تحديد مكان العرب في عالم المستقبل يفرض تطبيع أوضاعهم والتضامن والاتحاد لأقصى درجة

الخميس، 01 تشرين1/أكتوير 2020

 الحديث عن "النظام العالمي"، وآلية تغييره وتأثيراته، ذو شجون. لأن النظام العالمي لا يمكن أن يكون ثابتًا. فهو في حركة تغيير متواصلة. حتمية "التغيير" تصيب "النظام العالمي"، مثلما تلحق بأي واقع سياسي واجتماعي واقتصادي آخر. فظهور وتبلور نظام عالمي معين، يعني أن ذلك النظام قد جاء نتيجة لقانون التغيير والتطور، ليعقب نظام عالمي غابر... ويحل محله. ثم لابد أن يحين الوقت الذي يخلي النظام العالمي فيه المكان لنظام عالمي آخر... وهكذا. وفي الواقع، فإن الفترة التي يستمر خلالها النظام العالمي، تختلف من نظام عالمي لآخر، تبعًا لتغير العوامل...التي تلد الأنظمة الإقليمية والعالمية، بل والمحلية. فالتفاوت في الاستمرارية ينتج عن اختلاف وتنوع ظروف الأطراف المعنية.

    ونذكر أن هناك خمسة أنظمة (أو منتظمات) عالمية رئيسية ممكنة، هي:

 1-نظام القطبية الثنائية المحكمة، 2-نظام القطبية الثنائية الهشة، 3-نظام توازن القوى، 4-نظام القطب الواحد، 5-نظام الأقطاب المتعددة.  وقد شهد العالم تحقق كل من المنتظمات: 2،3، 4، حتى الآن.  ويبدو أن المدة التي سيمكث خلالها النظام العالمي الراهن (نظام القطب الواحد/الولايات المتحدة) لن تطول كثيرًا... إذ أن من المتوقع أن يتحول النظام العالمي الحالي (2020م) إلى نظام عالمي آخـــر... في غضون 10 -15 سنة، من الآن، وربما أقل. أما النظام العالمي القادم، فسوف يكون ـ في الغالب ـ هو: نظام الأقطاب المتعددة.

  إن النظام العالمي الراهن، سيتغير، لعدة أسباب، لعل أهمها:

  • التدهــــور الاقتصادي النسبي، الذي تعــاني منه الولايات المتحدة في الوقت الحاضر، والذي بدأ ينهك قوى أمريكا... ويضعف من نفوذها العالمي، بشكل متزايد-خاصة بعد أزمة كورونا العالمية.
  • وجود دول كبرى بدأت قوتها الاقتصادية والتقنية والعسكرية في التزايد... الأمر الذي ينبئ بتطور هذه الدول، لتصبح دولاً عظمى... تتنافس مع الولايات المتحدة، للتربع فـوق قمة العالم الاقتصادية والسياسية.

    وقد تحددت هذه الدول ـ تقريبًا ـ وأصبح المراقبون ينتظرون صعودها، إلى مكانة الدول العظمى، في المستقبل القريب. وهذه الدول هي: الصين، روسيا، بالإضافة إلى استمرار الولايات المتحدة، كدولة عظمى، لتكون قطبًا، من عدة أقطاب. وبذلك، سيصبح هناك 3 دول عظمى. ونظرًا لتفاوت قوة كل من هذه الدول، ستظل أمريكا الدولة العظمى الأولى، والصين الثانية، بينما روسيا الثالثة... وسيتأكد تحول النظام العالمي الراهن إلى نظام الأقطاب المتعددة. ولكن، لن تستطيع الصين الاستمرار طويلا في قمة العالم، إلا إذا انفتح نظامها السياسي أكثر، وسمحت بالتعدد الحزبي، وتلاشى احتكار الحزب الشيوعي للسلطة.

     والمرجح ألا يشهد مستقبل العالم المنظور غير منتظم الأقطاب المتعددة المذكور ... لعدة أسباب، لعل أهمها:

  • استبعاد ظهور نظــام "توازن قوي" (رقم 3) على المستوى العالمي.
  • ضعف احتمال انفراد دولتين (عظميين) فقط، بالسيطرة على السياسة الدولية، سواء سيطــرة هشة أو محكمة. وذلك لتصاعد قوة عدة دول. وتوافر الندية في مستوى القوة بينها. وهذا يحول دون ظهور المنتظمين (1 و2).
  • توقع انحسار منتظم القطب الواحد (رقم 4) الذي يسود العالم في الوقت الراهن، للأسباب التي ذكرت أعلاه.

      لهذه الأسباب، وغيرها، فإن النظام العالمي القادم (خلال النصف الأول من القرن الواحد والعشرين) يتوقع أن يكون نظام التعدد القطبي (منتظم رقم 5).

    والمرجح أيضًا، أن يكون كل قطب قادرًا على تدمير الآخر... بما لديه من أسلحة دمار شامل. كما يتوقع أن يكون أساس العلاقات فيما بين الأقطاب القادمين، هو التعاون الإجباري... لا الصراع. وبالطبع، لا بد من الصراع والتنافس. فالعلاقات الدولية هي ـ بطبيعتها ـ علاقات تتأرجح بين التعـــاون والصراع... وما بينهما، كما هو معروف. ولكن، عدم قدرة أي قطب على التخلص من الآخر، دون أن يهلك هو، ترغم كل الأقطاب على أن يكون التعاون فيما بينهم، وإن على مضض، هو القاعدة... وأن يهمش الصراع، إلى أدنى درجة ممكنة.

   وسيحاول الأقطاب غالبًا الاتفاق على أسلوب التحرك دوليًا... وربما الاتفاق على "توزيع" مناطق النفوذ، وعدم السماح لأي طرف أصغر، بجرهم إلى صراعات ساخنة. كما يتوقع أن ينصب التنافس فيما بين الأقطاب القادمين، على عمليات التنمية الاقتصادية والعلمية والتقنية، ومحاولات السيطرة (السياسية) على مصادر الطاقة، والمواد الخام، خاصة في دول العالم النامي، وفى مقدمتها، بالطبع، منطقة الخليج العربية.  

    وباعتبار منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية من العالم النامي، لنتوقف ـ هنا ـ ولنتساءل أي الأنظمة العالمية.. "أفضل"، بالنسبة لها بصفة خاصة ؟! إن الجواب الصحيح يعتمد على متغيرات عدة، منها: بالنسبة لمن (تحديدًا)، والسياسات المحتملة للقطب أو الأقطاب المعنية. وبما أن مصائب قوم عند قوم فوائد... وفوائد قوم عند آخرين مصائب، فإن المنتظم العالمي الذي يكون لطرف ما مفيدًا ومثاليًا، قد يكون لطرف آخر سيئًا وكارثيًا، وهكذا.

      والواقع، أن الإجابة السليمة على هذا السؤال المهم، تعتمد كذلك على طبيعة توجه كل قطب... في الأنظمة العالمية المختلـــفة، تجـــاه العالم النامي، بصفة عامة.. وسياسات الأقطاب المختلفة، نحو الدول العربية والخليجية بخاصة. ويمكن القول، إن العالم النامي، ومنه الدول العربية، قد ذاق الأمرين... من الأنظمة العالمية المختلفة، التي مر (ويمر) بها العالم، منذ بداية هذا القرن. فقد تبين أن كل دولة "متقدمة"، كبرى كـانت أو عظمى، تنظـــر للعــالم النـــــامي بعـــين الاستخفـــاف والاستغلال، كما ينظر الذئب للفريسة. فسياسة الدول الكبرى، السابقة والحالية والمقبلة، نحو الدول النامية (الجنوب) تهدف بصفة رئيسية إلى:

  • إبقاء الجنوب مصـــدرًا للمواد الخام، والطاقة، التي تحتاج إليـــها الدول الكبرى (الشمال، بصفة عامة) والحصول على هذه المواد، بأقــل تكلفة ممكنة.
  • جعل الجنوب سوقًا مفتوحة...لمنتجات "الشمال" الصناعية والزراعية المختلفة، بما في ذلك الأسلحة والعتاد العسكري التقليدي.

     فهدف الشمال – بصفة جد عامة -هو: محاولة استغلال الجنوب (لصالح الشمال) لأقصى حد ممكن، وأطول فترة ممكنة. ولتحقيق هذا الهدف (بشقيه الرئيسيين المذكورين) يتبع الشمال شتى الوســــائل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية... التي تؤدي في النهاية إلى تدعيـم قوة الشمال، وإحكام سيطرته على الجنوب...عبر إضعاف الجنوب، وإخضاعه... بكل الوسائل الممكنة.

     لذلك، يستنتج بأن العالم النامي لن ينمو، بشكل صحيح، ويحقــق لسكــانه العيش الكريم، إلا إذا توحد، وكون (كله أو بعضه) تكتلاً، أو تكتلات متماسكةً...يمكن أن يصبح لكل منها، هي الأخرى، وزن القطب... وهذا ما يبدو أنه شبه مستحيل التحقق، باعتبار ترامي أطراف الدول النامية، واختلافها اقتصاديًا واجتماعيًا... والتغلغل الاستعماري للدول الكبرى، في معظم تلك الدول... ذلك التغلغل الذي يساعد على تنفيــــــذ سياسات الدول الكبرى نحـــــو دول الجنوب. بل ويسهم في إحكام قبضــة الشمال الاستعماري على بعض بلاد الجنوب، والقضاء على أية نهضة حقيقية في الأخير، وهي بعد في المهد.

    وما قيل بشأن الدول النــــامية، ينطبق على العالمين الإسلامي والعربي، باعتبار أنهما جزءًا من عالم الجنوب النامي. وقد أصبح من الثابت والمسلم بــــه، أنه لكــي يكون للعرب مكان، في عالم اليوم، والمستقبل، فإن عليهم أن يطبعوا أوضاعهم السياسية، ثم يتضامنوا ويتحدوا، لأقصى درجة ممكنة. لقد تجرع العرب، بمن فيهم الخليجيون، قدرًا كبيرًا من المرارة... في ظل الأنظمة العــــالمية السابقــة. ويسقيهم النظام العالمي الحالي المزيد من الحنظل، خاصة في الوقت الراهن، كما هو معروف. فالنظام العالمي القائم الآن ربما يكون أسوأ نظام عالمي، بالنسبة للعرب، باعتبار أن قطبه (الوحيد) شبه معاد لهم، أو غير مخلص.

    على وشك أن تصبح الصين القطب الثاني الفعال، في منطقة الشرق الأوسط ككل. وهذا يعنى أن منافسًا (سياسيًا واقتصاديًا) جديدًا لأمريكا، قد دخل ساحة العلاقات التنافسية الدولية بقوة بالمنطقة. ويبدو أن أمريكا لن تفرط في حلفائها الخليجيين، والمصالح المشتركة بين الحكومات الخليجية وأمريكا ستبقى على تحالفهم الاستراتيجي. وتأتي الصين كشريك اقتصادي كبير ومهم، وينافس كي يكون شريكًا سياسيًا أيضًا. وشراكته السياسية، إن تحققت، أو أينما تحققت، ستكون، بالطبع، على حساب التحالف الخليجي – الأمريكي. فتقوية الموقف الصيني بالمنطقة الخليجية تتم على حساب الموقف الأمريكي بالمنطقة، والعكس صحيح. نحن، إذًا، على أبواب مرحلة من السباق (أو التسابق) على النفوذ بهذه المنطقة، بين القطبين الأمريكي والصيني. وهذا سيفرض على دول الخليج تحديًا غير مسبوق.

  ستسعى الصين للتقرب للأطراف المناوئة لأمريكا، أو المستاءة من السياسات الأمريكية بالمنطقة. وغالبًا ما ستسارع هذه القوى (أو الأطراف) للارتماء في أحضان الصين، أو التحالف معها. وذلك، رغم أن من الصعب توقع أن تكون الصين "أرحم" من العم سام. ولكن الظروف قد تجعلها كذلك، في بعض الحالات، على الأقل.

 

 الخلاصة أن من مصلحة العرب(كأمة) ومصلحة دول مجلس التعاون الخليجي أن يتحـــــــول المنتظم الدولي الحالي إلى نظــــــام القطبين أو التعدد القطبي...إذ أن ذلك سيسهل التحــلل من ربقة الأقطاب المعادية... وربما يقلل من ابتزازها، عبر إمكانية الاستعانة (الحذرة) بالأقطاب الأخرى، في التصدي للمناورات المعروفة للأقطاب المعادية، أو الطامعة، والمضرة بالمصلحة العربية والخليجية العليا.

 إن تقوية العرب لذاتهم، وتطبيع أوضاعهم السياسية، ثم تضامنهم الوثيق، كفيل بتمكينهم من حماية مصالحهم وحقوقهم. تضامن واتحاد العرب سيجعل منهم قوة هامة، في أي نظام عالمي... وبصرف النظر عن ماهية ذلك النظام وطبيعة المسيطرين فيه. فاتحادهم، بعد تطبيع أوضاعهم، سيجعل منهم (في المدى الطويل) كيانًا له سطوة وثقل الدولة الكبرى (إن لم نقل العظمى).

  والمعروف أن "الدولة الكبرى"، تكون أقرب لمنزلة ونفوذ "الدولة العظمى"، من غيرها. كما أن "الدولة الكبرى"، تكون أقدر ـ في أي نظام عالمي ـ على حماية مصالحها، وتحقيق أهدافها العليا، من الدولة المتوسطة والصغرى والدويلات. تلك هي إحدى حقائق الواقع السياسي الدولي... غير القابلة للدحض... لأنها – كما يبدو -ثابتة، وصحيحة، على مر العصور، وفي ظل الأحوال والمتغيرات والأنظمة العالمية المختلفة.

مقالات لنفس الكاتب