array(1) { [0]=> object(stdClass)#11474 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 148

الروس والأمريكان: صراع الأفكار..البوتينية مقابل نهاية التاريخ وصراع الحضارات

الإثنين، 13 نيسان/أبريل 2020

العالم لا يكف عن الصراع ... كل يريد فرض نموذجه وثقافته، كل يريد السيطرة والجميع يعرف أن السيطرة تبدأ من نشر الأفكار والأيديولوجيات، بالتالي دائمًا قبل كل سياسي في الغرب وأمريكا وروسيا يقف مفكر وفيلسوف. وقبل كل بندقية هناك قلم وعقل مفكر ... في كل المشاريع التي تسعى إلى السيطرة كان العالم العربي والشرق الأوسط نقطة لانطلاق الأفكار ومكانًا لإعلان نتائج الفائز بقيادة العالم... في بداية التسعينات وقف بوش الأب في الكويت ومن هناك إعلان ميلاد النظام العالمي الجديد، والآن يقف الروس في سوريا ويعلنون أن النموذج الأمريكي انتهى وآن الأوان لنشر نموذج جديد " يطلقونه عليه " البوتينية " نسبة إلى الرئيس بوتين.

الأمريكيون تصدرهم " فوكوياما وهانتجتونون كمبشرين بانتصار النموذج الأمريكي، والروس يتقدمهم الآن " سوركوف " واحد من أهم منظري الكرملين لينشر نظريته باعتباره منتصرًا، أو ربما ليعلن أن النموذج الروسي على مدار العشرين عامًا الماضية لم يكن منهزمًا بقدر ما كان يحضر نفسه لانطلاقة جديدة.

في المحصلة هناك عالم يتقاسمه المنتصرون دائمًا، وأن آلية تحقيق هذا الانتصار تعتمد على الفكر أولاً. السيطرة على العالم هدف سعت إليه كل الأنظمة السياسية العالمية منذ بداية التاريخ، إما عسكريًا عبر الحروب الصريحة والغزو وهذا النموذج تراجع بشكل كبير بعد الحرب العالمية الثانية وانتقل الصراع إلى صراع أيديولوجيات وأفكار مثلما حدث في فترة الحرب الباردة التي امتدت ما بعد 1945م، وحتى 1989م، حين انهار الاتحاد السوفيتي.

الحرب الباردة كانت صراع أيديولوجيات بامتياز بين نموذج اشتراكي روسي، ونموذج ليبرالي رأسمالي أمريكي، وفيه استخدمت كافة الوسائل وخصوصًا أقلام المفكرين

ولعل كتاب الصحفية البريطانية " البريطانية فرانسيس ستونر سوندرز" " من يدفع للزمار " خير دليل على رصد الحرب الثقافية الباردة التي ظلت مصطلحًا مهمًا وبارزًا

حين سقط النموذج الروسي وتفكك الاتحاد السوفياتي وتراجع منظروه ومفكروه لم يرتضي النموذج الأمريكي بالانتصار فقط، وإنما تبارى فلاسفته وكتابه في التأريخ لمرحلتهم وتثيبت انتصاراتهم، وتكريس نموذجهم اللبرالي. فظهر لنا " فوكوياما بنظريته " نهاية التاريخ والإنسان الأخير. وظهر استاذه " صاموئيل هانتجتون بنظريته صدام الحضارات "، وكل منهما أراد بطريقته أن يقول " إن التاريخ توقف عند نقطة معينة وعند نموذج معين هو نموذج الليبرالية الأمريكية " باعتباره ليس نموذج المنتصر فقط وإنما نموذج الأصلح لديمومة البشرية.

     مرت الليبرالية الأمريكية بمرحلتها منذ بداية التسعينات حتى وصلت إلى اختبارها الأول عام 2001م، حين وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بدأ التراجع قليلاً من فكرة النموذج القوي الذي لا يضرب ولا ينكسر إلى مفهوم القابلية للهزيمة.

تحول نموذج الليبرالية الأمريكية من نظرية " فوكوياما" نهاية التاريخ باعتبارها النظرية الليبرالية السياسية الصالحة والمنتصرة إلى نظرية هانتجتون الصدامية التي مهد لها بالتتابع مع تلميذه فوكوياما، وهي نظرية التصادم التي تقوم على فكرة إذا أراد النموذج الأمريكي الليبرالي الرأسمالي المنتصر البقاء فعليه أن يفكك مجموعة الكتل الصلبة التي توجدها الحضارات الراسخة القابلة لتشكيل تكتل ثقافي وحضاري وبشري وليس هناك سوى كتلتين كبيرتين كل منها يفوق المليار و600 مليون نسمة هي " كتلة الأمة الإسلامية وكتلة " الأمة الصينية "

إذا كنا أمام عهدين سياسيين أمريكيين بصبغة فكرية "عهد فوكوياما امتد منذ بداية التسعينات وحتى 2001م، وعهد هانتجتون امتد منذ 2001م، وحتى 2011م.

عهد هانتجتون هو عهد الصدام وإدارة الحروب الخارجية والتوسع تحت ذريعة محاربة الإرهاب... في أكتوبر 2001 يتحرك الأمريكيون لاحتلال أفغانستان، وفي 2003م، يحتل الأمريكيون العراق.

إذًا طيلة الوقت كان هناك مفكر يقود السياسي وليس العكس، السياسي الأمريكي بل والغربي يتبع دائما أفكار الفليلسوف والمفكر وهو منفذ جيد لسياساته.        

                                 

مؤخرًا وتحديدًا مع نهايات 2018م، بدأت تظهر في روسيا كتابات وأفكار تبشر بعودة أيديولوجية روسية جديدة تتنافس مع الأيديولوجية الأمريكية في سيادة العالم، باعتبارها النموذج الأصلح وتم ذلك تحت عنوان كبير اسمه " البوتينية الأبدية " نسبة إلى الرئيس بوتين.

وكما كان في أمريكا منظرون ومفكرون ومبشرون بديمومة نموذجهم السياسي والفكري في روسيا أيضا " مفكرون وكتاب ومبشرون بنموذجهم السياسي أيضًا.

وهنا يظهر المساعد الرئاسي الروسي" فلاديسلاف سوركوف" الذي يعتبر كبير منظري الكرملين والذي كتب مقالاً مؤخرًا أطلق فيه مصطلح "البوتينية"، حيث أشار سوركوف إلى أن "البوتينية" تمثل اختراقًا سياسيًا عالميًا، وهي طريقة فعالة للحكم"

وسوركوف رجل أعمال وسياسي روسي من أصول شيشانية ولد في 21 سبتمبر/أيلول عام 1964م، وكان سوركوف قد عين في شهر أغسطس/آب عام 1999م، نائبًا لرئيس ديوان الرئاسة، وهو صاحب فكرة الديمقراطية السيادية، بصفتها ديمقراطية موجهة، والتي تتلخص بالحد من دور الأحزاب السياسية وتهميش الأحزاب السياسية الصغيرة، وفي ديسمبر/كانون الأول عام 2011م، عين نائبًا لرئيس الحكومة الروسية، المسؤول عن تحديث الاقتصاد الروسي، وفي 21 مايو/أيار عام 2012 م، تولى أيضًا رئاسة ديوان الحكومة في حكومة مدفيديف، وفي عام 2013 م، أعفي من تلك المناصب ليصبح لاحقًا مساعدًا رئاسيًا وكبير المنظرين العقائديين لبوتين.

                        

سوركوف بالنسبة للروس مثله تمامًا مثل " قوكوياما " وصموئيل هانتجتنون" بالنسبة للأمريكان " كل منهم يؤدي نفس الدور ، كل منهم يبشر بسيطرة نظامه باعتباره النظام الأصلح والأنفع والأكثر استدامة على مر التاريخ .

فويكوياما " أراد أن يعلن انتصار الأمريكان على الروس بطريقة فكرية عميقة، لقد أعلن بوش الأب الانتصار بطريقته في خطبته الشهيرة حين أعلن تأسيس النظام العالمي الجديد، لكن فوكوياما أراد أن يعلن الفوز بطريقته الأعمق والأهم، يعلن فوز نموذجين من الأفكار وليس فوز نموذجين من السياسيات.

 

"فرنسيس فوكوياما" أعلن في مقالته الشهيرة التي تحولت فيما بعد إلى كتاب شهير ثم إلى سياسة أكثر شهرة وإلى أفكار أكثر خطرًا وتطرفًا، أعلن أن الديمقراطية الليبرالية "النموذج الأمريكي" بجميع قيمه الحرية الفردية، المساواة، سيادة الشعوب، وحتى الليبرالية الاقتصادية "ستكون هي مرحلة نهاية التطور الأيديولوجي للإنسان، هو هنا يؤكد أن نهاية التاريخ لا تعني توقف الأحداث، وإنما إعلان انتصار نموذجًا واحدًا على جميع الأفكار والمبادئ لعدم وجود بديل يستطيع تحقيق منافسة أفضل، وهنا يشير إلى النموذج الأمريكي المنتصر، بل يبالغ فوكوياما في نظريته بأن هذا النموذج الأمريكي سيبقى منتصرًا.

وسوركوف أيضًا في نظريته الجديدة التي أطلق عليها " البوتينية الأبدية أو الدائمة " يريد أن يرد على منظري الليبرالية الأمريكية بأن نموذجهم تم اختباره وفشل على مدار العشرين عامًا الماضية، يطلق على الديمقراطية في نسختها الأمريكية " ديمقراطية الأوغاد " ويقول لا ينبغي لهؤلاء الأوغاد بالذهاب أبعد مما وصلوا إليه لكننا كروس سنظل نستخدمهم لأننا مجبرون على استخدام أوغاد للتخلص من أوغاد آخرين مثلما نستخدم وتد لإخراج وتد آخر من مكانه ".

إن البوتينية التي يدعو لها " سوركوف " تسعى للقضاء على الديمقراطية الأمريكية باعتبارها " ديمقراطية التهريج هو يسعى بلغة فوكوياما إلى إخراجها من التاريخ، تمامًا كما ادعى فوكوياما نفسه إلى أن التاريخ كله أصبح لهم، لكن لماذا اختار " سوركوف " مصطلح " البوتينية " وليس مصطلحًا يعود للأمة الروسية كما فعل الأمريكيون، هو يقسم التاريخ السياسي الروسي إلى أربع مراحل:

حقبة ايفان الثالث، الإمارة العظمية في القرن 15: القرن 17 .*

*حقبة بطرس الأكبر، الامبراطورية الروسية القرن 18: القرن 19

حقبة لينين، اتحاد الجمهوريات الاشتراكية القرن العشرين *

حقبة لينين " الاتحاد الروسي القرن الحادي والعشرين.*

هو يرى أن حقبة بوتين التي بدأت منذ قيامه بأعمال الرئاسة الروسية بعد استقالة بوريس يلتسن " في ديسمبر وحتى انتخابه في مارس 2012 ثم 2018 ووصولاً لنهاية ولايته الحالية في 2024 م.

هو يؤكد أن بوتين أوقف التفكك الروسي بعد أن انهارت روسيا من مستوى الاتحاد السوفيتي إلى مستوى الاتحاد الروسي، أوقف الانهيار وأعاد روسيا إلى طبيعتها، باعتبارها مجموعة كبيرة من الدول تجمعها حدود ومساحات شاعة من الأراضي.

يرى أن روسيا دولة من طراز جديد خلقت لتبقى عبر العهود القادمة، وينتقد أيضًا نموذج العولمة باعتباره نموذجًا يعمل على تآكل الدولة السيادية ويؤكد أن نظرة الروس نجحت ويستشهد بالبريكست في بريطانيا على صحة توقعه، فبريطانيا تخرج من الاتحاد الأوربي العابر للدولة وتعود إلى حضن الدولة السيادية باعتبارها الأبقى.

كما يرى أن الدولة الأمريكية ما بعد العولمة يحركها ما يسمى " الدولة العميقة " باعتبارها تنظيم شبكي قاسي لهياكل استبدادية مخبأة وراء مؤسسات ديمقراطية مبهرجة تمارس عملها من خلال الرشوة والتلاعب.

ويطرح البديل لما يسميه الدولة العميقة إلى ما يسميه " الأمة العميقة "، إن سوركوف يدلل على أن نموذج الدولة البوتينية هو النموذج الذي يجب أن يتم تصديره باعتباره الأصلح، ويرى أن ما يقال عن تدخل الروس في الانتخابات اعتراف ضمني بأن الروس يتدخلون في العقول وليس في الانتخابات، هو أيضًا يدافع على فكرة شكل الدولة البوتينية " باعتبارها دولة مثل كل الدول في العالم لها مؤسسات مثل ما هو موجود في أمريكا وفي أوروبا ويرد على السؤال: أين التمايز والاختلاف لما يدعو إليه؟

يردبأن هذا لا يتخطى كونه طقسًا حتى لا نستفذ الآخرين بخصوصيتنا، لكن نضع هذا في نظامنا مثل بدلة يوم الأحد نرتديها في المناسبات فقط أما بقية الأيام نرتدي ما نشاء.

أيا كان منطق " سوركوف " في الترويج لنموذجه الجديد " البوتينية " فإلى أي حد العالم الآن لديه قابلية لتطبيق هذا النموذج؟

مجلة آراء حول الخليج