إيران وتركيا في الخليج: الإسلام السياسي الممزوج بالقومية والأطماع في الموارد

الثلاثاء، 28 تموز/يوليو 2020

تحميل    ملف الدراسة

لا ينطلق الموقف النقدي للكثير من النخب في الخليج تجاه الجارتين إيران وتركيا من موقف معاد للشعوب الإيرانية أو التركية، كثيرون يعترفون بما قدمته هذه الشعوب للحضارة الإنسانية والإسلامية في السابق، وما أضافت من ثقافة ثرية نفعت البشرية، إلا أن الموقف النقدي  

( المعترض)  ينطلق مما تراه هذه النخب من سياسات في العقود الخمسة الأخيرة  للإدارات السياسية لهاتين الدولتين تجاه  المنطقة ودول الخليج، وهي سياسات رغم اختلاف ظاهري في التنظيم  السياسي  تنطلق  من  مكان واحد تقريبًا قاعدته (الإسلام السياسي) الممزوج بفكر قومي و رغبة في الاستيلاء على الموارد والتموضع  السياسي  في الجوار.  من هذا المنطلق تقف النخب في دول الخليج وفي دول عربية أخرى معارضة لهذا التموضع بالمعنى (الاستعماري الجديد)، فليس من المنطق أن يحارب العرب لسنوات طويلة (معظم سني القرن العشرين وما بعده) أشكال من الاستعمار الإيطالي /البريطاني/ الفرنسي، ثم يقعوا تحت (الاستعمار الجديد) الإيراني أو التركي أو كلاهما معًا في بعض المناطق بسبب ادعاء أن مشروعًا سياسيًا يجب أن يسود.  هذا التموضع (الذي يؤدي إلى احتلال) يؤدي إلى انهيار المنظومة الاقتصادية في الدول التي يطالها (كما في سوريا والعراق واليمن ولبنان وليبيا) ويحضر لوضع مجموعة من السياسيين الفاسدين (تحت شعارات مختلفة) لحكم البلدان وإلهاء الشعوب بقضايا جانبية من الحرب إلى الخبز حتى يظلوا في عوز. ذلك المشروع الثنائي وتداعياته وهو ما سوف تعرض له هذه الدارسة.

المشروع الإيراني:

ليس جديدًا على السياسة الخارجية الإيرانية، حتى قبل  النظام الحالي ( الجمهورية الإسلامية 1979م)  التطلع لتوسيع النفوذ الإيراني تجاه منطقة الخليج، فقد كان ذلك الشعور (القومي) الإيراني و المدفوع  ربما  بالجيرة  والقرب الجغرافي وبفهم معين للتاريخ القديم من جهة، أو بظهور ثروات  ضخمة (منذ أربعينات القرن الماضي) في دول الخليج من جهة أخرى  بسبب اكتشاف النفط وتسويقه والشروع  في بناء اقتصاد حديث، أن يفصح  النظام الإيراني عن رغباته الرسمية و في بعض الأحيان تبدو شعبية من أجل مد النفوذ والهيمنة على المنطقة، فقد كان هناك في البرلمان الإيراني (قبل الثورة) وإن كان صوريا (ممثل  للبحرين) على أنها تابعة لإيران، ومع قرب خروج  النفوذ البريطاني من الخليج (سبعينات القرن الماضي)  بدأت مفاوضات دولية وإقليمية مع النظام الإيراني (الملكي) حول قضية البحرين، استقرت إلى تسوية من أجل الخروج من مأزق ( الشعبوية المطالبة بالبحرين) فتقرر أن يكون هناك (استطلاع رأي) أو استفتاء  تقوم به الأمم المتحدة لاستطلاع  موقف  شعب البحرين فيما إن كان يفضل الاستقلال أو الانضمام إلى إيران، وفي تقرير  الممثل الشخصي  للأمين العام المعين للمهمة  ذكر أن (الأغلبية الساحقة من شعب البحرين  ترغب بالاعتراف بهويتها  في دولة مستقلة ذات سيادة  كاملة حرة، وأن تقرر بنفسها علاقتها  مع الدول الأخرى)، وافقت حكومة الشاه محمد رضا على قرار بعثة الأمين العام و قرار مجلس الأمن اللاحق، وتم تبادل السفارات في وقت لاحق بين طهران والمنامة، وكان الدافع في السابق لمد النفوذ هو قومي أو ما اعتقد محمد رضا شاه أنه ( شرطي الخليجي) بديلاً عن النفوذ  الغربي، خاصة البريطاني، ولم يكن ذلك سرًا  فقد صدرت تصريحات رسمية بذلك ونشر في جرائد خليجية!، وقتها لم يكن هناك  كثيرون (مواطنين) في دول الخليج (يناصرون) أفكار الشاه أو الحكومة الإيرانية، كما الأخيرة كانت مشغولة بملف شط العرب ( المتنازع عليه بين إيران والعراق) وأمور أخرى.

البعد الاجتماعي بين إيران والعرب تاريخي وقديم والهجرة من  ضفة  الخليج (الغربية إلى الشرقية) بسبب ( الدفع/ الجلب) الاقتصادي، كان قديمًا، فقد هاجرت قبائل عربية إلى الضفة الشرقية (سواحل إيران) واستقرت  في الساحل الغربي الإيراني لفترة طويلة  بسبب الوفرة  الاقتصادية النسبية، وبعد إصلاحات رضا بهلوي الاجتماعية (1925-1941م)  متزامنة مع استخراج النفط  في الضفة العربية، هاجرت  بعض عائلات وقبائل  محافظة من (إيران)، بعضها من المذهب الشيعي وأخرى سنية  إلى الساحل العربي، وتعاظمت الهجرة (عمال أو سكان) بعد ظهور النفط في مناطق غرب الخليج، فالاشتباك السكاني تاريخي، بل أن كثير من مناطق إيران على الساحل  الغربي سكنها وحكمها عرب ولا زالوا ، و كان بعضهم قد فقد العلاقة جزئيًا باللغة العربية، سموا في وقت ما ( الهولة) أو ( الحولة) و في تسمية أخرى (عرب إيران) بعد هجرتهم إلى الساحل العربي  وتعلم بسرعة  المهاجرون اللغة  العربية و أبناؤهم وأحفادهم اليوم مندمجون  في مجتمعات الخليج.

الحقيقة البارزة أن النظام الملكي الإيراني كان يداعب من جهة  رأي عام  إيراني لشهوة التوسع، من جهة ثانية وقع في معضلة أنه قدم برنامجًا طموحًا  للتغيير من الجانب الاقتصادي والاجتماعي لم يرضى قطاعات واسعة  من المحافظين ورجال الدين الإيرانيين من جهة، ولم يقدم برنامج سياسي يرضي  الحداثيين من جهة أخرى، فأصبح الفريقان ( المحافظين والحداثيين)على اتفاق بمعارضة نظام  الشاه ومخاصمته، أي كان التغيير  الاجتماعي قد حدث في معادلة  to quick social reformer which provoke the more conservative elements, and to little political reform which provoke the progressive elements, both of them comes to gothere to oppose the Shah.

بعد سقوط الملكية 1979م، تجددت تدريجيًا شهية النظام الجديد (المحافظ) نحو التمدد إلى الجوار، وهذه المرة (تم الإدغام بين المذهبين (الديني) وبين (القومي) في الأيديولوجيا الجديدة، فافترض النظام الجديد كما نص عليه دستور الجمهورية الإسلامية أنه موكل أن يدافع عن الشيعية في أي مكان وأيضًا (المستضعفين) أمام تلك الشعارات التحقت مجموعات من الشيعة العرب في عدد من البلدان العربية بما فيها بعض دول الخليج بالمشروع، وأصبح لرجال الدين (المعممين) سلطة سياسية بجانب سلطتهم المذهبية

أين تكمن الأزمة الإيرانية الحقيقية

للمتعجل، فإن الأزمة الإيرانية تكمن في الصراع بين النخبة الحاكمة في إيران والنظام العالمي الحديث، والغربي منه خاصة. وللبعض تكمن الأزمة في الفشل الذي تُمنى به الإدارة الإيرانية في تهيئة حياة كريمة وعادلة لقطاع واسع من الشعوب الإيرانية التي تزداد فقرًا، ولآخرين تكمن  في أن أموالاً طائلة من ثروة الشعوب الإيرانية تهدر فيما لا طائل منه، وفي صراعات لا يمكن حسمها. حقيقة الأمر أن كل تلك الاقتراحات حول توصيف الأزمة الإيرانية هي فقط نتائج نابعة من الأزمة الكبرى التي تسمى حكم (ولاية الفقيه)، وهي اختراع غير واقعي جاء به السيد الخميني معاكسٌا تمامًا لتاريخ من الاجتهادات الشيعية الاثني عشرية، ومعاكسٌ لمسايرة  تاريخية من نفور رجال الدين الشيعة من التدخل في الشؤون السياسية على مرِّ عصور.
الأصل في الاجتهاد الشيعي الاثني عشري هو النأي برجال الدين والقائمين على التثقيف الديني الإيماني عن السياسة فيما يعرف بفقه الانتظار، وفقه الانتظار جاء نتيجة تجارب مريرة في الصراع السياسي، انتهت إلى ضرورة انتظار ظهور الإمام الغائب لقيادة الأمة، والنأي بالنفس حتى ذلك الوقت عن العمل السياسي المباشر أو غير المباشر باعتبار ذلك منجاة من الفشل، على أساس أن الشخص العادي - ملكًا أو حاكمًا - يمكن أن يفشل، أما الفقيه فإن فشله السياسي ينسحب على المذهب كله وعلى الحوزة وتحميلهما وزر ذلك الفشل. في المسيرة التاريخية للمذهب الاثني عشري الإيراني كانت هناك بعض الرخص التي ترخص بها بعض الفقهاء للعمل السياسي غير المباشر، ويذكر لنا التاريخ تجربة الحكم الصفوي عندما قرر إسماعيل الأول في بداية القرن السادس عشر الميلادي أن يحول إيران إلى المذهب الشيعي الاثني عشري، وهدف من ذلك إلى إعطاء الشعوب الإيرانية هوية مخالفة للجوار السني ومناصبة للعداء مع العثمانيين السنة، وكانت إمبراطوريتهم العثمانية في ذلك الوقت هي القطب المنافس أو الطامح لبسط سيطرته. وقتها ظهر ما يمكن أن يسمى (ثنائية الفقيه والسلطان)، أي استعانة السلطان الصفوي على امتداد حكمه وبدرجات مختلفة بالفقيه الشيعي، من أجل ترسيخ سلطانه لدى الشعوب التي سيطرت عليها الإمبراطورية الفارسية، ولكن الفقيه الصفوي لم يجرؤ على أن يكون ذا سلطان سياسي مطلق، بل إن بعض الفقهاء الذين استعانت بهم الدولة الصفوية اختلفت معهم هذه الدولة وهمشتهم في وقت أو آخر.
وفي بداية القرن العشرين ظهر لنا شكلٌ آخر من انخراط الفقيه الاثني عشري في السياسة، هذه المرة من خلال الفقيه الليبرالي الذي حثَّ على المضي في حركة المشروطية أي الديموقراطية ، وهي مطالبة بالتمثيل الشعبي بين عامي 1905 – 1907م، وتعرف بالثورة الدستورية، التي أدت إلى قيام برلمان شارك فيه بعض الفقهاء، ولكنهم لم يقربوا الحكم المباشر، كان دورهم تحريضيًا. وتبنى عددٌ ليس بالقليل منهم أفكارًا ليبرالية مماثلة لتلك الأفكار السائدة في غرب القارة الأوروبية في تلك الفترة من الزمن، سميت تجربتهم تاريخيًا «الليبرالية المؤمنة». عاد من جديد النظام الحاكم لاستخدام الفقيه الاثني عشري في ستينات القرن العشرين فيما عرف بثورة محمد مصدق الوطنية، ولكنه كان استخدامًا سلبيًا، فقد حرَّض الفقهاء العامة وقتذاك على حكومة محمد مصدق بذريعة أنها (تحمل الأفكار الشيوعية)، وعلى هذا الأساس -وليس من دون دعم غربي -أطيح بثورة مصدق التحديثية. في كل المراحل السابقة كان الفقيه يقوم بدور (السَّنيد) للعمل السياسي الإيجابي أو السلبي، ويُستخدم لتعبئة تعاطف العامة عند الضرورة من أجل نصرة هذا أو ذاك من الاجتهاد السياسي. وكان ذلك منسجمًا مع الفكر التقليدي الاثني عشري من ناحية عدم التورط في حمل العبء السياسي المباشر، وانتظار عودة المعصوم؛ حيث إن إقامة الدولة في زمن الغيبة افتيات على المعصوم؛ لأنه وحده فقط المنوط به إقامة الدولة؛ لأن أحد شروط إقامة الدولة في الفقه الاثني عشري هو جلوس المعصوم على رأسها، والفقيه الاثني عشري المتقدم (المرجع)، هو إمام الدعوة على أكثر تقدير لا إمام الدولة.
القفزة التي فارقت كل ذلك التاريخ هو ما جاء به السيد روح الله الخميني، فقدم فكرة (ولاية الفقيه)، التي سار بها البعض نتيجة ظروف تاريخية معقدة ولكنها مشروطة بما عرفه بعضهم بـ (شورى الفقهاء)، ومع ترسخ سلطة الخميني وعدد من الأحداث العسكرية والسياسية تحول الأمر في ولاية الفقيه من شورى الفقهاء إلى ولاية الفقيه المطلقة، وإمساكه بزمام السلطة المادية (المال والعسكر) والروحية، فتراجعت ثم تنحّت فكرة (ولاية الأمة على نفسها) وغيرت بعض نصوص الدستور الأول إلى حكم مطلق، وهمّش كلا الاجتهادين، المشاركة أو المشروطية، وتحول النظام الإيراني - كما يظهر ويمارس اليوم - إلى نظام استبدادي وشخصاني مطلق، استخدم سلطان الترهيب الذي يقود إلى الخوف ثم الصمت للسيطرة الكلية والشاملة، مما نتج عنه فداحة في التعدي على الحقوق البسيطة للمواطن في إيران وكره  في الشارع الإيراني، حتى أصبحت العمامة في الشارع الإيراني قذى في عيون العامة، يقول بعض المنشقين بسخرية إن النظام بأعماله تلك ممهدٌ جيد لقدوم الغائب، لكونه يزيد من تأزيم الوضع الاقتصادي والاجتماعي وتأجُّج الصراع الكوني، هذا النظام خلق له تبع في بعض البلاد سميت (مليشيات) تتخذ من هذا الشعار أو ذلك ذريعة لها لذلك إلى درجة تصرح حيدر مصيلحي وزير الاستخبارات الإيراني السابق أبريل 2015م،  قال (نحن الآن نسيطر على 4 عواصم عربية) لننظر الآن إلى الأوضاع الاقتصادية وأسعار العملات والأوضاع الاجتماعية لهذه العواصم.  منظمة (أوكس فام) الدولية تعلن قرب (المجاعة الشاملة) في كل من سوريا واليمن، لبنان يتدهور اقتصاده إلى درجة دفع المواطنين إلى الانتحار، يكفي تلك الجملة المعبأة بالمرارة والألم الإنساني العميق التي تركت في شارع الحمراء (أنا مش كافر الجوع كافر)!  أما في العراق فإن المليشيات التابعة لإيران لا تعرف غير لغة واحدة، الرصاص في رأس من يعارضها، سواء أكان الرصاص له صوت أو كاتم للصوت! وتحاول تلك الميلشيات بإصرار تحويل العراق من دولة إلى عصابات!  كما يكفي النظر إلى مجمل الاقتصاد الإيراني المتدهور لنتعرف على خواء وإفلاس هذا المشروع والذي بدوره يجلب التعاسة والجوع إلى البلدان التي وضع نفوذه فيها.

المشروع التركي:  

تقريبًا الموقف التركي  يتعاضد في الهدف تجاه المنطقة العربية كمثله الإيراني وإن من زاوية مختلفة، لقد  ورث حزب العدالة والتنمية في بداية القرن الحالي اقتصادًا ناجحًا كان سببه الرئيسي ما ورثه الحزب من  ثلاثين عامًا من الاصلاحات الاقتصادية والسياسية، خطاب السيد جورج بوش الابن بعد انتهاء اجتماع قمة حلف الأطلسي في استنبول في نهاية عام  2004م، قال الرئيس الأمريكي مخاطبًا النخبة التركية أمامه على رأسهم السيد رجب طيب أردوغان ( بلادكم  مع 150 سنة من  الديمقراطية و الإصلاحات الاجتماعية تؤهلكم لقيادة المستقبل في الشرق الأوسط  كمثال  للتلاؤم بين الشرق والغرب لأنكم جزء من الاثنين .... دخولكم إلى أوروبا سيكون هامًا للتجسير بين العالم المسلم وبين الغرب، وسوف يعزز الديمقراطية والحريات الشخصية) كان خطابًا تاريخيًا وقتها حيث (النموذج التركي) هو المثال الذي تروج له الليبرالية الغربية وكانت ترى فيه الموقف الصحيح ضد التشدد الإيراني، فنجاحات تركيا وقتها مضرب الأمثال ومحط الآمال، من جهة ديمقراطية وتعددية وحريات على خلفية إسلامية، ومن جهة أخرى سلام مع الجوار ونجاح اقتصادي. عام 2004م، لم يكن قد مضى على حزب العدالة والتنمية في الحكم غير سنتين، كان قد استطاع أن يحصد نتائج ثلاثون عامًا من العمل الجاد من حكومات سابقة بدأت بالمصلح تورقت أوزال (رئيس الجمهورية التركية الثامن 1989-1993م) ذو الخلفية العرقية الكردية.  إصلاحات أوزال في كل من المجال الاقتصادي (تطوير التشريعات التركية لتتلاءم مع التشريعات الأوروبية) وفي المجال السياسي (السماح لكل الاجتهادات السياسية) تنظيم نفسها، بما فيها الأحزاب ذات البعد الديني، هي التي أقلعت بالاقتصاد التركي ووضعت تركيا في حالة من الأمل. وبدأ حزب العدالة والتنمية يحصد النتائج.  إلا أن الأمر سرعان ما تبدل، فقد أخذ السيد أردوغان على نفسه أن يسير وراء الإصلاحات الكثيرة بممحاة قلم، بل وحتى الاصلاحات الأكثر قدمًا ومنها إصلاحات كمال أتاتورك.  مثلا كان ممنوعًا بقانون الجمع بين رئاسة الحزب (أي حزب ورئاسة الحكومة و الرئاسة الأولى) فجمع الأولين، ومن ثم أضاف إليهما الثالثة في مسيرة تسميها المعارضة التركية التي تنامت إنها الطريق إلى (تركيز السلطة).. بعدها هجر سفينة أردوغان على مراحل عدد من كبار رجال الدولة واحدًا إثر آخر ولا زال الحبل على الجرار. وسار أردوغان في شبه سياسة ثأرية من كل ما اعتقد أنه عطل توجه تركيا إلى أوروبا وهي عدم اعتراف بقوته وتحويل مضامين خطاب بوش إلى برنامج تنفيذي !، تحول إلى الجنوب واكتشف أولا القضية الفلسطينية، فدخل في تلاسن وحرب إعلامية مع إسرائيل دون أن يقطع العلاقة الاقتصادية والعسكرية الوثيقة معها، ولكن موقفه التلاسني أكسبه الكثير من الجماهيرية عربيًا في أجواء عاطفية شديدة البعد عن الحسابات السياسية الواقعية. لم تكن تركيا تسير اقتصاديًا بشكل تصاعدي بعد سنوات قليلة من عام 2004م، الذي شهد قمة صعود النموذج التركي وبدأ سريعًا في التراجع حتى وصلت إلى عام 2015م، عندما تنامي الشعور بخيبة الأمل لدى قطاع تركي واسع فكانت محاولة الانقلاب في 15 يوليو 2016م. وقتها تفجرت الأزمة وهي كأي أزمة  تبدو غير متوقعة  ومربكة  وكارثية لمن تحل به، إلا أنها في الغالب تراكمات تتصاعد على مر سنين وأساسها فقد العلاقة الواقعية بين ما يجري على الأرض والوهم السياسي الذي تحمله نخبة حاكمة صغيرة ، هذا بالضبط  ما حدث، تحولت تركيا من صفر  مشكلات مع الغير إلى(مشكلات مع الكل) في الداخل والخارج،  المصالحة مع الكرد فشلت، الوضع الاقتصادي تأزم، زاد التضخم وتراجعت الليرة وضمرت الصادرات، ذهب أردوغان إلى أماكن  كثيرة  بحثًا عن تعويض من سواكن في السودان إلى الخليج إلى ليبيا. ترجم الامتعاض الداخلي من تلك السياسات بعد ذلك في صناديق انتخابات بلدية استنبول الكبرى الذي رفض نتائجها الأولى حزب العدالة وأعيد الانتخاب في يونيو 2019م، وفاز بشريحة واسعة المعارض أكرم إمام أوغلو الذي نافس علي بن علي يلدرم القريب من أردوغان ورئيس حكومته السابق! بل خسر الحزب بلدية أنقرة الكبرى وعدد من البلديات الأخرى، على جانب آخر فتحت المحاكمات والسجون وحتى المنافي لمعارضين أتراك وزج بعدد ضخم منهم بمحاكمة أو بغيرها، فغاب ذلك البريق للنموذج التركي، وظهر أن تركيز السلطة في يد شخص واحد هو قاتل لروح الديمقراطية والتنمية معًا، كانت النخب التركية قبل ذلك تفاخر أن في المسيرة الطويلة منذ أتاتورك يعود الأتراك دائمًا إلى صناديق الانتخاب لأنها القول الفصل! مع الابتعاد عن الواقع حتى تلك الفكرة (الديمقراطية) تحولت في مجتمع الخوف الذي أشاعه (حكم الشخص الواحد) إلى أمل بعيد وأصبحت القوانين التركية التي يسنها حزب العدالة بقيادة أردوغان أكثر تضييقيًا على الحريات.  المؤسف أن السيد رجب أردوغان لا يعرف من اللغات إلا التركية، ولو كان يجيد الانجليزية فإن أفضل هدية يقدمها له بقية المخلصين حوله هو فلم المبدع مصطفى العقاد (عمر المختار) الرجل الليبي الصلب الذي قاوم الاحتلال الإيطالي في مطلع القرن الماضي (منذ قرن تقريبًا) لمدة عشرون عامًا، وكانت المقاومة بالبنادق والخيول، أمام الرشاشات وحاملات الجند والطائرات. وقتها سوف يعرف عجينة الشعب الليبي الذي أرسل جنوده وبعضًا ممن جندهم للحرب ضده.  المفارقة أن جناحي ليبيا في الشرق والغرب وهما تونس والجزائر يطالبان اليوم فرنسا بالاعتذار عن المآسي التي ارتكبت إبان استعمار البلدين، يأتي السيد أردوغان إلى الحج والناس راجعة، فيقرر استعمار تركي لليبيا ركونًا إلى أن الامبراطورية العثمانية كانت هناك في وقت غابر من الزمن!  إن الانقطاع عن الواقع بين لا لبس فيه وتمدد لا قبل للأتراك بحمله!  المؤسف أن الوضع سوف يسوء قبل أن يتحسن، فالوضع الداخلي التركي يشهد تذمرًا يتسع بين النخب التركية جراء الوضع الاقتصادي والحروب الخارجية، كما يسوء بسبب تعقد القضية الكردية في الداخل بجانب القبضة البوليسية التي تتابع وتُسكت المعترضين، ومن جانب آخر يعادي أردوغان ليس فقط الجوار الأوروبي بل وحتى الحليف الأمريكي، الأول عن طريق السماح للمهاجرين للعبور لأراضيه، والثاني شراء أسلحة حديثة من دولة صممت فلسفة الحلف الأطلسي على مناوءتها !!  بل هو في الطريق إلى تناقض تكتيكي مع حليف مؤقت في سوريا وهي روسيا التي يتصادم معها في الصحراء الليبية! اليوم ليس ببعيد من فشل سياسة التوسع التركي في مناطق قريبة وبعيدة من تركيا فحقائق الاقتصاد والسياسة وحتى الجغرافيا مقرونة بالتضييق على الحريات لن تسمح للسيد أردوغان البقاء خارج الواقع السياسي / الاجتماعي.

الموقف الدولي من المشروعين الإيراني والتركي في المنطقة:

في سنوات القرن الحادي والعشرين، وبعد تفاؤل أولي بأن هناك (قيادة دولية) رشيدة بدأت تظهر في أقوى دولة في العالم الولايات المتحدة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي في تسعينات القرن الماضي، دخلت الإدارات الأمريكية المتعاقبة في مرحلة تراجع سواء الإدارة الأوبامية وبعدها الإدارة الترامبية 2009 – 2020م، لعقد كامل، لم يعد العالم ذو قيادة دولية يعتد بها. السيد براك أوباما من زاوية ربما مثالية اعتقد أن (استرضاء) إيران وعقد اتفاق معها  في الملف النووي قد يرجعها إلى صواب الدول العادية و السيد  ترامب اعتقد أن (المقاطعة) الاقتصادية و الدبلوماسية قد تعيد إيران إلى المسار الدولي،  في العلاقة بتركيا أيضًا كانت غير  مستقرة ، فرغم  مجموع الخطوات التي اتخذها  السيد أردوغان والتي تصب في خانة  الخلاف مع الولايات المتحدة، من شراء معدات حربية متقدمة من روسيا  إلى  تراجع  الحريات في الداخل التركي وحتى استفزاز النظام المصرفي الأمريكي من خلال تعامل أكبر بنك تركي حكومي مع إيران مخترقًا الحصار ، وأخيرًا إلقاء القبض المتبادل لمواطنين أتراك في أمريكا ومواطنين أمريكان في تركيا . فإن موقف أمريكا من تركيا لا زال في مكان (الاسترضاء) لا العداء وبالتالي فإن مشروع تركيا الوسطي لا يثير كثيرًا اهتمام في الدوائر الأمريكية. الدول الأخرى الكبرى كالصين أو روسيا لها مصالح اقتصادية في المنطقة تحاول الحفاظ عليها دون (إزعاج) للقوتين الإيرانية والتركية. هناك احتمال أن تتغير الأمور في الولايات المتحدة في نوفمبر القادم.

ما العمل؟

المحك في إثارة اهتمام القوى الكبرى وخاصة الغرب بمصالح المنطقة العربية هي بالقيام بإصلاحات في الإدارة خاصة في ملف اجتثاث الفساد ووضع المرأة والتنمية الاقتصادية المتوازنة مع إصلاحات تؤكد اللحمة الوطنية في الجبهات الداخلية ودخول المنطقة إلى الملعب الدولي، مع تصفية إن أمكن للملفات العالقة إقليميًا (بين العرب) وهي ملفات شائكة وتحتاج إلى جهود دبلوماسية كثيفة.

وقتها سوف ترى القوى الكبرى أن هناك مصالح لها في النظر بشكل متعاطف للقضايا العربية لأنها تشترك معها في القيم العالمية من جهة والمصالح الاقتصادية من جهة أخرى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقالات لنفس الكاتب