array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 85

واقع العلاقات الكويتية – العراقية وسبل تحسينها وتطويرها

السبت، 01 تشرين1/أكتوير 2011

توطئة تاريخية

مرت العلاقات التاريخية والدبلوماسية بين الكويت والعراق بمراحل عدة يمكن وصف أغلبها بالعلاقات المتوترة وغير الجيدة على مر الزمن. ومع معاينة التطورات التاريخية بين البلدين نجد أن قضية الحدود هي المفصل الأهم في تحديد تلك العلاقات، فمنذ الاستعمار البريطاني وحتى نشأة الملكية العراقية ووصولاً إلى حكم عبدالكريم قاسم وصدام حسين، تعاقبت الحكومات العراقية على شن الحروب الدبلوماسية وغير الدبلوماسية التي من شأنها أن تسمح للعراق بتوسيع أراضيه والحصول على أكبر إطلالة ممكنة على الخليج العربي. بيد أن الكويت كانت دائماً تتمسك بحقوقها السيادية عبر الاتفاقيات الخاصة بترسيم الحدود سواء التي أقرت في عهد الاحتلال البريطاني أو تلك التي صدرت عبر قرارات مجلس الأمن. ومن دون الدخول في تفاصيل قضية ترسيم الحدود والاتفاقيات والقرارات التي صدرت بهذا الشأن بين كل من الكويت والعراق، إلا أن ما يهمنا الإشارة إليه في هذا المقال هو التأكيد على أن هذه القضية أثرت وبشكل كبير على شكل وتطور العلاقات الكويتية-العراقية في جميع المجالات.

وبناء على ما سبق، فقد شكل العراق للكويت مصدر تهديد أمني مستمر طوال العقود السابقة. وعلى الرغم من تغير شكل وطبيعة وملامح تلك التهديدات من فترة لأخرى والتي كانت دوافعها وأسبابها دوماً تقع تحت إطار الحقوق التاريخية للعراق ورفضها للاتفاقيات الخاصة بالحدود بين البلدين، فقد تطورت الأوضاع في بداية السبعينات إلى تهديد فعلي عندما اجتاح العراق الحدود الكويتية واحتل مواقع متنازع عليها في مارس 1973م، لكن الضغوط العربية أسفرت آنذاك عن إقناع الجانب العراقي بالانسحاب. لكن التهديدات العراقية للكويت استمرت خاصة بعد الانقلاب العسكري الذي جرى في 1968م وتولى فيها صدام حسين السلطة، ووضع الكويت ودول الخليج في أزمات دبلوماسية وأمنية أثناء الحرب العراقية-الإيرانية. وعلى الرغم من دعم ومساندة الكويت والخليج للعراق أثناء تلك الحرب بالتمويل اللازم وبالدفع المعنوي المطلوب، لم تستمر تلك الانفراجة في طبيعة العلاقة بين البلدين طويلاً، فبعدما انتهى نظام صدام حسين من حربه مع إيران والتي أفرزت مشاكل عدة في الداخل العراقي وأهلكت الهيكل الاقتصادي والسياسي للعراق، انتقل مجدداً لتهديد الكويت في أوائل التسعينات حتى انتهى الأمر باحتلال أراضي الكويت لسبعة أشهر مخلفاً دماراً كبيراً على كل الصعد.

يعتبر الغزو العراقي للكويت في أغسطس 1990م هو المنعطف الأكبر والأخطر في واقع العلاقة بين البلدين، فقد انتقلت تلك العلاقة من دائرة الحذر والشك والريبة إلى دائرة حرب مسلحة استبيحت فيها الأراضي الكويتية، وما كان للكويت إلا الدفاع عن تلك السيادة بكل ما يلزم عسكرياً وقانونياً. ومنذ تحرير الكويت في فبراير 1991م عبر قوات التحالف الدولية وتحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، ظلت العلاقات بين البلدين متوترة ولم تنجح كل المساعي العربية لتصحيح الوضع بين البلدين. وتأتي النظرة الكويتية في هذا الشأن أن نظام صدام حسين – في الفترة ما بين تحرير الكويت وسقوط نظامه في 2003م عبر القوات الأمريكية – انتهج السياسة العدائية ذاتها من خلال التصريحات الرسمية العراقية، ناهيك عن استمرار رفض العراق الالتزام بالقرارات الدولية الخاصة بترسيم الحدود والتعويضات والإفراج عن الأسرى والمرتهنين الكويتيين في الغزو العراقي.

وبالنظر إلى واقع البيئة السياسية والأمنية والاقتصادية للعراق في مرحلة ما بعد نظام البعث العراقي وأثرها على العلاقة بين البلدين، تشير كثير من المعطيات إلى استمرار العراق في تعكير جو المصالحة مع الكويت وعدم طي ملف العداوة الناتجة من المطالبات غير القانونية بشأن الحدود بين البلدين وذلك عبر شن الحروب الإعلامية عبر تصريحات غير مسؤولة من قبل مسؤولين عراقيين يتحدثون بين حين وآخر عن الحقوق التاريخية المزعومة التي كانت بارزة في حكم عبدالكريم قاسم وحتى حكم صدام حسين. وفي واقع الأمر، فإن ديمومة تلك الحروب الدبلوماسية والإعلامية من شأنها أن تعلق مسيرة المصالحة بين الكويت والعراق وتعطل أواصر التعاون والتنمية اللازمة التي تخدم البلدين على اعتبار أن الكويت والعراق تربطهما علاقات استراتيجية تفرضها الجغرافيا والتاريخ والعقيدة ولابد من تفعيل وتقوية تلك العلاقة لما فيه مصلحة لاستقرار المنطقة ونموها وتطورها، فكلما زادت التوترات وسوء العلاقة بين البلدين أثر ذلك سلباً على منطقة الخليج العربي بشكل عام وعلى البلدين بشكل خاص.

ميناء مبارك الكبير: بداية أزمة جديدة بين البلدين

يمكن القول، بأن قضية ميناء مبارك الكبير الكويتي قد فجرت أزمة دبلوماسية جديدة بين الكويت والعراق، فمنذ أن أعلنت الكويت إقدامها على تنفيذ مشروع الميناء في جزيرة بوبيان الكويتية بدأ العراق التحرك بشتى الطرق لوقف تنفيذه. وفي هذا الشأن، أخذت مجموعة من النواب العراقيين وبعض المسؤولين العراقيين في الحكومة على عاتقهم شن الحرب الدبلوماسية والإعلامية في محاولة لتعطيل المشروع وذلك من خلال شحن الشارع العراقي باتهامات لا أساس لها من الصحة ولا المنطق بأن المشروع يضر العراق ملاحياً واقتصادياً.

وبالرغم من أن المشروع يقع على أرض كويتية ذات سيادة والتفاصيل الفنية للمشروع لا تتعارض مع المصالح العراقية ، إلا أن حكومة الكويت لم تمانع في استقبال الوفود العراقية للنظر والاطلاع على التفاصيل الفنية للمشروع وطمأنة الجانب العراقي والتأكيد على أن المشروع لا يضر العراق، وذلك بحكم الجيرة وسعي الكويت الدائم للعمل على استقرار المنطقة والمضي في عملية المصالحة ومحاولة طي صفحات الماضي بين الجانبين، إذ تعي الكويت جيداً أنه من أجل نمو وتطور المنطقة واستقرارها فلابد من الابتعاد عن كل ما من شأنه زيادة التوتر والاضطراب في العلاقات الثنائية. فالعمل على توضيح الأمور الفنية لهذا المشروع للجانب العراقي يغلق الطرق لأصحاب الأصوات اللامسؤولة في العراق والتي تسعى لخلق أزمات جديدة مع الجانب الكويتي ليس لشيء إنما لأغراض أخرى.

ونظن أن المعارضين لمشروع ميناء مبارك الكبير لهم الأسباب المختلفة التي تجعلهم يرتابون ويعترضون على المشروع، ولعل أهمها، الضغط على الجانب الكويتي لتقديم التسهيلات والتنازلات الواحدة تلو الأخرى في شأن قضايا التعويضات، إذ يجد المعارضون العراقيون هذه الأزمة فرصة ثمينة للتفاوض والضغط على الكويت من أجل الحصول على نوع من الترضيات في هذا الخصوص، إلا أن هذا لا يستثني البعض من المعارضين الذين يرفضون المشروع من باب الحقوق التاريخية المزعومة للعراق في جزيرتي وربة وبوبيان الكويتية، وتلك الأصوات ماهي إلا امتداد للنهج العراقي السابق في خطاباته السياسية. واستناداً على ماسبق، نرى أن اعتراض العراق على المشروع لا يأتي على التفاصيل الفنية إنما هي اعتراضات واضحة لأغراض سياسية بحتة ترمي إلى شغل الشارع العراقي وشحنه على الكويت من باب إقناعهم بالنية الكويتية المبيتة للإضرار بمصالح العراق، والواقع فإن هذه الاعتراضات تأتي لمصالح انتخابية مؤقتة واستعمالها كورقة ضغط للأسباب سالفة الذكر.

شكل العراق للكويت مصدر تهديد أمني مستمر طوال العقود السابقة

في دراسة أعددتها ونشرت في جريدة الأنباء الكويتية عدد 12750 في تاريخ 10 سبتمبر 2011م بعنوان (قراءة في محددات أزمة ميناء مبارك الكبير وتداعياتها وسبل المخرج منها)، فإن أهم ماجاء فيها: (أن على العراق أن يدرك أن سبل تحسين العلاقة مع الكويت تبدأ بإزالة نظرة الشك والريبة لجارتها الكويت، ولابد للعراق أن يوحد سياسته الخارجية دون أن تكون للثأثيرات الداخلية العراقية أي تغيير في مسار علاقاته مع دول الجوار. ففي تركيز الطرف العراقي على ثوابت العراق الخارجية تجاه جيرانه أثر كبير في تحقيق الاستقرار الداخلي والأمني فيها، فكلما بقي العراق في أزمات متلاحقة خارجية، يؤثر هذا سلباً على أزماته الداخلية. كما أن محاولة العراق اختلاق أزمات مع الجيران على أساس تصدير الأزمات للخارج، واستخدامها كاستراتيجية ضغط على الجيران لتقديم تسهيلات شكلية ورمزية دون استنادات قانونية ومنطقية من شأنها أن تعقد المسائل أكثر وتخلق جو عدم الاستقرار الذي هو في أمس الحاجة له).

واختتمت في الدراسة سالفة الذكر، (أن العراق لابد أن يعي أن الثوابت الكويتية والسيادة الكويتية خط أحمر، فإذا كانت هناك تخوفات إزاء هذا المشروع فلابد أن تأتي عبر قنوات دبلوماسية، وسترحب الكويت دوماً في توصيل المعلومة الصحيحة لأي جانب ولأي طرف، فالكويت لم تبدأ يوماً في اختلاق أزمات ولم تتعدّ وتخترق أية قوانين دولية التزمت بها، وما زالت سباقة في مبادراتها لتطوير العلاقات الثنائية بين الكويت والعراق لما يخدم الطرفين ويخدم المنطقة. وبالتالي، فلا بد أن تتقدم العراق بمبادرات مماثلة لتثبيت حسن نيتها واستعدادها لتحسين العلاقة مع الكويت، والابتعاد عن كل ما من شأنه إضعاف وتشويه تلك العلاقة ومناهضة سبل المصالحة مع الكويت).

مسألة ترسيم الحدود أثرت بشكل كبير على شكل وتطور العلاقات الكويتية-العراقية في جميع المجالات

تصورات خاصة لمستقبل أفضل للعلاقات الكويتية العراقية

ثمة مبادئ أساسية يلزم أخذها بعين الاعتبار لفتح آفاق جديدة للعلاقات بين الكويت والعراق أولها، احترام قرارات مجلس الأمن والاتفاقيات والمعاهدات المبرمة والعمل على تنفيذها. وبهذا الخصوص، يأتي قرار مجلس الأمن رقم (833) والصادر في 1993م أحد أهم تلك القرارات والمعني بترسيم الحدود بين البلدين، حيث إن استمرار الجانب العراقي بتقديم الاعتراضات في شأن الأراضي المتنازع عليها ماهي إلا سبيل لتعطيل العلاقات بين الجانبين، ولاسيما أن الكويت كانت ومازالت تحترم القرارات الدولية وتلتزم بها، ولم يسبق لها أن اخترقت أياً منها وهذا يفرض على العراق أن يتخلص من النهج السابق لحكم النظام البعثي والتطلع لفتح صفحات جديدة مع الكويت في هذا الشأن الذي يضمن له الاندماج مع دول الخليج العربي وإزالة كل أسباب التوتر والجفاء وذلك بالعمل الفعلي لتأكيد حسن النوايا وبناء الثقة في التعاون مع الكويت ودول الخليج العربي والتخلي عن سياسة التهديد والإيمان بضرورة العمل على سرعة حل النزاعات القائمة بين الكويت والعراق. فمما لا شك فيه، أن العلاقات الثنائية بين الكويت والعراق لن تتحسن وتتطور من دون ود متبادل وفهم مشترك لقضايا السيادة في البلدين.

أما ثانياً، أن تكون هناك رؤية واستراتيجية عراقية واضحة في ضبط الانفلات الأمني الحاصل داخل العراق. ليس ثمة شك أن الكويت ودول الخليج تعاني من الاضطرابات الأمنية والتوترات الحاصلة داخل العراق والتي تشكل تهديداً لأمن الكويت والمنطقة. فمنذ سقوط نظام صدام حسين في عام 2003م، تعرضت الحدود الكويتية لاضطرابات متتالية، ولعل أهمها ما حدث في أغسطس عام 2006م عندما أقدمت عناصر عراقية مسلحة بإطلاق النار على دوريات كويتية على الحدود وآخرها إطلاق صواريخ من الداخل العراقي على موقع ميناء مبارك الكبير في الشهر الماضي من هذا العام. وبالرغم من الاتفاقات الثنائية بين الحكومة الكويتية والعراقية على ضرورة تشديد الإجراءات الأمنية على المناطق الحدودية بين البلدين، إلا أن العراق يفتقر لوضع أسس أمنية واستراتجيات شاملة لمجابهة تلك الظواهر الأمنية على الحدود الكويتية-العراقية ولاسيما عمليات التهريب وتجارة السلاح وغيرها من صور الجرائم المنظمة التي تتم عبر الحدود. يمكن القول في هذه الجزئية، إن على العراق أن يعمل مع الكويت بنية صادقة لضمان التنسيق والتعاون الكامل بين جهازي الأمن الكويتي والعراقي بما في ذلك تبادل المعلومات ووضع الخطط والبرامج المشتركة لمواجهة التحديات الأمنية وشل حركة تنقل العناصر الإرهابية عبر عمليات تعزيز الحماية الحدودية وتطوير آليات الرقابة في المنافذ البرية والبحرية والجوية، فمتى ما استقرت الحدود بين البلدين أدى ذلك لمزيد من الاستقرار والأمن بما يضمن توسيع تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين والدفع بمزيد من التعاون على كاقة الصعد.

أما ثالثاً، فعلى العراق التركيز على توسيع التعاون في المجالات الاقتصادية مع الكويت ودول الخليج العربي. إذ يمكن القول وبشيء من اليقين، إن العلاقات السياسية تتطور وتتحسن عند تعزيز العلاقات الاقتصادية وتفعيلها. فالتلاحم الاقتصادي بين الكويت والعراق يزيل أية معوقات تحد من تأسيس علاقات آمنة ومستمرة بين البلدين. إن عملية تبادل المنافع والمصالح الاقتصادية المشتركة والتي تكون مدعومة بالشفافية والمصداقية من شأنها تقوية العلاقات الثنائية بين البلدين وتحفز العراق لإعادة استقراره واندماجه مع دول المنطقة وذلك عبر بناء اقتصاد عراقي قوي على أسس راسخة وبمساهمة خليجية وعربية وإقليمية تدفع بالعراق إلى الخروج من أزماته الداخلية والانفتاح مع دول المنطقة.

مازال العراق تحت الفصل السابع في ميثاق الأمم المتحدة عبر قرار (678) والصادر في عام 1990م، ولن تقنع الحكومة العراقية الولايات المتحدة الأمريكية والدول العظمى لوقف هذا القرار دون تقديم مساعٍ حقيقية ونيات صادقة في احترام دول الجوار واحترام سيادتها. لذا فإن سياسات التهديد وعدم الوعي بالمصير التاريخي المشترك في المنطقة والتي تصدر من القيادة العراقية نحو الكويت بين حين وآخر، خاصة بعد تفجر أزمة ميناء مبارك الكبير بين الكويت والعراق، ستؤثر بالقطع سلباً على الدولة العراقية وستبقيها تحت الفصل السابع ولاسيما أن العراق مازال يعاني من الانفلات الأمني الواضح في أراضيه وتصاعد أعمال العنف والإرهاب وبروز أعمال العنف الطائفي وتصاعد النفوذ الإيراني داخل العراق، والتي تمثل بمجموعها تحديات كبيرة للعراق تؤخر خروجه من الفصل السابع وهو ما له من تداعيات سلبية تضمن مزيداً من الفوضى والتوتر الأمني والسياسي في ظل تعدد القوى السياسية وتباين أيديولوجياتها وانتماءاتها السياسية والطائفية بصورة تعقد من صياغة معادلة سياسية متوازنة للحياة السياسية في العراق. وفي النهاية، فإن تلك الإشكاليات إذا لم يتعامل معها العراق بصورة جدية وعملية وبرغبة صادقة بتحسين الهيكل الداخلي العراقي وانتهاج سياسات حسن الجوار مع الكويت ودول المنطقة فإن العراق سيغرق في علاقات دولية وإقليمية يسودها التوتر وتتنازعها الصراعات والشكوك مما سيعطل أي تقدم في بناء الدولة العراقية الجديدة في مرحلة ما بعد صدام حسين.

 

مجلة آراء حول الخليج