array(1) { [0]=> object(stdClass)#11965 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 152

إشكالية تركيا ترسم سياستها الخارجية بالتحالف مع جماعات وليس حكومات تمثل شعوب الدول

السبت، 01 آب/أغسطس 2020

شهدت منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة نزاعات كبيرة وصرعات عديدة شاركت فيها الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية روسيا الاتحادية، كما شاركت فيها الدول الإقليمية الكبيرة، وعلى رأسها الجمهورية الإسلامية الإيرانية والجمهورية التركية، وكانت مشاركة الدول الكبرى والإقليمية إما مباشرة بجيشها وقواتها العسكرية، أو بدعم منظمات إقليمية ومحلية، وقد برزت هذه القوى الحزبية والتنظيمية والميليشيات كفاعل مباشر في هذه الصراعات في العراق، وسوريا، وليبيا وغيرها، ولكن لم يسمح لها بامتلاك قرار الحسم العسكري لصالحها أولاً، ولا وقف القتال بإرادتها الخاصة ثانيًا، ولا التوصل إلى حلول سياسية ثالثًا، إلا من خلال موافقة الدول الإقليمية والدولية، فكان دور الدول الإقليمية الكبرى هي حلقة الوصل في الدعم العسكري أولاً، وفي إجراء التفاوض السياسي بين المتقاتلين ثانيًا، دون أن تملك الدول الإقليمية حق التوصل إلى اتفاقيات الحل السياسي النهائي إلا بمباركة الدول الكبرى، فكان دور الدول الإقليمية التقريب وتقديم رؤى للاتفاقيات السياسية، بما يخدم مصالحها هي أيضًا، ولكن القرار النهائي خاضع للتنافس الدولي بين الدول الكبرى فقط، لذا كانت التدخلات الإقليمية فاعلةً في إشعال نيران الحروب من خلال دعم التنظيمات المسلحة الموالية لها، ولكنها عاجزة وحدها عن اتخاذ قرار وقف إطلاق النار دون موافقة الدول الكبرى، وبقيت تدخلاتها العسكرية جزءًا من المخاطر التي تعاني منها المنطقة، وإن كان البحث عن الحل السياسي لا يجد له أبوابًا إلا من خلالها، فهي أدوات ضرورية في الصراع المسلح أولاً، وفي علاقاتها مع الدول الكبرى صاحبة القرار في الحل السياسي النهائي.

 

سياسة تصفير المشاكل التركية

 

طرحت الحكومة التركية شعار تصفير مشاكلها الخارجية أواخر العقد الأول من هذا القرن الحادي والعشرين، على اعتبار أن النهضة الاقتصادية التي تسعى لها تركيا تتطلب إنهاء بؤر الصراع في المنطقة، وبالأخص مع الدول المجاورة لتركيا، وقد تمكنت تركيا خلال سنوات قليلة من توقيع عشرات الاتفاقيات الاقتصادية والسياسية والأمنية مع حكومات سوريا، والأردن، والعراق، ومصر، ووقعت العديد من اتفاقيات التعاون الاستراتيجي مع دول مجلس التعاون الخليجي، ولكن سرعان ما اختلفت بوصلة السياسة التركية مع ظهور موجات الاحتجاجات الشعبية في تونس، ومصر، وسوريا وليبيا، واليمن وغيرها.

لقد كان من أخطاء السياسة التركية وبعض الدول العربية في ذلك الوقت ثقتها العمياء بالسياسة الأمريكية، التي أبدت في البداية تأييدا إعلامياً لثورات الربيع العربي، ورفع أمريكا شعار التغيير الديمقراطي فيها، في كل من مصر، وسوريا، وليبيا وغيرها، وقد أخذت السياسة الأمريكية بعد استلام جون كيري وزارة الخارجية الأمريكية عام 2013م، تتلاعب في مسارات الاحتجاجات الشعبية وتستعمل الأنظمة السياسية بما فيها تركيا لتحقيق مآرب الاستراتيجية الأمريكية لتحقيق الفوضى الخلاقة التي دعت لها وزيرة الخارجية الأسبق كونزاليزا رايس عام 2006م.

في ذلك الوقت ظنت الشعوب وبعض أنظمة المنطقة أن هذه المظاهرات الشعبية قادرةٌ على تغيير مسار المنطقة السياسي والديمقراطي من خلال وصول قادة  هذه الثورات إلى السلطة السياسية، ديمقراطيًا أو ثوريًا، طالما أن أمريكا تظهر التأييد لها، فأوقفت الحكومة التركية سياسة صفر مشاكل مع الأنظمة السياسية، واستبدلتها بدعم هذه الاحتجاجات الشعبية وتدخلت في تبني بعض هذه الثورات الشعبية للوصول إلى السلطة سلميًا أو عسكريًا كما حصل في مصر وانتخابات  يونيو/ حزيران 2012م، أو مع الثورة السورية وفتح الحدود التركية السورية على مصراعيها لإدخال السلاح والمقاتلين الأجانب إليها.

ما غفلت عنه السياسة التركية وغيرها من الدول التي دعمت الثورة السورية من الدول العربية عدم جدية أمريكا في تأييد الثورات الشعبية، فأمريكا ترتبط استراتيجيًا مع قوى الدولة في هذه المنطقة، من خلال استخباراتها العسكرية أو الأمنية منذ عقود، ولم تكن أمريكا مستعدة أن تسمح للاحتجاجات  أن تقرر مصير دولها  لمجرد خروجها في مظاهرات، فأمريكا لم تكن جادة بإنجاح هذه الاحتجاجات سواء في مصر أو في سوريا أو في ليبيا أو في اليمن أو في غيرها، وما جرى في هذه الدول خلال تسع سنوات ماضية أكبر دليل على ذلك، لأن السياسة الأمريكية لديها استراتيجيتها الخاصة لإعادة رسم الحدود السياسية بين دول المنطقة، بما يخدم مصالحها وليس مصالح هذه الدول إطلاقًا، وكانت أمريكا تخطط للفوضى الخلاقة لإحداث هذه التغيرات عبر عقود من الزمن، وسواء كانت أمريكا مخططة لهذه الفوضى الخلاقة التي أخذت اسم ثورات الربيع العربي، أو كانت مستثمرة لها بعد وقوعها، فإنها لم تكن تعمل لصالح المنطقة ولا دولها، وإنما تعمل وفق مخططات استعمارية لتقسيم دول المنطقة وليس لإحداث نهضة فيها، بدليل أن أمريكا منعت سقوط نظام بشار الأسد عسكريا في بداية عام 2012م، وتذرعت بضرورة سقوطه ضمن اتفاق دولي تشرف عليه الأمم المتحدة، وجمعت له مؤتمرات جنيف1و2و3و....، ثم أعطت إيران الضوء الأخضر لإرسال ميليشياتها من الحرس الثوري وحزب الله اللبناني والعراقي وغيرها للحيلولة دون سقوط نظام بشار الأسد عسكريًا، ومن ذلك الوقت أصبحت أمريكا هي اللاعب الأساسي في الأزمة السورية، لأن أمريكا لم تأت بإيران إلى سوريا للقضاء على الثورة السورية وإنما لمزيد من الاقتتال والتدمير وإشعال الحرب الطائفية كما فعلت في العراق، فلما عجزت إيران عن تحقيق أهدافها في سوريا واستنزفت قواتها فيها، وافقت أمريكا على التدخل الروسي 30 أيلول/ سبتمبر 2015م، لإيقاع مزيد من القتل والتدمير فيها، ولاستنزاف روسيا فيها أيضًا.

بقيت الحكومة التركية ست سنوات وهي تمتنع عن إرسال جيشها إلى سوريا، وهذا ما أزعج أمريكا فهي تريد أن ترى الجيش التركي في الأوحال السورية، وسيكون سرورها أكبر لو اصطدمت قوات الجيش التركي مع قوات الجيش الإيراني أو الروسي أو الاثنين معًا، ولكن القوات التركية حددت أهدافها الخاصة بأمنها القومي التركي فقط، وتخلت عن دعم الثورة السورية بعد أن تأكد لها عدم جدية أمريكا بتغيير النظام السوري، بدليل أن تدخل إيران وروسيا في سوريا عسكريًا لم يجد معارضة أمريكية ولا أوروبية ولا إسرائيلية في ذلك الوقت.

عندها أيقنت تركيا أن قرار تغيير النظام السوري ليس بمقدور الشعب السوري أولاً، ولا بمقدور الدول العربية الداعمة للثورة السورية ثانيًا، وبمقدور الدولة التركية ثالثًا، طالما أن أمريكا وإسرائيل لا مصلحة لها بتغيير نظام بشار الأسد، بل بدأت الخلافات التركية ــ الأمريكية بالظهور أكثر، لأن أمريكا بالغت بتجاهلها مخاطر الأمن القومي التركي، في سعيها لإعطاء الشمال السوري للأحزاب الكردية التي تعمل وفق خطط البنتاغون للتواجد العسكري الأمريكي في سوريا، والذي يخطط لتقسيم سوريا إلى دويلات فيدرالية أو كونفدرالية، لإقامة عشرات القواعد العسكرية الأمريكية شمال شرق سوريا.

 

أما إيران فقد دخلت في خطة تخريب البلاد العربية منذ وصول أحزاب الملالي الشيعية الطائفية إلى السلطة السياسية في إيران عام 1979م، وقد وجدت أمريكا بغيتها في هذه الأحزاب الطائفية التي وصفت نفسها باسم الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما هي إلا زمر طائفية تربت على أعين المخابرات الأمريكية من عقود لإسقاط حكومة شاه إيران وإسقاط الشعب الإيراني في أوحال الدولة الدينية الثيوقراطية، بما تحمله من بذور الهلاك لنفسها ولشعبها وللمنطقة جمعاء، وهذا ما كان فعلاً منذ وصول الأحزاب الطائفية إلى السلطة السياسية، وسماح أمريكا لها بتدمير الجيش الإيراني الذي بناه الشاه، والسماح لها بهدم المشاريع النووية والصناعية والاقتصادية التي شرعت دولة الشاه ببنائها، وقد بنت هذه الأحزاب والحكومات الثيوقراطية الإيرانية لها في أمريكا لوبيات داعمة على طريقة اللوبيات الصهيونية الداعمة لإسرائيل، وتمكنت لوبيات إيران في أمريكا من بناء شبكات تعاون أمني وسياسي في إدارة شؤون منطقة الشرق الأوسط في الأوساط الأمريكية، وهذه اللوبيات الإيرانية  ظنت أنها شريكًا استراتيجيًا مع أمريكا والغرب في إدارة شؤون المنطقة، بينما كانت أمريكا تستخدمها في تدمير إيران أولاً، وفي تدمير دول المنطقة ثانيًا، وكان أولى ثمرات التعاون الإيراني الأمريكي السري المساعدات اللوجستية والاستخباراتية للجيش الأمريكي في احتلاله لأفغانستان عام 2001م، إضافة إلى دور إيران بتقديم ملاذ آمن إلى قادة تنظيم القاعدة الفارين من أفغانستان إلى إيران، بتنسيق وتعاون مع المخابرات الأمريكية لتوظيف عناصر تنظيم القاعدة بما يخدم الاستراتيجية الأمريكية في السنوات والعقود التالية، وقدمت حكومة الجمهورية الإسلامية قدراتها الجيوسياسية والعسكرية لأمريكا لاحتلال العراق عام 2003م، فكان احتلال العراق احتلالاً مشتركًا بين أمريكا وإيران، ولولا المشاركة الإيرانية لما تمكنت أمريكا من احتلال العراق إطلاقًا حسب وصف مسؤولين إيرانيين.

وعندما احتاجت أمريكا ميليشيات الحرس الثوري لتغيير المعادلة العسكرية في سوريا فتحت لها الأبواب للتدخل العسكري في سوريا، وكان من جهل وغباء الحرس الثوري الإيراني الذي تحركه ذهنية تصدير الثورة أنه يجني ثمار تعاونه مع أمريكا، فهرع إلى سوريا كما هرع من قبل إلى العراق لنشر أحقاد ذهنيته الطائفية في سوريا كما نشرها من قبل في العراق، وقتل ودمر في سوريا كما قتل ودمر في العراق، دون أن تحرك أمريكا ولا إسرائيل ساكنًا، ولم تستطع تركيا ولا الدول العربية منع الإرهاب الطائفي التي تشنه إيران على شعوب المنطقة، خشية التورط في حرب طائفية على مستوى العالم الإسلامي دون أن يكون لها مصلحة، ولن تكون نتائجها إلا لصالح أمريكا ومشاريعها الاستعمارية، وبعد أن أمعنت ميليشيات إيران الفارسية والعربية والأفغانية في قتل الشعب السوري وتخريب سوريا، جاء موعدها مع جزاء سنمار فكان موعدها مع الرئاسة الأمريكية الترامبية لوقف التمدد الإيراني، وإلغاء ما قبضته ثمنًا لجرائمها بإلغاء ترامب الاتفاق النووي معها، ومنعها من حرية الحركة وفرض العقوبات عليها.

لقد كان العدوان الإيراني على العراق وسوريا والمنطقة جزءًا من أسباب التدخل التركي في سوريا والعراق أيضًا، ولكن دون إثارة ضجيج الصراع التركي مع إيران لما يربط تركيا بمصالح اقتصادية مع إيران، مع إدراك أو تجاهل تركي لمخاطر وضع حد للعدوان الإيراني في المنطقة، وبالأخص الذي يهدد الأمن القومي التركي شمال سوريا، فتركيا عملت مع أمريكا لمنع إيران من السيطرة على طريق بري يربط بين طهران وبغداد ودمشق وبيروت في المنطقة التي تتصورها الحكومة التركية منطقة آمنة لحدودها الجنوبية، فهي لا تسمح للحرس الثوري الإيراني أن يحاصر تركيا من حدودها الجنوبية، كما أن الحكومة التركية رفضت الرؤية الأمريكية لتمليك هذه المنطقة الحدودية شمال سوريا لقوات سوريا الديمقراطية، التي تدعمها أمريكا، لأنها منطقة حدودية خطيرة، ومن سوء حظ وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون أن مراهنتها على منح هذه المنطقة للأكراد هي بمثابة خنجر مسموم في خاصرة الأمن القومي التركي، فضلاً عن أنها تنتزع هذه المنطقة من أهلها العرب لتمنحها لشعب آخر، على طريقة وعد بلفور عام 1917م، فالمشروع الأمريكي لفصل شمال سوريا بدولة كردية بمثابة إعلان حرب على تركيا، وهذا هو السبب الرئيسي للتدخل التركي في سوريا طالما أن أمريكا لم تتراجع كليًا عن تنفيذ هذا المشروع.

وهذا الخطر الذي تدعمه أمريكا وأوروبا وإسرائيل وتنافس عليه روسيا أيضًا بإقامة كيانات أو تقسيمات سياسية في المنطقة فشل في انفصال شمال العراق باسم كردستان، بعد إجراء استفتاء شعبي فيها سبتمبر/ أيلول 2017م، فقد اجتمعت مصالح دولة العراق والجمهورية الإيرانية والجمهورية التركية على محاصرة هذا الانفصال برًا وجوًا، واضطرت سلطة إقليم كردستان على التراجع عن هذا المشروع الانفصالي في العراق، ثم تعاونت الحكومة التركية مع حكومة إقليم شمال العراق ووفقًا لاتفاقيات تركية ـ عراقية قديمة على التدخل التركي في شمال العراق في مهاجمة معسكرات حزب العمال الكردستاني شمال العراق، هذا الحزب الذي يعتبر في أصله حزبًا تركيًا غير معترف به ويصنف بأنه تنظيم إرهابي خطر يجب القضاء عليه، فالتدخل العسكري التركي في العراق  ـ من وجهة النظر التركية وبغض النظر عن صوابها أو خطئها  ـ يستند إلى اتفاقيات أمنية مع الحكومات العراقية السابقة، ويستند إلى تفاهمات مع حكومة شمال العراق الحالية كما تقول تركيا ، ويحمل أهدافًا مشتركة مع حكومة العراق وحكومة إقليم شمال العراق الكردية، لأن حزب العمال الكردستاني عدوٌ مشترك للأطراف الثلاثة، ويعبر عن ذلك ضعف الموقف العراقي الرسمي في رفض هذا التدخل التركي بقوة، وهذا لا يعني صوابية هذا التدخل التركي، لأن الأفضل أن تدعم الحكومة التركية حكومة العراق الشرعية للقيام بهذا الدور السيادي على أراضيها.

أما التدخل التركي في ليبيا فهو تم تحت غطاء الاتفاقيات الرسمية بين تركيا وحكومة الوفاق ولو كانت شكلية، فحكومة الوفاق برئاسة السراج هي الحكومة المعترف بها في الأمم المتحدة، كما هو الأمر بالنسبة لبشار الأسد وحكومته في سوريا، فالحكومات الرسمية المعترف بها دوليًا هي التي تجري الاتفاقيات الدولية، والحكومة التركية قبل تدخلها في ليبيا كانت على تواصل مع إدارة الرئيس الأمريكي ترامب، وآخر تصريح أمريكي بشأن التدخل التركي في ليبيا وجه انتقاده إلى الأوروبيين متهمًا إياهم باتهام تركيا وحدها في تهريب الأسلحة إلى ليبيا، فقد هاجم "ديفيد شينكر" مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى يوم الخميس 17 تموز يوليو 2020م، دور الدول الأوروبية في ليبيا، وقال: "إن بإمكانها أن تفعل المزيد، وإن عمليات الاعتراض البحرية التي تنفذها مقصورة فقط على تركيا"، والشاهد في ذلك أن أمريكا تستفيد حاليًا من التدخل التركي في ليبيا، وربما كانت هذه الفائدة أكبر من فائدة تركيا نفسها.

وقد يكون التدخل التركي في ليبيا لا يخرج عن الخداع الذي مارسته أمريكا مع تركيا لجرها للتدخل العسكري في سوريا، فتركيا لا تستطيع اليوم سحب قواتها من سوريا دون خسائر، بل إن قوى من المعارضة التركية تصف هذا التدخل التركي في سوريا والعراق وليبيا بأنه استعمار تركي لهذه الدول ويستنزف الاقتصاد التركي، وبالرغم من وجود تحليلات ترى أن تركيا لا ترسل جنودها إلى خارج حدودها إلا بعد تفاهمات استخباراتية وأمنية وعسكرية مع نظرائها من الدول الكبرى، الأمريكية والروسية، ولكنها لن تستطيع ضمان حياة جنودها فيها أولاً، ولا تستطيع ضمان نجاح تدخلها على المدى المتوسط ولا البعيد، لأن قدراتها العسكرية والسياسية محدودة ضمن المعطيات مع أطراف الصراع الأخرى فإذا ما حصلت تغييرات دولية أقوى من قدرات تركيا الذاتية فستقع ضحية أخطائها في التخطيط، وستدفع ثمنًا بالغًا مقابل ثقتها الخاطئة بالدول أو المنظمات الحليفة، الذين يبحثون عن مصالحهم فقط، كما حصل في بداية الاندفاع التركي في دعم الثورة السورية في السنوات الأولى للثورة.

 

إشكاليات الانحراف في السياسة التركية

 

إن الاشكالية الأكبر في السياسة التركية المعاصرة أنها أخذت في رسم سياستها الخارجية تعتمد على الأحزاب أو أجزاء الحكومة المتحالفة معها وليس مع الحكومات التي تمثل كافة أبناء الشعب في تلك الدول، وهذا بالرغم من كونه خطئًا في بناء العلاقات الدولية، فإنه يعود على تركيا بالضرر السياسي، ويضر بسمعتها كدولة إقليمية كبيرة، إذ ينبغي أن تكون سياستها عادلة وتوافقية وراعية للسلام، فمن الملاحظ أن سياسة تركيا في سوريا وليبيا والعراق باعدت بين تركيا والدول العربية، وقد خرجت عدة انتقادات من جامعة الدول العربية للسياسة التركية في هذه الدول وغيرها، ويمكن وصف السياسة التركية مع معظم الدول العربية بأنها سيئة، ولا تحظى بالرضا مع القوى السياسية الرسمية وحتى غير الرسمية.

إن انتهاج تركيا سياسة التباعد مع الدول العربية ليس في مصلحة الشعب التركي على المدى البعيد، فالأصل في هذه العلاقة ينبغي أن يكون مقنعًا للأنظمة والشعوب معًا، وليس بادعاء تغليب المصلحة الشعبية ضد أنظمتها السياسية ولا العكس، ولو وجد رغبة لمساعدة الشعوب فلا يجوز أن يتم بعلاقات غير صحيحة، فدعم الأحزاب المعارضة لأنظمتها السياسية ليس تصرفًا سياسيًا حكيمًا، ولم يكن معهودًا في التاريخ التركي الحديث.

إن رفض لجنة الدفاع في البرلمان العراقي التدخل التركي وتوغله لمسافة 15 كيلومتر في الأراضي العراقية، ومطالبته بوقف التدخل التركي وخروجه من الأراضي العراقية، فالسياسة الحكيمة أن تكون الشعوب مقتنعة بما يجري على أراضيها من دولة أخرى، والبرلمانات هي الممثلة للشعوب، ووجود انقسام شعبي في إحدى الدول لا يمنح للدول الخارجية الاصطفاف مع أحدها، لأن فيه عداء للطرف الآخر، وسوف يحول دون قيام مصالحة عادلة داخل هذا القطر أو ذاك.

مستقبل العلاقات التركية ــ العربية

أدت التدخلات العسكرية في سوريا والعراق وليبيا حتى الآن إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار في هذه البلاد، وسواء كانت تركيا في حالة الاعتداء على شعوب هذه الدول أو كانت في حالة الدفاع عن النفس من وجهة نظر الحكومة التركية، وبالأخص في سوريا والعراق، حيث تهديدات حزب العمال الكردستاني وتهديدات كافة المليشيات التابعة لها من أحزاب وقوات كردية في سوريا أو في العراق، فإن تركيا لم تحقق الأمن والاستقرار في هذه الدول عن طريق استخدامها القوة العسكرية، واستمرار المراهنة على القوة العسكرية لن يأتي بالأمن والاستقرار لتركيا ولا لشعوب تلك الدول، ومن حيث كون هذه الدول الثلاث هي دول عربية.

مقالات لنفس الكاتب