المخاطر الإقليمية .. التداعيات والحلول

الأربعاء، 29 تموز/يوليو 2020

منطقة الخليج محاطة بكثير من التحديات والمخاطر منذ زمن بعيد، وازدادت مؤخرًا لأسباب كثيرة نظرًا للظروف الإقليمية والدولية، وبدأت هذه التحديات منذ موجات الاستعمار القديمة التي ارتبطت بالاستكشافات الأوروبية، ثم جاءت الموجة الثانية من الحملات الاستعمارية الغربية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، إلى أن ألقت الحرب العالمية الأولى بظلالها على منطقة الخليج والعالم العربي وما ترتب عليها من قرارات تقسيم بين الدول المنتصرة للهيمنة على العالم وانعكاس ذلك بشكل مباشر على المنطقة، وبعد ذلك جاءت أحداث الحرب العالمية الثانية وتداعياتها وما تبعها من حرب باردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وانقسم خلالها العالم إلى قسمين من أعضاء حلفي الناتو ووارسو ومن دار في فلكهما، وامتد تأثير هذه الحرب ليصل إلى كل بقاع المعمورة بدون استثناء سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ، وكانت دول الخليج جزءًا من ساحة هذه الحرب مع زيادة حدة الاستقطاب واختلاف المصالح، بل وتصادمها، خاصة أن تلك المرحلة تزامنت مع ظهور البترول في المنطقة بشكل تجاري، وواكب ذلك تعرض المنطقة إلى اختلاف في الأيديولوجيات السياسية ترتب عليها وجود صراعات عربية ـ عربية خاصة بعد مرحلة الثورات التي شهدتها المنطقة العربية منذ مطلع خمسينيات القرن العشرين.

و بعد أن غادرت بريطانيا منطقة الخليج بداية السبعينيات الميلادية ، سادت حالة من الاستقرار النسبي بسبب ملء الفراغ الذي أوجدته الولايات المتحدة الأمريكية وجاءت مبادئ الرؤساء الأمريكيين للتأكيد على أهمية دول الخليج للأمن القومي الأمريكي، وزاد هذا الاهتمام بعد قيام الثورة الإيرانية عام 1979م، حيث كانت من أهم مهددات أمن المنطقة ثم توالت التحديات.

كان التحدي الخطير بعد قيام الثورة الإيرانية هو محاولة ما أسمته إيران تصدير الثورة إلى دول الجوار، ثم نشوب حرب الخليج الأولى (1980ـ 1988م) بين إيران والعراق ، وكان لها تأثير مباشر على منطقة الخليج، ثم جاء الخطر الكبير من اجتياح نظام صدام حسين لدولة الكويت الشقيقة العضو في مجلس التعاون الخليجي ، وما ترتب على ذلك من آثار مازالت ممتدة حتى الآن، وكان إسقاط النظام العراقي عام 2003م قد أحدث فراغًا جديدًا في المنطقة وسمح لإيران بالتدخل في العراق ثم الهيمنة عليه وامتد النفوذ الإيراني فيما بعد إلى سوريا ولبنان واليمن.

ثم تشعبت التحديات الإقليمية في الوقت الحاضر وزادت حدتها، فبداية على مستوى الداخل، يأتي الخلاف الخليجي ـ الخليجي بين السعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة، وقطر من جهة أخرى ، الذي فتح ثغرة غير مسبوقة في الجدار الخليجي سمحت بتسلل تركيا وإيران إلى منطقة الخليج وترتب عليها وجود عسكري لدول إقليمية من خارج منطقة الخليج في قواعد ثابتة على أرض خليجية حيث تستضيف الدوحة قاعدة تركية ويجري الآن إنشاء قاعدة أخرى، إضافة إلى علاقات متميزة  لقطر مع إيران تشمل تعاون اقتصادي وسياسي، كما لا يخفى ما جلبته هذه الأزمة على العمل الخليجي المشترك وتوتر التنسيق السياسي والخطاب الإعلامي الخليجي.

 تتمثل أخطر التحديات الإقليمية لدول مجلس التعاون الخليجي حاليًا في: إيران ـ تركيا ـ اليمن ـ إسرائيل.

فإيران، اختارت نهج العداء مع جيرانها من دول مجلس التعاون الخليجي منذ قيام الثورة، وتعمل بكل الوسائل على التدخل في شؤون دول الجوار بلا هوادة، وزاد من حدة هذا التدخل وجودها في العراق وسوريا ولبنان ثم امتد نفوذها إلى اليمن بعد أن دعمت الحوثيين للقيام بانقلاب على الشرعية، واستخدمته كذراع ضد منطقة الخليج وخاصة المملكة العربية السعودية، كما هو الحال في لبنان عندما استخدمت حزب الله أداة ضد بلاده، وتعمل إيران دائمًا على التدخل في شؤون دول المنطقة واستخدام الطائفية أداة لتمزيق دولها ، بما في ذلك تهديد الملاحة في الخليج العربي، واختيار الصدام مع أمريكا والمجتمع الدولي، وواكب ذلك البرنامج النووي الإيراني الذي لا يمثل تهديدًا لدول مجلس التعاون فقط بل للمنطقة والعالم، وزاد التدخل الإيراني المعلن في شؤون المنطقة العربية بعد أحداث ما يسمى بثورات الربيع العربي التي أحدثت فراغًا في المنطقة العربية استثمرته إيران في تنفيذ مخططاتها ضد دول المنطقة وتحديدًا ضد دول مجلس التعاون الخليجي.

ودخلت تركيا على خط الصراعات والضغوط على المنطقة بتدخلها العسكري في سوريا والعراق وقطر، ثم بدأت مغامرة في ليبيا بنشر أسلحة ومرتزقة لتكريس الإرهاب والقلاقل في شمال إفريقيا، وكذلك في حوض البحر الأبيض المتوسط ، ما يؤثر سلبًا على الاستقرار الإقليمي والسلم والأمن الدوليين، إضافة إلى نشر قواعد عسكرية في العديد من مناطق العالم خاصة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر التي من شأنها زيادة الصراع الأجنبي في منطقة القرن الإفريقي الذي يعد جزءًا من أمن المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي.

إسرائيل من جهتها، تدفع المنطقة إلى حالة من عدم الاستقرار ونسف كل الجهود الرامية إلى السلام الذي تنشده الدول العربية بسياسات تتجاوز المطالب العربية والدولية المؤيدة  للسلام الدائم والعادل و حل الدولتين، وهو ما تضمنته المبادرة العربية عام 2001م، إضافة إلى القرارات الدولية الصادرة بشأن القضية الفلسطينية، فقد ضربت إسرائيل بالجهود العربية والدولية عرض الحائط لتضم القدس عاصمة لها وهي الآن تتحدث عن ضم غور الأردن ، ما يقود عمليًا إلى إلغاء حل الدولتين وتعطيل عملية السلام برمتها، ناهيك عما يتردد عن صفقة القرن غير واضحة المعالم، وكل ذلك يصب في قناة تعطيل عملية السلام والعودة بالمنطقة إلى المربع الأول.

إضافة إلى ما تقوم به إثيوبيا من خلافات حول مياه النيل ما يعكر العلاقات بين مصر والسودان من جهة ، و إثيوبيا من جهة أخرى ، وما يحمله هذا التوتر من مخاطر  على استقرار المنطقة.

 كل ذلك وغيره يمثل تحديات ومخاطر على المنطقة العربية ، الأمر الذي يدعو إلى ضرورة مراجعة تحديات الأمن العربي الجماعي وإعادة ترتيب الأولويات ووضع رؤية وخطة عملية لمواجهة هذه المخاطر بما يحفظ استقرار المنطقة.  

مقالات لنفس الكاتب