انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتمن الخليج إلى المحيط: التكامل ليس خياراً بل ضمير الشعب العربي وتوقه للوحدة

ضرورة مراجعة دستور المنظمة والفاعلين الدوليين وغير الدوليين لحفظ النوع البشري

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 05 أيار 2020

تواجه منظمة الصحة العالمية انتقادات كبيرة في الآونة الأخيرة  نظرًا  للمثالب  التي  شابت أداء  المنظمة، في  مجابهة جائحة كورونا، وصدرت هذه الانتقادات عن الدول و المنظمات و المراقبين،  ووفق هؤلاء ، فقد  كشف أداء المنظمة عن نواحي  قصور تعتري البنية الهيكلية و التنظيمية للمنظمة  الدولية، فضلاً عن أداء  منسوبيها خاصة مديرها  العام ، وتأتي هذه الانتقادات بالرغم من  حاجة البشرية الماسة  لمؤسسة دولية  متخصصة قادرة على  مجابهة الكوارث، و منها بطبيعة الحال  الجائحات  الخطيرة  خاصة فيروس  كورونا.

جلي أن الدول  تعهد للمنظمات الدولية باختصاصات و صلاحيات و  مسؤوليات عديدة و الإذعان  لنصائحها و تعليماتها الفنية التخصصية بشأن معين من الشؤون مثل مجابهة الكوارث و الأوبئة، كما تعهد إليها بتنسيق جهود الدول والمنظمات المتخصصة الأخرى، و الكيانات العامة و الخاصة في جملة أمور من بينها تدليلاً  و ليس حصرًا  تنسيق  تدفق المعلومات و الموارد المختلفة  البشرية و المادية ، عبر الحدود  الوطنية إلى  أكثر المناطق  المنكوبة و الموبوءة في العالم .

تهدف هذه إلى تسليط الضوء على  أبرز الإشكاليات القانونية التي أفصح  عنها المشهد الكارثي العالمي، والمتمثل في جائحة كورونا، ولذلك ستتناول الدراسة عددًا من  القضايا  القانونية التي استحوذت على المتخصصين والمراقبين و الخبراء ، ومنها:

  • ماهية ووظيفة منظمة الصحة العالمية.
  • دور  منظمة الصحة العالمية في مجابهة جائحة كورونا.
  • أوجه القصور في بنية و بيئة منظمة الصحة العالمية.
  • طبيعة  التعاون  الدولي في مجال مجابهة الأوبئة العالمية.
  • الواجب  الدولي ببذل  العناية .
  • مسؤولية المنظمات الدولية عن أعمال موظفيها .
  • نحو إصلاح مؤسسي لمنظمة  الصحة العالمية .

منظمة الصحة العالمية

منظمة الصحّة العالمية، هي أحد الوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة، و أُنشئت في 7 أبريل 1948م. ومقرها في جنيف وهي السلطةُ التوجيهية والتنسيقية ضمن منظومة الأمم المتحدة فيما يخص المجالَ الصحي. ومسؤولة عن تأديةِ دورٍ قيادي في معالجة المسائل الصحية العالمية، وتصميم برامج البحوث الصحية ووضع القواعد والمعايير وتوضيح الخيارات السياسية المسندة بالبيّنات وتوفير الدعم التقني إلى البلدان ورصد الاتجاهات الصحية وتقييمها.

تضطلع المنظمة بمسؤوليةً مشتركةً مع الدول الأعضاء فيها - 194 دولة - تنطوي على ضمان المساواة في الحصول على خدمات الرعاية الأساسية و الوقوف بشكل جماعي لمواجهة الأخطار عبر الوطنية .

ولأن البيان دومًا يعوزه برهان، ستتناول  الدراسة، لاحقًا، أبرز نماذج النجاح و الإخفاق في العقدين الأخيرين .

دور منظمة الصحة العالمية في مجابهة جائحة كورونا .

يعزى  الكثير من النقد الذي وصل  حد الاتهامات للمنظمة من  العديد من الدول و المنظمات و الأفراد، و تصدرت  هذه الاتهامات الولايات المتحدة و بريطانيا و فرنسا  وأستراليا ، وذهبت  هذه  الاتهامات إلى أن  المنظمة لم تمارس  سلطاتها و اختصاصاتها المخولة لها  من الأعضاء  في المنظمة من  خلال  دستور المنظمة الذي صدر في  يونيو عام 1946م،  و لائحة الصحة العالمية التي  أصدرتها المنظمة عام 2005 م.

ومن جملة  هذه الاتهامات للمنظمة تقاعسها عن إصدار ما أصدرته  في  مجابهة جائحة  سارس عام 2003م، حيث  أصدرت  وقتها  "  نصحًا عامًا للدول بحظر  السفر إلى الدول الموبوءة بجائحة سارس، و أدى  ذلك لنجاح منقطع  النظير  بل انتصار للمنظمة حيث أعلنت  في ذات العام القضاء  نهائيًا علي  سارس  الذي  استطاعت  المنظمة، و في أسابيع قليلة احتواء  الجائحة التي  اقتصر  مداها على  26 دولة مقارنة بجائحة  كورونا 19 التي طال كافة  بلدان المعمورة تقريبًا .

المنظمة منذ تيقنها بحقيقة الجائحة، لم تقم في حينه بممارسة اختصاصاتها الموصوفة بموجب لوائح الصحة الدولية  IHR  ،فلم تطلب  من الدول  الأعضاء ،اللجوء إلى  إجراءات الحجر الصحي الصارمة  ففشلت في حماية النظام  الصحي العالمي، ولم تسلم المنظمة من اتهام البعض لها بأنها تلعب  لعبة سياسية..

السلطة المحدودة لمنظمة الصحة العالمية

عدم الانصياع من الدول في الأيام الأولي لانتشار الجائحة، يدق ناقوس  الخطر لاستشعار أهمية الالتزام باتخاذ تدابير وإجراءات تنفيذية وقائية و غيرها لمجابهة الجائحة، والتسريع بإصلاح  النظام المؤسسي المنهجي  للمنظمة خاصة في مجال  مجابهة الجائحات، ومراجعة  طبيعة النظام  القانوني  للعلاقات بين الدول  الأعضاء والمنظمة، فضلاً عن السلطات التنفيذية الإلزامية  للمنظمة التي تفتقر إليها مقارنة بعديد  المنظمات والهيآت الدولية الأخرى.

يشار إلى أن ثمة عدد من المعاهدات الدولية، نصت على آليات لمراقبة كيفية ومدى تنفيذ الدول الأعضاء لهذه المعاهدات، وتدليلاً لا حصرًا اتفاقية الأمم  المتحدة لمناهضة  التعذيب  والمعاملة القاسية  والمعاملة غير الإنسانية  والمعاملة  المهينة عام 1984م .

محدودية الموازنة المالية

يعزي كثير من الباحثين إخفاق منظمة الصحة العالمية في مجابهة جائحة  كورونا  للعجز  في  موازنتها، التي لم تتطور لمجابهة  المستجدات الصحية، حتى  تتواكب  مع الزيادة في عدد سكان العالم مقارنة  بذات الموازنة للمنظمة  حتى عام  1964م،  و هو العام الذي  شهد التحجيم  المخطط لعدد من وكالات و منظمات الأمم المتحدة المتخصصة، بعد  أن اتفقت  الدولة الكبرى بزعامة  الولايات المتحدة  الأمريكية المساهمة  في  ميزانية  الأمم المتحدة على هذه  الخطة  في  عام 1964م، ميزانيتها التشغيلية السنوية .

 لقد بلغت موازنة  المنظمة في عام 2019 م، حوالي 2 مليار دولار ولا تتجاوز هذه  الموازنة موازنة عدد من المستشفيات الجامعية في الولايات المتحدة، وبحسب المنظمة فإن الميزانية المتوقعة للعام المالي 2020-2021 هو 4.8 مليار دولار.

وتعتمد منظمة الصحة العالمية على مساهمة طوعية من الدول، فوق المساهمات المقدرة، فعلى سبيل المثال قدمت واشنطن في 2017م، مساهمة طوعية قدرها 400 مليون دولار. ويوجه حصة كبيرة من هذه الموازنة للصرف  على  المشروعات البحثية  و الأكاديمية  و يأتي  على  حساب  المخصصات الأهم  التي  يجب  توجيهها  لاستهداف القدرات و الأليات الفاعلة لمجابهة الأوبئة الفتاكة  بصحة البشر .

وبحسب  مسؤولي المنظمة فقد تقلص تمويل المنظمة بين عامي 2008 و 2013م، مما تسبب  في  تخفيضات لبرامج الاستجابة للطوارئ، وخفض عدد الموظفين، وتم إغلاق مكاتب كاملة للمنظمة، واستغنت المنظمة عن فريق من علماء الاجتماع يعملون على الاستجابة  والتعامل  مع الأوبئة .

تعاون وهن و انصياع هزل

فاقم  الوضع المالي السيء  للمنظمة تغليب  مصالح الدولة القطرية القومية الذاتية على  مبادئ  التعاون الدولي  الذي يعد أحد  مبادئ  القانوني الدولي و الذي  نص  عليه ميثاق  منظمة  الأمم  المتحدة  في  مادته الثانية، ويعد التعاون الدولي  في  مواجهة الكوارث  الطبيعية  مثل الأوبئة و الزلازل و الفيضانات و الجفاف و التصحر  والانهيارات الأرضية و الجبلية أحد أبرز  مظاهر  التعاون و التضامن  الإنساني و الذي أضحي مبدئًا  قانونيًا دوليًا  بموجب  ميثاق الأمم المتحدة، ولم يعد مجرد قاعدة أخلاق دولية، أو قواعد المجاملات الدولية، و لكن أحد أهم مبادئ  القانون الدولي العام .

كشف المشهد الجائحي، فضلاً  عن "  الأفعال " الصينية  المدعاة على  وجه الخصوص، أن الدول لا تلتزم التزامًا صارمًا في كل  الأوقات والظروف بالمعاهدات الدولية التي تنضم إليها، خاصة في الحالات  التي تتقرر فيها مسؤولية الدول تجاه  المنظمة  الدولية ،والتدليل الصارخ على تلك، المادتين 21 و 22 من دستور منظمة الصحة العالمية، واللتان تمنحا جمعية الصحة العالمية- المنبثقة عن المنظمة -  سلطة اعتماد لوائح تنفيذية وبمقتضى المادتين،  "تدخل حيز التنفيذ بالنسبة لجميع الأعضاء" بمجرد  اعتماد اللائحة بواسطة الدول  الأعضاء .

ضرب  الحائط لمبدأ  الشفافية   

يأتي انتقاد وزير الخارجية الأمريكي بومبيو للمنظمة ،  فيما كان الرئيس الأميركي، ترامب، قد أمر بوقف التمويل الذي تقدمه بلاده  للمنظمة بسبب "أدائها" خلال أزمة كورونا ،واتهم  المنظمة بسوء الإدارة الشديد والتستر على انتشار فيروس كورونا. وفي المنحى نفسه، ألقى بومبيو باللائمة  على الصين، مضيفًا أنها أخفت معلومات متعلقة بفيروس كورونا عن منظمة الصحة العالمية.

وترى الإدارة الأميركية أن المنظمة انساقت وراء الرواية الرسمية للصين، دون التحقق من  حقيقة ما  أفصحت عنه بكين، وبرر  الرئيس الأمريكي قراره بوقف  التمويل بقوله : " إنه اتخذ قرارًا صائبًا"

شدد أيضًا  بومبيو على أن المطلوب ،هو الشفافية في إجراءات مكافحة (كوفيد 19) لإنقاذ الناس في كل دول العالم، فيما وصل عدد المصابين المعلن عنه إلى مليونين و590 ألفا، واتهم الوزير الأمريكي المنظمة بأنها رددت في شهر يناير ادعاءات الحزب الشيوعي الصيني بأن الفيروس لا ينتقل بين البشر، على الرغم من تنامي الدلائل التي تدل على عكس ذلك.

وفي تصريحاته يوم 14 إبريل التي أعلن فيها أن الولايات المتحدة ستحرم المنظمة من التمويل الأمريكي، حتى إجراء مراجعة للموقف، قال ترامب: “لو أن منظمة الصحة العالمية أدت مهمتها بإرسال خبراء في الصحة إلى الصين لإعداد تقييم موضوعي حول الوضع الحقيقي على أرض الواقع، وأعلنت عن أن الصين لم تلتزم بالشفافية والوضوح، لكان من الممكن احتواء تفشي الفيروس عند مصدره، وعدم وقوع حالات وفيات كثيرة.”

بالرغم من أنه ووفقا للمعطيات و البيانات  الرسمية الصينية وبينما حجبت الصين الحقيقة المهمة حول أن تفشي الفيروس في "ووهان" كان ينتقل بين البشر، فإن تايوان كانت قد نبهت المنظمة إلى تلك الحقيقة في وقت مبكر منذ 31 ديسمبر.

من  جانبه دافع مدير عام  منظمة الصحة العالمية و دفع بأن "المدير العام ليس فقط هو من يخرج ويعلن حالة طوارئ عالمية، مضيفًا "لدينا خبراء، من جميع أنحاء العالم، يجتمعون ويناقشون".، فقد جاء إعلان حالة الطوارئ ذات الاهتمام الدولي عقب اجتماع مغلق للجنة الطوارئ في نفس اليوم، توصل خلاله خبراء الصحة إلى توافق بأن معايير إعلان حالة طوارئ عامة صارت مستوفاة.

وفي نفس المناسبة، ذكر مايكل رايان، المدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ الصحية بمنظمة الصحة العالمية، أن "منظمة الصحة العالمية رفعت من الناحية الفنية أعلى مستوى لديها من الإنذار بموجب القانون الدولي"، في إشارة إلى لوائح الصحة الدولية لعام 2005م، التي أصدرتها المنظمة .

معايير النجاح  وقياسات الإخفاق

تذخر  منظمة الصحة العالمية بكفاءات  مبهرة استطاعت  القضاء  على أوبئة خطيرة في مهدها، ولكن لظروف  الدراسة سنقصر طرحنا على نموذج تعامل  المنظمة  مع جائحة " سارس " ، ونتعرض أيضًا لأحد نماذج  الإخفاق  في  ذات الصدد، وهو نموذج تعامل  المنظمة مع جائحة " أيبولا " .

النجاح في مواجهة سارس

عمدت  "بروندتلاند" مديرة منظمة الصحة العالمية ، في عام 2002م ، لاستخدام اتصالاتها المحلية وقنواتها الدبلوماسية وشبكة الإنترنت الناشئة لتحديد مواقع التفشي المحتملة للوباء، وكل ذلك جعل المنظمة أقل اعتمادًا على الحكومات الوطنية للحصول على المعلومات.

في نوفمبر 2002م، عندما علمت الحكومة الصينية بالحالات الأولى لمرض تنفسي جديد "سارس"، أخفقت الصين في تنبيه منظمة الصحة العالمية. ولكن كجزء من نهج "بروندتلاند"، كان موظفو المنظمة يراقبون لوحات الرسائل الطبية الصينية ووسائل الإعلام ، وكانوا على دراية بما كان يُعتقد آنذاك أنه تفشي للالتهاب الرئوي غير النمطي، فأخذت منظمة الصحة العالمية المعلومات التي بحوزتها إلى الصين، التي قدمت أول تقرير رسمي لها إلى المنظمة في اليوم التالي من إخطار  المنظمة  لها، وقامت المنظمة في حينه باتخاذ عددا من التدابير  التي ساهمت بفعالية في القضاء  علي المرض  في  مدة وجيزة .

مجابهة وباءين بنهجين مختلفين،  و المنشأ واحد

بالعودة إلى تجربة مجابهة وباء " سارس " و على الرغم من أن منظمة الصحة العالمية لا تحوز  سلطات رسمية لرصد ومحاسبة  أعضائها ، لكن لم  تخجل مديرتها العامة "برونتلاند" من القيام بذلك و اتهمت  الصين بحجب المعلومات عن الوباء، وحثت الصينيين على "السماح لخبراء المنظمة  بالوصول إلى منشأ الوباء  في أسرع وقت ممكن، و تراجعت الصين عن ترددها،  وشاركت بياناتها مع منظمة الصحة العالمية.

 

في مارس 2003 م،  أصدرت المنظمة نصائح ضد السفر إلى المناطق المتضررة فانخفض عدد الركاب والرحلات الجوية بشكل كبير بمجرد إصدار التوصيات".

اعتبرت استجابة المنظمة لـ "سارس" نجاحًا كبيرًا. توفي أقل من 1000 شخص في جميع أنحاء العالم بسبب المرض، على الرغم من أنه وصل إلى 26 دولة، و لم يتم هزيمة الوباء باللقاحات أو الأدوية فقط، ولكن مع اتباع الدول  الصارم للائحة الصحة الدولية، وتتبع الحالات واختبارها وعزلها، و جمع المعلومات عبر بلدان متعددة، فكشف كل  ذلك عن رغبة المنظمة في ممارسة سلطتها .

مجابهة "ايبولا " تتكرر  في  "كورونا "

مقارنة بمجابهة المنظمة لوباء " سارس " وحين ضرب فيروس "إيبولا" غرب إفريقيا عام 2014م ، كانت المنظمة بطيئة في التصرف وكان يُنظر إليها على نطاق واسع أنها فقدت السيطرة على الوضع.

 نشرت أمريكا و دول أخرى أكثر من 5000 عسكري بناءً على طلب البلدان المتضررة، و إنشاء لجنة مخصصة تابعة للأمم المتحدة لتتولى مسؤوليات منظمة الصحة العالمية، وأدى التفشي في نهاية المطاف إلى مقتل 11310 أشخاص ، غالبيتهم العظمى في ثلاث دول فقط ، غينيا وليبيريا وسيراليون، واعتبر علماء بارزون استجابة منظمة الصحة العالمية بأنها "فشل فاضح".

حذرت منظمة أطباء بلا حدود في مارس عام 2014م، من تفشي فيروس إيبولا في غينيا حيث تم الإبلاغ عن 80 حالة في العاصمة كوناكري ،ولكن  قللت منظمة الصحة العالمية من أهمية التفشي، مدعية أنه لا داعي للذعر.

 

في تقارير لاحقة، وجد أن رد الفعل البطيء للمنظمة ساهم في الفشل في احتواء تفشي المرض، الذي أصاب أكثر من 28000 شخص وقتل أكثر من 11000 منهم.

منظمة الصحة العالمية و بذل العناية

المفهوم الأوسع للمسؤولية ضروري للتعامل بفعالية مع الأمراض شديدة العدوى بالنظر إلى قدرة هذه الأمراض على أن تصبح أوبئة عالمية، وجائحة مثل كورونا لا تحترم الحدود ولا  تميز  بين الجنسية أو العرق أو الجنس ، ولذلك فهي تفرض تحديات عبر وطنية تتطلب التعاون والعمل من خلال القانون الدولي .

ولإدراك مدلول الادعاءات بالمسؤولية التقصيرية للمنظمة في مجابهة جائحة كورونا، وتأسيسًا على  إخفاق المنظمة في اتخاذ ذات التدابير التنفيذية التنسيقية التي اتخذتها في دولية تكاد تكون مماثلة للجائحة الحالية  محل  الدراسة، نري لزامًا ضرورة تحديد و بشكل مختصر مفهوم :  الواجب في بذل  العناية Due Diligence .

الواجب في بذل العناية

وضحت أهمية تحديد مبدأ الواجب في بذل العناية وما يرافقه من مبادئ و التزامات قانونية في الساحة العالمية، مع الزيادة الهائلة في انتشار الأزمات و الكوارث الطبيعية و البشرية،  والتبعات القانونية على الدول و التي تتمثل في ضرورة حماية السكان المدنيين ضد انتهاكات حقوق  الإنسان، والهجمات الإرهابية، وحماية البيئة، فضلاً عن درء أو على أقل تقدير الحد من الكوارث الطبيعية أو البشرية.

صفوة القول ، يعني المبدأ Due Diligence  أن تلتزم الدول (عادة ) بأن، تقوم أو تمتنع عن القيام بسلوك، وهنا يتشكل أو يتأسس  إخفاق الدولة  ليس بالنظر  لعدم  تحقيقها غاية معينة مرغوبة،  و لكن إخفاقها في اتخاذ الخطوات الضرورية الواجبة تجاه هذه النتيجة المرغوبة .

ولسبر غور المفهوم Due Diligence  بشكل  تطبيقي نحيل إلى أول  حكم  قضائي أصدرته محكمة العدل  الدولية في  "قضية مضيق كورفو" عام 1949م:( من جميع  الوقائع و الملاحظات  السالفة، خلصت المحكمة إلي أن زرع حقل الألغام لا يمكن أن يكون قد تم دون معرفة  ألبانيا ، وأن التزاماتها المترتبة على  ذلك  فلا جدال فيها، وقد  كان من واجبها أن تحذر  السفن العابرة للمضيق من الخطر الذي كانت عرضة له، وفي واقع الأمر لم تحاول ألبانيا عمل أي شيء لمنع وقوع الكارثة وأوجه التقصير  الخطير هذه لها مساس بمسؤوليتها الدولية)

اتساقًا مع الاتهامات الموجهة لمنظمة الصحة العالمية في سياق دورها في مكافحة جائحة  كورونا، نشير إلى أن حكم  محكمة العدل  الدولية  المتقدم في "قضية مضيق كورفو" أقرت بمسؤولية ألبانيا جراء تقاعسها  وتقصيرها  في عدم الإعلان  عن وجود حقل مزروع بالألغام في مياهها الإقليمية بما يهدد سلامة الملاحة البحرية الدولية، وهي  الصورة السلبية من صور  المسؤولية الدولية .

مسؤولية المنظمات الدولية  عن أعمال  موظفيها

تعد لوائح الصحة الدولية، التي أصدرتها منظمة  الصحة العالمية في عام 2005م، الإطار الأكثر المنظم لكيفية مجابهة الأمراض المعدية و الأوبئة ،  ويحدد الالتزامات الأساسية للدول، والغرض الرئيسي من هذه  اللوائح  هو "الوقاية، والحماية ،والسيطرة، وتوفير استجابة للصحة العامة لانتشار الأمراض على الصعيد الدولي"، كما توفر اللوائح  نظامًا لمراقبة الدولة والإبلاغ عن بعض الأمراض المعدية.

لكن تظل الثغرة القانونية التي تعتري ذلك القانون في مجال  مجابهة الجائحات الوبائية، إنه لا يتم تحميل الفاعلين الدوليين المسؤولين، وأغفل القانون أيضًا كيفية إسناد هذه  المسؤولية الدولية  لأي من الفاعلين ( الدول  أو المنظمة الدولية ذاتها ) .

تأسيسًا على ما سبق طرحه، لم تتخذ الدول بشكل عام إجراءات قانونية ضد دول أخرى لديها ادعاءات بعدم الامتثال لالتزامات الإخطار عن الوباء الذي انتشر عبر حدود هذه  الدول.

جلي أن، فعل الدولة غير المشروع دوليًا يمكن أن يكون فعلًا أو إغفالًا، وينص تعليق لجنة القانون الدولي في هذا السياق، على أنه لا يلزم حالة نفسية محددة فيما يتعلق بخرق الالتزام الأساسي للدولة، "فقط  ما يهم هو فعل الدولة، بغض النظر عن أي نية."

لقد تطرقت لجنة القانون الدولي لمنظمة الأمم المتحدة، لهذه المسألة حين تناولت موضوع مسؤوليات الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا، وأكدت:  "يجب أن يراعي تحليل المسؤولية الشامل أيضًا حالات الإهمال الجسيم عندما يكون الفاعل غير مدرك ويخلق عن غير قصد خطرًا كبيرًا وغير مبرر من الأذى ويشكل هذا الفشل انحرافًا جسيمًا عن مستوى الرعاية Due Diligence  الذي يمارسه الفاعل المعقول في نفس الموقف." ولا يختلف  الأمر  فيما يخص ذات النوع من المسؤولية الدولية للمنظمات الدولية.

منذ بدء الأزمة، اتُهم  مدير  منظمة الصحة العالمية السيد " تيدروس"،  مرارًا بأنه مرن مع الصين، وكال الأمريكيون إليه الكثير من  الاتهامات، وتدليلاً : صرح  السناتور"ماركو روبيو" شبكة فوكس نيوز أن الحكومة الصينية "استخدمت منظمة الصحة العالمية لتضليل العالم" ، وادعت أن المنظمة "إما متواطئة أو غير كفؤة بشكل خطير".

بمقتضى المواد المتعلقة بمسؤولية المنظمات الدولية، يعد إسناد التصرف  إلى المنظمة الدولية، الشرط الأول أن ينشأ فعل  دولي غير مشروع  صادر عن تلك المنظمة الدولية، والشرط الثاني هو أن يشكل  التصرف، خرقًا لالتزام دولي قائم بموجب القانون الدولي للمنظمات الدولية، وبالإشارة للشرط الثاني  يحكم منظمة الصحة العالمية  صكين دوليين الأول :  دستور  المنظمة وهو معاهدة دولية، والثاني : لوائح  الصحة الدولية،  التي أصدرتها المنظمة عام 2005 م، وهو أيضًا بمثابة معاهدة دولية ملزمة لأعضاء  المنظمة .

نقصر الطرح على مسؤولية المنظمة  الدولية عن  تصرفات  الموظف إذا خالف دستور المنظمة واللوائح الداخلية للمنظمة سواء كانت  مخالفة موضوعية أم إجرائية، ومن ثم فلطالما ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الموظف التابع للمنظمة أخطأ بفعله أو بامتناعه عن القيام بالواجبات القانونية المنوطة إليه و لم يمارس اختصاصاته المحددة في  نظام المنظمة الدولية، وأفضى ذلك  إلى الاضرار المختلفة بالدول الأعضاء في المنظمة ، فتكون  التبعة المباشرة لذلك إسناد المسؤولية الدولية للمنظمة ذاتها، كما يمكن إسناد المسؤولية للمنظمة الدولية عن أفعال الموظف إذا أحجمت  المنظمة عن اتخاذ التدابير الضرورية والإجراءات اللازمة لمنع ارتكاب  الفعل الخاطئ الذي أتاه الموظف أو لدرء تكرار حدوثه .

إصلاح منظمة الصحة العالمية

لا يعوز الحديث عن ضرورة اصلاح منظمة الصحة  العالمية ثمة تأكيد، ولا تنتظر البشرية كرة  ثانية،  جائحة مثل "كورونا " ،حتى تبحث في مراجعة  المثالب ، وأخذ الدروس واستلهام العبر ،  فقد آلت المنظمتين ،الأمم المتحدة و الصحة العالمية ، إلا  أن طرح  هذه المطالب  الملحة غير مرة . وبالرغم من وجاهة كل مقترحات و آليات الإصلاح التي دشنها الشراح والمراقبون و الخبراء ، لكننا نذهب في هذا المنحى مذهبًا مختلفًا .

ما من شك أن منظمة  الصحة العالمية - وبعد دراستنا التأصيلية لدستورها و لائحتها الصحية الدولية و أبرز خبرات  النجاح و الإخفاق للمنظمة ، فضلاً عن التفاعلات الدولية بين المنظمة و  الدول  الأعضاء فيها - كشفوا جميعًا عن سوءات خطيرة، و ثغرات مؤسساتية كبيرة تهدد النظام  العام  للصحة العالمية ، وتقوض الجهود التنسيقية لمنظمة الصحة العالمية  في مجابهة الجائحات  المداهمة للجنس  البشري بأسره .

إن  تفشي  الأوبئة و الأمراض المعدية، وارتفاع مستويات الفقر المرتفعة، واستمرار الصراعات المسلحة، في دول الجنوب يعني  الحاجة إلى منظومة الأمم المتحدة  بكافة هيآتها ووكالاتها المتخصصة كانت ضرورية.

إن أي جائحة تستدعي استجابة عالمية، ولا يمكن تنسيق استجابات الفاعلين الرئيسيين من الدول وغيرها،  إلا من خلال منظمة الصحة العالمية وغيرها من المؤسسات المتعددة الأطراف.

إننا نري ، أنه بالرغم من حيوية زيادة التمويل المالي لمنظمة الصحة العالمية حتى  تستطيع أن تكون قادرة على  مجابهة التحديات والمستجدات التي لم تخبرها  المنظمة عند إنشائها ، وبالرغم أيضًا  من  أهمية مراجعة وتعديل دستور المنظمة و لوائحها بشأن الصحة الدولية، لكن يظل  الإفلات  من العقاب العقبة الكؤود التي تضرب بمعاول الهدم أي صروح للإصلاح ،ومن ثم فأية مقترحات أو مقاربات لإصلاح منظمة الصحة العالمية ، لن  يكتب  لها النجاح ،  دون إقرار الإلزام القانوني والعملياتي للدول  أعضاء  المنظمة بلوائح الصحة الدولية  ، فضلاً عن النص على محاسبة أي  من الفاعلين عن  التقصير  في بذل  العناية الواجبة بشأن تنفيذ دستور  المنظمة فضلاً عن  لوائح  الصحة الدولية .

خاتمة

مما سبق بيانه ، وتأسيسًا على دراسة نظام منظمة  الصحة العالمية ، و لوائح  المنظمة للصحة الدولية، وطبيعة العلاقة الملتبسة بين المنظمة من جانب ، والدول الأعضاء، وتطبيقًا على تناول دراسات الحالة المقارنة،  في نماذج  مختلفة قامت فيها المنظمة بأدوار مجابهة الجائحات  الوبائية العالمية .

خلصت الدراسة إلى  ضرورة مراجعة شاملة : قانونية و سياسية و إنسانية لمجمل أدوار الفاعلين الدوليين في المجتمع الدولي، فضلاً عن الفاعلين  غير  الدوليين،  بما للجميع  من أدوار لا غنا عنها من أجل  تحقيق غاية إنسانية سامية  وهي حفظ  النوع البشري ورفاهه و نماءه .

كلمات دليلية

الشركات المعلنة