التنظيمات الإرهابية تستخدم أسلحة جديدة وتتجه لتكون من الفاعلين السياسيين

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 23 حزيران/يونيو 2020

مقالات لنفس الكاتب

أصابت جائحة فيروس كوفيد-19 العالم كله فتأثر به الجميع، وأصبح متغيرًا مؤثرًا على كثير من الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، الأمر الذي يجعل من المرحلة التي نعيشها الآن مرحلة فاصلة في تطور كثير من الظواهر، ليصبح السؤال عن كيف سيكون العالم بعد انحسار هذه الجائحة سؤالاً مهمًا يدفع لمزيد من البحث والتحليل للتغيرات التي طرأت على مختلف الظواهر المؤثرة سواء داخل الدولة أو في العلاقات بين الدول.

ويعد الإرهاب إحدى تلك الظواهر التي تأثرت بجائحة كوفيد-19، واختلفت مظاهر هذا التأثر، لكن تشابهت التنظيمات الإرهابية في استغلال الجائحة، واستغلوها بطرق مختلفة، فهناك من استغلها للتأهب والاستعداد وهناك من استغلها للتمدد والتوسع، بما يعكس أن الإرهاب على مشارف مرحلة جديدة نشهد إرهاصات لها وننتظر ملامحها الأكثر وضوحًا في مرحلة ما بعد كورونا.

انعكاسات جائحة كوفيد-19 على الإرهاب:

أظهرت التنظيمات الإرهابية قدرًا كبيرًا من التكيف مع التغيرات الناجمة عن أزمة انتشار فيروس كوفيد-19، واتجهت أغلبها إلى توظيف الفيروس كأداة لتحقيق أهدافها المختلفة، ويُمكن من خلال رصد تحركات هذه التنظيمات منذ بدايات الأزمة ملاحظة عدة انعكاسات واضحة لجائحة كوفيد -19 على الإرهاب بصفة عامة، أبرزها:

  1. الفراغ الأمني نسبيًا، على المستوى الداخلي قدرت التنظيمات الإرهابية أن الأجهزة الأمنية الداخلية في الدول التي تنشط بها ستنشغل عن جهود مكافحتها بسبب انشغال كافة مؤسسات وأجهزة الدول في مواجهة انتشار جائحة كوفيد-19، ولذلك كثرت الدعاوى التحريضية لاقتحام السجون وإخراج عناصرهم، وقد ظهر هذا بوضوح في هروب عدد من معتقلي "داعش" من سجن "الغويران" في الحسكة شمال شرقي سوريا في التاسع والعشرين من مارس الماضي.أما على المستوى الإقليمي فقد أدت الجائحة فعليًا إلى انسحاب قوات دولية كانت متواجدة لمكافحة الإرهاب، حدث هذا في العراق حيث انسحبت قوات التحالف الدولي إلى ثكناتها خوفًا من الإصابة بالفيروس، الأمر الذي أقصر المكافحة على الأجهزة الأمنية العراقية التي تفتقد لمستوى مناسب من الجهوزية في الوقت الراهن. وبالمثل تراجعت القوات الأمريكية والفرنسية لمكافحة الإرهاب التي كانت موجودة في منطقة الساحل والصحراء، وأيضًا تقتصر المكافحة على الأجهزة الأمنية المحلية التابعة لدول هذه المنطقة، رغم تورط بعض العناصر المحلية مع هذه التنظيمات.
  2. تطور أعداد ونوعية العمليات الإرهابية، وتوسيع نطاق تنفيذها، فقد زادت أعداد العمليات الإرهابية بمعدلات تصل إلى 40% خلال شهري مارس وأبريل 2020م، مقارنة بشهري يناير وفبراير من العام نفسه. كما ظهرت أنماط جديدة من الإرهاب يمكن تسميته بـــ "الإرهاب البيولوجي"، من خلال استخدام الفيروس كسلاح لترويع الآمنين، وقد حدثت أكثر من محاولة من هذا النوع في تونس أحبطت وزارة الداخلية التونسية مخططًا "إرهابيًّا" لأحد العناصر التكفيرية، والذي يهدف لنشر فيروس كورونا بين عناصر الأمن والشرطة والجيش جنوب البلاد، وفي نيوزيلندا، تعمد أشخاص مصابون بفيروس كورونا البصق على أفراد للشرطة. ولعل هذا ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو جوتيريش" في أبريل 2020م، للتحذير من خطر متصاعد في المستقبل يتمثل في شنِّ الإرهابيين هجمات بيولوجية سامة تهدف إلى انتشار أوبئة قاتلة مثل وباء كورونا، مؤكدًا "أن صور الضعف والقصور في الاستعدادات في مواجهة الوباء الآن تعطي رؤية عما يمكن أن يكون عليه هجوم وبائي محتمل على يد الإرهابيين، ويمكن أيضًا أن ترفع من مقدار الخطورة التي تنشأ عن هذه الهجمات".
  3. أتاح انتشار الجائحة الفرصة لبعض الجماعات الإرهابية لكسب الشرعية السياسية، وتقديم نفسها بديلاً للحكومات والسلطات القائمة؛ فقد سارعت هذه الجماعات إلى تقديم نصائح الوقاية والعلاج في المناطق التي يتعذَّر على السلطات المحلية الاعتناء بها، فقد عرضت حركة "طالبان" في أفغانستان تطبيق وقف إطلاق النار في أجزاء من البلاد التي دمرها تفشي المرض، بالإضافة إلى تقديم جماعة "أحرار الشام" في سوريا المشورة حول كيفية حماية المواطنين لأنفسهم من المرض.
  4. الاستقطاب والتجنيد، عملت التنظيمات الإرهابية على استقطاب المزيد من الأعضاء لصفوفها بأكثر من طريقة، الأولى: توظيف الدين من خلال الترويج لفكرة أن فيروس كوفيد-19 هو عقاب من الله نتيجة لابتعاد الناس عن الدين، ودعت للانضمام إليها باعتبارها حارسًا للدين الصحيح، وقد عبرت بعض الداعشيات المقيمات في المخيمات بسوريا بأنهن لا يخشين من الإصابة بفيروس كوفيد-19 لأنه لا يصيب المؤمنين والمؤمنات! كما وظفت بعض التنظيمات (جماعة الإخوان) القرارات الحكومية بإغلاق المساجد في نفس الاتجاه. والثانية: تكثيف استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بغرض التجنيد، خاصة مع الاعتماد المتزايد للملايين على هذه الوسائل في ضوء الإجراءات الاحترازية للعمل من المنازل والعزل الذاتي، وهذا يوفر فرصة للتنظيمات الإرهابية للوصول إلى قطاعات أكبر من المتابعين، خاصة من الشباب. والثالثة: استغلال إجراءات الدول لمواجهة أزمة انتشار الجائحة وتداعياتها الاقتصادية والنفسية في استقطاب البعض إما تحت مبرر الاحتياج المالي أو الاستقواء بجماعة نافذة التأثير، وجدير بالذكر أن كثير من التنظيمات اعتمدت على إطلاق الشائعات للتشكيك في إجراءات الدول وإثارة الاضطراب والبلبلة ليسهل التأثير على المتلقين لرسائلهم.

5ـ زيادة الارتباط بين التنظيمات الإرهابية والجريمة العابرة فمع تفاقم سوء الأوضاع الاقتصادية المحتمل جراء تأثير جائحة كوفيد-19، قد تنخفض قدرة رعاة التنظيمات الإرهابية على تمويلها، الأمر الذي ينذر بمزيد من الترابط بينها وبين عصابات الجريمة العابرة للحدود أو اتجاههم للاستيلاء على مقدرات الدول الهشة التي تنشط بها والتي تضعف قبضتها المركزية.

 

التنظيمات الإرهابية الكبرى وتوظيفها لجائحة كوفيد-19:

في البداية اتجهت التنظيمات الإرهابية إلى الكمون والترقب ربما لتقدير الموقف واتخاذ إجراءات الوقاية لقيادات التنظيمات وأعضائها، ثم اتجهت كل منها لاستغلال الجائحة على نحو مختلف، وفيما يلي يتم التركيز على عدد من أهم التنظيمات الإرهابية وأكثرها نشاطًا في الشرق الأوسط:

  • الإخوان:

تمثل جماعة الإخوان منبعًا للتنظيمات الإرهابية التي تدعي الإسلام، ورغم هزيمة الجماعة في معقلها في مصر وبعض دول الخليج، فإن التنظيم الدولي ما زال يعمل على إعادة الجماعة للتأثير، وقد حاولت الجماعة من خلاله استغلال هذه الأزمة الإنسانية. وقد عملت الجماعة على توظيف أزمة كوفيد-19 بمسارين مختلفين، المسار الأول من خلال انتقاد الدولة خاصة الدولة المصرية، والحرص على الإضرار بصورتها القومية وصورة النظام. والمسار الثاني عن طريق التقرب للمواطنين وإظهار التعاون والزعم بالقيام بدور تطوعي ونشط في المواجهة.

ورغم اختلاف المسارين فإن أهداف الجماعة واضحة، وأهمها: التشكيك في قدرة النظام (قيادة وحكومة) على السيطرة على الأوضاع الطارئة بفعل الأزمة، سواء بالتشكيك في الجهود المبذولة ومدى فعاليتها للسيطرة على انتشار الفيروس، أو التشكيك في قدرته على فرض النظام والالتزام بالإجراءات. والعمل على توفير مساحة جديدة للجماعة من القبول الشعبي، سواء للتجنيد أو للعمل المشترك مع فئات محددة في المجتمع السياسي كاليساريين أو السلفيين. وكذلك الضغط على النظام للإفراج عن المعتقلين في السجون التابعين للجماعة.

ولتحقيق هذه الأهداف اعتمد الإخوان من خلال قنواتهم الإعلامية المختلفة على نشر الإشاعات والأكاذيب بهدف التضليل وإشاعة الإحباط واليأس، والتحريض للجماهير لتحدي الإجراءات الوقائية والاحترازية المتخذة، وانتقاد بعض قرارات الدولة بشدة، بالإضافة إلى إظهار التعاون مع الجماهير لتقديم الدعم الطبي والنفسي والاقتصادي.

وفي جملة واحدة تعاملت الجماعة مع أزمة كوفيد-19 بانتهازية واضحة حيث وضعت مصالحها الأيديولوجية والسياسية قبل أي اعتبار ديني أو وطني.

 

  • القاعدة:

اتسم تعامل تنظيم القاعدة مع جائحة كوفيد-19 بالتسامي الإنساني، فقد أصدر تنظيم "القاعدة" بيان بتاريخ 31 مارس 2020م، تحت عنوان "السبيل لخروج البشرية من بطن الحوت: وصايا ومكاشفات بشأن وباء كورونا"، ويهدف إلى دعوة الغرب إلى الدخول في الإسلام. ويستند في هذه الدعوة إلى اعتبار الإسلام "دين وقائي نظيف". وأضاف مبررًا دعوته هذه بالقول أن الأثار الاقتصادية الحالية هي نتيجة لاستحلال الربا، مشيرًا إلى أن إجراءات المكافحة الحالية هي الإجراءات التي دعا لها نبي الإسلام من قبل وقت انتشار الوباء، ثم اختتم البيان بدعوة الغرب إلى استغلال الحجر المنزلي في التدبير والتفكير الديني.

أي أن تنظيم القاعدة قد أعلن عن وقف عملياته في وقت الجائحة، وطالب بالتبرع للتنظيم الذي تضرر مثل الجميع، فهو جزء من المجتمع وهذا ما يروج به لنفسه. فيما يبدو بأنه يعمل على استغلال المرحلة للاستعداد لمرحلة ما بعد الجائحة، اتساقًا مع منهج القاعدة في عدم استعداء المجتمعات المحلية والرؤية طويلة المدى.

وهناك بعض المتخصصين الذين يصفون موقف تنظيم القاعدة في هذه الجائحة بأنه ليس تساميًا وإنما يرونه نتاج لضعف القدرات الفعلية للتنظيم في المرحلة الحالية، ولذلك هدف إلى محاولة كسب أكبر قدر من المتعاطفين لمرحلة ما بعد الجائحة، بتوجيه خطاب تسامحي للغرب مقابل خطابات كراهية من بعض مجموعات اليمين المتطرف هناك، ما يسهل عملية التجنيد.

 

  • داعش:

حدث تغير في تعامل تنظيم داعش مع جائحة كوفيد-19، فبعد أن دعا عناصره لعدم القيام بعمليات إرهابية، تراجع عن ذلك ودعا في العدد الصادر بتاريخ 19 مارس 2020م، ففي مقال افتتاحي في جريدة النبأ، التابعة له، وجه تنظيم الدولة رسالة لأعضائه مفادها أن حربهم الشاملة ستستمر، حتى مع انتشار الفيروس. علاوة على ذلك، أفاد التنظيم أنه في ظل انتشار وباء كوفيد-19 فإن أنظمة الأمن الوطنية والدولية التي تكتلت لمواجهة التنظيم ستتراجع، ومن ثم يجب أن يعمل التنظيم على تعظيم استفادته من تلك الظروف.وبالفعل يكثف من عملياته الإرهابية في مختلف فروعه المنتشرة في المنطقة، وإن كانت عملياته في العراق وسوريا (أرض الخلافة وفقًا لتعريف التنظيم) تكتسب خصوصية كبيرة؛ إذ أنه يسعى لاستعادة الأراضي التي فقدها من قبل. كذلك فإن كثافة عملياته في منطقة الساحل والصحراء والتي يقوم بها عناصره المنضمة لتنظيم بوكو حرام، تتسم بتطور نوعي واضح؛ إذ تهدف للسيطرة على الأسلحة المختلفة.

وتتعدد الأسباب التي يمكنها تفسير كثافة النشاط الإرهابي لداعش في هذه المرحلة، يأتي في مقدمتها استغلال تراجع قوات التحالف الدولي وغيرها من القوات الدولية التي كانت تواجهه، وعدم قدرة القوات الأمنية المحلية في أماكن نشاطه عن التصدي الفعال له. تركز عمليات التنظيم في العراق (67 عملية خلال شهر مارس فقط) يحفزه حالة عدم الاستقرار السياسي والعقائدي، حيث يعمل التنظيم على إزكاء الطائفية في العراق بما يوجهه من عمليات ضد عناصر الحشد الشعبي الشيعي في العراق. يضاف لهذه الأسباب أن داعش يسعى لاستثمار كمون تنظيم القاعدة ليوسع نفوذه في مناطق تموضع القاعدة فيزيد من تمدده وارتباطاته بالقوى والتنظيمات المحلية على حساب القاعدة، وهذا ما يفسر نشاطه المكثف في بعض الأماكن في أفغانستان والساحل والصحراء واليمن. كذلك يرى البعض أن هذا النشاط الاستعراضي للتنظيم إنما يهدف لتأكيد الوجود والقدرة على التهديد بعد ما مُني به من خسائر وانحسارات العام الماضي.

لم يختلف داعش عن القاعدة في تفسير الجائحة باعتبارها غضب من الله، حيث نشر التنظيم في العدد 220 من الصحيفة مقالاً حمل الآية الثانية عشر من سورة البروج بالقرآن الكريم “إن بطش ربك لشديد” وفي العنوان دلالة على أن انتشار الوباء هو عقاب من الله لمن خالفوا النبي وتعاليمه. لكنه اختلف مع تنظيم القاعدة في مخاطبة الغرب؛ ففي افتتاحية العدد 228 لصحيفة النبأ، نشر التنظيم مقالاً بعنوان “أسوأ كوابيس الصليبيين”، ناقش فيه حظر التجوال في الدول الغربية وبقاء المواطنين بالمنازل ما يعرض تلك البلدان لخسائر اقتصادية، مؤكدًا على أن الدول الغربية “الصليبية” تأمل في أن يتوقف أتباع التنظيم ونظرائهم عن القيام بعمليات تستهدفهم أو تستهدف حلفاءهم بالخارج.

الاتجاهات المحتملة للإرهاب في مرحلة ما بعد جائحة كوفيد-19:

تشير التقديرات إلى عدد من الاتجاهات التي يحتمل أن تميز النشاط الإرهابي في المنطقة بعد جائحة كوفيد-19، ومن أهمها:

  1. ظهور أشكال جديدة للإرهاب والتطرف العنيف، مثل: الإرهاب البيولوجي، أو زيادة الاتجاهات المتطرفة كالعنصرية ضد المصابين بالفيروس أو ضد المهاجرين والنازحين، أو العنف الموجَّه ضد الحكومات بفعل إدارتها المرتبكة لأزمة الفيروس التاجي؛ ونتيجة للأداء المتراخي في مواجهة تداعيات الوباء الصحية والاقتصادية، وما خلفه ذلك من ارتفاع في معدلات البطالة بسبب الإغلاق وتباطؤ النمو الاقتصادي؛ كلها عوامل قد تخلق شقوقًا وتصدعات تستغلها الجماعات المتطرفة.
  2. الإسراع بتحول بعض التنظيمات الإرهابية إلى فاعلين سياسيين معترف بهم، لقيامهم بدور مواز للسلطة الرسمية في الدولة. فنتيجة لاضطلاع بعض هذه الجماعات بدور في مكافحة الفيروس دفع مراقبون إلى توقع حدوث تغيُّر في طبيعة العمليات المسلحة التي تمارسها هذه الجماعات في مرحلة ما بعد انتهاء الأزمة، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الجماعات عادةً ما تتخذ إجراءات لكسب الشرعية والشعبية؛ من أجل الحصول على الدعم من المدنيين الذين يعيشون تحت حكمها، ومن المؤيدين المحتملين في الخارج، ولذلك، فإن أزمة انتشار الفيروس التاجي، وإخفاق العديد من دول العالم في مواجهتها قد يخلق فرصًا تُمكِّن هذه الجماعات من اللعب على التناقضات، وملء الفراغ، مع أن هذا قد لا يُحدِث بالضرورة تغييرًا ملموسًا في طبيعتها أو أهدافها، وكذلك في انتهاجها خيار العنف المسلح، مثل: طالبان وحزب الله والحوثيين.
  3. زيادة اعتماد التنظيمات الإرهابية على المجال الافتراضي، في أكثر من زاوية، منها: الاعتماد عليه في التواصل الجماهيري لاستقطاب البعض وإظهار القدرة على التأثير بالإعلان عن عملياته، التمويل بالعملات الافتراضية لصعوبة الانتقالات المباشرة للأفراد وتشديد الرقابة على التحويلات المالية، زيادة اعتماد العديد من المؤسسات والأفراد المؤثرين على العمل من المنازل وكذلك انعقاد الاجتماعات والمؤتمرات عن بُعد بالتطبيقات الافتراضية المختلفة يزيد من أهمية الإرهاب الإلكتروني وأعمال القرصنة الإلكترونية. كما زادت الجائحة من إدراك أهمية الذكاء الاصطناعي بتطبيقاته المتنوعة، الأمر الذي يزيد من حرص التنظيمات على تطوير قدراتها في هذا المجال ومن ثم المزيد من التعقيد في جهود الملاحقة لهذه التنظيمات.
  4. زيادة فرص وجود اختلاف نسبي بين رؤية التنظيمات الإرهابية ورعاتها من الدول حول تعريف المصالح والأهداف، فمع الجائحة انخفض نسبيًا تمويل الرعاة للتنظيمات الأمر الذي دفعها – خاصة داعش- للبحث عن مصادر ذاتية لتمويله سواء عن طريق التعاون مع الجريمة العابرة للحدود أو بالاستيلاء على موارد مباشرة في أماكنه أو فرض ضرائب في بعض المناطق في العراق وسوريا. ربما تزيد هذه الجائحة من طموح التنظيمات للقيام بدور مستقل خاصة إذا ما تم اكتسبت قبولاً سياسيًا واجتماعيًا في بعض المناطق. وقد ظهر مثالاً لهذا الاختلاف بدا جليًا في أفغانستان، خلال تنفيذ فرع داعش هناك المسمى بـ«ولاية خراسان»، إحدى عملياته الكبيرة التي يستهدف فيها عادة الأقليات الدينية، عبر الهجوم الذى نفّذه على معبد للهندوس والسيخ في 25 مارس الماضي، والذى أسفر عن مقتل نحو 30 شخصًا وإصابة 80 آخرين، وما يوضح أنه كان هناك تناقض بين رعاة هذا التنظيم، وقيادات العمل التنفيذي به، أنه بعد تبنى التنظيم الهجوم الأخير، أعلن بعد نحو أسبوع على الأكثر، سقوط قائد التنظيم على نحو مفاجئ مع 19 من القيادات الأبرز، في قبضة القوات الأمنية الأفغانية في عملية أمنية وُصفت بـ«النوعية»! هذا حدث غير اعتيادي بالمرة، ربما في أفغانستان على وجه الخصوص.
  5. استغلال التنظيمات لجائحة كوفيد-19 بطرق مختلفة تفرض تطوير أدوات مكافحة الإرهاب، فعلى سبيل المثال يجب أن يتم مواجهة الخطاب الإعلامي المتسامح لتنظيم القاعدة بخطاب إعلامي مواز يبرز التناقض ما بين المثاليات التي تحتويها بيانات التنظيم وبين تصرفاته على الأرض؛ إذ أن بيانات القاعدة لم تبرز موقف التنظيمات الموالية لها والتي تبنت خطابًا عنيفًا يتناقض مع الخطاب المثالي للتنظيم، ومن أبرز الأمثلة على ذلك إعلان حركة الشباب المجاهدين الصومالية استمرار عملها وتكثيف هجماتها. كذلك يجب توفير مساعدات عسكرية ولوجستية للقوات والحكومات المحلية في المناطق التي تراجعت منها القوات الدولية لمكافحة الإرهاب.

مجمل القول، كشفت جائحة كوفيد-19 عن أبعاد جديدة في العمل الإرهابي في المنطقة، فقد أظهرت المشترك بين التنظيمات وهو أنها كلها تعمل بانتهازية وتعمل لأجنداتها الخاصة توظف الدين بشكل أساسي، لكنها تختلف في تقديراتها لمختلف الظروف المحيطة، وتختلف فيما بينها. وما بين الكمون الحالي لبعض التنظيمات ومحاولة البعض الآخر لإحياء مشروعاته سواء بالتحريض والإشاعات أو بكثافة العمليات، يظل الثابت أن العمل الإرهابي مقدم على مرحلة جديدة تزداد فيها خطورة العمليات وتأثيراتها ورغبة التنظيمات في تعزيز قدراتها وتأمين أماكن تموضعها، وتزيد خطورة المرحلة القادمة بتراجع تعاون الدول المحتمل في مكافحة الإرهاب؛ إذ أن امتداد تداعيات الجائحة للتأثير على العلاقات بين الدول يُنذر بهذا التراجع، رغم أن الإرهاب العابر للحدود يستوجب مكافحة عابرة للحدود أيضًا.

 

مقالات لنفس الكاتب