array(1) { [0]=> object(stdClass)#12052 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 150

كورونا القشة التي قصمت ظهر البعير الأمريكي و الصين القوة العالمية الجديدة

الثلاثاء، 23 حزيران/يونيو 2020

الأزمات العالمية لها تبعاتها وتداعياتها المباشرة وغير المباشرة التي تتناسب مع حجمها لأنها تمثل ساحات الاختبار التي تكشف نقاط القوة والضعف في بناء الأفراد والجماعات والدول فتسقط أفرادًا وأفكارًا، ومنظومات تفشل في الاستجابة لتلك التحديات وتسبب في ظهور بدائل كانت أكثر نجاحًا في الاستجابة لمتطلباتها. الأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى في هذه العجالة ولكن نذكر على سبيل المثال أن الاقتصاد الأمريكي الحديث الذي مكن أمريكا من ريادة العالم كان نتاج الأزمة الكبرى التي تمثلت بالكساد الاقتصادي في الثلاثينات من القرن الماضي والذي يعتبر الأعمق والأشمل في التاريخ الحديث للدول المتقدمة، والذي دام مدة عشر سنوات فقد فيه أكثر من 15 مليون شخص أعمالهم وتسبب في إعلان نصف البنوك الأمريكية إفلاسها.  لكن الاستجابة من الإدارة الأمريكية برئاسة فرانكلين روزفلت ومبادرته الجريئة التي سميت "The Great New Deal" والتي كان من أهم بنودها إيجاد نظام الضمان الاجتماعي وتوسيع قاعدة العمل من خلال زيادة مساهمة الأمريكان من أصول أفريقية والنساء في ميادين العمل لتشكل أهم العوامل التي ساعدت على إخراج الاقتصاد من تلك الهاوية.

الأزمات ليست مثل الأفلام الهندية تنتهي جميعها بنهايات سعيدة، فعلى النقيض من أمريكا شكلت عملية الكساد الاقتصادي في ألمانيا المحنة التي أنجبت محنة أكبر منها تمثلت بصعود قيادة شعبوية عنصرية متمثلة بالحزب النازي بقيادة ادولف هتلر إلى الحكم، تلك القيادة التي مزقت أوروبا وألمانيا وأوردتهما موارد الهلاك بإشعالها نار الحرب العالمية الثانية التي نتج عنها دمار أوروبا وحوالي سبعين مليون قتيل حول العالم. 

مما تقدم نخلص إلى أن الأزمات هي بمثابة عملية المخاض التي تخرج من أرحامها القيادات والأفكار التي تقود في ما بعدها.  أما طبيعة ما يترتب عليها فيما بعد فذلك يعود إلى حسن إدارة الأزمة ودقة الاختيارات.

التطورات الميدانية للوباء على الساحة الأمريكية

مع بداية استعداد الصين لاستقبال عام جديد من السنة القمرية ونهاية عام "الخنزير" الذي هو آخر عام في نظام دورة السنوات المكونة من 12 سنة تبدأ "بالفأر" وتنتهي "بالخنزير"، كانت الآمال تتطلع إلى احتفالات كبيرة تنعش الاقتصاد الصيني الذي بدأت تظهر عليه علامات التباطؤ لأن نسبة نموه (6.1%) في العام الماضي كانت الأدنى منذ عام 1992م،  كل تلك الآمال تطايرت مع نزول الصاعقة التي لم تكن بالحسبان بالإعلان عن ظهور فيروس جديد ربما وجد طريقه إلى الإنسان من أحد الحيوانات البرية الموجودة في أحد الأسواق الشعبية في مدينة "ووهان" عاصمة إقليم "هوبي" التي يسكنها أكثر من 11 مليون نسمة.  هذه الأزمة كانت كافية لتعصف بالاقتصاد الصيني الذي انكمش بمعدل 6.8% في الربع الأول من العام الحالي.

 

كانت الولايات المتحدة مثل الصين تسيطر عليها أجواء الترقب والنظر إلى ما سوف يأتي به المستقبل القريب وإن كان مع فارق في التفاصيل، ذلك أن الجماهير بدأت أخيرًا بالاهتمام بالانتخابات الأولية في حملة الانتخابات الرئاسية وخصوصًا فيما يتعلق باختيار المرشح الديموقراطي الذي سوف ينافس الرئيس دونالد ترامب على كرسي الرئاسة.  لم تكن هذه هي نقطة التشابه الوحيدة مع الصين، بل كانت هناك بوادر تباطؤ في الاقتصاد الأمريكي هو الآخر خصوصًا بعد تلاشي الجرعة التنشيطية التي مثلتها عملية تخفيض الضرائب التي قدمتها إدارة ترامب على إنها سوف توسع قاعدة الإنتاج في الاقتصاد الأمريكي وتحفز الشركات على رفع أجور العاملين مما يؤدي إلى زيادة السيولة في الاقتصاد الأمريكي الذي يعتمد على إنفاق المستهلكين بالدرجة الأولى.  لكن الكثير من ذلك لم يتحقق لأن الشركات لم تقم برفع الأجور أو شراء معدات جديدة وإنما قامت بشراء أسهمها من السوق رغبة منها في رفع قيمة تلك الأسهم التي تشكل الجزء الأهم في مدخولات المسؤولين الكبار في تلك الشركات، لذلك شهدت سوق الأسهم الأمريكية ارتفاعًا كبيرًا زاد من آمال الرئيس بإعادة انتخابه إلى فترة رئاسية ثانية.

 

الانتخابات كانت هي الشغل الشاغل للإدارة الأمريكية ولذلك فإن كل شيء صار يدار من منظورها، لذلك لم يسمح لأي مسؤول في الإدارة بالحديث عن أي خبر سلبي يمكن أن يؤدي إلى الإضرار بحظوظ الرئيس في العودة إلى البيت الأبيض حتى لو كان ذلك الأمر يتعلق بوباء قاتل مثل "كورونا". هذه الخلفية كانت السبب وراء الاستجابة المتأخرة للداء حتى مع بداية ظهور أول حالة في الولايات المتحدة في شهر يناير والتي جرى التعامل معها على "إنها حالة واحدة لشخص قادم من الصين وأن كل شيء تحت السيطرة" ، بالطبع ذلك لم يكن قائمًا على أية أدلة واقعية وإنما الغاية الوحيدة منه هي تطمين سوق الأسهم والمحافظة على الأرقام التي تعكس شعبية الرئيس، ولهذه الأسباب فإن الإدارة لم تسارع إلى استنفار المؤسسات الطبية للتواصل مع المنظمات الدولية المعنية ومثيلاتها في الصين لجمع أكبر كمية من المعلومات حول الوباء وطرق انتشاره وسبل الوقاية منه، أو على الأقل إعداد العدة لذلك مثل توفير أجهزة التحاليل والكشف اللازمة لفحص الملايين من البشر ناهيك عن البحث عن علاج يخفف من وطأة الوباء.

بدأت أعداد الإصابات بالزيادة في شهر فبراير لتنتقل الحملة المضادة من الإنكار والإهمال إلى ترويج شائعات لا أساس لها من الواقع مثل "أن الوباء سوف ينتهي مع ارتفاع درجات الحرارة في مارس" والأغرب من ذلك ومع تزايد حالات الإصابة ووصولها إلى المئات مع بداية شهر مارس، تغيرت النغمة من التهوين إلى التخوين وذلك باتهام الإعلام وخصوم الرئيس السياسيين بتضخيم الأمر وتهويله، حيث أعلن الرئيس في العاشر من مارس الماضي، بأن "الإعلام المفبرك وشركاءهم في الحزب الديموقراطي يبذلون قصارى جهودهم لتضخيم أمر فيروس كورونا". لكن الوباء أثبت أنه أعصى من ذلك مما أدى بالمسؤولين إلى بداية الاعتراف بالخطر، والذي جاء متأخرًا جدًا، مع الاستمرار في توجيه أصابع الاتهام إلى الآخرين من قبيل تسمية الوباء "بالفيروس الصيني" أو اتهام منظمة الصحة العالمية بالتواطؤ مع الصين وإخفاء المعلومات عن الحكومة الأمريكية.

تشير آخر الإحصاءات إلى أن عدد الحالات الجديدة مع بداية الأسبوع الثاني من شهر مايو وصل إلى أكثر من مليون وثلاثمائة ألف حالة وأن عدد الوفيات جاوز 80 ألف شخص.  هذه الأعداد في زيادة ولكن نظرة بسيطة إلى الرسم البياني أدناه يوضح أن عدد الحالات الجديدة بدأ بالوصول إلى مستوى الاستقرار بسبب سياسات العزل الاجتماعي وإغلاق المرافق العامة والمؤسسات وأماكن الترفيه.   

 

 

رسم بياني يوضح عدد الحالات اليومية الجديدة على مدى الشهرين الماضيين

 

تداعيات أزمة كورونا على الاقتصاد الأمريكي

الاقتصاد الأمريكي يتملك خصائص معينة، حاله حال أي نظام آخر، تمثل عناصر القوة والضعف فيه.  عندما تأتي الأزمات فإن أثرها يعتمد فيما إذا كانت هذه الأزمات قد أتت من نواحي القوة أو الضعف. ولعل أكبر نقاط ضعف الاقتصاد الأمريكي هي أنه اقتصاد قائم على الاستهلاك وأنه يعتمد على المبالغة في المديونية، وتشير الدراسات إلى تدني مستوى الادخار للفرد في الولايات المتحدة الذي لا يتجاوز 400$ بالنسبة لأربعين بالمائة من السكان. إن غياب الادخار والمبالغة في الاقتراض التي يشجع عليها الاقتصاد الأمريكي هي نقطة الضعف الكبرى التي كشفتها أزمة كورونا.  بلغ عدد الذين قدموا طلبات الإعانة المالية للعاطلين عن العمل حوالي 23 مليون طلبًا على إثر إعلان السلطات حالة الطوارئ لمواجهة الوباء، وارتفعت بذلك نسبة البطالة من 3.7% قبل الأزمة إلى 14.7% وهي أعلى مستوى لها منذ سنوات الكساد الاقتصادي في ثلاثينات القرن الماضي، وتشير بعض التوقعات إلى النسبة قد تتجاوز 25% في الأسابيع القليلة القادمة.  هذه العوامل وغيرها فعلت فعلها في الأزمة وأدت بالاقتصاد الأمريكي إلى الانكماش بنسبة 4.8% في الربع الأول من العام الحالي ليسجل أكبر انخفاض له منذ عام 2008م.  بالطبع هذه النسبة لا تشكل الصورة الكاملة ذلك أن إجراءات إيقاف العمل لم تبدأ إلا في الشهر الأخير من الربع الأول.

نقطة الضعف الثانية التي كشفتها الأزمة هي تشابك العلاقات الصناعية العالمية، فقد أحدث إعلان حالة الطوارئ في مواجهة الوباء أثرًا سلبيًا على سلسلة التوريد للشركات(Supply Chain)، ويمثل ذلك في تعطيل الإنتاج بسبب غياب قطع الغيار وذلك يعود إلى أن الشركات الأمريكية بالغت في توسيع شبكات التصنيع عالميًا، ولعل من الأمثلة على ذلك شركات صناعة السيارات التي كانت تعتمد على مصانعها في ديترويت حصريًا، لكنها سارعت إلى الاستفادة من اتفاقية التجارة الحرة في أمريكا الشمالية وذلك بتوسيع قاعدتها الصناعية والاستفادة من وفرة اليد العاملة الرخيصة في المكسيك ووفرة الموارد الطبيعية في كندا، لذلك فإن السيارة الواحدة يجري تصنيع بعض أجزائها في المكسيك وأخرى في كندا.  صناعة السيارات تعتبر نموذجًا للعديد من الصناعات التي نقلت مصانعها إلى أماكن عديدة في العالم سعيًا وراء اليد العاملة الرخيصة.  لذلك جاءت أزمة كورونا لتكشف نقطة ضعف هذا النموذج وتدفع بالشركات الكبرى إلى إعادة النظر فيه.  الأمر الذي يدعونا إلى التفكير بأن الاقتصاد العالمي بعد أزمة كورونا لن يكون كما كان قبلها.

         

سيناريوهات خروج الاقتصاد الأمريكي من الأزمة الاقتصادية

ليس هناك نموذجًا يوضح طريق تعافي الاقتصاد الأمريكي أو العالمي من الأزمة، فعلى سبيل المثال تعتبر تجربة مواجهة فيروس سارز الذي ظهر في الصين عام 2003م، النموذج الأقرب، لكن العالم اليوم هو غير العالم آنذاك والأزمة هذه ليست كتلك، فالاقتصاد الصيني مثلا كان يشكل 4% بالمائة فقط من الناتج المحلي العالمي في حين أنه يمثل الآن 16 بالمائة، ولذلك فإن أي تراجع في نمو الاقتصاد الصيني سوف يحدث أثرًا سلبيًا في الاقتصاد العالمي أكبر بكثير من أزمة السارز.  الأمر الآخر هو أن مديونية المؤسسات غير المالية الأمريكية وصلت إلى حوالي 10 ترليون دولار مقارنة 4.8 ترليون دولار في عام 2003 حسب دراسة لبنك دويتشه.

الإقرار بعدم وجود نماذج عملية يمكن الاعتماد عليها في دراسة وضع الاقتصاد الأمريكي أو العالمي وسبل الخروج من هذه الأزمة الطاحنة لم يمنع الخبراء من وضع الخبراء خطوط عامة (سيناريوهات) يمكن للاقتصاد أن يسير عليها وهي:

 

الارتداد السريع: النموذج الأول يقول بأن الاقتصاد سوف يفيق من حالة الكساد التي يمر فيها بمجرد وصول الأزمة إلى مرحلة السيطرة، وهذا يفترض سرعة الوصول إلى احتواء الوباء وقدرة المؤسسات الطبية على إجراء ملايين الفحوصات يوميًا والنجاح في اكتشاف علاج للمرض. ولذلك يقدر المتفائلون بأن الأزمة سوف تصل إلى حالة السيطرة وتبدأ الحياة بالعودة إلى شيء من طبيعتها وعودة النشاط الاقتصادي مع نهاية شهر مايو.  ولكن تقف أمام هذا النموذج عدة عقبات أولها أن تطوير العلاج يأخذ أشهرًا طويلة وأن التأخر في الاستعداد للأزمة في أيامها الأولى سوف يجعل الخروج منها مكلفًا. 

  1. التعافي البطيء: هذا النموذج هو الأكثر واقعية إذ يفترض أن التعافي سوف يستغرق وقتًا ليس بالقليل، ويستدل القائلون بهذا السيناريو على أن شركات الطيران الأمريكية لم تصل إلى مستوى الربحية إلا بعد ست سنوات من أحداث الحادي عشر من سبتمبر.  هذا بالإضافة إلى أن تطوير اللقاح المضاد لفايروس كورونا ربما يستغرق بين 12-18 شهرا بسبب الحاجة إلى التجارب وتوفير الإحصاءات اللازمة حسب أسرع الطرق المتبعة، بالإضافة إلى الوقت اللازم لبناء المناعة البشرية المكتسبة.

3ـ الأزمة الطويلة المدى: يفترض هذا النموذج حدوث موجات من الإصابات بفيروس كورونا على المدى البعيد تدفع بالمسؤولين إلى اتخاذ تدابير احترازية لمدة طويلة من الزمن تعيق بذلك عودة النشاط الاقتصادي إلى شيء من عافيته، فيصبح مثل المريض الذي كلما تجاوز أزمة دخل في أكبر منها.  ليس من المعقول أن نتصور خروج جميع المؤسسات أو الاقتصاديات العالمية من الأزمة متعافية، فهناك بعض المؤسسات التي لا سبيل أمامها إلا الإفلاس، وهذا الأمر يصدق على بعض الاقتصاديات العالمية التي كانت تعاني قبل أحداث كورونا ولأن هذه الأزمة قد تشكل الضربة القاضية التي قد لا تستفيق منها.  لكن الاقتصاد الأمريكي سوف يتعافى من الأزمة بشكل أو بآخر والسؤال يبقى عن المدى الذي سوف يستغرقه للتعافي ومدى الحمة في إدارته وهل يعود أقوى وأكثر فاعلية من سابق عهده أم يعود منكمشًا وإلى أي حد؟

آثار الأزمة على الوضع السياسي والاجتماعي الداخلي

هذه الأزمة عميقة ولذلك فهناك القليل ممن يعرفون شيئًا عن حجمها لأنها لاتزال في مراحلها الأولية إلا إنها ومع ذلك فقد أحدثت هزات اجتماعية وسياسية من الصعب التنبؤ بمجمل تبعاتها لأنها في النهاية تعتمد على خط سير هذه الأزمة، فإن كان المسار قصيرًا فله تبعات، أما إذا كان المسار معقدًا وأحدثت هذه الأزمة اهتزازات ارتدادية مثل أن تأتي الإصابات على موجات متعددة على المدى الزماني أو أن تأتي على شكل موجات تضرب في أماكن مختلفة فإن لهذا الأمر تبعات أخرى وسوف يتطلب استجابة أعمق وتترتب عليه نتائج أكبر.

لكن ذلك لن يمنع من التنبؤ ببعض الخطوط العريضة لتلك التبعات، ولعل من أهمها أن الولايات المتحدة مقبلة على انتخابات رئاسية وتشريعية في نوفمبر القادم، هذه الأزمة ستكون العنوان الأبرز لتلك الانتخابات من حيث المحتوى لأنها سوف تضع أداء الإدارة ومقاربتها للأزمة على طاولة الحوار، كما أن الأزمة مرشحة للتأثير على الانتخابات من حيث المظهر لأنها أحدثت تغييرًا كبيرًا على سير الانتخابات الأولية حيث حرمت المرشحين من التواصل المباشر مع الجماهير من خلال المهرجانات الانتخابية كما أن العديد من الولايات قامت بتأجيل انتخاباتها الأولية في حين أن أخرى أجرت الانتخابات في ظروف غاية في الصعوبة.  هذه القضية أثارت العديد من التساؤلات حول الانتخابات الرئاسية وطريقة إجرائها؟ وهل سيتمكن الناخبون من الذهاب إلى مراكز الاقتراع للتصويت كما تعودوا في السابق أم أن الانتخابات سوف تجرى عن طريق البريد؟ أم أن الأزمة قد تتفاقم لدرجة لن تسمح بإقامتها وتأجيلها إلى حين آخر، وهل بإمكان الإدارة تأجيلها من الناحية الدستورية؟ كل هذه الأسئلة تدور في أذهان الناس على مختلف المستويات.  وبغض النظر عن الوسيلة التي سوف تجري بها الانتخابات فإن من شأنها أن تلقي ظلالاً من الشك حول شرعيتها بغض النظر عن النتيجة؟

 لعل من أبرز تداعيات الأزمة كان الحد من التواصل بين الناس ووضع القيود على التجمعات التي تجري بأعداد كبيرة، والتي من أهمها الأنشطة السياحية وحفلات الموسيقى والمباريات الرياضية التي تشكل جزءًا أساسيًا من حياة المواطن الأمريكي.  والسؤال الأهم هنا هو هل سوف تعود الحياة إلى ما كانت عليه قبل الأزمة ويعود الناس إلى ممارسة أنشطتهم التي تعودوا عليها مثل السابق؟ هذا أمر مستبعد على المدى المنظور إذ أن بعض القيود سوف تبقى وإن كانت بصورة مخففة، فما هي الصورة التي سوف تكون عليها مباريات الكرة الأمريكية التي تشكل جزءًا مهمًا من الاقتصاد إذا علمنا أن عدد الذين يحضرون مباريات البسيبول يبلغ سبعين مليونًا سنويًا بالإضافة إلى 34 مليونًا يحضرون مباريات كرة القدم الأمريكية و22 مليونًا يحضرون مباريات كرة السلة ومثلهم لمباريات كرة الجليد (الهوكي). بالإضافة إلى الأعداد الأكبر من ذلك بكثير التي تحضر مباريات المدارس والجامعات.     

   تداعيات الأزمة على مكانة الولايات المتحدة والنظام السياسي العالمي

يروى أن الكاتب الأمريكي الساخر مارك توين قام بالرد على احدى الصحف التي نشرت خبر وفاته قائلاً "بأن الخبر أمر مبالغ فيه".  تذكرت هذه الرواية وانا أراجع بعض الأفكار المنشورة في العديد من الصحف والمواقع العربية التي تنبأت بأن وباء كورونا هو بمثابة القشة التي سوف تقصم ظهر البعير الأمريكي وأن الصين أصبحت هي القوة العالمية الجديدة. لا شك أن الوباء سوف يكون له من الآثار الآنية والبعيدة التي من شأنها أن تترك أثرًا كبيرًا على السياسة العالمية ومنها موقع الولايات المتحدة على قمة الهرم العالمي، وقد زاد من شدة أثر هذه الأزمة التخبط الكبير في أعلى الهرم السياسي الأمريكي وتفويت الفرصة لإبراز القيادة الأمريكية التي كان من المفترض أن تتصدى لهذه الأزمة من خلال تحالف عالمي يؤسس لاستجابة واسعة للوباء الذي يمثل أزمة من الأزمات التي تواجه البشرية اليوم وتتطلب ردًا عالميًا مشتركًا لا يتخندق وراء الحدود التي تجاوزها الفايروس بسهولة كبيرة.  لكن الإدارة الأمريكية سارعت إلى توجيه أصابع الاتهام إلى الصين والخروج من منظمة الصحة العالمية بدلاً من دعم جهودها وتقويم مسيرتها لكونها تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الأوبئة العالمية.  لاشك بأن هناك العديد من الانتقادات التي يمكن أن توجه للصين بسبب طريقة مواجهتها للوباء وعدم شفافيتها خلال الأزمة وقيامها بالتقليل من عدد الإصابات والوفيات حتى اضطرت إلى التراجع عنها وتعديل الأرقام بأشكال كبيرة. 

لاتزال الولايات المتحدة تمتلك العديد من نقاط القوة التي لا تضاهيها دولة أخرى، ومن أبرز تلك النقاط الإنفاق العسكري الذي يبلغ 732  مليار دولار في السنة مقابل 261 مليار دولار للصين، هذا المستوى من الإنفاق هو الذي يمكن الولايات المتحدة من أن تكون القوة العسكرية الأولى عالميًا التي تمتلك القدرات البحرية التي تمكنها ضمان حرية التجارة العالمية، ولذلك فإن الصين سوف تحتاج إلى وقت ليس بالقصير لكي تلحق بالولايات المتحدة في هذا السبيل.  هذا الأمر مرتبط بالجدلية القائمة بين التنمية والإنفاق العسكري بالنسبة للصين، ذلك أن الزيادة المفرطة في الإنفاق العسكري من شأنها أن تؤخر عملية التنمية الاقتصادية لأنه الأقل مردودًا على الاقتصاد ولذلك تضع العديد من الدول سقفًا محددًا للإنفاق العسكري بحوالي 2% من ناتجها المحلي.

 

ليست العلاقة بين الصين والولايات المتحدة بالبساطة التي يتصورها البعض، وأن بإمكان الولايات المتحدة أن تشطب الصين من اهتماماتها أو أن تقرر الصين أن تقاطع الولايات المتحدة.  لقد كانت عملية فرض الرسوم الجمركية التي اتخذتها إدارة ترامب درسًا مهمًا حول تعقيدات العلاقة، فقد أحدثت تلك الرسوم أثرًا سلبيًا على المستهلك الأمريكي الذي شهد ارتفاعًا كبيرًا في أسعار البضائع التي تستوردها الولايات المتحدة من الصين الأمر الذي أضر بالاقتصاد الأمريكي بصورة مباشرة فزادت أسعار الأثاث المنزلية ومواد البناء والإليكترونيات وغيرها، وكان الدرس المهم هو أن التجارة العالمية سلاح ذو حدين.

 

يقابل ذلك أن صادرات الصين إلى العالم بلغت حوالي 2.5 ترليون دولار في عام 2018م، المهم في الأمر أن حوالي ربع هذه الصادرات كان إلى الولايات المتحدة التي هي الشريك الأكبر للصين.  لذلك فإن اقتصاد الصين لن يكون بنفس الصورة بدون الولايات المتحدة والعكس صحيح أيضًا.  إن أحد أهم عناصر قوة الاقتصاد الأمريكي اعتماده الكبير على النشاط الاقتصادي الداخلي الذي يشكل جزءًا لا يستهان به من مجمل الاقتصاد.  لعل أهم الدروس التجارب المستخلصة من تجربة كورونا يجري الحديث عنها في المجال الاقتصادي هو العلاقة المتشابكة بين اقتصاديات العالم والتي سوف تأخذ عقودًا من الزمن إذا ما أريد إعادة النظر فيها أو تخفيفها. 

  القوة العالمية لها أبعادها الاقتصادية التي تتمثل بالخدمات المالية ومنها قوة العملة، نذكر على سبيل المثال أن عصر الهيمنة البريطانية كان هو عصر هيمنة الباوند البريطاني ولم يستطع الدولار منافسته إلا بعد الحرب العالمية الثانية والدمار الذي نتج عنها حيث اتفقت الدول المتقدمة في اجتماع "بريتن وودز" عام 1944م، على استخدام الدولار كعملة عالمية مقابل تعهد البنك المركزي الأمريكي بإبدال العملة بقيمتها من الذهب، ومع أن الرئيس نيكسون تخلى عن الذهب كغطاء للدولار إلا أن ذلك لم يؤثر على مكانة الدولار العالمية حيث لايزال هو العملة العالمية الأكثر تداولاً في العالم، وما يزيد في أهمية الدولار هو أن العديد من المنتوجات العالمية يتم التداول بها باستخدام الدولار ومن أهما النفط.  يأتي بعد الدولار اليورو والين الياباني والباوند البريطاني والدولار الكندي بوصفها العملات الأكثر تداولاً في العالم.  وليس من المتوقع أن يصعد اليوان الصيني لكي ينافس الدولار على المدى القريب. 

 

ختامًا نقول بأن هذه الأزمة لازالت في أولها وهي قد تمر بمنحنيات ومنعطفات يصعب التنبؤ بدقائقها، لكن يبقى أمر واحد لا يمكن الاختلاف عليه وهو أن الولايات المتحدة والعالم لن يكونا بعدها كما كانا قبلها، وإن غدًا لناظره قريب.  

مقالات لنفس الكاتب