كانت العديد من الجوانب الأخرى لمؤسسات بناء الأمة التركية والإيرانية في فترة ما بين الحرب مختلفة، ومع ذلك، أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، شهدت تركيا وإيران على حد سواء تجزؤًا داخليًا وتدخلاً أجنبيًا، فقد كان كل من مصطفى كمال ورضا شاه مهتمين في المقام الأول بتوطيد سلطتهما السياسية الداخلية، وإلى أقصى حد ممكن، الحفاظ على سياسة خارجية "مستقلة"، كما أنه من السهل ملاحظة كيف أن الحكام الأتراك والإيرانيون آنذاك، كما هو الحال الآن، أبدوا اهتمامًا بالبعد الجغرافي للأمن، ففي صميم المفاهيم الإيرانية والتركية للأمن، كان هناك تصور مشترك يسهل تقويته أكثر من تهجير دولة محاطة بالجيران غير الودودين، وشهدت سنوات ما بين الحربين الماضية، معاناة كل من تركيا وإيران من تشابك الضغوط الداخلية مع المشكلات التي كانت تتنامى بشكل متزايد، و تبعًا لذلك، كانت سياساتهم الخارجية موجهة نحو الحفاظ على الدول الضعيفة وتقويتها. وبشكل خاص، خلال النصف الأول من القرن العشرين، لم تعتبر أي دولة الطرف الآخر معاديًا، كما لا تسعى إلى استغلال ضعف الآخر.

       في الخمسينيات تقاطعت المخاوف الأمنية الاستراتيجية والمحلية بين الجارتين، حيث في ذلك الوقت، تبنت إيران وتركيا توجهًا استراتيجيًا مؤيدًا للغرب للحماية من احتمال الزحف العسكري السوفياتي والتخريب الداخلي الذي رعاه الاتحاد السوفيتي، ومع تواجدها كأعضاء مؤسسين في منظمة المعاهدة المركزية (CENTO)، أصبحت تركيا وإيران حليفتين إقليميتين. وحتى القرن الثامن عشر، كان الصراع بين الشيعة الصفويين الفارسية والنسخة العثمانية من العقيدة الإسلامية بعدًا مهمًا في علاقتهم القتالية، حيث أنه و في أوائل القرن الثامن عشر الميلادي، أدخلت مفاوضات السلام الفارسية - العثمانية مفهومًا جديدًا للعلاقات بين المسلمين يمكن بموجبه أن تتعايش الدول ذات السيادة كأجزاء مستقلة في مجتمع العالم الإسلامي، وقد أدى الاعتراف بهويتهم الإسلامية المشتركة إلى تقليل التوتر، ولكن لم يؤد ذلك إلى علاقة ودية بين بلاد فارس وتركيا العثمانية، بل إن الخوف أو الضعف كان من الأسباب الرئيسية لتعليق الأعمال العدائية.

  1. سقوط نظام الشاه والتحول في العلاقات التركية – الإيرانية:

         في أعقاب سقوط نظام الشاه في إيران نشأت شكوك متبادلة حول الجالية الإيرانية في تركيا، الذين ارتفعت أعدادهم بشكل كبير بعد سقوط الشاه، كان المسؤولون الأتراك قلقين من احتواء تلك الجالية على "أعمدة الصف الخامس" الإسلامية المتشددة، في حين أن نظرائهم الإيرانيين قلقون من امتلاء صفوفهم بالثورة المضادة. وعندما شن حزب العمال الكردستاني تمردًا وحرب عصابات في شرق تركيا في عام 1984م، برزت قضية أمنية داخلية مثيرة للانقسام، حيث أصبح المسؤولون الأتراك قلقين من أن طهران قد تدعم حرب العصابات الكردية، أو على الأقل تسمح باستخدام الأراضي الإيرانية كمنطقة انطلاق لشن هجمات عبر الحدود. وطوال فترة الثمانينيات، زعم المسؤولون الإيرانيون أن تركيا كانت تؤوي معارضي النظام، وخاصة أعضاء مجاهدي خلق، وفي غضون ذلك، اتهم المسؤولون الأتراك إيران بالتدخل في السياسة الداخلية، وتنفيذ عمليات إرهابية ضد المعارضين الإيرانيين على الأراضي التركية، وعدم ضبط الحدود بشكل كاف.

      على الرغم من السياسات الخارجية المتباينة وعدم الثقة المتزايد، عقدت الحكومتان التركية والإيرانية العزم على تجنب المواجهة العسكرية أو الانهيار التام للعلاقات الثنائية، وهنا اعترف نظام الخميني بقيمة تركيا كشريك اقتصادي ووسيط. وبالمثل، اعتمدت تركيا سياسة النفع الاقتصادي تجاه إيران، كما أن تركيا قاومت الضغوط الأمريكية لفرض عقوبات على إيران ومارست "الحياد الإيجابي" في الحرب العراقية الإيرانية. ونتيجة لذلك، توسعت التجارة التركية الإيرانية، وبرزت إيران باعتبارها ثاني أكبر مورد للنفط في تركيا (بعد العراق)، بينما زادت صادرات تركيا من البضائع إلى إيران زيادة ملحوظة، وبالتالي خفف هذا النشاط التجاري جزئيًا من العجز التجاري المتزايد في تركيا وقدم ترحيبًا حارًا لإيران، التي كان يعاني اقتصادها من وطأة الاضطراب الثوري والحرب والعقوبات.

        ليس الهدف مما سبق ذكره رسم صورة مثالية للعلاقة التركية الإيرانية، أبدًا، بدلاً من ذلك، يجب التأكيد على مرونتها وتسليط الضوء على المجالات التي استمر فيها التعاون بين البلدين على الرغم من خلافاتهما، حيث أن الثورة الإيرانية والسياسة الخارجية الإيرانية لما بعد الثورة أثارت عددًا من القضايا الأمنية الإقليمية والداخلية المثيرة للانقسام. ومع ذلك، التزمت أنقرة وطهران بالعمل على الحد من الأضرار التي لحقت بالعلاقات الثنائية واستغلال الوضع من أجل تحقيق مكاسب اقتصادية وأمن عسكري. ونتيجة لذلك، ازدهرت العلاقات التجارية التركية الإيرانية بينما ظلت العلاقات السياسية مضطربة.

  1. السمات المميزة للعلاقات التركية ــ الإيرانية:

      يبرز أحد العناصر المميزة للعلاقات التركية الإيرانية في عنصر الاستقرار، حيث يمكن اعتبار الاستقرار "احتمالًا للبلدين" وأناستمرار الاستقلال السياسي والسلامة الإقليمية دون أي احتمال كبير للانخراط في حرب من أجل البقاء، وفي هذا السياق، فإن العامل الأكثر أهمية الذي يغذي الشعور بالاستقرار بين الطرفينكان الإدراك المشترك أنهم لا يستطيعون القضاء على بعضهم البعض، وبالتالي، عليهم أن يعترفوا بوجود بعضهم البعض، وهذا الإدراك كان نتيجة حروب طويلة لم ينجح أي منها في القضاء على الآخر. في حقيقة الأمر يشتمل توازن القوى الموجود بين البلدين على واحد من المساهمين الرئيسيين في الاستقرار والتفاعلات غير العنيفة، حيث بقي الخط الفاصل الطويل الذي وضعته معاهدة قصر سيرين (1639م) على حاله على الرغم من الحروب والأزمات العديدة التي مر بها البلدان.

       من جهة أخرى، يوضح تاريخ العلاقات التركية ــ الإيرانية أيضًا أنه كلما برزت نافذة فرصة من شأنها أن تمكّن إحدى هذه الدول على حساب الآخر، عادة ما تقوم الدول بمراجعة أهدافها، خاصةًأولئك الذين لديهم علاقة مع المكاسب الإقليمية، وهو ما كان هو عليه الحال خلال كل من حرب القرم من 1853-1856م، والحرب الروسية التركية من 1877-1878م، ومع ذلك، يجب التأكيد أيضًا على أنها غالبًا ما تشترك في اهتمام مشترك فيما يتعلق بالقوى الخارجيةالمشاركة في المنطقة، ونتيجة لذلك يتردد الطرفان في التعاون الكامل مع أطراف ثالثة، وفي حالة ما لم يعتقدوا أن مصالحهم في وئام تام مع قوة خارجية، فإنهم يميلون إلى الاعتقاد بأنه في حالة تغير الوضع الراهن ومحاولة القوى الكبرى الهيمنة، سوف تتأثر سلبًا أيضًا.

        تاريخيًا، تبين العلاقة بين البلدين أن هذين الاتجاهين المتناقضين، وهما استخدام الفرص التي توفرها القوى الخارجية ومنع هذه القوى من الهيمنة، قد تعايشا، بل وتم تبنيهم من قبل مجموعات مختلفة داخل النخبة الحاكمة أو تم افتراضها من قبل نفس الشخصيات في أوقات مختلفة استجابة للظروف المتغيرة. فعلى سبيل المثال، نرى أن لجنة الاتحاد والتقدم (Ittihat ve Terakki Komitesi) لم تطمح فقط إلى استخدام الأراضي الإيرانية من أجل الوصول إلى أفغانستان ومنطقة القوقاز لإحداث تأثير دائم في إيران، وخاصة في المناطق الكردية والأذرية، كما أراد ضمان سلامة إيران وسيادتها بعد الحرب، لكن هذا المشروع فشل واضطرت القوات العثمانية لإجلاء طهران في نوفمبر 1918م. ومن المثير للاهتمام أن نسجل أنه عندما تحول ميزان القوى لصالح إيران، بدأت طهران في المطالبة بأراضي من تركيا خلال مؤتمر باريس للسلام ثم في سيفرس مؤتمر.

        عندما وصلنا إلى منتصف الثمانينات من القرن الماضي، توترت علاقات البلدين بعد التورط الإيراني في التمرد الذي شنه حزب العمال الكردستاني، حيث وعلى الرغم من الاتفاقية الموقعة بين أنقرة وطهران في 28 نوفمبر 1984م، والتي تحظر أي نشاط داخل حدودهاكانت بعض وحدات حزب العمال الكردستاني قد بدأت تعمل في الجبال على طول الحدود التركية ــ الإيرانية التي ما زالت يسهل اختراقها، وكانت مضرة بأمن الطرف الآخر، واستمرت في استخدام إيران كمنصة لضرب أهداف داخل تركيا حتى أواخر التسعينيات. في عام 1994م، دخلت تركيا وإيران في حرب بالوكالة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني في المنطقة الكردية القائمة بحكم الواقع، والتي أنشأها الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة في شمال العراق، حيث في حين قدمت أنقرة الدعم - بما في ذلك الأسلحة - للحزب الديمقراطي الكردستاني، دعمت طهران الاتحاد الوطني الكردستاني، والذي بدوره انضم إلى حزب العمال الكردستاني، و استمر التزاحم بين الفصائل حتى 17 سبتمبر 1998م، أين وقع الطرفان اتفاق سلام برعاية الولايات المتحدة.

  1. المستنقع السوري: أي موقع للعلاقات التركية – الإيرانية؟:

          حاول الدبلوماسيون الأتراك في البداية إيجاد حل سريع للأزمة السورية من خلال دعم الإصلاحات الجذرية التي تشمل المعارضة في العملية السياسية، حيث في تلك المرحلة، كانت إيران تنصح الأسد، من خلال رئيسها والأمين العام لحزب الله، بفتح حوار مع المعارضة، لكن أنقرة شعرت بالإحباط بسبب عناد الرئيس الأسد وإصلاحاته التجميلية وقراره بمتابعة الخيار العسكري. بعد ذلك، سحبت تركيا نفسها من دور الوسيط وأصبحت طرفًا في النزاع الطويل إلى جانب المعارضة، لقد أدى موقف تركيا ضد النظام السوري إلى عواقب غير محسوبة، وتحويل تصور أنقرة لسوريا من فرصة إلى تهديد أمني بأبعاد متعددة. بعدها تصاعد التوتر بين الطرفين عندما أسقطت إيران طائرة حربية تركية من طراز F-4 Phantomفي 22 يونيو 2012م، وبعد ذلك بعامفي 16 سبتمبر 2013م، أسقطت طائرة مقاتلة تركية طائرة هليكوبتر عسكرية سورية بعد أن دخلت المجال الجوي التركي متجاهلة التحذيرات المتكررة للمغادرة. وفي العام نفسه، خلفت مجموعة قاتلة من السيارات المفخخة وقذائف المدفعية وطلقات نارية طائشةانسكبت عبر الحدود مخلفة أكثر من 70 قتيلاً، علاوة على ذلك، خاضت الجماعات الإسلامية المتطرفة معارك مع قوات المتمردين المعتدلة والميليشيات الكردية القريبة بشكل متزايد من الحدود التركية التي يسهل اختراقها، مخلفة ضحايا من الجانب التركي.

         إن المستنقع السوري غير نهج تركيا وإيران تجاه العراق، وبالتالي تجاه بعضها البعض، بطريقة من شأنها أن تحمل إمكانات تحويل العلاقة التركية ــ الإيرانية من المنافسة إلى حالة الصدام، حيث وعلى عكس أنقرة، كانت الأولوية القصوى للزعماء الإيرانيين هي منع سقوط حكومة الأسد لأنهم فقدوا البطاقة الفلسطينية بعد أن غادرت قيادة حماس دمشق وتولت جماعة الإخوان المسلمين السلطة في مصر. في هذا الصدد، فإن بقاء الرئيس السوري بشار الأسد اعتبرته ومازالت طهران ذات أهمية حيوية للحفاظ على النظام الإسلامي، لقد كانت طهران قلقة من أن يؤدي هذا السقوط إلى عدة أزمات للقيادة الإيرانية، وسوف يكون له تأثير في منطقة الشرق الأوسط، ويهدد قدرة حزب الله على السيطرة على الأحداث في لبنان، ويمكن له حتى أن يشجع الاضطرابات في إيران، كما تشعر هذه الأخيرة بالضيق الشديد بسبب الاضطرابات في المنطقة على خلفية القضية الكردية.

       علاوة على ذلك، يمكن ملاحظة أن الخوف المشترك من سوريا ما بعد الأسد، خاصة تلك المتعلقة بإمكانية تولي القوات السنية السلطة في دمشق، وهو التحدي الذي وحد إيران والحكومة المركزية في بغداد. بالنسبة للمالكي، فإن الجانب الأكثر إثارة للخوف من الأزمة هو احتمال أن الصحوة السنية في العراق ستنمو إذا ما سقط نظام الأسد. حيث إن المحافظات الأربع التي يهيمن عليها السنة في العراق (الأنبار وصلاح الدين ونينوى وديالي) تشير إلى أنها ستسعى للحصول على وضع إقليمي، على النحو الذي تسمح به إجراءات الفيدرالية في دستور العراق.

            هنا يبدو أن دعم العراق لحلفاء إيران، خاصة سوريا، أجبرها على ذلكاتخاذ عدة خطوات، حيث حافظت بغداد على علاقة مباشرة مع النظام السوري ورفضت دخول اللاجئين السوريين، وهو ما يتعارض مع التزامات العراق الدولية، وفي المقابل، زُعم أن السلطات العراقية سمحت لمتطوعي الميليشيات بالذهاب إلى سوريا للدفاع عن النظام السوري. علاوة على ذلك، سمح العراق بمرور المساعدات الإيرانية إلى سوريا، على الرغم من أنه كان من المفترض أن يتم تفتيش الطائرات الإيرانية التي تعبر المجال الجوي العراقي. كما زودت بغداد سوريا بالنفط لتلبية الاحتياجات المتزايدة للعمليات العسكرية السورية، وهناتضمنت الخطوة الأخيرة التي أبدت استعداد إيران والعراق لتوسيع تحالفهما توقيع اتفاق بشأن الأمن المتبادل والتعاون السياسي والثقافي في مارس 2013م.

  1. مؤشرات تدهور العلاقات التركية ــ الإيرانية:

       في مقال بعنوان "موقف إيران الجاد في مواجهة الأحداث السورية"، الذي نُشر في إحدى وسائل الإعلام التابعة للحرس الثوري الإيراني، تمت الإشارة إلى تساؤل ورد على الشكل التالي:" هل يصر المسؤولون الأتراك على سلوكهم المتناقض؟ وإذا استمروا في طريقهم الحالي، فمن المؤكد أن القضايا الخطيرة ستتبعهم، سوف نجد أنفسنا في موقف الاضطرار إلى الاختيار بين تركيا وسوريا، حيث أن تبرير سوريا في الدفاع عن نفسهاجنبًا إلى جنب مع عكس التصورات الأيديولوجية من شأنها التأثير على إيران نحو اختيار سوريا. لقد كان السياسيون الأتراك صريحين أيضًا في انتقاد فشل طهران في الاعتراض على ارتفاع عدد القتلى المدنيين في سوريا كما لوحظ في رسالة نائب رئيس الوزراء بولنت أرينك التي ألقاها في اجتماع لفرع المرأة في حزب العدالة والتنمية، حيث قال بصريح العبارة: "إنني أخاطبكم، جمهورية إيران الإسلامية، 'أنتم تحملون كلمة" إسلامية "، لكنني لا أعرف مدى استحقاقكم لها، فخلال اليومين الأخيرين، هل تلفظتم بجملة واحدة حول ما يحدث في سوريا؟ ".

          إن إحباط أنقرة من طهران له أبعاد أخرى كذلك، حيث أعلن وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، تانر ييلديز، الذي كان قلقًا منذ فترة طويلة بشأن سياسة إيران المتمثلة في فرض رسوم باهظة على الغاز الذي تزود تركيا به، في 14 مارس 2012م، أن تركيا قررت إحالة هذا البلد إلى محكمة دولية للتحكيم على سعر الغاز الطبيعي الإيراني، حيث رفضت طهران تقديم تخفيض في الأسعار، كما أن الاتفاق بين تركيا والأكراد العراقيين لبناء خط أنابيب للغاز الطبيعي لنقل ما لا يقل عن 10 مليارات متر مكعب من الغازستمثل سنويًا ما يزيد قليلاً عن خمس استهلاك تركيا الحالية. فوفقًا لوسائل الإعلام التركية، كان هناك اختلاف في الرأي بين أردوغان ووزير الخارجية الأسبق أحمد داود أوغلو في هذا الجانب، وهو الأمر الذي يجعل من الصعب معرفة النهج الذي سيهيمن على مستقبل العلاقات التركية ـــ الإيرانية، إلا أن الخطوات نحو تقليل اعتماد تركيا على الغاز الإيراني مستمرة.

          وإلىجانب الاتهامات اللفظية، حدثت تغييرات في المجال الاستراتيجي العسكري يمكن اعتبارها مؤشرات أكثر خطورة لطبيعة علاقة البلدين، خاصة من خلال تبني وجهة نظر واقعية جديدة، يمكن للمرء التأكيد بأن تصور التهديد سيؤدي إلى سباق تسلح أو بناء تحالف، اعتمادًا على إمكانيات القوة في الدولة المعنية، كما يمكن أيضًا اعتبار هذه النتائج بمثابة مؤشرات على منافسات ناشئة أو مستمرة. ومع ذلك، كانت تركيا منذ فترة طويلة حليفا للناتو. وبالتالي، فإن القضية ليست بناء التحالف، ولكن ما إذا كانت أهدافه تتفق مع هدف التحالف الحقيقي أم لا. حيث في 2 سبتمبر 2011م، أعلنت تركيا أنها وافقت على نشر رادار إنذار مبكر في كوريسيكبشرق الأناضول، على بعد حوالي 435 ميلاً (700 كيلومتر) غرب الحدود الإيرانية على أراضيها، كجزء من الدرع الصاروخي للناتو، وهنا على الرغم من أن المسؤولين الأتراك كانوا حريصين على تجنب الاعتراف بأنه كان يستهدف إيران بالدرجة الأولى، إلا أن الإيرانيين أصدروا سلسلة من الإدانات الغاضبة للقرار التركي من خلال اتهام حزب العدالة والتنمية بخدمة المصالح الغربية عن طريق المشاركة في تهديد مباشر لأمن إيران. وردًا على دعم أنقرة للمعارضة السورية، هددت طهران أيضًا بضرب درع الناتو الصاروخي في تركيا في حالة وقوع هجوم إسرائيلي أمريكي، ومع ذلك، قدمت وزارة الخارجية الإيرانية لاحقًا تأكيدات تشير إلى أنتلك التهديدات لم تكن حقيقية. لقد كانت إيران غاضبة أكثر من قرار حلف شمال الأطلسي بنشر ست بطاريات من طراز باتريوت بناءً على طلب تركيا بعد أن أسقطت قذيفة خمسة مدنيين في منطقة أكاكالي بمقاطعة سانليورفا في عام 2012م، واعتبرت طهران أن نشر باتريوت تابع لحلف شمال الأطلسي هو عمل استفزازي بالدرجة الأولى أكثر من كونه ردع. وفقًا لطهران، فقد أثبت الانتشار كيف حافظت القوى الغربية على وجودها العسكري في المنطقة حتى في بيئة عرفت سلسلة من الانتفاضات العربية.

        لقد أدت التوترات المتزايدة بين تركيا ونظام الأسد في سوريا إلى خلق قلق عميق حيال ذلك في طهران. فنظام الأسد هــو أقرب حليف لإيران في منطقة الشرق الأوسط؛ إذ تعود أواصر الشراكة بين البلدين إلى بدايات الثورة الإسلامية في إيرانو، على الرغم من الاختلاف الأيديولوجي والديني بين البلدين، إلاّ أن سوريا وإيران قـد تقاسمتا العديد من المصالح الجغرافية السياسية بدءًا من معارضة نظام ّ صدام حسين في العراق، وصولاً إلى مقاومة النفوذ والهيمنة الإسرائيلية ــ الأمريكية في منطقة الشرق
الأوسط. كما أن كلا البلدين هما من رعاة حزب الله، الفاعل السياسي والعسكري الأقوى في لبنان، كذلك يتقاسم كل من سوريا وإيران المخاوف بشأن طموحات تركيا وسياساتها في منطقة الشرق الأوسط. ففي سوريا -في حالة سقوط نظام الأسد-سوف تحكمها الأغلبية السـُـنـّية، ويمكن أن تتبنى موقفـًا عدائيـًا بشكل علني تجاه إيران لتلتحق بقائمة طويلة من البلدان العربية، التي تعارض النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.كما أن سقوط نظام الأسد قـد يعرض علاقات إيران بحزب الله إلى خطر كبير كذلك، فإيران تعتمد على سوريا كمعبر لتمرير الأسلحة والأموال إلى حليفها الشيعي،واعتراض تركيا لشحنات الأسلحة الإيرانية المرسلة إلى سوريا هــو أمر يثير قلق النظام الإيراني بشكل خاص لأنه في حالة سقوط نظام الأسد من شأنه أن يعرقل إمدادات الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله.

          وعلى الرغم من معارضة إيران العملية التركية "نبع السلام" في سوريا فإن ثمة توافق بين البلدين بشأن إدارة الأزمة السورية، وتعزز هذا التقارب مع تغير توازنات القوى العسكرية داخل سوريا لصالح النظام السوري وحلفائه خلال الفترة الماضية، الأمر الذي أدى إلى انعطاف تركيا تجاه طهران، على نحو قلص حدة الخلافات بينهما بشأن الأزمة السورية. ووجهت تركيا إشارات ضمنية بشأن إمكانية التماهي مع موقف طهران، وإجراء تغييرات في موقفها من الأزمة السورية، خاصة فيما يرتبط بالعلاقات مع النظام السوري، وهو ما بدا جليًا في القمة الثلاثية التي شهدتها أنقرة في سبتمبر/أيلول عام 2019م، حيث نأت تركيا عن طرح ورقة مصير الأسد، وركزت على مناقشة تسوية الأزمة.

  1. معالم جديدة للعلاقات التركية -الإيرانية:

        إن المزيج المعقد من الصداقة والاحتكاك الذي تميزت به العلاقات التركية ــ الإيرانية في الثمانينيات من القرن الماضي لا يزال واضحًا، لكنه يشمل مجموعة جغرافية سياسية أوسع وطائفة من القضايا، لكن حاليًا هناك خمسة موضوعات رئيسية تدور حولها العلاقات بين الطرفين، سيساعد فحصها في تأسيس إحداثيات العلاقات التركية الإيرانية:

أولا، التعاون الاقتصادي الثنائي:

          في أحيان كثيرة من الجيد العودة للتاريخ واستقراء أحداثه حتى نتمكن من الفهم الجيد للواقع، حيث وقعت تركيا وإيران عام 1996م، اتفاقين اقتصاديين رئيسيين، الأول كان عقد طويل الأجل بقيمة 23 مليار دولار أمريكي لإمداد الغاز الطبيعي ومخطط إنشاء خط أنابيب الغاز، والثاني هو تعهد بزيادة تجارة البضائع الثنائية إلى قيمة سنوية تبلغ 2.5 مليار دولار أمريكي. وعند تقييم أهمية هذه الاتفاقيات، يجب على المرء أن ينظر في مسائل التوقيت والسياق:

          لقد أبرمت هذه الاتفاقات بعد فترة وجيزة من تولي نجم الدين أربكان منصب رئيس وزراء تركيا، حين قدم الأخير وجهة نظر تقوم على تقييم تلك الاتفاقات واعتبارها مدفوعة بشكل رئيسي بعوامل سياسية، وبالتالي، بدأت العلاقات التركية ــ الإيرانية في مسار جديد. في الواقع، كان صعود حزب أربكان إلى السلطة في تركيا بمثابة عامل تعزي، وليس كعامل حاسم. صحيح أن تعزيز التعاون الاقتصادي مع إيران كان متمشيًا مع برنامج رئيس الوزراء آنذاك أربكان لبناء العلاقات مع الجيران المسلمين في تركيا، لكن الأمر الآخر هو أن الأحزاب العلمانية في تركيا دعمت إلى حد ما التعاون الاقتصادي الإقليمي، شريطة أن يخدم ذلك العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا بدلاً من تعريضها للخطر.

         لقد ازدهرت التجارة بين إيران ما بعد الثورة وتركيا خلال الحرب العراقية ـــ الإيرانية، فعلى الرغم من أن تجارة البضائع قد تقلصت بشكل حاد في أوائل التسعينيات، إلا أن هذا يرجع بشكل رئيسي إلى تراكم الديون الكبيرة من إيران على الشركات التركية، وفرض قيود صارمة على واردات إيران للحفاظ على النقد الأجنبي. وهنا واصلت اللجنة الاقتصادية المشتركة (JEC) عقد اجتماعاتها على فترات منتظمة بشأن مسألة الديون ووضع تدابير لتعزيز التجارة، وبالتالي فإن الاتفاق التجاري التركي الإيراني لعام 1996م، كان يهدف إلى إعادة التجارة إلى مستوياتها السابقة وزيادة متواضعة فقط.

      وبالمثل، لم تكن المفاوضات المؤدية إلى اتفاق الغاز التركي ــ الإيراني لعام 1996م، سهلة، حيث تضمنت شروط الاتفاقية النهائية تغييرات طفيفة فقط على النسخة الأصلية التي صاغها سلف السيد أربكان، تانسو تشيلر. ويعكس اتفاق الغاز مع إيران جهود تركيا للتعامل مع ضغوط الطلب على الطاقة المحلية (أي الكهرباء لا سيما في شرق وجنوب الأناضول؛ ولتجنب الاعتماد المفرط على الغاز الروسي، الذي يمثل 75 ٪ من إمدادات تركيا، حيث أنه رفع حجم الغاز المتوقع إلى أن يصل إلى حدود 27 مليار متر مكعب من الغاز في تركيا عام 2000م.

           ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى صفقة الغاز التركية ــ الإيرانية ببساطة من الناحية الاقتصادية، ولا بالمعنى الدقيق للكلمة، حيث أن خط الأنابيب الإيراني ــ التركي هو الجزء الأوسط من رابط الطاقة بين الأقاليم، حيث تقع حقول الطاقة في تركمانستان في أقصى شرقها وسوق الطاقة الأوروبي على أطرافه الغربية. وقبل ثلاث سنوات من الانتهاء من الاتفاق التركي الإيراني، وقعت إيران عقدًا لبناء خط أنابيب للغاز إلى تركمانستان، وفي عام 1994م، حضر الرئيس التركي ديميريل مراسم في إيران بمناسبة بدء بناء خط الأنابيب الإيراني-التركماني. وفي العام نفسه، وقع ديميريل اتفاقية لتوريد الغاز لمدة 30 عامًا مع رئيس تركمانستان صابر مراد نيازوف.

       حاليًا، تسعى تركيا إلى رفع المبادلات التجارية مع إيران من 10 إلى 30 مليار دولار، وتكاد لا تخلو أي زيارة يقوم بها مسؤولو البلدين من توقيع مزيد من الصفقات الاقتصادية، فعلى سبيل المثال أسست تركيا ما يقرب من 100 شركة على الأراضي الإيرانية، فيما ازداد حجم التواجد الإيراني في تركيا تجاريًا وسياحًيا، إلى جانب توقيع اتفاقيات مشتركة في مجالات الطاقة والاستثمار والسياحة بما قيمته 10 مليارات دولار خلال زيارة الرئيس التركي لطهران في أكتوبر/تشرين الأول 2017م، في المقابل تسعى تركيا من وراء تفعيل العلاقة مع طهران إلى محاصرة تصاعد المشكلات الاقتصادية، وبخاصة تراجع قيمة الليرة بعدما فقدت نحو ثلث قيمتها أمام الدولار فضلا عن ارتفاع الدين الخارجي. وهنا تشير مجموعة من التقارير الاقتصادية إلى أن الاقتصاد التركي يحتاج ما يقارب 230 مليار دولار من أجل التخلص من أزمة تضخم الدين الخارجي الخاصة به.

        من المهم أيضًا الإشارة إلى أن العقوبات الاقتصادية التي تتعرض لها إيران ساهمت في نقل جانب معتبر من رؤوس الأموال الإيرانية إلى تركيا، وهو ما ظهر في توجه الإيرانيين بكثافة نحو شراء العقارات في تركيا إضافة إلى توجه شركات صناعة السيارات الإيرانية لنقل جانب واسع من أنشطتها إلى تركيا، وهو ما يعنى زيادة الاستثمار الأجنبي في تركيا، خاصة أن النظام المالي التركي بدأ يشهد هروبًا كبيرًا للعملات الأجنبية، وزادت وتيرتها مع بدء الاستعدادات لعملية "نبع السلام" التي قام بها الجيش التركي في شمال سوريا في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2019م، حيث انخفض إجمالي حساب ودائع العملات الأجنبية الذي بلغ 220.7 مليارات دولار في 2 من أكتوبر/تشرين الأول المنصرم إلى 218.1 مليار دولار في 8 من الشهر ذاته.

ب. مشاكل الأمن الداخلي:

           من أهم مصادر الاحتكاك بين إيران وتركيا قضية الأمن الداخلي، حيث في هذه الحالة، يشير تعبير "مشكلات الأمن الداخلي" إلى التسامح مع أو دعم إحدى الحكومات لأنشطة الجماعات "المعارضة" للآخر، وتكمن جذور هذه المشاكل وتكثيفها في الآونة الأخيرة في الظروف السياسية في إيران وتركيا، وفي البيئة الإقليمية غير المستقرة التي يتواجدون فيها.

           لقد زاد الجدل الداخلي حول الدور الذي يجب أن يلعبه الدين في الحياة العامة التركية، مما زاد من الشكوك المتزايدة بين العلمانيين الأتراك، وخاصة داخل القوات المسلحة، بشأن المحاولات الإيرانية لتعكير النظام الدستوري. فهناك إشارات أكثر تهديدًا للتدخل الإيراني في السياسة الداخلية التركية، تتراوح من روايات مضايقة الصحفيين إلى مزاعم القتل، على الرغم من أن الأدلة على هذا الأخير لا تزال غير حاسمة، كما يتم التداول وعلى نطاق واسع أن إيران دعمت الجماعات الإسلامية "الراديكالية" وحظرت المنظمات من خلال مؤسسات في تركيا مثل معهد التعليم العالي ومعهد رجال الدين والمبشرين والمدربين والمكتبات والأندية والجمعيات. وفقًا لبعض التقارير، أنشأت شركة Komiteh-ye Panahandegan الإيرانية، التي تقدم خدمات لطالبي اللجوء، ما يصل إلى ثمانية معسكرات تدريب لمعارضي الحكومة التركية. والتقرير النهائي للجنة التحقيق البرلمانية لجرائم القتل السياسي التي لم يتم حلها (MES) برئاسة Tansu Ciller خلص إلى أن "مجموعة في إيران تقوم بتدريب ومساعدة أعضاء كل منظمة ذات أهداف مدمرة أو انفصالية في بلدنا".بطبيعة الحال، أنكرت الحكومة الإيرانية هذه المزاعم بشكل قاطع.

          علاوة على ذلك، اتهمت إيران عملاء تركيا بالتجسس وبأن السلطات التركية فشلت في كبح أنشطة مجاهدي خلق، حيث وفي فبراير 1996م، قدمت الحكومة الإيرانية احتجاجًا دبلوماسيًا ردًا على تجمع MKO في أنقرة، وبعد ستة أشهر، أعلن المسؤولون الإيرانيون أنهم كشفوا واعتقلوا أعضاء "عصابة تجسس تركية" في مقاطعة أذربيجان الغربية الإيرانية، وبدون استثناء، ربطت هذه الحوادث في الصحافة الإيرانية بالضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة لعزل إيران.بمعنى آخر، تعتبر مزاعم التداول والاتهامات المضادة جزءًا من النمط المألوف للعلاقات التركية ــ الإيرانية التي تشكلت في أعقاب الثورة الإيرانية مباشرة. ومع ذلك، فإن هذه الحوادث وردود الفعل قد تسببت في تعميق عدم الثقة المتبادلة والعداء المتبادل.

الخاتمة:

           خلال التسعينيات، تم تغيير الإطار الجيوسياسي العالمي الذي اكتسبت فيه العلاقات التركية الإيرانية طابعها وحافظت على استقرارها، بدءًا من قيادة تحالف الأمم المتحدة ضد صدام حسين في حرب الخليج عام 1991م، مرورًا بتولي الدور الرئيسي في عملية السلام العربية الإسرائيلية، وصولا إلى دفع سياسة "الاحتواء المزدوج" في الخليج، و ترسيخ الولايات المتحدة كقوة وتعزيز مصالحها في الشرق الأوسط، وهنا شملت سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط دعم توسيع دور تركيا وعزل إيران في المنطقة، وعملت هذه السياسة على حد سواء على صقل الميزة التنافسية، وتقييد الجوانب التعاونية للعلاقات التركية الإيرانية.

         أما على المستوى المحلي، ناضلت كل من الحكومتين الإيرانية والتركية لإدارة المشكلات الاقتصادية والأمنية المعقدة، وقد أدى استمرار هذه المشاكل إلى تعقيد السياسة الداخلية في كلا البلدين، ولم يدخل الجدل بين الإسلام والكمالية فقط في الخطاب السياسي والسياسي الانتخابي في تركيا، بل إنه أثر على العلاقات المؤسسية. لقد تحالفت القوات المسلحة والرئيس الحالي بشكل كبير للدفاع عن النظام الدستوري والحفاظ على علاقات وثيقة مع الغرب، في البداية ضد تفضيلات رئيس وزراء معين، وفي نهاية المطاف في محاولة فاشلة لإسقاطه من السلطة. في إيران، أحبطت الفصائل المستمرة محاولات تحرير الاقتصاد، وساعدت في الحفاظ على ممارسات الترويج للإسلام في الخارج على حساب تنفير الجيران، من الجدي هنا الإشارة إلى أن القوى السياسية المتنافسة في إيران وتركيا استثمرت العلاقات التركية الإيرانية بطابعها المتناقض.

       على ضوء الأحداث الأخيرة في المنطقة الشرق أوسطية لم تكتف إيران بإبلاغ تركيا معارضتها للعملية العسكرية التي تشنها داخل الأراضي السورية في الفترة الحالية، بل إنها اتخذت خطوات أخرى في هذا السياق، منها إلغاء رئيس مجلس الشورى علي لاريجاني زيارته إلى اسطنبول، والتي كانت ستجرى بالتوازي مع بداية العملية، للمشاركة في اجتماع برلماني بدعوة من نظيره التركي. كما سمحت السلطات الإيرانية لوسائل إعلام بشن حملة قوية ضد تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان، على غرار صحيفة "فرهيختگان"، التي وضعت على صفحتها الأولى، في العدد الصادر في 8 أكتوبر الماضي، عنوان "السلطنة في خدمة الإرهاب"، وصورة للرئيس أردوغان، حيث اعتبرت أن العملية العسكرية سوف تمنح "تنفسًا صناعيًا للإرهاب".

        وفي جميع الأحوال، لا يرجح أن تحدث إيران تغييرات على سياستها تجاه تركيا، حيث وعلى الرغم من الخلافات العالقة بين الطرفين، والتي بدت جلية في العملية العسكرية الحالية، إلا أن الضغوط الإقليمية والدولية التي تتعرض لها الأولى في المرحلة الحالية لا توفر لها هامشًا واسعًا من حرية الحركة، بشكل سيجعلها حريصة على استمرار علاقاتها مع تركيا، على المستويات المختلفة، وربما تتجه إلى محاولة ممارسة دور الوسيط بين تركيا من جهة والنظام والأكراد من جهة أخرى.

مقالات لنفس الكاتب