المركز نقل قضايا الخليج للعالمية بالاندماج مع المجتمع الأكاديمي العالمي

الخميس، 09 تموز/يوليو 2020

يُعد مركز الخليج للأبحاث أبرز مؤسسة بحثية خليجية تركز على شؤون منطقة الخليج، إذ كان للمركز دور فعال في تشجيع الدراسات والأبحاث حول منطقة الخليج وتعزيز الاهتمام الأكاديمي العالمي في هذه المنطقة الاستراتيجية. ومن الملفت للنظر أنه بالرغم من الأهمية المتزايدة للخليج على المسرح العالمي وقت تأسيس مركز الخليج للأبحاث سنة 2000م، كانت هناك فجوة معرفية كبيرة في المنطقة. وكانت منطقة الخليج تُعامل في المجتمع الأكاديمي إلى حدٍ كبيرٍ في أحسن الأحوال على أنها فرع ملحق بدراسات الشرق الأوسط. وكان يوجد بوجه عام عدد قليل من الأكاديميين والباحثين الذين كانوا يعملون في شؤون متعلقة بالخليج، وظلت المنطقة لغزًا أكاديميًا وخارج نطاق عمل المحللين والباحثين. وكانت ندرة المعرفة ونقص الاهتمام الأكاديمي والبحثي حول الخليج أوضح في جيل الشباب، خاصةً الشباب من المنطقة نفسها. وقد واجه إجراء الدراسات الخليجية والبحوث حول المنطقة العديد من العوائق. وبجانب نقص الاهتمام، كانت هناك ندرة في الكتابات الأكاديمية والموارد والملتقيات البحثية للمعنيين بهذا الشأن.

والحقيقة أنه كان يجب تصحيح هذا القصور، وكان يجب أن تتلقى الدراسات الخليجية التقدير المناسب وأن يُعترف بقيمتها الحقيقية. وبعد النجاح الباهر الذي حققه مركز الخليج للأبحاث منذ تأسيسه في عام 2000م، على يد رئيس مجلس الإدارة الخيِّر الدكتور عبد العزيز بن صقر في تشجيع الاهتمام الأكاديمي والبحثي داخل المنطقة، كانت المرحلة التالية للمركز هي نقل الفكرة للعالمية ولمستوى أعلى من خلال تسهيل المشاركة مع المجتمع الأكاديمي العالمي والاندماج معه، وبالتالي العمل بشعار "المعرفة للجميع".

وتضمنت هذه الرؤية بناء وتأسيس قدرة بحثية واهتمام علمي في إحدى أبرز المؤسسات الأكاديمية والبحثية في العالم وهي جامعة كامبريدج. وقد تأسس مركز الخليج للأبحاث-كامبريدج بالتعاون مع جامعة كامبريدج عام 2010م، ويحتفل ملتقى الخليج للأبحاث السنوي في هذه الجامعة المرموقة بذكراه السنوية العاشرة، بينما يحتفل مركز الخليج للأبحاث نفسه بالذكرى السنوية العشرين على تأسيسه. وقد تطور مركز الخليج للأبحاث والكيانات التابعة له على مدار السنوات العشرين الماضية من كونه فكرة إقليمية إبداعية إلى مركز بحثي معترف به عالميًا له شبكات عالمية ساهمت كثيرًا في فهم منطقة الخليج في إطار الرسالة المنشودة المتمثلة في تشجيع الفهم والحوار وتعزيز السلام والأمن والرفاهية والاستدامة في العالم وليس فقط في منطقة الخليج.

الفكرة الملهمة وراء تأسيس مركز الخليج للأبحاث

يأتي الإلهام بطرق وصور عديدة ومن موارد مختلفة، داخلية وخارجية، ولكنه يتطلب عقلاً متفتحًا ومتحمسًا ومتفانيًا، ذا شغف ودافع وعزيمة لتحويله إلى حقيقة، وقدرًا كبيرًا من العمل الجاد لإنجاحه. وبالطبع توجد دائمًا عدة عوائق ومتغيرات مؤثرة، ولكن لا شيء يقف أمام د. عبد العزيز بن صقر في سعيه لتحقيق رسالته وأهدافه. ولتوضيح ذلك، أود أن أشارك تجربتي الشخصية مع د. صقر في تأسيس مركز الخليج للأبحاث-كامبريدج.

دُعيت ذات مرة لحضور إحدى فعاليات مركز الخليج للأبحاث، وكان من دواعي سروري أن أجلس في عشاء المؤتمر مع د. عبد العزيز بن صقر بنفسه. وفي ذلك الوقت، كنتُ أعمل في جامعة كامبريدج، ونظرًا لاهتمامي البحثي بدراسات الخليج، فقد سعدتُ بمعرفة د. صقر بالفعل منذ سنواتٍ عدة. وتحدثنا أثناء العشاء عن الحاجة إلى النهوض بالدراسات الخليجية والأبحاث حول الخليج في أوروبا وخارجها. وقد كانت كامبريدج خيارًا بديهيًا لعدة أسباب. لقد تأسست جامعة كامبريدج في عام 1209م، وتاريخها الممتد 800 عام يجعلها تحتل المرتبة الرابعة ضمن أقدم الجامعات في العالم والمرتبة الثانية في العالم الناطق باللغة الإنجليزية. كما إنها إحدى أفضل الجامعات في العالم، ودائمًا ما تقع في المراكز الأولى كأفضل خيار من حيث التعليم والسمعة والتميز البحثي والأكاديمي.

وفي اليوم التالي، عقدنا اجتماعًا رسميًا، وانضم لنا عدد من أبرز مديري البحوث في مركز الخليج للأبحاث، مثل بروفيسور جياكومو لوتشياني، والدكتور كريستيان كوخ، والدكتور أوسكار زياميليس، والدكتور مصطفى العاني. وناقشنا بشكل رسمي فكرة إعداد مركز الخليج للأبحاث-كامبريدج لدعم رسالة المركز العامة وهدفه الشامل المتمثلين في تشجيع الجهود والبحوث العلمية في دراسات الخليج. ولم يمر وقت طويل على مناقشاتنا حتى زار الدكتور عبد العزيز بن صقر والبروفيسور لوتشياني كامبريدج والتقينا بالإدارة العليا للجامعة لبحث الفكرة. ورحبت الجامعة بالنهج وعرضت دعمها ووافقت على انتساب المركز للجامعة.

ونتيجة لذلك، تأسس مركز الخليج للأبحاث-كامبريدج كمنظمة خيرية بمجلس أمناء من جامعة كامبريدج ومركز الخليج للأبحاث وأكاديميين بارزين آخرين في دراسات الشرق الأوسط والخليج من أجل توفير بيئة أكاديمية لتعزيز الدراسات الخليجية ولتشجيع التبادل العلمي والأكاديمي بين العاملين على التطورات التي تحدث وتقرر وضع منطقة الخليج ومجتمعاتها أو أولئك المهتمين بهذه التطورات.

وكان لي شرف العمل في منصب مدير مركز الخليج للأبحاث-كامبريدج والعمل مع مجلس الأمناء وزملائي في مركز الخليج للأبحاث وجامعة كامبريدج لتطوير رسالة المركز وأهدافه، وذلك إلى أن غادرت كامبريدج عام 2012م، وفي ضوء الهدف الرئيسي لتطوير الاهتمام العلمي وبناء القدرة البحثية المتعلقة بمنطقة الخليج، عملنا معًا على طرح فكرة عقد ملتقى بحثي سنوي ممول من مركز الخليج للأبحاث في كامبريدج.

وقد صُمم الملتقى البحثي لاستضافة عدد من ورش العمل الأكاديمية المركزة. وقد طُرحت أفكار وموضوعات الورش نفسها في طلب عالمي مفتوح من أجل تنظيمها وإدارتها، وذلك مع ضمان وجود أكثر من مدير واحد من مؤسسات مختلفة في كل ورشة عمل. وتُقيَّم بعد ذلك عروض إدارة ورش العمل من خلال لجنة أكاديمية بناءً على معايير الأهمية والاتساق والمساهمة في المعرفة. وسعيًا لتعزيز التعاون العالمي وضمان الحضور والمشاركة الإقليميين، تُمنح الأفضلية لبعض العروض على ورش العمل والتي تضم مديرين من مؤسسات مختلفة، خاصةً من منطقة الخليج. وبعد التدقيق واختيار عروض ورش العمل، يُعلن عن طلب دولي للأوراق البحثية لضمان المشاركة على نطاق واسع. ويُكلَّف مديرو ورش العمل بتقييم عروض الأوراق البحثية بدون أي مدخلات من فريق مركز الخليج للأبحاث. ومن خلال كل من الطلبات الدولية على ورش العمل والأوراق البحثية، يتم تلقي كم كبير من العروض من شتى الجنسيات وحول مختلف الموضوعات والآراء، وفي النهاية تُقبل فقط ورش العمل التي تجذب عددًا مناسبًا من عروض الأوراق البحثية عالية الجودة. ولوحظ أن عدد العروض على ورش العمل والأوراق البحثية استمرت في التزايد كل سنة وبالتالي تزايد عدد الباحثين الشباب والناشئين، خاصةً من منطقة الخليج. وتُعقد في المتوسط من 10 إلى 15 ورشة عمل كل سنة، وتتضمن كل منها من 10 إلى 20 ورقة بحثية. وخلال السنوات العشر الماضية، كان هناك الآلاف من المشاركين الذين قدموا أوراقهم البحثية في مئات ورش العمل الموزعة على عدة كليات تاريخية  في كامبريدج.

ويسلط ملتقى الخليج للأبحاث الضوء على قضايا ذات أهمية بالغة بالنسبة لمنطقة الخليج، ويوفر أساسًا لإجراء البحث الأكاديمي والتجريبي والمشاركة فيه في مجالات العلاقات الدولية للخليج، والسياسة، والاقتصاد، والطاقة، والبيئة، والأمن، والعلوم الاجتماعية الأوسع نطاقًا. وتُعقد ورش العمل بالتوازي، وتُخصص كل ورشة لموضوع معين.

ولقد وفر ملتقى الخليج للأبحاث معلومات واقعية ومتبصرة عن المنطقة، وشجع الفهم المتبادل بين الخليج وسائر بلاد العالم. ويُولى الباحثون الشباب اهتمامًا خاصًا، خاصةً الباحثين من دول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى اليمن والعراق، بما في ذلك المبتعثين، للمشاركة في الحوار والتعاون البحثي. كذلك تشجع ورش العمل الجهود البحثية المتنوعة بين مؤسسات داخل الخليج وأجزاء أخرى من الخليج لرفع الوعي بالقضايا الخاصة بالخليج.

ويرى الباحثون الشباب أن تقديم أوراقهم البحثية في ورش عمل صغيرة ومكثفة على مدار ثلاثة أيام، مع اختبار وجهات نظرهم مع زملائهم، أداة عظيمة الفائدة لاكتساب الثقة عند مخاطبة الجمهور وتقديم النقاشات المستفيضة والمراجعات النقدية لأوراقهم البحثية والاستفادة منها. ويُمنح المشاركون وقتًا لتحسين أوراقهم البحثية بعد الاجتماع بهدف نشرها.

ولا يُعد من المبالغة أن نقول إن ملتقى الخليج للأبحاث قد أصبح حدثًا بارزًا في جدول أعمال الباحثين المهتمين بمنطقة الخليج. وإلى جانب كونه فرصة أكاديمية وبحثية قيّمة، أتاح الملتقى منبرًا للتواصل الاجتماعي وإقامة الاتصالات بين باحثي الخليج من جميع أنحاء العالم وفرصة للاجتماع والتعرف على الاهتمامات البحثية للآخرين. وقد أدى ذلك إلى زيادة الاهتمام العالمي بدراسات الخليج بدرجة هائلة وتعزيز وتعميق التعاون الشخصي والمؤسسي، وتحقيق هدف مركز الخليج للأبحاث المتمثل في توسيع المعرفة وتعزيز الاهتمام العالمي بدراسات الخليج والتعاون الدولي فيها.

وضمت ملتقيات الخليج للأبحاث السنوية مشاركة مسؤولين وصناع سياسات ورجال وسيدات أعمال، بالإضافة إلى الأكاديميين سواء المخضرمين منهم أو الناشئين الذين يستغلون فرص التواصل عظيمة القيمة.

ومع صعوبة ذكر أسماء وأعداد جميع الحاضرين رفيعي المستوى في ملتقى الخليج للأبحاث، يكفي القول إن عددًا كبيرًا من العائلات الملكية الخليجية والأمراء وأعضاء مجالس الشورى ورؤساء وأعضاء منظمات إقليمية ودولية، بما في ذلك الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، ووزراء ونواب وزراء، وموظفي خدمة مدنية، ورؤساء جامعات، وعمداء كليات، ومصرفيين، ورجال وسيدات أعمال، ومنظمات مجتمع مدني وغيرهم قد تواجدوا في الملتقيات السابقة، بالإضافة إلى باحثين وأكاديميين بارعين.

مستقبل دراسات الخليج ومركز الخليج للأبحاث-كامبريدج

لقد نقل مركز الخليج للأبحاث-كامبريدج الدراسات الخليجية إلى مستوى مختلف، وذلك من خلال ملتقى الخليج للأبحاث السنوي.  فقد أتاح مركز الخليج للأبحاث-كامبريدج خلال السنوات العشر التي مرت على تأسيسه منصة للتبادل الأكاديمي الحر لتعزيز الاهتمام بدراسات الخليج وتشجيع التبادل البحثي والأكاديمي التعاوني بين هؤلاء العاملين على موضوعات متعلقة بالخليج. ومن خلال إقامة دراسات الخليج على الأراضي الجميلة لجامعة كامبريدج التاريخية، ارتفعت مكانة دراسات الخليج واكتسبت بعدًا مختلفًا. وقد أصبح ملتقى الخليج للأبحاث من خلال الإدارة الاحترافية ومستوى البحث فيه أحد أكثر الفعاليات الأكاديمية المنتظرة والمرغوب في حضورها، وأصبح علامة تجارية للدراسات الخليجية. ويشهد على ذلك العدد المتزايد للطلبات وتزايد الاهتمام لحضور ملتقى الخليج للأبحاث.

وبالتأكيد أدى مركز الخليج للأبحاث دورًا رئيسيًا في رفع الدراسات الخليجية من مجرد تخصص ثانوي إلى صدارة دراسات المجال. وقدَّر الطلاب والباحثون والأكاديميون من أنحاء العالم والمتخصصون في المنطقة أهمية عملهم وتخصصهم ووجدوا سببًا للاحتفال بما حققوه ونقل وتبادل معارفهم في ملتقى الخليج للأبحاث. كما استمتع المشاركون بالعملية الدقيقة لاختيار أوراقهم البحثية والمراجعة النقدية لها، مما ساعدهم على نشر أبحاثهم. ويعتبر النشر دائمًا هدفًا منشودًا عند الأكاديميين، وقد أتاح ملتقى الخليج للأبحاث هذه الفرصة.

وفي الختام، لا بد من القول إن الأشخاص في الحياة هم الذين يصنعون كل الفرق، وبالتأكيد ساهم رئيس مجلس إدارة مركز الخليج للأبحاث، د. عبد العزيز بن صقر، الذي كانت لديه رؤية وتطلع للنهوض بالاهتمام البحثي والعلمي في منطقة الخليج، بقدرٍ كبيرٍ في منح دراسات الخليج مكانتها المستحقة في مجال العلوم الاجتماعية عالميًا. ولكن بالرغم من ذلك، ما زال هذا المجال يفتقر كثيرًا الى المزيد من الدراسات. ويستمر ملتقى الخليج للأبحاث وسيستمر في المساهمة في سد الفجوة المعرفية، وذلك في ضوء تفاني رئيس مجلس إدارته والتزامه. وينبغي دعم هذه الجهود النبيلة وتقدير جهود الدكتور عبد العزيز بن صقر وأعماله واستثماراته بالجهد والوقت والمال. ويسعدني شخصيًا أن أكون قد أديت جزءًا بسيطًا من دعم رؤية الدكتور عبد العزيز بن صقر، وسأستمر في أداء دور فعال بصفتي عضوًا في مجلس أمناء مجلس الخليج للأبحاث-كامبريدج.

مقالات لنفس الكاتب