المستقبل العربي وتحدي العلم

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 23 حزيران/يونيو 2020

مقالات لنفس الكاتب

أزمة فيروس كورونا المستجد لها مساوئ معروفة، لكن لها أيضًا إيجابيات، ولعل من أهم الإيجابيات هو إيقاظ العالم على مجموعة حقائق منها: اعتماد كل دولة على النفس في مواجهة وإدارة الأزمات بطرق علمية بما يتفق مع متطلبات كل مجتمع وبأدوات عصرية وليس باجترار الماضي، مع استبعاد العشوائية في إدارة الأزمات، وكذلك إسقاط الشعارات البراقة أو المصطلحات الجوفاء التي تدغدغ مشاعر الشعوب دون فائدة، والتعامل بواقعية تعتمد على العلم، وهذا يتطلب خوض غمار العلم  وسبر أغواره في كل الاتجاهات واتخاذه وسيلة للتعامل مع متطلبات المجتمعات عبر التعليم التطبيقي والابتكار والاختراع، أسوة بالدول التي  قفزت في سنوات معدودة ، وحققت نجاحات مشهودة على طريق التقدم ، ما جعلها تسير بثبات على طريق التطور، ومن بين هذه التجارب ما قامت به الدول التي اجتازت الدمار الذي لحق بها جراء الحرب العالمية الثانية ، في منتصف أربعينيات القرن الماضي، ومنها اليابان وألمانيا، إضافة إلى الصين وكوريا الجنوبية والهند وسنغافورة.

والسؤال الذي يطرح نفسه ماذا فعلت هذه الدول؟ والإجابة تقول إنها طورت التعليم والتزمت بمناهج تعليمية قادت إلى النجاح مع الثبات عليه، بالتوازي مع الاستقرار السياسي والاقتصادي والمجتمعي دون مغامرات سياسية أو عسكرية كالتي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في المدة نفسها، ففي حين انهمكت تلك الدول في البناء والتطوير، انخرطت العديد من دول الشرق الأوسط  منذ منتصف القرن العشرين في ثورات و معارك عنترية، ومغامرات سياسية، وحروب إعلامية، ومشاحنات ونعرات قومية، وتغييرات اقتصادية غير مدروسة ، تارة ذات اليمين وأخرى ذات اليسار ، ومع كل منعطف من هذه  المنعطفات تتبدل التوجهات ، ويتم وضع خطط مغايرة تتناسب مع التوجه الجديد الذي تعتنقه الدولة، ما أفقد العديد من دول المنطقة هويتها، وأهدر مقدراتها ، وجعلها محل استقطاب، وأوجد فرقة بين الشعوب التي كانت ضحية هذه المغامرات.

وكانت النتيجة نجاح الدول التي خرجت من الحرب العالمية الثانية منهارة ، واستطاعت إعادة بناء نفسها ولحقت بقمرة قيادة العالم، في حين اختلقت بعض دول منطقة الشرق الأوسط حروبّا جديدة دون مبررات أهدرت خلالها مقدرات الشعوب في مشاهد عبثية تحت وطأة طموحات شخصية، أو بغية تحقيق زعامات على حساب مصالح الشعوب وهو ما حدث حتى بداية الألفية الثالثة ؛ ما جعل الأمة تعيش صراعات لا مبرر لها وتخلت عن مشروعها الحضاري ، وتفرغت للتناحر والمزايدات ، وعاشت الشعوب على الأوهام والأمجاد الزائفة، بل تخاصمت مع بعضها البعض بسبب حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل ، وانساقت إليها دون إرادتها وكانت النتيجة أن المنطقة فقدت الكثير من رصيدها المادي والبشري والعلمي، وغصت بالفقر والتخلف، بل خرجت بعض الدول التي كانت مؤثرة  من السباق الإقليمي جراء هذه المغامرات ، وابتعدت عن  العمل العربي المشترك، وغادرت مضمار التنمية والتطور، ناهيك عما تعانيه من تخلف وتبعية وتدهور اقتصادها وتدخل الآخرين في شؤونها، وزادت أحداث ما يسمى بثورات الربيع العربي الطين بلة ، وظهرت صراعات خطيرة مازالت تداعياتها مستمرة جراء ركوب جماعات الإسلام السياسي موجات الصراع على السلطة فتركت هذه الدول التنمية واتجهت إلى الصراع على الحكم.

ومع ذلك نجحت دول عربية أخرى ، حافظت على ثبات منهجها ولم تنساق وراء المغامرات الهوجاء والتزمت بالاقتصاد الحر، ودعمت القطاع الخاص وجذبت رؤوس الأموال وفتحت مجالات الاستثمار؛ فحققت نهضة متعددة الاتجاهات وتبوأت مكانة مرموقة على الصعيد العالمي، بل إن بعضها ضمن مجموعة العشرين الأغنى في العالم والمملكة العربية السعودية المثال على ذلك، وتحقق ذلك في مرحلة زمنية قصيرة نسبيّا.

يجب أن تستفيد الدول العربية من أزمة كورونا وتتوقف عن السلبيات وتفتح صفحة جديدة في التعامل مع المستقبل، تعتمد فيها على برامج سليمة لخدمة الشعوب في كل المجالات، وأن تكون الانطلاقة بالتعليم، والتأسيس للمستقبل على أسس حديثة لمواكبة الثورة الصناعية الرابعة وما بعدها التي تعتمد على التعليم التطبيقي الذي يوفر مخرجات يحتاجها سوق العمل وتكون قادرة على النهوض، كما يجب رعاية المواهب القادرة على الابتكار والاختراع لتحقق قيمة مضافة تساهم في توفير الاحتياجات الصناعية والغذائية والطبية ، وهذا هو الخيار الوحيد لنهضة الدول العربية، حتى تكون في موقف الفعل وليس رد الفعل لما يحدث في العالم.

مقالات لنفس الكاتب