انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاصالمصداقية تتراجع في الإعلام التقليدي والجديد لا يمتلك المهنية وال يمتثل لأخالقياتها

تراجع إعلام الحكومات أمام طغيان إعلام إلكتروني يستطيع الإفساد بتشويه الحقائق

انشأ بتاريخ: الأربعاء، 04 آذار/مارس 2020

ولدت مطلع الخمسينيات، بينما كانت صحيفة الأخبار تستنشق أول أنفاس الميلاد في يونيو ١٩٥٢م، ليعقبها في يوليو ١٩٥٣م، راديو صوت العرب، الذي كان يزهو بأنه صوت كل العرب من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر، ثم صحيفة الجمهورية في ديسمبر ١٩٥٣م، فيما كان المصريون يهرولون إلى البيوت والمقاهي قبل الثامنة والنصف مساء كل يوم، ليصيغوا السمع إلى نشرة الأخبار الرئيسية، تجاوبًا مع دعوة وجهتها الإذاعة المصرية آنذاك، للمصريين بصوت المطرب محمد قنديل: أن أنصتوا إلى نشرة الأخبار.

بدأ اهتمامي المبكر بنشرة الأخبار، حين فتحت عيني كطفل على اهتمام أبوي بها، إذ كانا يحرصان على الإنصات إلى الراديو في مواعيد نشرات الأخبار، وكانا يصدقان كل ما يأتي به الراديو، ولفرط اهتمامهما بذلك وثقتهما فيه، أبديت أنا أيضًا مثل هذا الاهتمام، ليس عن وعي بدواعيه، وإنما عن سعي لاسترضاء أبوي، اللذين كانا يبديان سعادة مفرطة بهذا الطفل الذي ينصت معهما لنشرات الأخبار، ويردد-كببغاء-ما يرد فيها من أخبار أو آراء أو تعليقات.

كنت محظوظًا بالانتماء إلى أسرة تنصت إلى نشرات الأخبار على مدار اليوم، وإلى وطن اختار أن يعتبر نشرات الأخبار عنده، علامة على أنه حي يتمتع بكامل الوعي، وبموفور الصحة، بل إنني أظن أننا ربما كنا أول جيل في المنطقة العربية كلها يحتفي بأن لدى إذاعته أخبار، بعدما راح الراديو يدعو مستمعيه إلى الإنصات لنشرات الأخبار باعتبارها أحد أهم منجزات هذا العصر !!.

كانت الإذاعة المصرية قد بدأت في أواسط الخمسينيات، بث أغنية للمطرب محمد قنديل، صاحب الصوت الرخيم-الذي وصفته أم كلثوم بأنه من أفضل الأصوات -تقول كلمات الأغنية التي كتبها الشاعر حسين طنطاوي، ولحنها الموسيقار أحمد صدقي:

ع الدوار.. ع الدوار

راديو بلدنا فيه أخبار

يعني ليعد كل منكم إلى داره (الدوار) حيث يبث الراديو الأخبار، ثم يواصل محمد قنديل النداء، بصوته القوي:

يا اللي في قاعة.. يا اللي في خص

قوم دي الساعة ثمانية ونص

والراديو عمال بيرص

في الأخبار قلبك يتهنى

كنا في نار وبقينا في جنة

واللي ظلمنا بقى في النار

ع الدوار... ع الدوار

الجرانين بترد الروح

وتداوي القلب المجروح

خير جاي لنا بالقنطار

عالدوار..ع الدوار

طاقة القدر شافتها عنينا

والدنيا دي بقت في أيدينا

واللي خلقنا فرجها علينا

كنا عبيد وبقينا أسياد

كنا في ليل والنور اتقاد

كنا صغار وبقينا كبار

ع الدوار..ع الدوار

هل عرف أي منكم من قبل أو سمع عن نشرة أخبار يجري تقديمها باعتبارها من منجزات وطن ما فوق خارطة هذا الكوكب ؟!

أنا سمعت ورأيت ووعيت وحفظت كما ترون، آنذاك لم يكن بوسع أحد التحقق مما يتلقى من أخبار، فثمة مصدر وحيد للمعلومات، أما المصدرين الثاني والثالث، وأعني بهما إذاعة بي بي سي البريطانية، وراديو صوت أمريكا، فكان استقبال بثهما صعبًا، وكانا هما أيضًا ومازالا يكذبان ولكن باحترافية أعلى، وبقدرة ترويج أشد.

استدعت ذاكرتي كل ما تقدم، وأنا أتابع ما يجري في سوريا واليمن والجزائر، وما يدور في السودان ولبنان، وأحاول أن أفهم ما الذي يحدث في ليبيا. فالمنطقة الملتهبة من حولنا، توكد ان أغنية محمد قنديل كانت تحمل من الأمنيات أكثر مما تحمل من الحقائق، أو أنها بالأحرى كانت مادة تخدير بالأوهام، فلا الجرانين(الجرائد) بترد الروح، ولا الأخبار بتدواي القلب المجروح، ولا الخير جاي لنا بالقنطار، فشعوب المنطقة مازالت تفتش تحت أنقاض التاريخ عن مستقبل ما. بينما خارطة المنطقة ذاتها، ما تزال مفرودة أمام قوى خارجية تقص من أطرافها لتصل بأطراف الآخرين الوافدين عليها.

بهذه الروح المتشككة فيما تردده وسائل إعلام لكل منها أجندته الخاصة، أو أجندة مموليه، رحت أتابع ما يجري في السودان، والجزائر وليبيا، وسوريا ولبنان واليمن والعراق، بينما تُلِّح على رأسي الأسئلة:

هل ما يدور في هذه البلدان هو الطور الثاني مما يسمى (الربيع العربي) ؟! أم أنه فعل تغيير ذاتي لا تأثير للخارج عليه؟! وهل ما زال بوسع الشعوب أن ترى الأمل خلف ما ظن بعضها أنه ثورات تغيير باتجاه المستقبل فإذا توابعه عند بعضها، مجرد حرائق تحملها باتجاه ماض غادرته الحضارة قبل قرون؟!..

ليست لدي إجابات جاهزة، فقد غادرت زمن أوهام وعدتنا بأن (الخير جاي لنا بالقنطار)، لكنني أستطيع ان أرصد توابع ضعف مصداقية وسائل الإعلام لدى المتلقين في عصر السموات المفتوحة، في زمن انتقل فيه التأثير مما هو مقروء، أو مسموع، أو مرئي، إلى زمن يتشكل فيه الوعي عبر مواقع التواصل الاجتماعي ( السوشيال ميديا) ويتحول معه الإنسان العربي من مجرد متلق، إلى شريك أو فاعل، ولكن أي مستوى من الشراكة، وأي نوع، وبأي قدر، من الفعل؟!

اعتاد الإعلام في المنطقة العربية، على اعتبار أن وظيفته هي التلقين أو الشحن أو التعبئة، فلم تعرف دول المنطقة مصطلح( الإعلام) قبل نهاية الستينيات من القرن الفائت، بل أن منصب وزير الإعلام ذاته لم يكن معروفًا في البيئة السياسية بشكل عام، وأذكر أن أول وزارة تضطلع بتلك المهمة، في مصر التي دشنت عصر الاحتفاء بنشرات الأخبار كما تقدم، كانت تحمل اسم ( وزارة الإرشاد القومي)، وكما يتبين لنا من اسمها، فإن مهمتها هي ( الإرشاد ) لا (الإعلام)، ففي الأولى ( الإرشاد) أنت تريد أن تقود المتلقي في اتجاه بعينه ( ترشده) خوفًا عليه من أن يضل، أو أن يضيع من قدميه الطريق، وفي الثانية ( الإعلام) أنت تريد أن تخبره بما جرى، أو أن تخطره بما استجد.

لم يكن الإعلام سلطة في أي وقت، لكن السيطرة عليه بالقوة الصلبة أو بالقوة الناعمة، ظلت مصدرًا للسلطة طول الوقت، وهو ما جرى منذ أول انقلاب عسكري قاده حسني الزعيم في سوريا عام ١٩٤٩م، وحتى آخر انقلاب عسكري في السودان، حيث ظلت السيطرة على مبنى الإذاعة والتليفزيون لإذاعة البيان رقم واحد، صنوًا للسيطرة على مقار الحكم.

أطلق الرئيس المصري الراحل أنور السادات على الإعلام وصف (السلطة الرابعة) أي إنه أحد أهم مكونات الحكم بعد السلطات الثلاث التنفيذية، والتشريعية، والقضائية، لكن السياق الذي جرى فيه إطلاق هذا الوصف كان ضمن محاولة لاستقطاب الإعلام والطبطبة على مشاعر الإعلاميين، إما لتحييدهم ازاء بعض القضايا، أو بقصد حشدهم خلف قضايا أخرى بعينها، لم يتجاوز الإعلام فيها حدود الإرشاد أو الحشد.

أفلحت سياسات السيطرة الحكومية على وسائل الإعلام، بدرجات متفاوتة طوال عصر ما قبل ثورة الانترنت. كان بوسع كافة الحكومات ممارسة قدر ما من التحكم في الإعلام، مهما كانت الهوية السياسية للحكم، حدث هذا في إعلام الدول الديموقراطية في الغرب، وحدث بدرجات أفدح بكثير لدى إعلام دول في الشرق، كان الاختلاف طوال الوقت حول درجة التحكم، وليس حول وجوده من عدمه، لكن مقدار المصداقية في الرسالة الإعلامية ظل مرهونًا طول الوقت، بمقدار الاحتراف الإعلامي الذي تزيد قدرته على حجب التدخل كلما زادت درجة الاحتراف الإعلامي عنده. كنت أنبه زملائي من العاملين معي طول الوقت، إلى أهمية أن (نبدو) محايدين، بغض النظر عن درجة الحياد أو عن مقدار الانحياز عند بث الرسالة الإعلامية، باعتبار أن الحياد المطلق موجود فقط في الفردوس الأعلى، جنبًا إلى جنب مع الحقيقة المطلقة.

على مدى أكثر من ستين عامًا، اتسم الإعلام العربي في مجمله، بدرجة ما من درجات (المحافظة)، تزايدت أو تناقصت، بمقدار مستوى الانكشاف في التوافق أو الاختلاف العربي-العربي، لكنها في أشد حالات الخصام، ظلت تمسك بشعرة معاوية، التي كان يرخيها إن شدها الناس، ويشدها إن أرخوها. كان ثمة استقطاب في العالم العربي، بين تيار محافظ، وآخر ثوري، لكن الخلاف داخله جرى تحت سقف من الالتزام، أتاح عند المنعطفات الحادة، إمكانية المصالحة العربية-العربية، أو التعايش العربي-العربي عند حده الأدنى.

رفعت التهديدات الوجودية لمعظم الدول العربية إثر اندلاع ما يسمى بـ (الربيع العربي) من سقف التعايش العربي-العربي الذي بات أعلى كلفة، وشهدت المنطقة استقطابًا حادًا، تحت وطأة تهديدات قوى إقليمية بازغة، أصابها شبق النهوض على حساب النظام الإقليمي العربي الذي نالت منه أحداث ما يسمى بالربيع العربي وتوابعه.

و تفاعلت أوضاع الإقليم برمته تحت تأثير ثورة تقنيات الاتصال، وما أضافته مواقع التواصل الاجتماعي ( سوشيال ميديا)، من فضاء إعلامي لا تحده حدود، حمل إليه الفضوليون والهواة، قيمًا جديدة، لا تقيم وزنًا للمصالح الوطنية العليا، واستطاعت جماعات منفلته من إسار المشروعية، أن تبث قيمها، على نحو بات يهدد الأطر القيمية العامة لمجتمعات مستقرة وآمنة.

مع إعلام الانترنت المنفلت من الأطر الاجتماعية لمجتمعات استقرت عبر قرون، بات ممكنًا تقويض وحدات سياسية مستقرة، عبر إحياء دعاوى طائفية، أو عرقية، أو قبلية، وهو ما حدث على نحو جلي، في الحالة الليبية عقب سقوط نظام معمر القذافي، وما تلاه من تناهش قوى دولية وإقليمية للجسد الليبي، ظهرت عشرات القنوات الفضائية، تحمل اسماء عشرات المناطق والقبائل الليبية، يحاول كل منها الظفر بالنصيب الأكبر من بقايا وطن مزقته الفوضى، وهو ما حدث أيضًا بالعراق عقب الغزو الأمريكي، وفي سوريا واليمن عقب حوادث ما يسمى بالربيع العربي.

قادت الهزات العنيفة التي تعرض لها النظام الإقليمي العربي على مدى السنوات العشر الأخيرة، إلى إضعاف قبضة أغلب حكومات الإقليم على وسائل إعلام تنطلق من دولها، ما أتاح خروج تلك الوسائط الإعلامية (صحافة وتليفزيون ومواقع إلكترونية) عن أي سياق قومي أو وطني، وبدا المشهد الإعلامي العربي معبرًا عن حال التشظي الذي طال بعض الأوطان في المنطقة.

في اللحظة الراهنة، بينما تشهد بعض دول المنطقة صراعات بالسلاح لا يلوح في الأفق أن نهايتها وشيكة، يبدو الإعلام. عاجزًا عن اقتراح حلول أو إطلاق مبادرات جادة تسهم في لجم التدهور، بل أن بعض هذا الإعلام بات في اللحظة الراهنة عبئًا على كل مبادرات الحل، وكل محاولات لم الشمل الوطني، متأثرًا بما أتاحته تقنيات الاتصال المتطورة من قدرات أتاحت لكل من هب ودب فرصة أن يدلو بدلوه في الشأن العام دون خلفية سياسية، أو إدارية، أو دينية، أو تقنية، أو علمية، تتيح له ذلك.

استباحة الفضاء الالكتروني، فتحت بدورها أبوابًا لاستباحة الحقائق، والرؤوس، والعقول، واتاحت لجماعات أفرزها التشظي الناجم عن فرط التواصل، إمكانية إلحاق الأذى بأوطانها، عن جهل بطبيعة ما تحت أيديها من أدوات التأثير، أو حتى عن سوء قصد وسابق تخطيط.

على خلفية ما سبق، يمكن رؤية كم ساهمت تقنيات الاتصال المتطورة بين أيدي أنصاف المتعلمين، في تعريض أمن الأوطان والشعوب في المنطقة لأضرار حادة وممتدة التأثير، لا يمكن التصدي لها دون تضحيات جسام.

لقد تراجع تأثير وسائل الإعلام التقليدية التي تديرها الحكومات، أمام طغيان إعلام إلكتروني، يفتقر إلى أبسط مقومات الإعلام، لكنه يستطيع إفساد كل شيء، مستخدمًا أدوات تشويه الحقائق واصطناع الشائعات.

صمود الدولة الوطنية داخل النظام الإقليمي العربي، ومحافظتها على وحدة شعبها وترابها، هو الضمان الأكيد ضد محاولات التمزيق والتفكيك التي تمهد لها وسائل إعلام، تفتقر بشدة إلى القيم المهنية، حيث لا تدقيق ولا مصداقية.

سقى الله تلك الأيام، حين كان بوسع أغنية أن تحشد شعبًا خلف قضية، أو أن تبني وعيًا وطنيًا، ما عاد ممكنا بناءه الآن في زمن السوشيال ميديا. فـ ( الجرانين) ما عادت ترد الروح ولا تداوي القلب المجروح ،بعدما انشغل صناع الصحافة بالبحث عن الرزق لا عن الحقيقة، وما عادت الناس تهرول للحاق بنشرات أخبار باتت مثل صفحات الوفيات، لا تبث سوى أنباء رحيل كل ما هو عزيز.

يحتاج الإعلام إلى فضاء حر، لكن هذا الفضاء الحر لا يستطيع في غياب الأمل أن يجعل حياة الناس أفضل.

فتشوا في طيات ملابسكم الشتوية الثقيلة، عن أمل حقيقي، تدور به ماكينات إعلام حقيقية، لتتلقفه شعوب حقيقية لديها القدرة على ترجمة الأحلام إلى خطط وبرامج ومنجزات حقيقية.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة