array(1) { [0]=> object(stdClass)#11963 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 150

أمريكا عاجزة عن قيادة العالم وطريق الصين للقمة ليس مفروشًا بالورود

الثلاثاء، 23 حزيران/يونيو 2020

أثار تفشي ڤيروس كورونا سلسلة من التداعيات التي تجاوزت الخسائر البشرية الفادحة لتطول مناحي الحياة كافة كما في الخراب الاقتصادي الذي ترتب على اتخاذ الإجراءات الضرورية لضبط انتشار الڤيروس والتداعيات السياسية التي نجمت عنه، وهي تداعيات شاملة سواء لقضايا نظرية في علم السياسة أو أخرى تطبيقية ترتبط بتطورات لحقت بأبعاد داخلية ودولية في الممارسة السياسية، وتهتم هذه المقالة تحديدًا بتداعيات كورونا على قضية محورية في التفاعلات الدولية وهي تلك المتعلقة بهيكل القيادة في النظام الدولي الذي مر بتطورات جذرية منذ الحرب العالمية الثانية غيرت نموذج هذه القيادة من الحالة التعددية إلى نظام القطبية الثنائية الذي تقاسمت الولايات المتحدة الوظيفة القيادية فيه مع الاتحاد السوڤيتي وصولاً إلى انفراد أمريكا بالقيادة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي في مطلع تسعينات القرن الماضي، ثم بدأت تواجه تحديات لهذه القيادة المنفردة حتى جاءت جائحة كورونا فكيف يمكن تحليل تأثيرها على التنافس أو الصراع من أجل قيادة العالم؟

 

   ملاحظات منهاجية

   قبل البدء في الإجابة على السؤال الرئيسي لهذه المقالة لابد من تسجيل بعض الملاحظات المنهاجية الضابطة للتحليل الوارد فيها، وثمة أربع ملاحظات في هذا الصدد:

   وتشير الملاحظة الأولى إلى ضرورة البدء بتحليل الأوضاع التي كانت سائدة قبل جائحة كورونا، حيث يُلاحظ أن بعض التحليلات يتحدث عن ظواهر معينة وكأنها وليدة الجائحة بينما بدأت هذه الظواهر قبلها بحيث تصبح مهمة التحليل هي قياس الطريقة والدرجة التي أثرت بها على هذه الظواهر بعيدًا عن أن تكون قد أنشأتها، وعلى سبيل المثال فإن البعض يتحدث عن التنافس وربما الصراع الأمريكي-الصيني وكأن الجائحة هي التي أوجدته بينما هو موجود منذ بداية تراخي القبضة الأحادية الأمريكية على النظام العالمي واستمرار الصعود الصيني في نهاية العقد السابق، كذلك فإن البعض يتحدث وكأن ڤيروس كورونا هو أول من قلص ظاهرة العولمة بينما اتبع ترامب منذ بدء ولايته في٢٠١٧م، سياسات أفضت إلى الأثر ذاته، ويصعب هذا الاعتبار من مهمة التحليل لأنه يجعلها ذات طابع مقارن كي يمكن التحديد الدقيق للأثر الصافي لجائحة كورونا على الظواهر موضوع التحليل.

   أما الملاحظة الثانية فتتعلق بضرورة البعد عن التحليلات ذات الطابع الأيديولوجي أي تلك التي تنبع من المواقف الفكرية والسياسية وليس من المؤشرات التجريبية التي تُثْبت أو تنفي نتيجة معينة، ومن المعروف أن التحيزات الشخصية تمثل واحدة من الصعوبات المهمة التي تواجه الموضوعية في التحليل السياسي، ولذلك يستسهل البعض التوصل إلى نتائج تتسق وانحيازاته الشخصية، كما في استسهال اتهام هذه الدولة أو تلك بالمسؤولية عن الجائحة، أو الحديث عن "تجمع غربي" في مواجهة الصين يدعم الموقف الأمريكي بينما يعاني هذا التجمع من توترات حقيقية.

   وتتناول الملاحظة الثالثة طبيعة المتغير الذي نحاول تحليل تأثيره على التفاعلات الدولية من منظور التعاون أو الصراع، فقد ذهب البعض تأثرًا بالمدرسة المثالية في العلاقات الدولية إلى الحلم بأن تؤدي الجائحة إلى الارتقاء بهذه التفاعلات إلى حالة تعاونية تمكن من مواجهتها بكفاءة، بينما الحقيقة أن "متغير كورونا" ذو طبيعة "محايدة" مثله في هذا كمثل القرب الجغرافي الذي لا يفضي بحد ذاته إلى التعاون أو الصراع وإنما يتوقف الأمر على المتغيرات الوسيطة على طرفي تفاعل ما والتي يمكن أن تفضي حينًا إلى صراع وحينًا آخر إلى تعاون.

   وأخيرًا فإن الملاحظة الرابعة تذكر بأننا مازلنا في وسط الحدث الذي نحاول تحليل آثاره، فلا يستطيع أحد الادعاء الآن أننا في نهاية الجائحة أو حتى نقترب من نهايتها، كما أنه ليس مؤكدًا أن السيطرة على الوباء كما حدث في الصين ودول أخرى تطوي صفحته، فثمة حديث عن موجات أخرى قادمة وعن تحوير الڤيروس لنفسه، ولذلك فإن المعطيات المتاحة للتحليل لم تصل إلى نقطة السكون بعد، وعلى المدى القصير مثلاً فإن الأشهر القليلة القادمة سوف تحسم مصير ترامب في الانتخابات الرئاسية القادمة بمعنى أن استمرار الفشل في إدارته للأزمة سوف يُنهي فرصه في ولاية ثانية والعكس صحيح، ولا شك أن كلا الاحتمالين سوف يكون له تأثيره على موضوع التحليل من خلال استمرار سياساته أو تغييرها، وهي التي كانت لها آثار واضحة على التفاعلات الدولية للولايات المتحدة، أما على المدى الطويل فإن طول أمد الجائحة وتفاقم تداعياتها لا قدر الله قد تكون له آثار جذرية على موازين القوى الدولية.

 

   تطور القيادة الأمريكية للعالم قبل كورونا

   وفقًا للملاحظة الأولى في الجزء السابق فإنه لابد من إلقاء نظرة على تطور الدور القيادي الأمريكي في النظام العالمي وما كان عليه لحظة بداية الجائحة، وإذا بدأنا بنهاية الحرب العالمية الثانية نذكر أن نتائج الحرب لم تسفر فحسب عن انتصار معسكر الحلفاء وإنما أدى مسار الحرب وطبيعة العمليات العسكرية فيها إلى إعادة فرز الأوزان النسبية داخل هذا المعسكر بحيث برزت الولايات المتحدة قائدة له لتحل محل بريطانيا، كذلك برز الدور السوڤيتي في هزيمة ألمانيا النازية على النحو الذي كفل له الهيمنة على شرق أوربا عسكريًا وسياسيًا، وسرعان ما اتضح أن القوى الخمس التي تصور واضعي ميثاق الأمم المتحدة أنها ستقود النظام العالمي بعد الحرب ومنحوها لذلك حق الاعتراض منفردة على قرارات المجلس قد اختُزلت إلى اثنتين فقط هما الولايات المتحدة والاتحاد السوڤيتي بعد الإنهاك الذي أصاب بقية الدول خاصة مع تصاعد حركات التحرر الوطني في المستعمرات البريطانية والفرنسية، وفي البداية بدا التوازن بين العملاقين الجديدين مبنيًا على احتكار الولايات المتحدة للسلاح الذري وامتلاك الاتحاد السوڤيتي قوة عسكرية تقليدية هائلة تجعل أوروبا الغربية رهينة لديه حال وقوع هجوم بالأسلحة غير التقليدية عليه، غير أنه سرعان ما كسر الاحتكار الأمريكي للسلاح الذري في١٩٤٩م، ليتعزز التوازن بين القطبين ثم يستقر تمامًا بإطلاق الاتحاد السوڤيتي قمرًا صناعيًا في مسار حول الأرض في١٩٥٧م، إشارة إلى أنه أصبح قادرًا على توصيل أسلحته النووية إلى الأراضي الأمريكية بما يعوض القصور في قدرة سلاحه الجوي مقارنًا بنظيره الأمريكي، وهكذا شهدت نهاية الخمسينات من القرن الماضي تبلور نموذج القطبية الثنائية وما أفضى إليه من صراع بين العملاقين اللذين كان أولهما يتزعم المعسكر الغربي الرأسمالي بينما يتزعم الثاني المعسكر الشرقي الشيوعي، وبسبب التوازن بينهما فإن هذا الصراع قد اتخذ شكل الحرب الباردة التي لم يتم اللجوء فيها إلى صدام عسكري مباشر لأن من شأنه أن يؤدي إلى تدميرهما معًا وإنما تركزت مظاهر الصراع على الحروب بالوكالة والصراع على مناطق النفوذ.

   وعلى الرغم مما بدا منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي من أن القوة الأمريكية آخذة في الأفول في ضوء الهزيمة الأمريكية في حرب ڤيتنام فإنه سرعان ما اتضح أن الاتحاد السوڤيتي بدأ يدفع بدوره تكلفة "الإمبراطورية" التي كان يحاول بناءها بتدخله العسكري في أفغانستان١٩٧٩م، ودعمه نظمًا يسارية ووطنية عديدة في آسيا وإفريقيا والوطن العربي ناهيك بالتحليلات التي ذهبت إلى أن الولايات المتحدة قد تبنت مخططًا في عهد رئيسها رونالد ريجان (١٩٨٠-١٩٨٨م) لاستنزاف الاتحاد السوڤيتي في سباق التسلح، وذلك فضلاً عن عوامل الضعف الداخلية وبالذات اقتصاديًا التي عرضت التجربة السوڤيتية لمصاعب جمة، وفي هذه الظروف وصل ميخائيل جورباتشوف إلى قمة السلطة في الاتحاد السوڤيتي في منتصف الثمانينات حاملاً معه برنامجًا إصلاحيًا تحت شعار "إعادة البناء"، ومثل هذا البرنامج تغييرًا حقيقيًا في السياسات السوڤيتية كان جوهره داخليًا هو حقن النظام السوڤيتي بدماء ليبرالية اقتصاديًا وسياسيًا وتغيير بوصلة سياسته الخارجية من التكييف الصراعي للعلاقات بين المعسكرين إلى رفع شعار "عالم واحد أو لا عالم" الذي كان يعني أن جوهر السياسة السوڤيتية لم يعد السعي إلى الانتصار على المعسكر الرأسمالي وإنما التعاون معه لمواجهة مخاطر مشتركة، وهكذا حدث تقدم حقيقي في مباحثات الحد من الأسلحة الاستراتيجية وانسحب الاتحاد السوڤيتي من عدد من الصراعات على رأسها الصراع في أفغانستان وأوقف دعمه للنظم الحليفة كما في سوريا وجنوب اليمن بموجب شعار "توازن المصالح لا توازن القوى"، وساد وفاق حقيقي العلاقات الأمريكية-السوڤيتية نتيجة هذا كله، غير أن تجربة جورباتشوف انتهت بتفكك الاتحاد السوڤيتي، وسواء كان ذلك راجعًا إلى أن بنيته الداخلية لم تتحمل هذه الإصلاحات أو إلى التدخل الخارجي أو الأمرين معًا فإن المحصلة الأكيدة هي أن القطب السوڤيتي قد أُزيح من موقع القيادة في النظام العالمي ليبزغ نموذج جديد لقيادة النظام هو نموذج الأحادية القطبية.

   وبموجب هذا النموذج انفردت الولايات المتحدة بالوظيفة القيادية في النظام العالمي خاصة وقد شهدت روسيا وريثة الاتحاد السوڤيتي تدهورًا هائلاً في ظل قيادة يلتسين، كما أن الصين لم تكن قد وصلت إلى ما وصلت إليه الآن من تكامل لعناصر قوتها، وبقي الاتحاد الأوروبي حقيقة اقتصادية غير مؤثرة في السياسة العالمية، وسادت فكرة "نهاية التاريخ" لفوكوياما، وثمة حدثان فارقان في القيادة الأمريكية الأحادية للعالم هما عملية تحرير الكويت١٩٩١م، التي قادتها الولايات المتحدة ببراعة وعملية غزو العراق٢٠٠٣م، التي أظهرت أكثر من سابقتها الانفراد الأمريكي بالقرار الدولي، فبينما تمت الأولى تحت مظلة الشرعية الدولية جاءت الثانية دون رخصة من مجلس الأمن في وجه معارضة دولية شملت عددًا من القوى الغربية الوازنة، ويمكن القول مع ذلك بأن هذه العملية كانت نقطة الذروة في الانفراد الأمريكي بقيادة العالم، فقد ولدت واقعة الغزو مقاومة عراقية ضارية أدت إلى سقوط أكثر من ثلاثة آلاف قتيل وثلاثين ألف جريح أمريكي بالأرقام الرسمية الأمريكية التي يعتقد البعض أنها أدنى من الحقيقة بكثير، فضلاً عن استنزاف الموارد الأمريكية في العمليات العسكرية على أرض العراق وتسليمه على طبق من ذهب للنفوذ الإيراني بسبب سياسات الاحتلال الأمريكي وفشل المشاريع السياسية الأمريكية سواء للعراق أو للمنطقة، وتزامنت مع هذه التطورات ثمار سياسات بوتين الذي وصل إلى قمة السلطة في روسيا خلفًا لرئيسها الضعيف يلتسين ونجح في إعادة روسيا بالتدريج إلى موقعها في النظام العالمي واستمرار الصعود الصيني بالاعتماد على تقدم اقتصادي سريع ومستدام بالإضافة إلى تطور الكتلة الأوروبية وبالذات على الصعيد الاقتصادي، وهكذا بدا أن نظام الأحادية القطبية في طريقه إلى التآكل.

   وهكذا فإنه عندما تولى دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة في مطلع٢٠١٧م، كانت العملية التاريخية لبداية تآكل الانفراد الأمريكي بقيادة العالم قد بدأت، وقد عززها بسياساته التي لم تطل خصوم الولايات المتحدة فحسب وهذا طبيعي في إطار التنافس على قيادة العالم والرغبة في تعزيز القيادة الأمريكية كما يظهر من سياسات ترامب تجاه الصين، وإنما امتدت إلى الحلفاء أيضًا، أما الخصوم فقد كان تركيزه على الصين منذ حملته الانتخابية في٢٠١٦ م، حيث اتهمها بسرقة الوظائف والأرباح الأمريكية من خلال الممارسات التجارية غير العادلة، وكان طبيعيًا في هذا السياق أن يبدأ حربًا تجارية مع الصين وإن جرت محاولات لتهدئتها والوصول إلى تفاهمات لم تتمكن من إنهائها، كما أن كورونا قد قوض هذه المحاولات بما أضافه من عوامل جديدة للصراع، أما الحلفاء فقد نالهم نصيب وافر من سياسات ترامب، فقد اعترض منذ البداية على اتفاقية التجارة الحرة بين دول أمريكا الشمالية (نافتا) الموقعة عام١٩٩٤م، وانسحب منها بعد أن وصفها بالاتفاقية التجارية الأسوأ، ومع أنه توصل مع هذه الدول لاتفاقية بديلة في٢٠١٨م، إلا أنها تضمنت قواعد أكثر صرامة، كذلك كان من أوائل تحركات ترامب انسحابه من اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادي، وامتدت حروب ترامب التجارية إلى أوروبا بإعلانه فرض تعريفات جمركية على الفولاذ الأوروبي وسلع أخرى تتجاوز قيمة التبادل التجاري الأمريكي-الأوروبي فيها ١٧مليار دولار، وهكذا فإن الضرر الذي لحق بالعولمة الاقتصادية لم يبدأ بكورونا وإنما بسياسات ترامب التجارية وإن كانت كورونا قد فاقمت على نحو غير مسبوق من هذا الضرر. أما على الصعيد السياسي والاستراتيجي فحدث ولا حرج، فقد ثابر ترامب على اتهام شركائه في حلف الأطلنطي بعدم تحمل مسؤولياتهم تجاه الحلف وبالذات على صعيد المساهمات المالية، وإذا كان قد نجح بموقفه هذا في تحقيق زيادة في هذه المساهمات فإنه بالمقابل قوض ثقة الحلفاء في جدوى الحماية الأمريكية وفتح الباب مجددًا للحديث عن بديل دفاعي أوروبي مستقل يتحسب لسياسات ترامب التي تربط الحماية بالمال، ومن ناحية أخرى اتبع ترامب سياسة غير ودية تجاه الاتحاد الأوروبي بتشجيعه الواضح لبريطانيا على الخروج منه عكس سلفه أوباما.

 

   تداعيات كورونا على الدور القيادي الأمريكي

   يعني التحليل السابق أن لحظة كورونا قد تزامنت مع مؤشرات واضحة على تآكل نموذج الأحادية القطبية الذي انفردت بموجبه الولايات المتحدة بقيادة النظام العالمي سواء لفشل المشروع الأمريكي في العراق أو لعودة روسيا إلى ساحة التأثير الدولي واستمرار الصعود الصيني فضلاً عن أقطاب دولية أخرى أو لتأثير سياسات ترامب على علاقة الولايات المتحدة بحلفائها، كذلك كان التحليل واضحًا في أن التنافس الأمريكي-الصيني كان حقيقة واقعة قبل كورونا، أي أن تهديد الدور القيادي الأمريكي والصراعات التي دخلت فيها الولايات المتحدة لحمايته لم تبدأ بكورونا، وبالتالي تتركز مهمة التحليل الحالي في تحديد اتجاه تأثير تداعيات كورونا على هذا الدور ودرجة هذا التأثير، ويُلاحظ أولاً أن تعرض الصين للوباء في البداية قد أثار أسئلة حقيقية حول تأثيره على المكانة الصينية في هيكل قيادة النظام العالمي، ذلك أن فشل الصين في مواجهة الجائحة كان ممكنًا أن يعرقل صعودها إلى قمة النظام العالمي على النحو الذي أثرت به الثورة الثقافية في ستينات القرن الماضي على الصعود الصيني، غير أن الصين واجهت التحدي بحزم وكفاءة ووُضعت دول أخرى موضع التحدي كإيطاليا وإسبانيا إلى أن وصل الوباء إلى الولايات المتحدة التي بدا أداؤها متواضعًا للغاية مقارنة بغيرها حتى تصدرت العالم في عدد الإصابات بنسبة الثلث تقريبًا بينما تجاوز عدد الوفيات ساعة كتابة هذه السطور (مايو٢٠٢٠م) المائة ألف وفاة بنسبة الربع تقريبًا من الوفيات العالمية، وهو ما يعني أن الخسائر البشرية للولايات المتحدة في أقل من خمسة شهور تجاوزت خسائرها في الحروب التي خاضتها في أكثر من خمسة عقود في كوريا وڤيتنام وأفغانستان والعراق، وتقترب من خسائرها في الحرب العالمية الأولى.

   وتشير أصابع الاتهام إلى مسؤولية الطريقة التي أدار بها الرئيس الأمريكي الأزمة عن هذا الفشل، فقد استخف بداية بها معتبرًا الوباء أنفلونزا عادية يعالجها الأسبرين وتوالت بعد ذلك آراؤه غير المستندة إلى أساس علمي بخصوص العلاجات وتنبؤاته غير الصحيحة عن الحد الأقصى للإصابات وتصريحاته المتسرعة عن ضرورة فتح الاقتصاد مجددًا وغير ذلك الكثير، كذلك اتجه إلى تسييس الأزمة داخليًا متهمًا الديموقراطيين بافتعالها للتأثير على الانتخابات الرئاسية وخارجيًا بتحميل المسؤولية للصين التي اتهمها حينًا بتخليق الڤيروس وحينًا آخر بعدم الشفافية الذي تسبب في عدم اتخاذ الدول الأخرى القرارات الصحيحة في الوقت المناسب لمواجهة الجائحة، ونشبت نتيجة لذلك حرب باردة جديدة بينه وبين الصين ترتب عليها مثلاً تعويق صدور قرار من مجلس الأمن بوقف إطلاق نار شامل في الصراعات الدائرة تسهيلاً لجهود الإغاثة الإنسانية حيث تصر الولايات المتحدة على تضمين مبدأي الشفافية والمساءلة في القرار وعدم الإشارة الإيجابية لمنظمة الصحة العالمية التي تتهمها بالانحياز للصين التي ترفض وجهة نظر الولايات المتحدة وكلاهما يملك حق الاعتراض، ولن يُغير الرئيس أيًا من اتجاهاته السابقة لأن عينه على انتخابات نوڤمبر التي بدأت حظوظه تتراجع فيها وفقًا لاستطلاعات الرأي العام، ولذلك لابد من أن يجد كبش فداء يحمله مسؤولية الإخفاق، والواقع أنه حتى بافتراض صحة اتهاماته للصين فإن مسؤولية ترامب أكيدة حيث تعرضت دول العالم كافة للظروف نفسها فنجح بعضها نجاحًا لافتًا وفشل البعض الآخر بوضوح، وهو ما يعني أن إدارة الأزمة وليست الصين هي المسؤولة الأساسية عن النجاح أو الفشل.

   ولا شك أن لكل ما سبق دلالاته السلبية بالنسبة للدور القيادي الأمريكي في النظام العالمي إذ تشير الخبرة التاريخية إلى أن التدخل الأمريكي في الأزمات الكبرى التي واجهها هذا النظام كان حاسمًا، كما حدث في الحربين العالميتين السابقتين، غير أن الولايات المتحدة تبدو الآن عاجزة عن قيادة العالم بما يحمي أمنه مكتفية بتوزيع الاتهامات على الآخرين، في حين لا يبدو أداء الصين في مواجهة الڤيروس لافتًا فحسب وإنما هي تحاول أن تقدم نموذجًا مغايرًا للنموذج الأمريكي يقوم على التعاون الدولي في مواجهة الجائحة بما يعزز البعد المعنوي لقيادة العالم، ولا يعني هذا بحال أن الدور القيادي الأمريكي في النظام العالمي قد انتهى، إذ تبقى الولايات المتحدة على قمة العالم عسكريًا ومن الصعب تخطيها في الأمد المنظور وإن كان التوازن معها قائمًا بمنطق توازن الردع وليس القوة الشاملة، كذلك فإن اقتصادها حتى الآن على رأس اقتصادات العالم وإن كان تجاوز الصين له يبدو قريبًا خاصة لو تفاقمت تداعيات كورونا على الاقتصاد الأمريكي مقارنة بالصين، ومن ناحية ثالثة فإن خسارة ترامب للانتخابات القادمة قد تكون بداية لتصحيح المسار الأمريكي دوليًا بما يعيد للولايات المتحدة بعض ما فقدته بفعل سياسات ترامب، وأخيرًا لا يجب أن ننسى أن مقومات القوة العالمية للصين لم تكتمل بعد وأن طريقها للقمة ليس مفروشًا بالورود، إذ أن الصين رغم ليبراليتها الاقتصادية مازالت تحتفظ بنظام سياسي حديدي قابل لتفجر أزماته في أي وقت خاصة على ضوء التدخل الخارجي من أصحاب المصلحة في وقف التقدم الصيني، ومع أن هؤلاء يبالغون عادة في تقدير احتمالات تقويض النظام الصيني استنادًا إلى هذه الأزمات إلا أن نهاية التجربة السوڤيتية جاءت على هذا النحو: بنية داخلية هشة سَهُل على التدخلات الخارجية أن تعبث بها، والخلاصة أن الأثر الأكيد لكورونا على هيكل القيادة في النظام العالمي والدور القيادي الأمريكي فيه هو تعزيز التعددية التي كانت إرهاصاتها قد بدأت منذ العقد السابق اللهم إلا إذا سارت الجائحة لا قدر الله وفقًا لنموذج "وباء جستنيان" في القرن السادس الميلادي الذي قوض إمبراطوريتين عالميتين.

 

مجلة آراء حول الخليج