array(1) { [0]=> object(stdClass)#12962 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

مستقبل اليمن العربي والثورة الشعبية

الإثنين، 01 آب/أغسطس 2011

ليس من السهل التكهن بمستقبل أية دولة من خلال القرارات السياسية في حالة السلم، فما بالنا بالتكهن بمستقبل دولة قد تكون لم تخرج بعد من طور الثورة إلى طور المرحلة الانتقالية، لكن الأحداث الراهنة في اليمن العربي قد تسمح لنا بأن نعطي صورة علمية للسيناريوهات التي من الممكن أن تنبثق من هذه الثورة الوطنية.

لقد حاول مجلس التعاون الخليجي التدخل في حل الأزمة السياسية لجاره الجنوبي. لكن، وللأسف الشديد، كافة مبادرات المنظومة الخليجية باءت بالفشل حتى الآن، فلم ينبثق منها أي حل سياسي يرضي جميع الأطراف المتنازعة في اليمن. والمسألة هنا واضحة: فلدينا شعب يرغب في إسقاط النظام، غير أن رأس هذا الأخير ودعائمه الأساسية ليست له رغبة في التنازل عن السلطة. الثورة الشبابية اليمنية مستمرة حتى كتابة هذه السطور. الرئيس اليمني علي عبدالله صالح نُقِل إلى الرياض لضرورة صحية بعد أن هوجم من قبل المتظاهرين في قصره الرئاسي في بداية شهر يونيو الماضي. استقبال المملكة العربية السعودية للرئيس اليمني له دور كبير في الحركة السياسية المستقبلية لليمن الجديد. الأنباء الحالية تشير إلى أن الرئيس صالح مصاب وحالته خطيرة، لكن الإعلام الرسمي لليمن يشير إلى أن الرئيس سوف يعود قريباً إلى اليمن ليستلم الحكم من جديد. وفي الوقت الراهن وخلال غياب الرئيس عن الدولة، يقوم نائب الرئيس، عبدربه منصور الهادي، بإدارة شؤون البلاد. ومن خلال هذه المعطيات بإمكاننا أن نطور السيناريوهات الآتية في مستقبل اليمن بعد الثورة.

عودة علي عبدالله صالح إلى اليمن كرئيس أمر خطير في مستقبل هذه الدولة، حيث إن رحيله للرياض استُقبل بالفرحة من قبل المتظاهرين، ظانين أن ثورتهم حققت بداية النصر وانضمامهم إلى الدول العربية التي استطاعت التخلص من رموز النظام السابق، أي تونس ومصر. ويشير بعض المتابعين لأوضاع اليمن إلى أن عودة الرئيس صالح إلى اليمن قد تسبب حرباً أهلية. بمعنى آخر، إن عودة الرئيس إلى منصبه قد تكون قنبلة موقوتة تهدد الوحدة اليمنية بانفجار حرب أهلية. وقد تكون هناك مبالغة في التعامل مع هذه المعطيات، لكن يجب أن تؤخذ هذه الاحتمالات بجدية لمعرفة مدى إمكانية حصولها أم لا. فاليمنيون يعلمون مذاق الحرب الأهلية، حيث إنهم عاشوا ويلاتها في منتصف عقد التسعينات من القرن الماضي. وهذا يعني أن احتمالية تكرار مرحلة الحرب الأهلية في هذا البلد العربي ضئيلة جداً. فالعديد من النشطاء دعوا إلى ثورة في الجزائر، لكن الشعب الجزائري لم يستجب لهذه الدعوات خوفاً من نشوب صراع داخلي، لأن هذا الشعب يعلم نكهة الحرب الأهلية، حيث إن أغلب الجيل الجزائري الحالي قد عاش الفترة السوداء في عقد التسعينات من القرن الماضي. وكذلك النخبة اليمنية، على الرغم من وجود القَبلية في التركيبة الاجتماعية  لهذا البلد لن تتجرأ على أن تجر الشعب إلى هاوية حرب أهلية لحل أزمة سياسية.

وتصور نشوب حرب أهلية أثناء عودة الرئيس صالح إلى اليمن يتعارض مع معطيات الواقع، حيث إن الثورة اليمنية قد تقدمت في طورها وأصبح العديد من أبناء الحكومة منضمين إلى صفوف المطالبين بإسقاط النظام. فمقوّمات نظام صالح أصبحت ضعيفة مقارنة بالعزيمة الشعبية لتحقيق الديمقراطية في البلاد. فالحرب الأهلية لا يمكن أن تنشب بين الجنوب والشمال مثل ما يتخيل البعض، لكن - وهذا هو الاحتمال المطروح- بين الموالين للحكومة، وقد أصبحوا قلة في الوقت الراهن، والمطالبين بالديمقراطية وهم الكم الهائل من الشعب اليمني. بهذه الصورة، لا يمكن أن نطلق على هذا الصراع حرباً أهلية، لأنه من الممكن أن تنطبق عليها صفات التظاهر السلمي التي أظهرها الشعب اليمني في ثورته حتى الآن.

الصورة التي من الممكن أن نرسمها لسيناريو عودة الرئيس هي رغبة الرئيس في أن يعيش بكرامة في اليمن من دون أن تكون هناك ملاحقات قضائية ضده من خلال تعسفه في استعمال السلطة. بكلمات أخرى، صالح يرغب في أن يعيش في اليمن بكرامة بعد أن يسلّم السلطة لحكومة انتقالية يديرها نائب الرئيس. وهذا تم تجسيده في المبادرة الخليجية لحل الأزمة اليمنية، لكن دون جدوى. قد تكون هناك مطالبات شعبية بمحاكمة رموز النظام السابق على فسادهم الإداري وتسببهم في مسائل تعذيب وقتل حتى في أثناء الثورة الشبابية، لكن، قد يكون الحل الأفضل هو التخلي عن هذه التداعيات التي لن تقدّم طيباً للمصلحة الوطنية، حيث إن المصلحة الوطنية في الفترة الانتقالية هي ليست محاكمة رموز النظام السابق، لكن تأمين وسيلة  انتقالية مضمونة لمرحلة ديمقراطية تديرها حكومة ديمقراطية مختارة من قبل الشعب.

على الحكومة الانتقالية أن تسعى جاهدة لكبت جميع الخلايا الضارة بالمجتمع اليمني

هذا هو الهدف من كل هذه الثورات الشعبية العربية. أضف إلى ذلك أن محاكمة رموز النظام السابق، وبالأخص الرئيس علي عبدالله صالح، تتنافى مع المبادئ التي قامت من أجلها الثورة اليمنية وهي الكرامة والعيش الكريم. فمحاولة محاكمة الرئيس مبارك في مصر لن تزيد الرئيس السوري بشار الأسد إلا تثبتاً بكرسيه حتى لا يواجه المصير نفسه من قبل شعبه. وكذلك إصدار مذكرة توقيف من قِبل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو ضد العقيد معمر القذافي لن تزيد هذا الأخير إلا إصراراً على مواصلة القتال ضد شعبه. فالمخرجان كلاهما مرّان ضد الرئيس، فبينما هو في عرش الرئاسة، هناك أمل في أن يخرج من هذه المعضلة بسلام، والعنف ضد شعبه هو الوسيلة الوحيدة التي يملكها الحاكم حتى يحقق هدفه الشخصي، وهو البقاء على كرسي العرش. ومع حلول شهر رمضان الكريم، فبإمكان الشعب اليمني أن يضرب مثالاً آخر في الصفح والعيش الكريم للرئيس المخلوع – أمر  لم نره لا في تونس ولا في مصر حتى الآن -  فقد ضرب لنا الشعب اليمني في أيام الثورة أروع الأمثال في المظاهرات السلمية.

كانت مظاهرات الشعبين التونسي والمصري سلمية، لكن يجب أن نشير إلى أن هذين الشعبين لم يملكا سلاحاً لكي يخوضا عملية تمرد ضد الحكومة كما يحدث الآن في ليبيا. أما الشعب اليمني فلديه السلاح، حيث إن من عادات وتقاليد هذا الشعب هي حمله السلاح للزينة. فعلى الرغم من وجود الأسلحة في أيدي المواطنين، فلم يستخدم المتظاهرون المسالمون هذه الأداة للوصول إلى أهدافهم، ضاربين بذلك المثل الجدّي بإرادتهم القوية للوصول إلى نقلة ديمقراطية بطريقة سلمية. فعلى الرغم من أن الحكومة استخدمت عنصر العنف لكبت جموح المواطنين وصدهم عن إرادتهم في إسقاط النظام، قَابَلَ الشعب اليمني السيئة بالحسنة. فَوَاصَلَ هذا الشعب مسيراته السلمية مطالباً الرئيس وحكومته بترك إدارة شؤون البلاد.

فالمحكمة القضائية التونسية قد أصدرت الحكم على الرئيس المخلوع ابن علي بالسجن هو وحرمه بـ 35 عاماً. أما الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك، فسوف يمثل أمام القاضي في شهر أغسطس 2011، والمتوقع أن تكون فترة سجنه مماثلة لفترة الرئيس التونسي المخلوع. يبدو أن الشعب اليمني هو الشعب الثالث الذي استطاع، أثناء ربيع الثورات العربية، تحقيق الهدف الأول من المطالب الوطنية، وهو إسقاط النظام. فكما ضرب لنا أروع الأمثلة بمظاهراته السلمية أثناء الثورة، عليه أن يبهر العالم أجمع بصفحه عن أخطاء وزلات الرئيس السابق علي عبدالله صالح خاصة مع حلول شهر رمضان الفضيل.

ولن تزد عملية إنشاء مجلس وطني انتقالي في الوقت الراهن مع وجود الحكومة المركزية إلا تعقيداً للمسألة اليمنية. هذه العملية قد تؤدي إلى مطالبة الشعب باختيار إحدى الحكومتين مما قد يدعو إلى نشوب خلاف لا داع له في الوقت الراهن. كذلك، الحكومة المركزية لن تقبل بوجود طرف سيادي في منطقتها من دون تصريح رسمي. بمعنى آخر، وجود مجلس انتقالي وطني في اليمن قد يعكر صفو الوحدة اليمنية، مما يجبر الحكومة المركزية على استخدام السلاح لكبت  مطالب المجلس الانتقالي. وفي هذا السيناريو، احتمالية انفصال اليمن إلى يمن جنوبي ويمن شمالي قد تكون في أفضل أطوارها. بالإضافة إلى أن وجود عملية انفصال غير مرغوب من حكومة مركزية قد يؤجج عملية اشتعال حرب أهلية في هذا البلد. لذا، فالمطلب الوحيد الذي بإمكانه أن يحل هذه المعضلة هو تجمهر النخبة حول حكومة مركزية تقود العملية الانتقالية وهذا هو الخيار الذي اتبعته كل من مصر وتونس خشية حدوث خلافات داخلية لا داعي لها.

وتشير بعض التقارير إلى أن علي عبدالله صالح هو إحدى الشخصيات المهمة في عصرنا الحالي في  الحرب ضد الإرهاب، مما يدعو بعض المحللين للأوضاع الداخلية لليمن بعد الثورة إلى التكهن بأن غياب حكومة صالح سوف يعطي تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية بشكل عام واليمن بشكل خاص حقلاً خصباً لممارسة عملياته الإرهابية. بمعنى أن التجمهر حول صالح أمر ضروري للقضاء على (القاعدة) في هذه المنطقة، والأمر الذي باستطاعتنا أن نستنكره هنا ضد هذه المحورية هو هل يطالب المتظاهرون بالمحافظة على (القاعدة) في اليمن؟ ألن تستطيع الحكومة الانتقالية العمل على المكافحة ضد الإرهاب مثلما كان يعمل صالح في زمنه؟ هذه الأسئلة وأخرى يجب الإجابة عنها قبل أن نستعرض آلة الترهيب ضد (القاعدة) مطالبين الشعب بالتجمهر حول صالح بحجة أنه الوحيد القادر على إنهاء هذه العملية مثلما ينبغي. فقد طالب سابقاً نظام القذافي أموراً شبيهة بهذه وقال إن رحيله سوف ينهي الأمن والسلام بالبلاد معلناً بذلك بداية عصر جديد للقاعدة في المغرب العربي وشمال إفريقيا. فالحكومة الانتقالية أو الحكومة الديمقراطية في اليمن العربي سوف تبذل كل ما بوسعها للقضاء على تنظيم القاعدة الموجود في أراضيها.

وهناك أمور جدية يجب أن تحظى بعناية الحكومة في الفترة الانتقالية، منها مسألة الإرهاب والأمن الداخلي من جهة، ومسألة الفقر والبطالة وخمول الاقتصاد اليمني من جهة أخرى. ولا يمكن أن يستقيم حال اليمن العربي من دون أن تكون له يد حديدية يستطيع بها أن يقضي على تركيب (القاعدة) في منطقته. فمن مبدأ أن القاعدة الأساسية في هرم الدولة هي الأمن والسلام والاستقرار، فعلى الحكومة الانتقالية أن تسعى جاهدة إلى كبت جميع الخلايا الضارة بالمجتمع اليمني، حيث إنه من المحتمل أن تستغل (القاعدة) ضعف الدولة اليمنية لتنفيذ خططها اللا إنسانية.

مسألة الفقر والبطالة وانتعاش الاقتصاد الوطني من المسائل المهمة في الفترة الحالية من تاريخ اليمن

وكذلك مسألة الفقر والبطالة ومسألة انتعاش الاقتصاد الوطني هي من المسائل المهمة في الفترة الحالية من تاريخ اليمن. كما نجد في الوقت الراهن ارتفاعاً مستمراً في أسعار الغذاء والسلع الأساسية، وانقطاعاً مستمراً للكهرباء وندرة في المياه والوقود. كل هذه الأمور مجتمعة من الممكن أن تشكل خليط (مولوتوف) خطيراً جداً قد يؤدي إلى كارثة إنسانية عصيبة لدى هذا الجار العربي.

وختاماً، يجب أن نشير إلى دور مجلس التعاون الخليجي بشكل عام والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان بشكل خاص في استقرار اليمن بعد الثورة. وسعي دول الخليج المتواصل لحل الأزمة اليمنية -بمبادرتها الخليجية- يدل على أهمية استقرار هذا الجار العربي بالنسبة لأعضاء المنظومة، حيث إن عدم استقرار اليمن يدل على أن بلدين خليجيين قد يكونان أول المتضررين بإشكالية اليمن، ألا وهما السعودية وسلطنة عُمان بسبب الحدود المشتركة مع اليمن. فمسألة اللاجئين اليمنيين قد تكون أول مشكلة يجب على هذين البلدين الخليجيين تجنبها بشتى الوسائل الممكنة. فعندما ننظر إلى الحراك الداخلي السوري، فإن تركيا هي أول دولة تعاني من مسألة اللاجئين السوريين بسبب عنف نظام دمشق. كذلك، بما أن السعودية هي الدولة التي ترعى صحياً الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، فإن المملكة لن ترضى بعودة صالح إلى اليمن إذا كانت تدرك أن عودته سوف تكون عامل عدم استقرار للجار الجنوبي. أضف إلى ذلك أن مجلس التعاون الخليجي لن يقف مكتوف الأيدي تجاه مستقبل اليمن بعد الثورة. وسيحاول أعضاء المجلس دعم اليمن حتى يحقق الاستقرار، لأن استقرار اليمن هو استقرار لأعضاء هذه المنظومة الخليجية.

كل هذه السيناريوهات قد تكون محتملة أو بمعنى أصح مخيفة، لكن عدم رغبة أي طرف في أن يكون جزءاً من الحقيقة يجعل احتمالية وقوعها ضئيلة جداً. ويبقى الآن الدور على الشعب اليمني في تحديد مستقبله بعد الثورة، لأنه هو العنصر الأساسي في كافة هذه المعادلات. 

مقالات لنفس الكاتب