تفوق الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند ساعد على "آسينة الخليج " وإعادة اكتشاف صداقات الشرق

السبت، 01 آب/أغسطس 2020

عندما وصلتُ من الهند إلى الإمارات العربية المتحدة في صيف عام 2000م، حاملاً درجة الدكتوراه في النظم السياسية والعلاقات الدولية لمنطقة الخليج، قال لي أحد العرب الأمريكان مازحًا: "لا بد وأن رسالتك كانت قصيرة للغاية!" لقد تغير العالم إلى حدٍ كبيرٍ على مدار السنوات العشرين الماضية، وسيكون على الأرجح مختلفًا للغاية خلال العقدين القادمين. 

وانطلاقًا من كون آسيا "نافذة للعالم" لعدة قرون، أفسحت آسيا المجال أمام الغرب بعد اكتشاف النفط في المنطقة. وأصبح مفهوم التحديث (من الريفي إلى الصناعي) بعد ذلك مردافًا للتغريب (أفكار وتقاليد حديثة). ولكن نجاح الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند، من بين دول أخرى، في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين ساعد في ترسُّخ عملية التشريق أو إضفاء الطابع الآسيوي أو "الآسينة"، وشجع على إعادة اكتشاف الصداقة بين بلدان الشرق.

وفي وسط هذا التحول الآسيوي، وبصورة ضمنية، تنمو بلدان الخليج التي تُصنَّف غالبًا بأنها جزء من الشرق الأوسط (من وجهة نظر غربية)، ولكنها في الحقيقة جزء من غرب آسيا.

ومن منطقة هادئة إلى أحد أهم المراكز الاقتصادية في المنطقة، قطعت دول الخليج، خاصةً أعضاء مجلس التعاون الخليجي، شوطًا طويلاً. فقد تمكنت القيادات من استخدام إيرادات النفط في تطوير وتحويل اقتصاداتها ومجتمعاتها. وبالتزامن مع ذلك، اتجهت حكومات دول الخليج للتنويع الاقتصادي بما يتجاوز النفط من أجل تحويل البلاد إلى مراكز تجارية وسياحية ونقاط للعبور، مع تشجيع قطاعات العقارات والتصنيع والخدمات أيضًا. كما توفر هذه الدول أحدث المرافق في قطاعات الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية، بالإضافة إلى مستويات مرتفعة من المعيشة لمعظم مواطنيها والمقيمين الأجانب.

وبسبب هذه الجهود، يُنظر لدول الخليج على أنها ليست فقط مركزًا للعالم العربي ولكن المركز العربي للعالم! وتحولت دول الخليج في ظل ذلك من كونها الطرف المتأثر بالآخرين إلى الطرف المؤثر فيهم.

ليست مجرد علاقة بيع وشراء

توسعت العلاقات بين دول الخليج ودول آسيا خلال العقدين الماضيين بما يتجاوز المجال الاقتصادي. فقد قفز إجمالي حجم تجارة دول مجلس التعاون الخليجي مع البلدان الناشئة والنامية (غالبًا في آسيا) من 124 مليار دولار في عام 2000م، إلى 667 مليار دولار في 2018م، وقد تفوق ذلك على إجمالي تجارة دول المجلس مع الاقتصادات المتقدمة، من 207 مليارات إلى 527 مليار دولار خلال الفترة نفسها.

وقد فاق حجم تجارة دول مجلس التعاون الخليجي مع الصين والهند فقط في 2018 م، حجم التجارة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعة. وبعد نجاح ثورة الطاقة الصخرية، حصلت الولايات المتحدة على أقل من 3% من متطلباتها للنفط الخام من الخليج في 2019م، مقارنةً بالدول المستورِدة الأربع الكبرى في آسيا والتي تحصل على ثلثي احتياجاتها للطاقة من المنطقة.

ورغم أن النفط والتجارة والعمالة الوافدة هم ركيزة العلاقة بين دول الخليج والدول الآسيوية هذه، إلا أن الشراكات الاستراتيجية سرعان ما أصبحت حاليًا هي الأمر السائد. كذلك توجد محاولات للتعاون في قطاعات أكثر طموحًا، مثل تكنولوجيا الفضاء، والذكاء الاصطناعي، وسلسلة الكتل، والتكنولوجيا المالية، وفي تطبيقات أخرى للثورة الصناعية الرابعة.

ونظرًا لتراجع اهتمام الولايات المتحدة ونفوذها في المنطقة، وتحول مركز ثقل الثروة والقوة من الغرب إلى الشرق، فقد أخذت دول الخليج في توحيد قواها مع مجموعة دول بديلة، تحديدًا في آسيا. الأمر الذي لا ينطوي على آثار اقتصادية وسياسية فحسب، بل على عواقب أمنية محتملة أيضًا.

ورغم وجود اختلافات جوهرية داخل الكتلة الخليجية على عدة قضايا إقليمية، إلا أن جميع الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي أبدت رغبتها في استكشاف سيناريوهات أمنية بديلة في المنطقة. ومن الجدير بالذكر أن دول الخليج قد نوَّعت من سياساتها الخارجية، إلى جانب التنويع الاقتصادي، خاصةً مع البلدان الآسيوية من ضمن دول أخرى. وقد يغير ذلك في نهاية المطاف النموذج الأمني الحالي أمريكي المركز، إلى جانب روسيا، والذي قد يشكِّل تحولاً استراتيجيًا جوهريًا في السياسات الخارجية والأمنية للمنطقة.  

ومن المرجح أن تظل آسيا محرك النمو في العالم، حتى وإن كان من المؤكد أن تتقلص وتيرة نموها ونطاقه مؤقتًا بسبب التباطؤ الاقتصادي العالمي نتيجة جائحة كوفيد-19. وهذا يعني أن خطة التحوط التكتيكية للخليج مع آسيا خلال العقدين الماضيين، على سبيل الحماية من تقلص العلاقات مع الغرب، ستتعزز في العقود القادمة.

وفي هذا الإطار، أصبح مركز الخليج للأبحاث رائدًا منذ عشرين عامًا، حيث أدرك هذه التغيرات، وتفانى في رصدها، وتوقع المسار بعيد المدى من خلال الأبحاث والمؤتمرات والمنشورات والنشرات الاستشارية عن السياسات واحتضان الأفكار ونشر المعرفة. وأفخر أنني كنت جزءًا من هذه التجربة الفريدة لمراكز الفكر في الخليج (بصفتي مدير الأبحاث في البرنامج الخليجي الآسيوي في الفترة من 2003 إلى 2007م، وما بعدها بصورة غير رسمية). وأثق بأن مركز الخليج للأبحاث سيظل من قادة السيناريوهات الإقليمية والخليجية الآسيوية الآخذة في التغير، وآمل أن أكون جزءًا من هذه الرحلة في المستقبل أيضًا.

مقالات لنفس الكاتب