الصين تنافس أمريكا في إفريقيا بالدبلوماسية الاقتصادية والقروض

الثلاثاء، 01 أيلول/سبتمبر 2020

مع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م، باتت القارة الإفريقية مجالاً مفتوحًا للنفوذ الأمريكي المطلق، إلا أن تنامي الصين كقوة اقتصادية كبرى ترغب في مد نفوذها عالميًا خاصة في القارة الإفريقية التي مثلت قارة المستقبل بما تملكه من موارد طبيعية ضخمة تنتظر رأس المال الذي ينقض عليها، ومن هنا بدأت الصين في مزاحمة الولايات المتحدة على قارة المستقبل.

النفوذ الأمريكي في القارة الإفريقية

استكمالاً لاستراتيجية الولايات المتحدة عالميًا والتي تستهدف منع أي قوة أخرى في مجرد التفكير في تحد الهيمنة الأمريكية عالميًا، وكجزء من هذه الاستراتيجية أصبحت القارة الإفريقية محط أنظار الولايات المتحدة وفقًا لسياسة التوسع الجديدة، وتطبيقًا لذلك عملت الولايات المتحدة على إغراء الدول الإفريقية بحزم ضخمة من المساعدات الاقتصادية تحت شعار "تجديد إفريقيا" بهدف دمج الأفارقة في الاقتصاد العالمي.

وقد دعمت الولايات المتحدة تواجدها السياسي والاقتصادي في القارة بالتواجد العسكري فبجانب "قوات أفريكوم" تمتلك الولايات المتحدة علاقات عسكرية مع نحو 49 دولة إفريقية. من جهة أخرى، يبلغ عدد القوات الأمريكية في إفريقيا نحو 8000 فرد إلى جانب قاعدة ليمونية التي أنشئت عام 2002م، عقب أحداث 11 سبتمبر 2001م، والتي تراقب المجال الجوي والبحري والبري للسودان وإريتريا وإثيوبيا وجيبوتي وكينيا، إلى جانب ذلك يشير عدد من التقارير الفرنسية إلى امتلاك الولايات المتحدة لنحو 12 قاعدة عسكرية أخرى سرية.

لم يكن اختراق القارة الإفريقية خاصة غرب القارة منها أمرًا سهلاً على الولايات المتحدة، وذلك بسبب النفوذ الفرنسي الضخم في غرب القارة، إلى جانب ذلك بدت القيادة السياسية الفرنسية مصممة على الحفاظ على إرثها التاريخي والحفاظ على نفوذها في مستعمراتها السابقة فلم تتوان فرنسا عن التدخل العسكري في القارة لتثبت وجودها فيها.

ويمكن تفسير ذلك التكالب الفرنسي الأمريكي والصيني أيضًا كما سيتبين لاحقًا بالنظر إلى الموارد الضخمة التي تملكها القارة، فتنتج إفريقيا نحو 25% من إنتاج الذهب العالمي و80% من البلاتين العالمي، و40% من الألماس، إلى جانب 12% من الإنتاج العالمي من النفط، 10% من الإنتاج العالمي للغاز.

 واستنادًا لتلك المعطيات السابقة كان طبيعيًا أن يندلع صراع النفوذ على القارة ما بين فرنسا والولايات المتحدة خاصة في ظل توجه كل منهما لتنويع مصادر حصوله على النفط والغاز بدلاً من الاعتماد على الطاقة من الشرق الأوسط فقط.

من جهة أخرى، فإن قرب الساحل الإفريقي من فرنسا والولايات المتحدة أضاف إلى الصراع الأمريكي الفرنسي على موارد القارة، خاصة في ظل الاستراتيجية الأمريكية القائمة على الهيمنة على منابع الطاقة في العالم كله للتحكم بعصب الاقتصاد العالمي والحضارة بشكل عام.

ولم يقف الصراع عند حد الموارد الطبيعية فقط، فبسبب ضعف الدولة القومية في إفريقيا تنامت النعرات العرقية والطائفية داخل القارة إلى حد أن أصبح لتنظيم القاعدة مقر شبه دائم في المغرب العربي، إلى جانب حركات بوكو حرام والشباب الصومالية، وغيرها من التنظيمات العرقية التي أدت إلى عدم استقرار القارة، وزاد من خطرها قدرتها على تمويل نفسها ذاتيًا عبر عمليات التهريب عبر الصحراء وأثر ذلك بالطبع على الأمن والاستقرار عالميًا، على نحو دفع بأوروبا والولايات المتحدة لأن تهتم بالقارة على نحو متزايد وهو ما يفسر التواجد الغربي الواضح في كل أزمات القارة منذ نهاية الحرب الباردة وحتى الآن.

النفوذ الصيني في القارة الإفريقية

في ظل انشغال كلاً من الولايات المتحدة وفرنسا بالصراع على الموارد الإفريقية وتعزيز نفوذ كل منهما في شرق وغرب القارة والتصدي للأخطاء الأمنية التي يمكن أن تصدر عن القارة، ظهرت الصين كقوة اقتصادية عملاقه بدأت في التحرك صوب القارة السمراء.

نجحت الصين في توظيف إمكاناتها الاقتصادية الجبارة لمد نفوذها السياسي إلى كل دول العالم سعيًا لمواجهة النفوذ الأمريكي عالميًا، وكانت إحدى المناطق التي تنامى التنافس الدولي حيالها بين الصين والولايات المتحدة هي القارة الإفريقية بثرواتها الضخمة ومواردها القيمة إلى جانب موقعها الاستراتيجي الذي يتوسط قارات العالم.

من المتعارف عليه، أن السياسة الخارجية للصين سياسة برجماتية قائمة على المصالح المشتركة مع الدول الأخرى، وفي نفس الوقت فإن الصين تستهدف مزاحمة النفوذ الأمريكي في كل مناطق العالم خاصة الغنية منها بالموارد كالقارة الإفريقية.

غير أن إنشاء الصين لقاعدة عسكرية في جيبوتي دفع البعض للتساؤل حول هل ستستمر الصين في نهجها المسالم المعتمد على القوة الناعمة، أم أن إنشاء تلك القاعدة العسكرية يعد إيذانًا لتحول النفوذ الصيني في القارة إلى نفوذ عسكري يناطح النفوذ الأمريكي، وأن ما سبق عن القوة الناعمة كان فقط مجرد أداة لكسب أرضية نفوذ داخل القارة ثم تتخذ من تلك الأرضية ذريعة للتدخلات العسكرية لاحقًا حماية لمصالحها وفي هذا الإطار نحن أمام احتمالين إما أن الصين ستستمر في اتباع النهج الهادئ القائم على الدبلوماسية الاقتصادية وتقديم نفسها كنموذج أحق بالاتباع من النموذج الغربي ما يسميه البعض بالعولمة البديلة، والاحتمال الثاني هو تخلي الصين عن نهجها السلمي.

استمرار الصين في اتباع العولمة البديلة الهادئة

         يدعم هذا الاحتمال استمرار الصين في اتباع العولمة البديلة من خلال تقديم نفسها كصديق ليس له تاريخ استعماري سابق في القارة الإفريقية، ولا يشترط شروطًا معينة لمنحه قروضًا لتدعيم التنمية أو لدخول شركات البنية التحتية لدعم البنى التحتية المتهالكة في إفريقيا بل هو يقدم نفسه دائمًا في شكل صديق يسعى لتعظيم المصالح المشتركة من خلال دعم التنمية الاقتصادية في القارة في مقابل دعم القارة للنهضة الاقتصادية في الصين بالموارد الخام إلى جانب الدعم الدبلوماسي المتبادل في المحافل الدولية.

وهو أمر تحبذه دول القارة، كما أن الصين قد تخلت عن توجهها الأيديولوجي القديم والذي كان إطارًا محددًا لسياساتها الخارجية مع الدول الأخرى طيلة عهد ماو تسي تونج الزعيم الصيني.

فالآن لا تجد الصين أي مشكلة للتعاون مع كل دول القارة سواء مازالت تحافظ على النهج الاشتراكي أم تحولت إلى النهج الليبرالي، من جهة أخرى، يرى البعض أن الصين قد نجحت بذكاء في استغلال الأخطاء التي وقع فيها النفوذ الغربي في القارة وفي العالم والتي أضرت بالقوة الناعمة لديه، فلم يعد الغرب قادرًا على تقديم نفسه كنصير للشعوب المستضعفة وناشر للديمقراطية والسلام عالميًا، بل إن هذا الوصف أضحى ينطبق على الصين أكثر من الغرب، فقد أصبح للصين نموذجها الخاص والذي عملت على ترويجه عالميًا وبين دول القارة بشكل خاص.

من جهة أخرى، فإن العلاقات الصينية الإفريقية قد تعمقت بشكل تعدى مجرد الصراع على الموارد كما هو الحال في العلاقات الإفريقية ــ الغربية بشكل عام؛ فالصين في حاجة إلى دول القارة وكذلك دول القارة في حاجة لها، بينما لا يحتاج الغرب إلى دول القارة في حين الاحتياج الماس لهذه الدول للمساعدات والدعم الغربي.

ومن هنا، فإن مصالح الصين تقتضي استمرار ذلك النهج الهادئ والحفاظ على الصورة الجيدة لنموذجها الذي تغلف به رغبتها في مزاحمة وربما طرد النفوذ الغربي من واحدة من مناطق نفوذه التقليدية في العالم. واستكمالاً للعلاقات المتعمقة ما بين الصين وإفريقيا فقد أنشأت الصين منتدى تعاون الصين وإفريقيا في عام 2000م والذي لايزال يقوم بتمويل عدد ضخم من المشروعات القومية في دول القارة، من جهة أخرى يلاحظ أيضًا سعي الجامعات الصينية لإقامة علاقات جيدة مع المؤسسات التعليمية في دول العالم النامي بشكل عام والقارة الإفريقية بشكل خاص فلمعهد كونفوشيوس الصيني فروعًا في نحو 22 دولة إفريقية، وهو معهد يقدم إمكانية تعلم اللغة الصينية، والاطلاع على ثقافة وحضارة الصين، إلى جانب تقديم نحو 18 ألف منحة دراسية للطلبة الأفارقة، ما يعد غزوًا ثقافيًا للقارة واستغلالاً جيدًا للقوة الناعمة الصينية. كل هذه المعطيات السابقة وغيرها تدعم استمرار النهج الهادئ الصيني القائم على إنشاء عولمة جديدة هذه المرة بخصائص صينية مستمدة من الإرث الحضاري الصيني القديم وفلاسفتها العظام مثل كونفوشيوس وصن تزو.

من جهة أخرى، فإن الفشل الذي لحق بالنموذج الغربي الساعي لاستمرار سيطرته على القارة، يعطي الصين درسًا إضافيًا حول حتمية استمرارها في إدارة علاقاتها بالدول الإفريقية على هذا النحو بما يحقق الاستراتيجية الصينية في إزاحة الولايات المتحدة من مناطق نفوذها تدريجيًا.

التخلي عن النهج السلمي

يدعم هذا الاحتمال التحول الخطير في السياسة الخارجية الصينية بإنشاء أول قاعدة عسكرية خارج الصين في منطقة القرن الإفريقي الاستراتيجية تلك المنطقة التي تتحكم بنحو 20% من حجم التجارة العالمية، كما أن نحو 50% من واردات الصين البترولية تمر عبرها، وقد عللت الصين إنشاءها لتلك القاعدة بأنها تستهدف حماية التجارة الدولية من القرصنة في تلك المنطقة، وهي نفس المبررات التي استخدمها الغرب قديمًا وحديثًا لإنشاء قواعده العسكرية في تلك المنطقة.

الأمر الذي أدى إلى اعتبار البعض أن الصين تسير على نفس النهج الغربي تمامًا وأن ما يحدث هو مجرد استعمار صيني جديد للقارة معتمدًا –كما فعل الغرب سابقًا-على القوة الناعمة حتى يضمن نفوذًا ثابتًا في القارة ثم سينطلق لاحقًا باستخدام الأداة العسكرية بدعوى حماية مصالحها الاقتصادية، من جهة أخرى فإن الإقدام النهم على القروض والمساعدات الصينية من قبل الدول الإفريقية، قد يمثل ورقة ضغط لا يستهان بها في يد الصين على نحو يعزز من النفوذ الصيني في القارة.

 كما أن ولاء كثير من النظم الحاكمة في القارة الإفريقية للغرب يثير تخوفات الصين على مصالحها الضخمة هناك على نحو قد يدفعها للتدخل بكل ما تملك من وسائل تأثير للحفاظ على مصالحها، كذلك فإن الاستراتيجية الصينية تستهدف بالأساس مزاحمة النفوذ الغربي (الأمريكي بشكل خاص) في القارة فكيف تستطيع الاستمرار في استراتيجيتها بدون ثقل عسكري يوازي القواعد العسكرية الأمريكية الضخمة والتي تقدر بحسب تقدير فرنسي بنحو 12 قاعدة سرية وواحدة معلنة، إلى جانب 6 قواعد فرنسية ومركز تدريب لعدوة الصين التقليدية (اليابان) في القارة.

ومن هنا، فلابد للصين أن تدعم وجودها العسكري لحماية تلك المصالح الضخمة هناك، بل إنه في سبيل حمايتها قد يتوجب على الصين التدخل لأول مرة في تاريخها عسكريًا في القارة.

وفي حقيقة الأمر فنحن نرى أن الصين قد تمزج وتوازن ما بين الاحتمالين، فهي من جهة لن ترغب في الإضرار بنموذجها الجديد الذي تسوق له ضمن دول القارة وعالميًا في مواجهة النموذج الغربي المتداعي، إلى جانب حماية مصالحها الحيوية في القارة الإفريقية، وضمان استمرار تدفق البترول إليها كذلك استمرار الدعم الإفريقي لها في المحافل الدولية في مواجهة الاتهامات الغربية شبه الدائمة لها وإثارة موضوع تايوان، خاصة مع وصول الرئيس الأمريكي الجديد ترامب إلى السلطة على رأس إدارة وضعت الصين على رأس مهددات الأمن الأمريكي عالميًا وهو ما أثار خوف الصين بطبيعة الحال، لذا تعمل على تعزيز قدراتها العسكرية في مناطق التماس مع النفوذ الأمريكي خاصة في منطقة القرن الإفريقي.

مستقبل التنافس الأمريكي -الصيني على إفريقيا

نظرة الولايات المتحدة الأمريكية دائمًا للصين هي نظرة ريبة وحذر، وذلك منذ تحولها إلى النظام الشيوعي عام 1949م، وعقب انهيار الاتحاد السوفيتي وزوال الخطر الشيوعي عالميًا رأت الولايات المتحدة والعديد من مفكريها العظام أمثال جوزيف ناي وهنتجتون، وغيرهم أن الصين هي الخطر الجديد الذي يهدد الاستراتيجية الأمريكية الساعية لهيمنة مطلقة على العالم أجمع.

وتوالت التحذيرات من هؤلاء المفكرين للقيادات السياسية الأمريكية المتعاقبة من الخطر الصيني والنهضة الاقتصادية الشاملة التي تحققها الصين، والنهج البرجماتي الذي تتبعه في علاقاتها الخارجية مع دول العالم النامي بشكل خاص، وكيف تكيف الصين القوة الناعمة الضخمة لديها لخدمة مصالحها الضخمة التي أضحت تمتلكها في القارة الإفريقية مستغلة الإخفاقات الغربية المتوالية هناك، فبرغم التواجد العسكري الهائل هناك لم تتوقف العمليات الإرهابية ولم تساهم المساعدات الأمريكية في دعم استقرار القارة.

وفي تلك الأثناء كانت الصين تقتحم وتتوغل في أدغال القارة السمراء وسط ذهول غربي، وزاد من التوجس الأمريكي إقدام الصين على تأسيس قاعدة عسكرية لها في دولة جيبوتي التي تشرف على مضيق باب المندب المتحكم بنحو 20% من التجارة العالمية وهو حلقة الوصل ما بين قناة السويس ومضيق هرمز الذي يمر به نحو 40% من بترول العالم؛ ما اعتبرته الولايات المتحدة تحديًا صريحًا لنفوذها التقليدي هناك خاصة وأن القاعدة الصينية تبعد بنحو 128 كم فقط من القاعدة الأمريكية ليمونية الأكبر في إفريقيا، وهو ما يوضح مدى الإصرار الصيني على مواجهة الولايات المتحدة عالميًا وليس فقط في بحر الصين الشرقي والجنوبي، وهو أمر دفع كثير من الباحثين لمحاولة التكهن بشكل الصراع الصيني الأمريكي في تلك المنطقة الحيوية من العالم.

شهدت الأيام الماضية تصعيدًا أمريكيًا في لهجة الحوار مع الصين على نحو أقلق الصين ودفعها للرد على التصريحات الأمريكية تجاهها، الأمر الذي يمكن اعتباره تحركًا أمريكيًا جاء متأخرًا للتصدي للنفوذ الصيني المتنامي عالميًا، من جهة أخرى فإن أغلب زعماء القارة تربطهم علاقات تحالف استراتيجية بالولايات المتحدة وبحليفتها الاستراتيجية إسرائيل، وهو أمر يمثل تهديدًا حقيقيًا للصين في إفريقيا؛ حيث أن الولايات المتحدة قد تضغط على حلفائها بهدف التضييق على النمو الصيني لديهم، وإلا فملفات حقوق الإنسان والانتهاكات جاهزة لقلب الرأي العالمي عليهم خاصة في ظل تراجع شرعية تلك النظم داخليًا على نحو جعل بقاءها في السلطة مرهون برضا واشنطن عنهم.

 من جهة أخرى، تبذل الصين قصارى جهدها لتدعيم استقرار تلك النظم حفاظًا على مصالحها الضخمة من جهة، وضمانًا لولاء تلك النظم لها من جهة أخرى، وهو الأمر الذي قد يدفعنا للتنبؤ باحتمالية بداية حرب باردة جديدة لكنها هذه المرة مع الصين في الملعب الإفريقي الذي أصبح ساحة للصراع الدولي منذ نيله لاستقلاله عن الاستعمار بشكله القديم.

غير أن التحرك الصيني الهادئ ونموذجها الجذاب قد يفوت على الولايات المتحدة فرصة قلب النظم الإفريقية عليها، إلى جانب ورقة الديون الضخمة المستحقة على تلك الدول على نحو يجعل من الصعوبة بمكان على تلك الدول أن تتخلى على العلاقات الجديدة مع الصين غير المشروطة بأي شروط لتدعم علاقاتها المشروطة بواشنطن، كذلك فإن التواجد العسكري الصيني الضخم في بعثات حفظ السلام الأممية بجانب قاعدتها العسكرية في جيبوتي، جعل للصين ثقل سياسي وعسكري واقتصادي في القارة على نحو يوازن إلى حد ما النفوذ الغربي فيها، على نحو جعل هناك هامش للمناورة لتلك النظم بما يخدم مصالحها وبقاءها في السلطة.

من جهة أخرى، فإن الصين اليد العليا حاليًا فيما يتعلق بالدبلوماسية الاقتصادية، فلن تستطيع الولايات المتحدة في ظل القيود المؤسسية على منح المساعدات الخارجية مقارنة بالصين على نحو ينذر بسيطرة صينية على القارة اقتصاديًا، كذلك فإن التصويت الأممي الأخير ضد قرار الرئيس ترامب الخاص بالقدس قد أنبأ بتراجع القدرة الأمريكية على تمرير القرارات الدولية بالاستناد إلى نفوذه في ثاني أكبر  كتلة تصويتية بالأمم المتحدة وجدير بالذكر أيضًا أن الصين كانت من المصوتين ضد القرار الأمريكي في مجلس الأمن والأمم المتحدة ما دعم صورتها العالمية أمام دول العالم الثالث في الوقت الذي تراجعت فيه الصورة العالمية للولايات المتحدة عالميًا، على نحو يجعلنا نميل لترجيح كفة الصين في هذا الصراع.

 

ونستطيع أن نحصر عوامل التفوق الصيني في سباق النفوذ في القارة الإفريقية تأسيسًا على الآتي:

  • العلاقات الاقتصادية المتينة ما بين الصين ودول القائمة على الثقة المتبادلة وعدم وجود شروط مسبقة للتعاون عكس الولايات المتحدة.
  • التدعيم الثقافي من خلال المؤسسات التعليمية في الصين وتقديم العديد من المنح الدراسية للصين.
  • الدعم الدبلوماسي المتبادل ما بين الطرفين في قضايا تايوان وحقوق الإنسان وغيرها من القضايا الأخرى.
  • النموذج الصيني البديل للعولمة الأمريكية التي تراجعت بعد الانتهاكات التي ارتكبتها الولايات المتحدة عالميًا بتدخلاتها العسكرية وفرضها النظام الليبرالي الغربي بالقوة إذا ما اقتضى الأمر، في حين أن العولمة الصينية تستند إلى نجاحات النموذج الصيني في المجال الاقتصادي إلى جانب اعتماده على مبادئ المعلم الصيني كونفوشيوس والإرث الحضاري الصيني القديم، إلى جانب عدم تورط الصين في حروب استعمارية في القارة سابقًا.
  • تدعيم الصين لوجودها في القارة بالتواجد الضخم في قوات حفظ السلام الأممية، إلى جانب قاعدتها في جيبوتي.
  • ميل الزعماء الأفارقة إلى التوجه شرقًا؛ حيث لا شروط وتعاون على أساس الشراكة والمصالح المشتركة.

أما الولايات المتحدة فلا تزال تملك نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا لا يستهان به إلى جانب علاقات متميزة بين دول القارة وإسرائيل، إلا أن تدهور القوة الناعمة الأمريكية في مواجهة نظيرتها الصينية وتقليص الولايات المتحدة لمساعداتها الاقتصادية في حين تزايد التواجد الاقتصادي الصيني المتنامي في القارة والذي أصبح مدعمًا عسكريًا وسياسيًا وثقافيًا سيلعب دورًا كبيرًا في تحقيق تفوق نسبي للصين في إفريقيا ولو على المدى القصير.

مقالات لنفس الكاتب