array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 152

3 أسباب تعطل اتفاق نووي إيراني ـ أمريكي حتى في حال فوز بايدن بالرئاسة

السبت، 01 آب/أغسطس 2020

يواجه الاتفاق النووي الذي توصلت إليه إيران ومجموعة "5+1" في 14 يوليو 2015م، قبل أن تنسحب منه الولايات المتحدة الأمريكية في 8 مايو 2018م، تحديات لا تبدو هينة في المرحلة الحالية ربما تؤدي في النهاية إلى انهياره، ومن ثم عودة أزمة البرنامج النووي الإيراني إلى نقطة الصفر من جديد.

وفي الواقع، فإن ذلك لا يعود فقط إلى العقوبات الأمريكية، التي فرضت تداعيات قوية على إيران بدت جلية في تقليص صادراتها النفطية من نحو 2.5 مليون برميل يوميًا في مايو 2018م، إلى أقل من 200 ألف برميل في الوقت الحالي، وإنما يعود أيضًا إلى اعتبارات عديدة يتعلق بعضها بالتصعيد المستمر في العلاقات بين واشنطن وطهران حول الملفات الإقليمية المختلفة، لاسيما في سوريا والعراق، واتساع نطاق الخلافات بين إيران والدول الأوروبية، فضلاً عن دخول إسرائيل كطرف مباشر بعد اتجاه إيران إلى رفع مستوى أنشطتها النووية من جديد ومحاولة تعزيز وجودها العسكري داخل سوريا.

ورغم أن اتجاهات عديدة داخل إيران بدأت تدعو علانية إلى الانسحاب من الاتفاق النووي الذي لم يتضمن، في رؤيتها، أية امتيازات بالنسبة لإيران، فإن الأخيرة ما زالت حريصة على ربط قرارها تجاه استمرار العمل بالاتفاق من عدمه بمتغيرات أخرى، على غرار نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي سوف تجرى في نوفمبر القادم، ومدى استمرار المواجهة غير المباشرة بين طهران وكل من واشنطن وتل أبيب، والتي بدت انعكاساتها جلية في الانفجارات التي تعرضت لها بعض المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية في الآونة الأخيرة.

أولاً: المسارات المحتملة للتصعيد الإيراني-الأمريكي:

       ربما لم تتعرض إيران لهذا المستوى من الضغوط الأمريكية في أى وقت مضى مثلما تبدو في الوقت الحالي. ويعود ذلك في المقام الأول، إلى أن الضغوط الأمريكية لا تنحصر فقط في العقوبات التي أدت إلى تقليص مستوى الصادرات النفطية الإيرانية وخروج الشركات الأجنبية من السوق الإيرانية، على نحو ساهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية في الداخل، وكان له دور في تأجيج الاحتجاجات الشعبية ضد الإجراءات الاقتصادية التي تتخذها الحكومة.

إذ أن ما زاد من حدة تلك الضغوط هو حرص الإدارة الأمريكية على توجيه رسالة حازمة لإيران بأن الخلافات معها لا تتركز في الاتفاق النووي، وإنما تمتد أيضًا إلى الملفات الإقليمية المختلفة، لاسيما التي تحظى باهتمام خاص من جانب واشنطن نتيجة تأثير تطوراتها على مصالحها المباشرة، ولاسيما الملفين العراقي والسوري.

وفي هذا السياق، اتخذت واشنطن إجراءات عديدة لكبح أدوار إيران في المنطقة، على غرار العملية العسكرية التي شنتها في 3 يناير 2020م، وأدت إلى قتل قائد "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري قاسم سليماني، المسؤول عن إدارة العمليات الخارجية الإيرانية، ونائب رئيس هيئة "الحشد الشعبي" أبومهدي المهندس.

وما زالت واشنطن حريصة على البقاء داخل سوريا، باعتبار أن ذلك يخدم سياستها التي تهدف إلى تقليص حضور إيران في الأخيرة، بالتوازي مع تطبيقها قانون "قيصر" على سوريا، الذي يتمثل أحد أهدافه في منع استمرار الدعم الذي تقدمه إيران للنظام السوري.

وبالتوازي مع ذلك، اتجهت واشنطن إلى شن حملة دبلوماسية دولية لمنع رفع الحظر المفروض على إيران في مجال الأسلحة الثقيلة، والذي من المزمع تطبيقه وفقًا للاتفاق النووي وقرار مجلس الأمن رقم 2231 في 18 أكتوبر 2020م، حيث بررت ذلك بأن السماح لإيران بشراء أسلحة ثقيلة سوف يهدد الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، باعتبار أن إيران سوف تتجه، في هذه الحالة، إلى رفع مستوى الدعم الذي تقدمه لحلفائها من الأنظمة والميليشيات الطائفية الموجودة في سوريا ولبنان واليمن والعراق وغيرها.

وقد قدمت واشنطن مشروع قرار في مجلس الأمن لمنع رفع الحظر، وهددت بأنه في حالة عدم تمريره نتيجة استخدام الفيتو من جانب روسيا والصين، ستتخذ كل الإجراءات الكفيلة بعرقلة أية صفقات عسكرية محتملة بين إيران وأى طرف آخر، بما فيها فرض عقوبات جديدة.

كما كان لواشنطن دور في تغير السياسة التي تتبناها الوكالة الدولية للطاقة الذرية تجاه إيران، على نحو بدا جليًا في القرار الذي اتخذه مجلس محافظي الوكالة، في 19 يونيو 2020م، وطالب فيه إيران بالسماح لمفتشي الوكالة بدخول موقعين محددين والتعاون مع الوكالة دون إبطاء.

ورغم أن مشروع القرار تم تقديمه من جانب بريطانيا وفرنسا وألمانيا، فإن واشنطن لم تكن بعيدة عنه، حيث تشير تقارير مختلفة إلى أن المعلومات الاستخباراتية التي تقدمها واشنطن وتل أبيب إلى الوكالة والدول المعنية كان لها تأثير مباشر في هذا السياق، بعد أن كشفت عن محاولات إيرانية متعددة للالتفاف على مطالب الوكالة وإجراء أنشطة ذات صلة بالبرنامج النووي بعيدة عن أعين مفتشيها.

ومن دون شك، فإن إعداد الدول الأوروبية الثلاث لهذا المشروع كان في حد ذاته رسالة لإيران تفيد أن إمعانها في إجراءاتها التصعيدية الحالية لن يوفر فرصة لاستمرار التفاهمات الحالية معها، في ظل التحسن الذي طرأ على العلاقات بين الطرفين بعد الوصول للاتفاق النووي.

وفي الواقع، فإن واشنطن سعت عبر تلك الإجراءات إلى تحقيق هدفين: أولهما، دفع إيران إلى تغيير سياستها إزاء البرنامج النووي والدور الإقليمي، والقبول بالدعوة الأمريكية الخاصة بإجراء مفاوضات جديدة يمكن أن تنتهي، وفقًا للاستراتيجية الأمريكية، باتفاق مختلف يستوعب مجمل التحفظات الأمريكية على الاتفاق الحالي والتي أدت إلى انسحابها منه في النهاية.

إذ ترى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الاتفاق النووي الحالي يتضمن ثغرات يمكن أن تساعد إيران في المستقبل في تطوير سلاح نووي، على غرار القيود التي سترفع عنها تدريجيًا فيما يتعلق بعمليات تخصيب اليورانيوم واستخدام أجهزة طرد مركزي أكثر تطورًا وغيرها.

ففي 18 أكتوبر 2020م، يمكن أن ترفع القيود المفروضة على إيران في مجال الأسلحة الثقيلة. وبعدها بثلاثة أعوام، سوف ترفع القيود المفروضة على أنشطة إيران في مجال الصواريخ الباليستية.

وثانيهما، منع إيران من محاولة استهداف مصالحها في المنطقة ردًا على العقوبات التي تفرضها عليها، حيث كان لافتًا أن طهران سعت إلى استخدام وكلائها في المنطقة، لاسيما في العراق، لمهاجمة تلك المصالح، لاسيما السفارة الأمريكية في بغداد، سعيًا لرفع كلفة الإجراءات العقابية التي تتحذها واشنطن ضدها. ومن هنا، فسرت عملية تصفية سليماني بأنها جاءت كضربة استباقية للحيلولة دون تعرض مصالح محددة لتهديدات جدية من جانب طهران. إذ أشارت تقارير عديدة إلى أن سليماني كان يعد لعملية جديدة تستهدف المصالح الأمريكية بالتنسيق مع حلفاء إيران في العراق وسوريا ولبنان.

ويبدو أن إيران استوعبت الرسالة، ومن ثم جاء رد فعلها تجاه تلك الضربة القوية، التي لم تستوعبها بعد حتى الآن، محدودًا بدرجة كبيرة، وتمثل في إطلاق صواريخ باتجاه قاعدتين عراقيتين تتواجد بهما قوات أمريكية، في 8 يناير 2020م، لم تسفر عن وقوع خسائر كبيرة، بالتوازي مع توجيه رسالة بأنها لا تنوي توسيع نطاق المواجهة، والترويج إلى أن الضربة مثلت انتقامًا "مناسبًا" لمقتل سليماني، وإن كانت إيران قد عادت من جديد إلى الإشارة بأن الانتقام لمقتل سليماني لم ينته بعد، على نحو بدا لافتًا في التصريحات التي أدلى بها المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي خلال لقائه رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، في 21 يوليو 2020م، وقال فيها أن "إيران ستوجه ضربة بالمثل للأمريكيين ردًا على مقتل سليماني".

من هنا، يبدو أن المرحلة القادمة ربما تشهد مزيدًا من التصعيد بين الطرفين، لاسيما في ظل إصرار واشنطن على تطبيق العقوبات بشكل صارم وحرص طهران على رفض كل الدعوات التي وجهت إليها بالتراجع عن سياستها الحالية، وإن كان من المحتمل أن تتراجع حدة هذا التصعيد خلال الشهور القليلة المقبلة انتظارًا لما سوف تسفر عنه نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي سوف تجرى في نوفمبر 2020م.

إذ أن إدارة ترامب تبدو منشغلة بالانتخابات التي دخلت مرحلة حاسمة، فضلاً عن الملفات الداخلية على غرار مكافحة انتشار فيروس كورونا، في حين تبدو إيران عازفة عن مساعدته في الانتخابات عبر مواصلة التصعيد على أكثر من جبهة خلال المرحلة القادمة.

ثانيًا: تداعيات نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية:

يؤكد كبار المسؤولين الإيرانيين، وعلى رأسهم المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، باستمرار على أن إيران لا تعول على نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية وأن السياسة الأمريكية تجاهها لا تتغير بتغير الإدارات المتعاقبة سواء جمهورية أو ديمقراطية. وعلى سبيل المثال، قال وزير الخارجية محمد جواد ظريف، في 6 يوليو 2020م، أن "إيران لا تفضل مرشحًا معينًا في انتخابات الرئاسة الأمريكية".

 لكن ذلك لا يبدو أنه يتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض، التي تشير إلى أن إيران تتابع بدقة تطورات الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وما يمكن أن تسفر عنه من نتائج، لاسيما على صعيد احتمال تغير الإدارة الجمهورية الحالية بإدارة ديمقراطية مختلفة.

وفي رؤية بعض الاتجاهات في طهران، فإن وصول إدارة ديمقراطية إلى البيت الأبيض برئاسة جو بايدن، الذي كان نائبًا للرئيس في إدارة باراك أوباما التي شاركت في الوصول للاتفاق النووي وتحسنت في عهدها العلاقات مع إيران بشكل كبير على نحو بدا جليًا في اللقاءات المستمرة والمباشرة بين المسؤولين الإيرانيين والأمريكيين، يمكن أن يساعد في تقليص حدة التوتر في العلاقات بين الطرفين، ويساهم في تعزيز احتمالات الوصول إلى تفاهمات قد تؤدي إلى تراجع تأثير العقوبات الأمريكية على الاقتصاد الإيراني.

 وتستند تلك الاتجاهات إلى اعتبارات عديدة، منها دعوة بايدن، في إبريل 2020م، إلى تخفيف حدة العقوبات على إيران من أجل تعزيز قدرتها على استيراد الأدوية ومساعدتها على مواجهة انتشار فيروس كورونا، فضلاً عن انتقاداته المتكررة للخروج الأمريكي من الاتفاق النووي في مايو 2018م، حيث قال إن "هذا الإجراء سيؤدي إلى عزلة الولايات المتحدة الأمريكية على الساحة الدولية".

وربما يمكن القول إن قسمًا من الأسباب التي تفسر غموض الموقف الإيراني من الانفجارات التي تعرضت لها بعض المنشآت العسكرية والنووية في الآونة الأخيرة، فضلاً عن وضوح طبيعة الرد الذي يمكن أن تقوم به طهران في حالة ما إذا أعلنت صراحة أنها تعرضت لهجمات سيبرانية لتعطيل برنامجيها النووي والصاروخي، يعود إلى عزوفها عن منح الفرصة للرئيس دونالد ترامب من أجل تعزيز موقعه في الانتخابات، باعتبار أن أى تصعيد في المواجهة بين الطرفين في الشهور القادمة قد يضيف إلى رصيد الرئيس الأمريكي ومن ثم يصعب من مهمة منافسه في الفوز بانتخابات الرئاسة.

ومع ذلك، لا يمكن توقع تغيير كبير في السياسة الأمريكية تجاه إيران بشكل عام حتى لو فاز بايدن بالانتخابات الرئاسية، وذلك لاعتبارات عديدة: يتمثل أولها، في أن حدود الحركة المتاحة لبايدن في هذه الحالة سوف ترتبط بمتغيرات أخرى مثل موقف الكونجرس، الذي أيد سياسات وإجراءات الرئيس ترامب إزاء إيران، بل إنه كان سباقًا، في بعض الأحيان، للمبادرة بفرض عقوبات جديدة على إيران في بعض القطاعات.

وينصرف ثانيها، إلى أن أى عودة محتملة للولايات المتحدة الأمريكية إلى الاتفاق النووي لن تكون سهلة، على الأقل لأن إيران سوف تسعى إلى استغلال ذلك، على سبيل المثال، للمطالبة بتعويضات عن الخسائر الكبيرة التي منيت بها بسبب الانسحاب الأمريكي من الاتفاق وفرض العقوبات الأمريكية عليها. وقد قال الرئيس الإيراني حسن روحاني، في أول يناير 2020م، أن "العقوبات الأمريكية تسببت في خسارة إيران نحو 200 مليار دولار".

ويتعلق ثالثها، بأن السياسات التي تتبناها إيران في الوقت الحالي لن توفر الأرضية لمثل هذا التغيير، بل إنها ستزيد من مستوى الضغوط التي قد تتعرض لها أى إدارة أمريكية جديدة في حالة ما إذا وجهت إشارات بأنها يمكن أن تسعى إلى تقليص حدة العقوبات الحالية المفروضة على طهران.

إذ أن إيران ما زالت حريصة على تطوير برنامجها النووي، خاصة على مستوى رفع مستوى تخصيب اليورانيوم وزيادة كميته عن المستوى المسموح به في الاتفاق، إلى جانب استخدام أجهزة طرد مركزي أكثر تطورًا.

وإذا كانت إيران قد أعربت عن استعدادها للتراجع عن مثل تلك الإجراءات في حالة رفع العقوبات الأمريكية أو حتى تقليص حدتها، فإنها لن تتراجع، في الغالب، عن إجراءاتها التصعيدية الأخرى في البرنامج الصاروخي والدور الإقليمي.

ففضلاً عن أنها مصرة على مواصلة تطوير الصواريخ الباليستية التي تعتبر أنها تخرج عن نطاق التزاماتها في الاتفاق النووي، باعتبار أنها، وفقًا لرؤيتها، غير مصممة لحمل أسلحة نووية، فإنها تبدو غير مستعدة للتراجع عن الدور الذي تقوم به في الإقليم.

فقد استنزفت مواردها بشكل كبير لمواصلة هذا الدور، حتى على حساب معالجة الأوضاع المعيشية الداخلية، لدرجة تسببت في تفاقم الأزمات الداخلية واندلاع الاحتجاجات بين الحين والآخر التي تظهر فيها باستمرار شعارات تندد بالدعم المتواصل للحلفاء الإقليميين على غرار "لا غزة ولا لبنان. روحي فداء إيران"، كما أنها تعتبر أن دعمها المتواصل لحلفائها، على المستويين الاقتصادي والعسكري، كفيل بحماية مصالحها وتعزيز موقعها كطرف إقليمي رئيسي في المنطقة.

ومن هنا، سوف تبقى جميع الخيارات مطروحة في إدارة التفاعلات بين واشنطن وطهران حتى في حالة وصول إدارة أمريكية جديدة إلى البيت الأبيض، بكل ما يعنيه ذلك من استمرار سياسة الضغوط والعقوبات، وربما الحرب الخفية التي تندلع بين الحين والآخر، لتوجيه رسائل مباشرة قد يكون تأثيرها أكثر قوة في بعض الأحيان، على نحو ما تشير إليه ظاهرة الانفجارات التي شهدتها إيران في الفترة الأخيرة.

ثالثًا: الحرب الخفية: إدارة التصعيد بآليات أخرى:

يبدو أن واشنطن وتل أبيب قد توصلتا إلى أن العقوبات المفروضة على طهران ليست كافية لدفعها إلى تغيير سياستها في الملفات الخلافية العالقة بين تلك الأطراف، لاسيما ما يتعلق بالبرنامج النووي والدور الإقليمي. ومن هنا، لا يمكن فصل تصاعد ظاهرة الانفجارات التي تعرضت لها منشآت حيوية لها علاقة مباشرة بالبرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين عن استمرار التصعيد بين الأطراف الثلاثة.

إذ كان لافتًا أن الانفجارات التي تعرضت لها منشأتا بارشين وناتانز في 26 يونيو و2 يوليو 2020م، جاءت في سياق التصعيد بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي اتهمت الأولى بعدم التعاون بشكل كامل معها، خاصة فيما يتعلق بعدم الاستجابة لمطالبها فيما يتعلق بدخول موقعين محددين من قبلها تشتبه في أن أنشطة لها علاقة ببرنامج نووي خفي تجري في أحدهما على الأقل.

كما أنها جاءت بعد سلسلة من العمليات الاستخباراتية التي استهدفت كشف محاولات إيران الالتفاف على الاتفاق النووي، على غرار العملية التي نفذها جهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد"، في 31 يناير 2018م، عندما قام بالاستيلاء على الأرشيف النووي الإيراني من داخل العاصمة طهران.

ورغم أن إحدى المجموعات الداخلية وتسمى "نمور الوطن" أعلنت مسؤوليتها عن بعض تلك الانفجارات، إلا أن ذلك قد يكون مبالغًا فيه، حيث أن عمليات من هذا النوع ربما تحتاج إلى قدرات فنية ومخابراتية كبيرة لا تمتلكها مثل تلك المجموعات.

ويبدو أن الهدف الأساسي من مثل تلك الانفجارات يكمن في إقناع إيران بأنها لن تستطيع المضى قدما في تطوير برنامجها النووي للوصول إلى المرحلة التي تمتلك فيها القدرة على إنتاج القنبلة النووية بحيث يصبح امتلاك تلك القنبلة بالنسبة لها مسألة وقت وليس مسألة إمكانيات تقنية. وقد كان ذلك أحد الأهداف الأساسية من العقوبات الأمريكية، إلا أنه لم يتحقق حتى الآن في ظل إصرار طهران على رفع مستوى أنشطتها في البرنامج النووي ردًا على تلك العقوبات، خاصة فيما يتعلق بزيادة مستوى تخصيب اليورانيوم وكميته.

ومن دون شك، فإن إصرار إيران على تحدي العقوبات الأمريكية لا ينفصل عن دعوة واشنطن لها لإجراء مفاوضات جديدة، والتي تقرأها إيران على أنها مؤشر لارتباك السياسة الأمريكية تجاهها، بشكل يدفعها إلى التصعيد من أجل تعزيز موقعها التفاوضي وامتلاك أكبر قدر من أوراق الضغط في مواجهة واشنطن قبل الجلوس على مائدة المفاوضات.

وفي كل الأحوال، فإن تصاعد ظاهرة الانفجارات يطرح دلالتين رئيسيتين لهما علاقة مباشرة بأمن ومصالح دول المنطقة. تتمثل أولاهما، في أن تعرض مثل هذه المنشآت لانفجارات يضفي شكوكًا عديدة على قدرات إيران، خاصة فيما يتعلق بحمايتها ضد أى محاولة لاستهدافها، بشكل يمكن أن يتسبب في كوارث عديدة خلال المرحلة القادمة، في حالة ما إذا تواصلت تلك الانفجارات التي يمكن أن تركز على أهداف أكثر قوة وحساسية.

وتنصرف ثانيتهما، إلى أنها تلقي الضوء على المخاطر البيئية التي يمكن أن يتسبب فيها البرنامج النووي الإيراني، خاصة أن بعض المنشآت النووية الإيرانية معرضة للانهيار، مثل مفاعل بوشهر، الذي يقع في منطقة تتعرض دومًا لزلازل بشكل يمكن أن يؤدي إلى حدوث تسرب إشعاعي يمكن أن يصل إلى مياه الخليج العربي.

وقد وجهت دول مجلس التعاون الخليجي دعوات متكررة إلى ضرورة فرض إجراءات مشددة وتوفير حماية كافية لمثل هذه المنشآت من أجل تجنب حدوث أية كوارث بييئة قد تتعرض لها المنطقة.

خاتمة:

في النهاية، يمكن القول إن التصعيد سوف يبقى سمة رئيسية في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، حتى في حالة تغير الإدارة الأمريكية الحالية. فالخلافات العالقة بين الطرفين ليست هامشية ولا يمكن تسويتها بسهولة، بكل ما يفرضه ذلك من تأثيرات مباشرة على منطقة الشرق الأوسط، في ظل الأدوار التخريبية التي تقوم بها إيران في دول الأزمات والتي تحاول من خلالها الرد على العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية عليها، بل إنها قد تتجه إلى رفع مستوى هذا التصعيد في حالة وصول إدارة أمريكية جديدة إلى البيت الأبيض، سواء لتوجيه رسائل تفيد إصرارها على رفع كلفة العقوبات، أو لتعزيز موقعها التفاوضي انتظارًا للوصول إلى أية تفاهمات محتملة مع تلك الإدارة.

مقالات لنفس الكاتب