خمسون مفكرا (الواقعية)

 

 صدر كتاب (خمسون مفكرًا في العلاقات الدولية) لمارتن غريفيش عن مركز الخليج للأبحاث عام 2008م، وتضمن عرضًا لمدارس العلاقات الدولية في القرن العشرين، وتضمنت المدارس: الواقعية ـ الليبرالية ـ النظرية الراديكالية / النقدية ـ المجتمع الدولي ـ التنظيم الدولي ـ ما بعد الحداثة ـ نوع الجنس والعلاقات الدولية ـ علم الاجتماع التاريخي / نظريات الدولة، وأدرج الكاتب الشرح والتفصيل أهم أساتذة هذه المدارس.

وفي هذا الجزء سوف نقدم موجزًا للمدرسة(الواقعية) وأحد أهم أساتذتها (ريمون آرون).

(Realism) الواقعية

الواقعيون يرون أن النظام الدولي فوضوي كون العلاقات الدولية تقوم في غياب حكومة عالمية، وأن الفهم الأمثل للعلاقات الدولية يأتي بالتركيز على توزيع القوة بين الدول، وأن التوزيع غير مساوٍ للقوة ما يعني أن حلبة العلاقات الدولية هي شكل من أشكال سياسات القوة، وتوزيع هذه القوة بين الدول يتغير، وليس هناك إجماع حول ما يجب أن يكون عليه هذا التوزيع، لذلك فإن العلاقات الدولية جزء من عالم الضرورة.

 (Raymond Aron)ريمون آرون

آرون أحد أقطاب الواقعية ولد عام 1905م، في باريس في العام الذي شهد ولادة جان بول سارتر، وتلقى الاثنان تعليمهما في إحدى مدارس النخبة وهي دار المعلمين العليا وكان أسم م.

تتميز أعمال آرون بالتعقيد والاتساع، وطالت اهتماماته الفكرية أبعد من هموم أغلب دارسي العلاقات الدولية، وله كتابه الشهير (السلام والحرب) الذي صدر عام 1966م، ما يجعله من المفاتيح الأساسية للنظر فيما وراء المظاهر المتغيرة في علاقات الدول.

ركز آرون على التصنيع ونجاح مختلف الطرق الداعية له في الدول الرأسمالية، وكان أول من قال إن النموذج السوفيتي يسهل التصنيع بالقوة، بيد أنه ليس مناسبًا لإدارة مجتمع صناعي أكثر تعقيدًا، ودافع عن الرأسمالية ضد منتقديها بوصفها أفضل طريقة لدمج النمو الاقتصادي مع إجراءات الحرية السياسية وإعادة التوزيع الاقتصادي، ومع اعترافه بالصراع الطبقي، فإنه لم يؤمن بفكرة أن الطبقة العاملة متناسقة بالشكل الكافي حتى تنتفض ضد ظلم الرأسمالية.

وعند دراسته العلاقات الدولية، استوحى آرون أعمال هويس وكلوزفيتير وتبنى وجهة النظر الواقعية القائلة بوجود فرق جوهري بين العلاقات المحلية والعلاقات الدولية وأن هذا الفرق يجب أن يكون أساسًا لكل النظريات الدولية.

تقوم السياسة الخارجية بالنسبة لآرون على سلوك دبلوماسي ـ استراتيجي، وتقوم العلاقات الدولية في ظل الحرب ولم يعن بهذا القول الحرب مرجحة على الدوام، بل عنى أن شرعية العنف في تأمين أهداف الدولة مفهوم سائد بين الدول ولا يمكن حصره ضمن حدود الدولة، وتقول واحدة من جمله الشهيرة: "إن العلاقات الدولية وحدات سياسية تدعى كل واحدة منها إحقاق العدالة بنفسها كما تدعي أنها الحكم الوحيد حينما يتعلق الأمر بقرار الحرب واللاحرب".

ويتفق آرون مع مورغنهو على أن العلاقات الدولية في بعض مظاهرها صراع على القوة بين الدول، فإن مفهوم القوة مبهم ولا يصلح مفتاحًا لفهم العلاقات الدولية كما يتفق مع والتز على أن بيئة العلاقات الدولية هي بيئة فريدة البنية، إلا أن الأخير لم يحدد أهداف الدولة، وفي الحقيقة لا يمكن أن تقتصر أهداف الدولة على صيغة بسيطة أبدًا أذ يقول آرون: "الأمن والقوة والمجد والأفكار كلها أهداف متباينة يمكن اختصارها بكلمة واحدة إن أردنا تشويه المعنى الإنساني للنشاط الدبلوماسي ـ الاستراتيجي إذا كان التنافس بين الدول شبيها بلعبة، فإن الرهان لا يمكن أن يسمى بمفهوم واحد صالح لكل الحضارات وفي كل زمان، الدبلوماسية لعبة يخاطر اللاعبون فيها أحيانًا بخسارة حياتهم ويفضلون أحيانًا أخرى النصر على الفوائد التي قد تنجم عنه".