مركز الخليج للأبحاث وفر دراسات وبيانات عن اقتصاد الخليج لأول مرة لم تكن موجودة

الخميس، 09 تموز/يوليو 2020

على مدى العقود القليلة الماضية، لم تكن دراسة اقتصاد الخليج مهمة سهلة لصعوبة الحصول على البيانات والمعلومات عن طبيعة هذا الاقتصاد. لذلك تأسس مركز الخليج للأبحاث قبل الطفرة النفطية الأخيرة التي شهدها الخليج في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وقد حاول المركز أن يغطي بموضوعية الجوانب المختلفة لمحاولات المنطقة للتنويع الاقتصادي بعيدًا عن النفط، بداية من نموذج مدينة دبي وحتى ازدهار البنية التحتية الذي شهدته بقية اقتصادات الخليج في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وقدم مساهمة ملحوظة فيما يتعلق بالمؤتمرات وورش العمل الاقتصادية، والتي لم يكن هناك مركزًا  آخر يديرها في هذا الوقت. وكانت الموضوعية والنزاهة هي التي ميزت مركز الخليج للأبحاث في جميع أعماله، وفي بعض الأحيان كان أكثر ما يميز مركز الخليج للأبحاث هو معارضة أصحاب المصالح، حيث أن النقد البناء جزء لا يتجزأ من هوية المؤسسات البحثية.

منذ البداية، تناول مركز الخليج للأبحاث دراسة اقتصاد المنطقة من منطلق التطور الكبير على مدى العقود الماضية، ولكن كان المزيد من التنويع، ولا يزال، أمرًا ضروريًا. ونفذت دول مجلس التعاون الخليجي العديد من السياسات لدعم التنويع الاقتصادي، بما في ذلك الإصلاحات الرامية إلى تعزيز بيئة الأعمال وتطوير البنية التحتية وزيادة تمويل الشركات (ولا سيما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة)، وتحسين المخرجات التعليمية. وعلى الرغم من زيادة الإنتاج غير النفطي في إجمالي الناتج المحلي بشكل مطرد، إلا أن تنويع الصادرات كان محدودًا بدرجة كبيرة. وإنه من شأن زيادة تنويع النشاط الاقتصادي أن يقلل اعتماد اقتصاد الخليج على العائدات غير النفطية المتقلبة (كما تشير أزمة 2020م، الأخيرة)، حيث سيؤدي إلى خلق فرص عمل ذات قيمة مضافة عالية في القطاع الخاص للمواطنين، وسينشئ الاقتصاد غير النفطي الذي سيكون مطلوبًا عند نفاد احتياطيات النفط بشكل تام.

وخلصت ورش العمل الاقتصادية المتعددة التي عقدها مركز الخليج للأبحاث إلى أن الخبرة الدولية في التنويع الاقتصادي بعيدًا عن النفط صعبة للغاية. وغالبًا ما تحول عدد من العقبات الرئيسية دون التنويع الاقتصادي، بما في ذلك التقلبات الاقتصادية الناجمة عن الاعتماد على عائدات النفط، والتأثير السلبي الذي تحدثه عائدات النفط على الحوكمة والمؤسسات، والمخاطر التي تؤدي إليها عائدات النفط؛ من حيث المبالغة في أسعار الصرف الحقيقية (نموذج مثالي للداء الهولندي[1]). ويبدو أن النجاح أو الفشل يعتمد على تنفيذ السياسات المناسبة قبل انخفاض عائدات النفط. ويوجد عدد قليل من حالات التنويع الاقتصادي الناجحة نسبيًا (إندونيسيا وماليزيا والمكسيك)، في حين أنه ثمة الكثير من الأمثلة على الفشل.

 

وقد رأى مركز الخليج للأبحاث أن دول مجلس التعاون الخليجي لا تعاني من مشاكل المرض الهولندي التقليدي التي تصيب العديد من الدول المنتجة للسلع الأساسية من خلال المبالغة في سعر صرف حقيقي، وأن توزيع عائدات النفط داخل الاقتصاد قد يزاحم الإنتاج غير النفطي القابل للتداول بطرق أخرى، إن توافر العمالة الوافدة ذات الأجور المنخفضة في المنطقة يعني أن ارتفاع عائدات النفط والثروة النفطية لم يرفع الأجور في القطاع الخاص؛ وبالتالي، لم تكن آثار المرض الهولندي التقليدي واضحة. ومع ذلك، فإن توزيع عائدات النفط له آثار مهمة على البنية التحفيزية للاقتصاد التي تزاحم الإنتاج غير النفطي القابل للتداول. وعلى النقيض من القطاع الخاص، فإن أجور واستحقاقات المواطنين في القطاع العام مرتفعة نسبيًا؛ مما يجعل القطاع العام، في كثير من الأحيان، خيارًا أكثر جاذبية للعمل، ولا سيما للعمال ذوي المهارات المنخفضة. وفي الوقت نفسه، بالنسبة للشركات، يُمثل إنتاج السلع والخدمات لتلبية احتياجات الاستهلاك والاستثمار في السوق المحلية، مع الاعتماد على العمالة الأجنبية ذات الأجور المنخفضة، مصدر دخل أكثر موثوقية من محاولة دخول أسواق تصدير أكثر خطورة. وتفضل مقايضة المخاطر والعائدات على قطاع المواد غير القابلة للتداول. ويعد تحسين بيئة الأعمال والاستثمار في البنية التحتية والحد من اللوائح أمرًا مهمًا للغاية لتحفيز إنتاج السلع القابلة للتداول، ولكنه لا يعتبر كافيًا ما لم يتم تغيير هيكل الحوافز داخل القطاع الاقتصادي، لكل من العمال والشركات. وعليه، تعتبر الإصلاحات ضرورية لتغيير هيكل الحوافز القائم. وينبغي تشجيع المواطنين على البحث عن عمل في القطاع الخاص وتشجيع الشركات على تطوير نماذج الأعمال التي تركز بشكل متزايد على القطاع التجاري. وفي هذا السياق، توضح هذه المقالة حالة تنويع الصادرات في دول مجلس التعاون الخليجي، وتُقيَّم التقدم المحرز حتى الآن، وتنظر في السياسات اللازمة لتحفيز المزيد من التنويع الاقتصادي. كما تُركز، بشكل خاص، على "الحلقة المفقودة" في السياسات الحالية – والتي تتمثل في الحاجة إلى إحداث تغيير جذري في هيكل الحوافز للشركات والعمال.

يعتمد النموذج الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي على النفط باعتباره المصدر الرئيسي للإيرادات من الصادرات والضرائب، وقد أصبح ذلك واضحًا في جميع دراسات مركز الخليج للأبحاث. وتعد الحكومة هي القوة المهيمنة في الاقتصاد، حيث تتلقى عائدات تصدير النفط وتوزعها بدورها على المواطنين. وتُنفق الحكومة جزءًا من هذه الإيرادات مباشرة، وتقدمها للمواطنين من خلال التحويلات ووظائف القطاع العام؛ وتستثمر جزءًا آخر في البنية التحتية والعقارات والتعليم والصحة؛ بينما تحتفظ بالباقي، بما في ذلك صناديق الثروة السيادية(SWFs). وتمتلك دول مجلس التعاون الخليجي آفاق طويلة من إنتاج النفط والغاز، وبالتالي، تمتلك ثروة كبيرة تحت الأرض، وكذلك تدخر أموالًا في صناديق الثروة السيادية أو في البنك المركزي. وقد ساعد نموذج النمو الاقتصادي المذكور على تحقيق التنمية الاقتصادية السريعة وتحسين كبير في المؤشرات الاجتماعية. وعلى مدى العقدين الماضيين، ظلت دول مجلس التعاون الخليجي واحدة من أسرع المناطق نموًا في العالم، حيث استفادت من ارتفاع أسعار النفط وسياسات الاقتصاد الكلي السليمة والاستثمار في الصحة والتعليم والبنية التحتية وإصلاحات بيئة الأعمال. وسجل مؤشر التنمية البشرية تحسنًا بشكل كبير، وانخفض معدل وفيات الرضع، وزادت سنوات الدراسة المتوقعة؛ وارتفع متوسط ​​العمر المتوقع. ومع ذلك، فإن نموذج النمو الاقتصادي يواجه نقاط ضعف. وعلى مدار العقدين الماضيين، كان النمو القوي في إجمالي الناتج المحلي مدعومًا بارتفاع الإنفاق الحكومي، والذي تم تمويله من خلال الزيادة السريعة في عائدات النفط. ومع ذلك، فإن استراتيجية النمو الاقتصادي المذكورة قد لا تكون مجدية، نظرًا لأنه من المرجح ألا ترتفع أسعار النفط بشكل كبير. وعلاوة على ذلك، وحتى مع النمو الاقتصادي القوي، كان متوسط ​​نمو إنتاجية العمل ضعيفًا أو سلبيًا، وكان نمو إنتاجية العوامل الإجمالية للاقتصاد الكلي والاقتصاد غير النفطي سلبيًا، حيث شهدت المملكة العربية السعودية فقط نموًا إيجابيًا طفيفًا في إنتاجية العوامل الكلية (TFP) في القطاع غير النفطي. وفي واقع الأمر، كشف تحليل قطاعي للعمالة ومتوسط إنتاجية العمل في المملكة العربية السعودية، على مدى العقد الماضي، أن العمالة تتحول بشكل متزايد نحو القطاعات ذات الإنتاجية المنخفضة نسبيًا (على سبيل المثال، خدمات البناء والخدمات غير الحكومية). ولا يزال نشاط القطاع الخاص متركزًا في القطاعات ذات المهارات المنخفضة غير القابلة للتداول. وتتناقض هذه الاتجاهات مع تجربة النمو الاقتصادي الدولية.

وقد أوضحت البحوث التجريبية وجود علاقة وثيقة بين التنويع الاقتصادي والنمو المستدام للاقتصادات المنخفضة والمتوسطة الدخل. ويرتبط ارتفاع إجمالي الناتج المحلي للفرد وانخفاض التقلبات ارتباطًا إيجابيًا بتنويع الناتج والصادرات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. ويرتبط التنويع في الناتج والصادرات ارتباطًا وثيقًا ببعضهما البعض، ويمثلان نتيجة للتحول الهيكلي -إعادة توزيع الموارد بطريقة ديناميكية من القطاعات والأنشطة الأقل إنتاجية إلى القطاعات والأنشطة الأكثر إنتاجية. وينطوي هذا التحول على إعادة توزيع الموارد بعيدًا عن الموارد الزراعية والموارد الطبيعية ونحو قطاع الصناعة التحويلية، حيث أن قطاع الصناعة التحويلية يمتلك إمكانات أكبر لتحسين الإنتاجية ورفع مستوى الجودة. ومع ذلك، عندما تصبح البلدان أكثر ثراء وتصل إلى وضع الاقتصاد المتقدم، ينخفض ​​تنوعها. وينطوي انخفاض التنويع الاقتصادي في مستويات الدخل المرتفع على التخصص في المنتجات ذات القيمة المضافة العالية.

 

كما أن ارتفاع مستويات الدخل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحسين جودة الصادرات وارتفاع درجة تطورها. ويمكن أن توفر الصادرات قناة مهمة للاستفادة من وفورات الحجم ومسارًا لتكنولوجيات جديدة وأداهً لنشر المعرفة. ويعتقد لوكاس بأنه من الضروري إدخال السلع الجديدة باستمرار بدلًا من التعلم فقط، مع مجموعة ثابتة من السلع، وذلك لتحقيق مكاسب في الإنتاجية والارتقاء بسلم الجودة. ويؤكد أغيون وهويت على أهمية الابتكار والارتقاء بسلم الجودة. ومن أجل تجميع رأس المال البشري وتعزيز الإنتاجية وتحسين الجودة على نطاق واسع، يتعين على الدولة أن تصبح مُصَدِرًا قويًا. وتشير الأدلة إلى أن تحسين جودة الصادرات يرتبط ارتباطًا وثيقًا بارتفاع دخل الفرد. وتفيد بعض الدراسات أيضًا أن تطور الصادرات هو مؤشر رئيسي للنمو اللاحق، وحتى بعد التحكم في الظروف الأولية والمؤسسات والتنمية المالية وعوامل النمو الأخرى.

وفي السنوات الأخيرة، تم تنفيذ عدد من السياسات والمبادرات لتحسين مناخ الأعمال في دول مجلس التعاون الخليجي. وعملت الإصلاحات واسعة النطاق على تبسيط البيئة القانونية والتنظيمية في عدد من المجالات، بما في ذلك إجراءات بدء التشغيل والترخيص للأعمال التجارية، وسياسات المنافسة، وحقوق المستثمرين والمستهلكين، والإفلاس وقوانين الشركات. وقد تم تعزيز البنية التحتية للأسواق المالية لتحسين المعلومات الائتمانية وتحقيق الشفافية في الأسواق المالية. ووُضعت عدد من السياسات الموجهة لدعم وتطوير وترويج الشركات الصغيرة والمتوسطة (ففي الكويت على سبيل المثال، تم تقديم قروض قطاع البنوك بأسعار معقولة، وضمانات القروض، ودراسات الجدوى، وإنشاء صندوق وطني لتنمية الشركات الصغيرة والمتوسطة).

 

وقد سعت دول مجلس التعاون الخليجي إلى تنويع قاعدتها الصناعية وقطاعاتها الخدمية. وطورت الصناعات المتعلقة بالنفط والسياحة والخدمات اللوجستية والنقل والأعمال والخدمات المالية. وعلى سبيل المثال، استثمرت البحرين في القطاع المالي الخارجي، في حين طورت الإمارات العربية المتحدة وقطر شركات الطيران والخدمات اللوجستية مع تطور الإمارات العربية المتحدة لتصبح مركزًا رئيسيًا للتجارة والخدمات في الشرق الأوسط. وتعمل المملكة العربية السعودية على تطوير مدن صناعية واقتصادية لتعزيز التكتلات التكنولوجية والصناعية والخدمية المحيطة بالنفط والتعدين. وتستهدف الكويت تطوير صناعة النفط في المراحل اللاحقة للإنتاج. وفي قطر، تم انشاء عدة مدن صناعية تحتضن صناعات مُختلفة ذات صلة بالطاقة للمساعدة في دمج نشاط الهيدروكربون في مراحل الاستخراج والتسويق. ومع ذلك، فقد أعربت قطر أنه بالرغم من أن الاستثمار في المواد الكيميائية والقطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الألومنيوم قد ساعدت على تنويع مصادر الإنتاج والصادرات، إلا أن تلك الصناعات ليس لها تأثير حقيقي على الاقتصاد. وكذلك، لم يتم تطوير إمكانية الاستعانة بمصادر محلية في السلع التجارية، وما زلنا نستورد معظم عناصر التكنولوجيا المعقدة نظرًا لأن الاستثمار في البحث والتطوير لا يزال منخفضًا. ونتيجة لذلك، فقد أصبحت مكاسب الإنتاجية وفوائدها الثانوية محدودة، فيما كان تأثير تشغيل هذه الصناعات ذات رأس المال المرتفع صغيرًا.

 

وخلُصت دراسات عديدة أجراها مركز الخليج للأبحاث إلى أن النموذج الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي يكافئ الشركات التي تنتج في قطاع المواد غير القابلة للتداول التجاري. أضف إلى ذلك أن الإنتاج في قطاع السلع القابلة للتداول للتجاري عادة ما يكون أكثر تحديًا وخطورة، حيث سيتعين على الشركات الاستثمار باستمرار في التقنيات الجديدة لتتمكن من المنافسة دوليًا. واقترحت الدراسات أن تلك الشركات قد تستطيع النمو بشكل أسرع بكثير إذا كان حجم السوق المحلي صغيرًا. وفي دول مجلس التعاون الخليجي، يعد إنتاج المواد غير القابلة للتداول التجاري أقل مخاطرة وأكثر ربحية لعدد من الأسباب، وهي التي تُكرر كثيرًا في ورش عمل مركز الخليج للأبحاث، ومن بينها:

 

  • النمو السريع في الإنفاق الحكومي على البنى التحتية والأجور: لقد أسهم ذلك النمو في تحقيق نمو قوي في القطاعات ذات القيمة المضافة المنخفضة، مثل البناء والتجارة والبيع بالتجزئة والنقل والمطاعم. ولقد استمر إنتاج السلع والخدمات الذي يستهدف تلبية احتياجات الاستهلاك والاستثمار في السوق المحلي حتى الآن مصدر دخل موثوق به، وأصبح مُتاحًا بفضل عائدات النفط المعاد تدويرها. وقد وفر ذلك حوافز للنشاط الاقتصادي من أجل الانتقال إلى القطاعات التي تتطلب مهارات متدنية على الأرجح، ما ساهم في انخفاض العمالة والإنتاجية الإجمالية لعوامل الإنتاج. وفي الواقع، قد تتسبب مشاريع البنى التحتية العملاقة في زيادة إقصاء قطاع السلع القابلة للتداول التجاري نظرًا لأنها تزيد من العائدات المُعدلة حسب المخاطر في قطاع المواد غير القابلة للتداول التجاري.
  • توفر العمالة الأجنبية ذات الأجور والمهارات المُنخفضة: لقد مكنت تلك العمالة الشركات من الحصول على أموال طائلة؛ ففي الغالب تُحدد الأجور المتدنية للعمالة الأجنبية ذات المهارات المنخفضة في بلدانهم الأصلية، نظرًا لمحدودية قدرتهم على المساومة والتنقل في سوق العمل بدول مجلس التعاون الخليجي. وتُشير الزيادات الكبيرة في توظيفهم مُقارنة بانخفاض متوسط إنتاجيتهم بمرور الوقت أن تلك الأجور التي تحصل عليها هذه المجموعة من العمالة قد تنخفض بكثير عما تُحققه بالفعل. وفي حالة التوان، تتوافق تلك العوامل مع وجود عوائق تعترض الدخول إلى أسواق العمل والمنتجات.
  • نظام الهجرة بدول مجلس التعاون الخليجي: لا يُحقق هذا النظام الكثير لجذب العمالة ذات الكفاءة والإنتاجية المرتفعة. أما في الاقتصاد العالمي اليوم، فإن العمال ذوي الكفاءات المرتفعة يتنقلون عبر الدول وتتنافس الدول على جذبهم، لكن ذلك الوضع يختلف في دول مجلس التعاون الخليجي التي تُفضل الاهتمام بمصالح أصحاب العمل، ولا تُقدم تلك الدول الكثير للتمييز بين العمالة ذات الكفاءة المرتفعة والمنخفضة، كما لا توفر لأصحاب العمل المرونة الكافية لجذب العمالة ذات الكفاءة المرتفعة.

 

وقد يتسبب وجود وتوافر عائدات النفط على الأرجح في إزاحة إنتاج السلع والخدمات غير النفطية القابلة للتداول التجاري. وهذه النقطة هامة للغاية، نظرًا لأن قطاع السلع غير النفطية القابلة للتداول التجاري لن يتطور ليحل محل النفط في النهاية عندما تنضب الموارد النفطية في المستقبل. وعلينا أن نُدرك إن دول مجلس التعاون الخليجي لا تُعاني من مشكلة في التراخي التوظيفي بسبب الترف والرفاهية والإنفاق البذخي مثلما حدث في هولندا في النصف الأول من القرن الماضي، وهو السبب الذي قد يتسبب في إعاقة تطور قطاع السلع غير النفطية القابلة للتداول التجاري، نظرًا لتوافر العمالة الوافدة ذات الأجور المنخفضة، وهذا يعني أن ارتفاع عائدات النفط والثروة النفطية لم تُسهم في رفع الأجور في القطاع الخاص، ما يُبرهن أن منطقة الخليج العربي لم تُصاب بآثار ذلك المرض الهولندي القديم.

 

وبالرُغم من ذلك، فإن توزيع عائدات النفط له آثار مهمة على بنية الحوافز في الاقتصاد، الذي يعوق إنتاج السلع غير النفطية القابلة للتبادل التجاري الخارجي. وهناك عاملان آخران يثبطان من رغبة العمالة ذات الكفاءة المرتفعة من الالتحاق بشركات القطاع الخاص وهي:

أولًا، بالنسبة للشركات المحلية، فإن توافر العقود الحكومية في قطاع المنتجات غير المتداولة تجاريًا يُقدم وسيلة لتحقيق أرباح جيدة بمخاطر أقل بكثير من توجيه أعمالهم نحو الأنشطة الهادفة إلى التصدير.

ثانيًا، بالنسبة للعمال المحليين، تُمثل الأجور المرتفعة نسبيًا في القطاع العام خيار عمل أكثر جاذبية مقارنة بالقطاع الخاص، ولا سيما للعمال ذوي المهارات المنخفضة.

وبالفعل، يُشكل هذان العنصران داعمًا تاريخيًا لبنية الحوافز، كما أن الافتقار إلى توافر فرص عمل ذات أجر مرتفع في القطاع الخاص يُقدم حافز كافٍ للشباب لتلقي تعليم منُاسب يؤهلهم للعمل في القطاع العام. وفي الوقت الذي لا يمتلك فيه المواطنين مهارات لازمة تؤهلهم للعمل في القطاع الخاص، إلى جانب نظام الهجرة ذلك الذي يُثبط من توافر العمالة ذات الكفاءة المرتفعة، ما جعل الشركات غير قادرة على إنتاج سلع ذات قيمة مُضافة مرتفعة تستطيع المنافسة في الأسواق العالمية.

وأبدى مركز الخليج للأبحاث اهتمامًا بعدد من التدابير التي قد تُساهم في تحفيز المواطنين أو إثقال مهاراتهم لكي يتمكنوا من العمل في القطاع الخاص، والتي تتضمن ما يلي:

  • الحد من التوظيف الحكومي -ينبغي وضع حدود صارمة على التعيينات في القطاع الحكومي وتحديد الأجر به، كما ينبغي نقل رسالة إلى المواطنين مفادها أنه لا ينبغي عليهم أن يتوقعوا الحصول على وظيفة بالقطاع العام. ويُمكننا بناء نموذج مُصغر للعمالة في القطاع الحكومي في إطار مراجعة الخدمة المدنية من أجل ضمان التخلص من الوظائف غير الأساسية عندما تُصبح شاغرة.
  • تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي -فبدلًا من توظيف العمالة في القطاع العام واعتبارهم لها بمثابة شبكة أمان، علينا توفير إعانة بطالة ودعم الباحثين عن عمل من أجل ضمان حصول الأشخاص الذين ليس لديهم عمل على الحد الأدنى من الدخل وحوافز تُساعدهم في البحث عن عمل. وكما هو الحال في بلجيكا وألمانيا، يُمكن استخدام القسائم في مختلف برامج التدريب والتلمذة الصناعية والتعليم المهني بهدف دعم عملية إعادة التدريب واكتساب المهارات، عند الحاجة.
  • أنظمة التعليم والتدريب ينبغي أن تُزود العمال بالمهارات اللازمة للعمل بالقطاع الخاص – دول مجلس التعاون الخليجي تستطيع أن تستخدم عائدات النفط من أجل زيادة الاستثمار في التعليم وتنمية المهارات. وعلاوة على ذلك، قد يُسهم تحسين جودة التعليم في المدارس والجامعات، وتصميم برامج للتلمذة الصناعية والتدريب المهني، في توفير المهارات ذات الصلة. وقد تُساعد تلك التحسينات كذلك في جودة التدريس، كما قد يُسهم التعليم في مرحلة الطفولة المُبكرة في تعزيز أداء الطلاب وتغيير السلوكيات المجتمعية.

 

وأخيرًا لا يسعنا أن نسرد مجرد سرد عدد ورش العمل التي لا تعد ولا تحصى والمنشورات التي نشرها مركز الخليج للأبحاث على مدار عقدين من الزمن حول الاقتصاد. وبالتأكيد، فلقد أسهمت تلك الورش والمنشورات التي أعدها مركز الخليج للأبحاث في الأوساط البحثية. وأضحى إرثه لا مثيل له في منطقة الخليج، وآثاره واضحة أمام الجميع.

مقالات لنفس الكاتب