array(1) { [0]=> object(stdClass)#11631 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 153

4 مناطق صناعية في المنطقة والسعودية بـدأت التـعاون مع بكيـن بخطــــوات متـزنة

الثلاثاء، 01 أيلول/سبتمبر 2020

وصفت العديد من الكتابات الأكاديمية والدراسات العلمية القرن الواحد والعشرين على أنه "القرن الصيني" أو "العصر الصيني"، وخلال العشرين سنة الأخيرة، كان الكتاب الأكثر إثارة في حقل نظريات العلاقات الدولية المعاصرة، بعنوان:" في اتجاه الحرب: أمريكا والصين في فخ توسيديد؟"، لمؤلفه، غراهام أليسون، أستاذ العلوم السياسية البارز في جامعة هارفارد، الذي شغل منصب مستشار لعدة وزراء للدفاع الأمريكيين، والفكرة الرئيسية للكتاب تنطلق من تحليل المؤرخ اليوناني الشهير توسيديد لأسباب الصراع بين إسبرطة وأثينا، وهو ما جعل غ.أليسون ينتقي مصطلح "فخ توسيديد" لإسقاطه على طبيعة الصراع الأمريكي-الصيني، وقد فسره بشكل مبسط بقوله:" فخ توسيديد هي حالة الديناميكية الخطيرة التي تندلع عندما تهدد قوة صاعدة وتتحدى مكانة القوة القائمة، وفي هذه الحالات، فإن أحداث خارجية أو سلوك لطرف ثالث تبدو أنها سهلة يمكن أن تؤدي إلى اتخاذ قرارات أو رد الفعل من قبل القوة المتنافسة تنتهي بالحرب، لم يكن يرغب فيها أي من الطرفين، وقد وصف هذه الحالة لأول مرة المؤرخ اليوناني الكبير، توسيديد ، في كتابه حول الحرب بيلوبونزية  التي دمرت اليونان القديمة، عندما فسر بأن الخوف الذي كان عند إسبرطة من صعود أثينا هو الذي جعل الحرب لا مفر منها". ويؤكد غ. أليسون، بأن مشروع التاريخ التطبيقي الذي يديره في جامعة هارفارد، أظهر من خلال التجارب العملية للخمسة قرون السابقة، أن الصين والولايات المتحدة الأمريكية تتجهان نحو الحرب بالرغم من أن كل واحد منهما لا يرغب فيها، وفق السيناريو الاتجاهي، حيث شهدت القرون الخمسة السابقة، 16 حالة تحدي بين القوى الصاعدة الجديدة والقوى القائمة، اثنا عشر من هذه الحالات أدت إلى الحرب بين القوة الصاعدة التي تتحدى مكانة القوة المهيمنة، وعليه، فإن غراهام أليسون يعتقد بأن الحالة السابعة عشر ستكون بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين بطريقة كارثية.

وعليه، نتساءل في هذا الصدد، عن مظاهر وأشكال الصراع الأمريكي-الصيني التي قد تؤدي إلى الحرب السابعة عشر في تاريخ القوى القائمة والقوى المتحدية لها على حد تعبير غراهام أليسون؟ وما هي انعكاسات هذا الصراع على المنطقة العربية، الجزائر نموذجًا، في ظل الصراع الأمريكي-الصيني على مستقبل السيادة العالمية؟

أولا: الصراع الأمريكي-الصيني: مظاهره وأشكاله.

هناك إدراك عام في الولايات المتحدة الأمريكية، أن الصين تشكل القوة المتحدية لمكانة الولايات المتحدة الأمريكية العالمية، في المجالات التكنولوجية، التجارية والمالية، ولم تخف الصين هذا الطموح غير المحمود للتربع على السيادة العالمية بأهداف وآجال واضحين، حيث ترسم في سنة  2025م، على أن تحتل مكانة القوة المهيمنة في أهم الأسواق العالمية في عشرة تكنولوجيات متقدمة، لاسيما الذكاء الاصطناعي، كما تهدف في سنة 2035م، إلى أن تكون الرائدة في الاختراعات لكل التكنولوجيات المتقدمة، وبمناسبة الذكرى المئوية للجمهورية الشعبية الصينية الموافقة لسنة 2049م، ستكون الصين الأولى عالميًا، مما يتطلب من الجيش الصيني كما طالب الرئيس، شي جين بينغ، الاستعداد لصراع عسكري شامل يكون القاعدة الجديدة للانطلاقة.

هذا الطموح الكبير والعالمي للصين هو الذي يدفع بالولايات المتحدة الأمريكية لتكون في موقع إسبرطة التي تملكها الخوف من تحدي أثينا لموقعها ومكانتها المهيمنة، خصوصًا وأن أهم عناصر القوة للسيادة الأمريكية، تمثلت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، في العامل الاقتصادي والتكنولوجي، فإذا بالمشروع العالمي للصين يطرح إعادة ترتيب ميزان القوى الاقتصادي والتكنولوجي لصالحها وبسرعة مذهلة، أربكت كل مشاريع السيادة الأمريكية على العالم، إذا أخذنا مؤشر الإنتاج الداخلي الخام للصين، فإنه كان يمثل نصف الإنتاج الداخلي الخام للولايات المتحدة الأمريكية في سنة 2004م، وتصاعد في عشرة سنوات بالنصف ليصبح مساويًا لنظيره الأمريكي سنة 2014م، وإذا بقيت الصين في هذا المسار فإنها ستتجاوز الولايات المتحدة الأمريكية ب 50 بالمائة في سنة 2024م. 

إن التهديد الكبير الذي تخشاه كل الإدارات الأمريكية الأمريكيون، الخوف من أن تقوم الصين ببناء تحالفات إقليمية مع القوى الفاعلة في أوراسيا مثل روسيا وإيران المتعاقبة وينبه إليه الاستراتيجيون ، وهو ما يؤكده الاستراتيجي الأمريكي "زبيغنيو برجنسكي" بقوله: "إن السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في تحالف أكبر بين الصين وروسيا، وربما إيران أيضًا، وهو تحالف مضاد للهيمنة الأمريكية لا توحده الأيديولوجيا بل التذمر المشترك". ولا يكتفي برجنسكي بطرح هذا الاحتمال الخطير على مستقبل الأمن الأمريكي، بل يقترح على صانعي القرار في الولايات المتحدة الأمريكية الاستخدام المتزامن للبراعة الجيواستراتيجية على جميع الخطوط المحيطة بأوراسيا شرقًا وغربًا وجنوبًا لمواجهة هذا التحالف.

ثانيًا: مبادرة الحزام والطريق...مشروع جيواقتصادي أم سلاح جيوسياسي؟

مثلت "مبادرة الحزام والطريق" نموذجًا عمليًا للتحدي الصيني للمكانة العالمية الأمريكية، حيث تربط القارات الثلاث، آسيا، أوروبا وإفريقيا، بستة مشاريع للطرق البرية الضخمة وشبكة من الموانيئ، تجمع في بداية المشروع 60 بالمائة من سكان العالم، 30 بالمائة من الإنتاج الداخلي الخام وأكثر من ثلث التجارة العالمية، وتحولت المبادرة فعليًا إلى المحور الأساسي للاستراتيجية الصينية المحركة للسياسة الخارجية بأهداف محددة، أن تكون الصين صاحبة الريادة الاقتصادية والتجارية في آفاق 2049م، وتم دسترة هذه المبادرة في دستور الحزب الشيوعي الصيني سنة 2017م، خصصت لهذا المشروع الضخم تقديرات مالية تصل إلى 1000 مليار دولار.

القراءة الجغرافية السياسية للمبادرة، توحي حقيقة أن الصين تريد تحدي الإمبراطورية الأمريكية، المعروفة جيوسياسيا، بأنها القوة البحرية حيث تسيطر على البحار والمحيطات بشبكة من القواعد العسكرية والأساطيل البحرية العسكرية التي تراقب كل الممرات والمضائق البحرية الحيوية التي تمر منها تجارة العالم. ولم تخف الصين طموحها الإمبراطوري للسيادة البحرية على العالم وفق النظريات الجيوسياسية الكلاسيكية، من يمتلك البحار يمتلك السيادة العالمية، وقد اتضح ذلك في الخطة الخماسية الثالثة عشرة، التي صدرت في سنة 2016م، والتي خططت لبناء مراكز بحرية للصين في العالم، من أجل كسب مكانة "القوة البحرية العظمى في العالم" بحلول عام 2020م، مع تحديد سنة 2049م.

 بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية الصينية لتصبح "القوة البحرية الرئيسية في العالم"، وقد عملت الصين على كسب هذا الرهان، ووضعتها في استراتيجيتها الخارجية، ففي سنة 2010م، لم تكن الصين تستثمر إلا في خمسة موانئ من بين خمسين ميناء للمياه العميقة في العالم، بحلول سنة 2019 م، أرتفع عدد استثماراتها إلى الثلثين، من خلال شركة الشحن الصينية للمحيطات التي أضحت رابع أكبر أسطول شحن في العالم، كما تضاعفت القوة البحرية التجارية للصين أربعة أضعاف خلال عشرة سنوات (2009-2019) ليحتل أسطولها التجاري البحري المرتبة الثانية في العالم.

التحدي الصيني بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وفق "مأزق توسيديد"، قد تتضاعف حدته، لأن واقع مبادرة الحزام والطريق ستضعف القوة الاقتصادية والتجارية للإمبراطورية القائمة، بحيث سيؤدي الاندماج التدريجي لأوروبا وآسيا إلى تغيير النظام الاقتصادي والسياسي العالمي، باستبدال الممرات والخطوط العابرة للأطلسي المهيمنة على التجارة العالمية.

ثالثًا: الموقف الأمريكي من الحزام والطريق.

لم تجد إدارة دونالد ترامب الكثير من الخيارات لمواجهة التحدي الصيني ومبادرة الحزام والطريق، فكان أولى القرارات التي اتخذها ترامب عند وصوله إلى البيت الأبيض، التوقيع على قرار يلغي بموجبه مشاركة الولايات المتحدة الأمريكية في اتفاق الشراكة العابر للهادي، للتبادل الحر بين اقتصاديات منطقة أسيا الهادي- أمريكا، الذي كان تهدف من خلاله إدارة أوباما إلى تطويق واحتواء الصعود الاقتصادي والتجاري للصين في منطقة آسيا الباسيفيك، عبر ربط اقتصاديات اثنى عشرة دولة بشراكة استراتيجية للتبادل الحر، وفي تقدير باراك أوباما، أن ثقل هذه الشراكة بكثافتها السكانية التي تصل إلى 800 مليون نسمة، ودخل يمثل 40 بالمائة من الانتاج الداخلي الخام العالمي، يعطي للولايات المتحدة القدرة على التنافس التجاري والاقتصادي مع الصين. بينما اعتبره دونالد ترامب عبئًا ماليًا واقتصاديًا يضاف للأعباء التي تتحملها الولايات المتحدة الأمريكية في العالم، وفضل في الأخير، خيار شمشون، علي وعلى أعدائي، بإعلان "الحرب التجارية" على الصين لوقف طموحها العالمي المتسارع، وخفض الديناميكية التجارية والاقتصادية لمبادرة الحزام والطريق.

رابعًا: الحرب التجارية الأمريكية-الصينية...أسبابها وأبعادها.

يعتقد دونالد ترامب أن الصين تمارس كل الممارسات غير الأخلاقية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، فقد اتهمها بأنها أكبر سارق في تاريخ العالم، ولاسترداد الحق من الصين، رفع ترامب شعار "أمريكا أولا"، وفق حسابات تجارية، الصين صدرت للولايات المتحدة الأمريكية سنة 2018م، ما قيمته 558 مليار دولار، بينما الولايات المتحدة الأمريكية لم تصدر للصين إلا ما قيمته 178 مليار دولار، وعليه فإن استمرار الاغتصاب والسرقة الصينية لواشنطن تكمن في الخلل البين في الميزان التجاري الذي يمثل عجزًا كبيرًا للولايات المتحدة الأمريكية بقيمة 380 مليار دولار، وسبب هذا الخلل ببساطة، أن الصين لا تمارس التجارة بطريقة شفافة ونزيهة ووفق القواعد العالمية لحرية السوق، فهي تدعم بكثافة الشركات الوطنية الصينية بمنحها الصفقات العمومية بدون منافسة، وتعتمد على إغراق السوق بالبضائع وتخفض الأسعار لربح الأسواق الخارجية، كما تفرض على الشركات الأجنبية نقل التكنولوجيا لكي تستثمر في سوقها الداخلي بأكثر من مليار مستهلك.

كان ترامب مقتنعًا بأن: "الحروب التجارية جيدة ومن السهل ربحها" وهو يبرر قراراته في إعلان الحرب التجارية على الصين. أولى القرارات تلك القرارات، كانت بضربات ضد الصين تصورها أن تكون موجعة لخصمه، تمثلت في الرفع من التعريفة الجمركية بنسبة 25 بالمائة على واردات الفولاذ و10 بالمائة على الألمنيوم، حيث الصين تمثل أكبر مصدر للفولاذ في العالم، مع إخضاع 1300 منتوج صيني للتعريفة الجمركية. تلقت الصين كرة البينغ بونغ وردت بضربات مماثلة، كاشفة على طاولة اللعبة إخضاع 128 منتوج أمريكي للتعريفة الجمركية، بنسبة تتراوح ما بين 25 بالمائة و15 بالمائة.

لجأ ترامب مرة أخرى إلى مضاعفة التعريفة الجمركية ب25 بالمائة على إجمالي 250 مليار دولار من السلع الصينية المستوردة، ورفعت الصين مضربها لترد الكرة، فارضة التعريفة الجمركية على 5400 منتوج أمريكي في حدود 110 مليار دولار، واختارت الصين المنتجات التي يمكن أن تؤثر على الانتخابات الأمريكية القادمة لضرب شعبية ترامب، خصوصًا فئة الفلاحين، حيث كانت قد تراجعت صادرات الفلاحين الأمريكيين من الصويا بنسبة 77 بالمائة، ما بين يوليو 2018م، وماي 2019، ولتدارك الأزمة وعد ترامب هؤلاء الفلاحين بمساعدات مالية تصل إلى 28 مليار دولار. كما سارع اللوبي الصناعي الأمريكي بالضغط على ترامب من أجل رفع القيود الضريبية على الفولاذ والألمنيوم الذي أثر بشكل كبير على منتجاتهم، وخسر بدورهم منتجو لحوم الخنازير ما يقارب مليار دولار، كما احتجت 200 شركة لصناعة الأحذية، من بينها نايكي وكونفيرس، على الرسوم الجديدة التي سوف تضاف إلى التعريفة المطبقة بالفعل ليصل إجمالي الرسوم الجمركية إلى 67 بالمائة على بعض أنواع الأحذية، وهو ما يرفع أسعار هذه المنتجات للمستهلك الأمريكي بواقع أربع مليارات دولار سنويًا.

كان إحساس وإدراك المستهلك الأمريكي من فرض التعريفة الجمركية على المنتجات الصينية، ما صورته صحيفة وول ستريت جورنال،" إن التعريفات ليست سوى نوع من الضرائب، فالمنتجون لا يدفعون الثمن، وإنما المستهلكون هم من يتحملون زيادة أسعار السلع بسبب التعريفات الجمركية، وفي الواقع، فإن الرئيس ترامب يهدد الصين بالرسوم الجمركية، بينما هو يهدد بفرض ضريبة تبلغ 850 دولار على كل عائلة أمريكية سنويًا". لقد كشفت الحرب التجارية، درجة الاعتماد المتبادل والترابط المالي، التجاري والصناعي بين واشنطن وبكين، عكس ما كان يتصوره دونالد ترامب من أن الحروب التجارية سهلة الربح الأحادي.

من بين الملفات الصينية التي جعلت واشنطن تعيش حالة إسبرطة، حيث القلق والخوف من منافسة أثينا، مشروع "صنع في الصين 2025"، في تقرير قدمته إدارة دونالد ترامب في مارس 2018م، حول التجاوزات التي تقوم بها الصين في التجارة العالمية، لاسيما في ميدان الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا، ذكر 126 مرة في التقرير مخطط صنع في الصين 2025م، فما الذي يقلق الإدارة الأمريكية من هذا المشروع؟

مخطط "صنع في الصين 2025"، هو مشروع عملي لفترة عشرة سنوات (2015-2025)، يهدف لتحويل الصين إلى مركز عالمي للتكنولوجيا الفائقة، تهيمن على التكنولوجيات الدقيقة المتقدمة، بما يسمح لها أن تصبح الرائدة في قطاعات الروبوتات، تكنولوجيا الاتصال والإعلام المتقدمة، الطيران والسيارات التي تعتمد على الطاقات الجديدة. وفي الواقع، فإن دونالد ترامب وظف قضية العجز التجاري الأمريكي مع الصين لوقف المشروع الجيو-اقتصادي والجيوسياسي للصين، فالحرب التجارية كانت من جهة، ممارسة الضغط على تنامي ديناميكية مبادرة الحزام والطريق، لكن في الوقت ذاته لمجابهة هذا المشروع التجاري العملاق "صنع في الصين 2025"، وهو ما عبر عنه دونالد ترامب مغردًا على صفحته في تويتر ، بعد إعلانه الحرب التجارية على الصين،" لقد تخلى الصينيون على، صنع في الصين 2025 لأنني وجدت ذلك أكثر إهانة، كما قلت لهم: الصين 2025 أكثر إهانة لأنها تعني أنه في سنة 2025 م، سيسيطرون اقتصاديًا على العالم، قلت لهم: هذا لن يحدث".

إن الحرب التجارية الأمريكية-الصينية في ميدان تكنولوجيات الاتصالات تختزل في المجموعتين التكنولوجيتين المتنافستين، التي تعرف باللاتينية "غافام" Gafam في مواجهة " باثاكس" Bathx ، وهي اختصار للأحرف الأولى لشركات تكنولوجيات الاتصال الأكثر تأثيرًا في العالم، فمجموعة" غافام" تتشكل من أهم الشركات الأمريكية، غوغل، أمازون، فيسبوك، أبل وميكروسوفت، بينما "باثاكس" تمثل أهم الشركات الصينية للاتصالات والرقمنة، بايدو، علي بابا، تانسنت، هواوي وكسياومي. وتمثل كل من شركة هواوي ومؤسسة علي بابا نموذجين للتحدي الصيني للمكانة التكنولوجية الأمريكية في هذا المجال. حيث وقع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مرسومًا رئاسيًا استعجاليًا، يمنع بموجبه على شبكات الاتصالات الأمريكية من التزود بالتجهيزات لدى الشركات الأجنبية المصنفة ضمن الخطر على الأمن القومي الأمريكي، وهو القرار الذي يهدف شركة هواوي، وكان الدافع الأساسي لهذا القرار أن توقف تمدد وتوسع الملكية التكنولوجية الصينية للجيل الخامس من الهواتف الذكية في الأراضي الأمريكية وحلفائها، بسبب القلق الأمني في واشنطن وخارجها، بأن الصين ستتحكم فيما يسمى بالأبواب الإلكترونية الخلفية backdoors التي توضع في تجهيزات الاتصالات، مما يتيح لها التجسس على الاتصالات داخل الدول ذاتها. أما فيما يخص التنافس الصيني-الأمريكي في مجال التسويق الإلكتروني، فإن شركة علي بابا مثلت أحد أوجه القوة الناعمة للصين التي دخلت في تنافس مع الموقع الأمريكي العالمي أمازون الإلكتروني، فرغم صعوبة دخول شركة علي بابا إلى السوق الأمريكية إلا أنها حققت النتائج الكبرى في الأسواق المالية، وأصبحت تنافس أمازون في مكانتها، كما بينت العناوين الكبرى للصحف والمجلات المتخصصة، " الصيني علي بابا يغرس شوكة في قدم أمازون" حسب صحيفة "التحديات"، وقد كان دخول علي بابا إلى بورصة وال ستريت بنيويورك ب150 مليار دولار أكبر صدمة نفسية لأمازون، الذي اعتبر أكبر دخول في تاريخ بورصة نيويورك.

خامسًا: العالم العربي...بين فخ توسيديد وفخ الديون.

وصل عدد الدول التي وقعت الاتفاقيات الثنائية مع الصين في إطار مبادرة الحزام والطريق، إلى 143 دولة إلى غاية فبراير 2020م، أي حوالي ثلثي دول العالم، من ضمنها 17 دولة عربية وقعت وثائق تعاون للحزام والطريق مع الصين، وارتقت بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية والشراكة الاستراتيجية الشاملة مع 12 دولة عربية، في الوقت الذي بدأت المناطق الصناعية الصينية الأربع في مصر والإمارات والسعودية وعمان المضي قدمًا بخطوات متزنة، إذ هناك نحو 100 شركة صينية قد دخلت المناطق المذكورة أو وقعت على وثائق نوايا، وتجاوزت القيمة الإجمالية لنوايا الاستثمار 10 مليارات دولار أمريكي. فالدول العربية حاولت التكيف مع التحولات الجيو-اقتصادية التي تقودها الصين وفق قاعدة رابح-رابح، فالصين تدرك أهمية المنطقة العربية الجيوسياسية في بعديها، المجال البحري والموارد الطاقوية، بينما الدول العربية تبحث عن الاستفادة من التطور التكنولوجي الصيني والاستثمارات الكبرى في البنية التحتية في إطار مشروعها المعولم الذي يربط القارات الثلاث، أوراسيا وإفريقيا. وهو ما توضحه التجربة الجزائرية، التي كانت أول دولة عربية تقيم شراكة استراتيجية شاملة مع الصين سنة 2014، كما وقعت خلال قمة بكين للمنتدى حول التعاون الصيني-الإفريقي في سبتمبر 2018م، على مذكرة التفاهم بشأن التعاون في إطار مبادرة الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين، انتقلت بموجبه الجزائر إلى خامس شريك تجاري للصين في إفريقيا، لكن باختلال في الميزان التجاري لصالح بكين التي تصدر ما قيمته 9 ملايين دولار للجزائر مقابل صادرات الجزائر التي لا تتعدى نصف مليار دولار. ورغم ذلك، فالجزائر تراهن على الفرص التي تتيحها المبادرة الصينية لا سيما في البعد الجيو- اقتصادي، حيث تبحث الجزائر عن بوابة لإفريقيا من خلال الربط البحري والبري، لمشروع ميناء شرشال شمال العاصمة الجزائرية الذي يعد من أهم المشاريع في إطار مبادرة الحزام والطريق، الذي سيكون الرابطة التجارية والاقتصادية مع الأسواق الإفريقية التي تفتقد للمنافذ البحرية. فالجزائر تبحث عن تنويع الشركاء الاقتصاديين والتجاريين، في ظل اختلال الميزان التجاري ونقص الاستثمارات في تجربة الشراكة الجزائرية-الأوروبية التي عمقت من الفجوة التنموية بين الطرفين. إن الجزائر مثلها مثل الكثير من الدول العربية تأثرت بانعكاساتها الحرب التجارية الأمريكية-الصينية، فمثلا تم وقف نشاط شركة الاتصالات الصينية زد تي أي في الجزائر بعد فرض الحكومة الأمريكية عقوبات عليها بسبب اتهامها بالتعامل التجاري مع كوريا الشمالية وإيران، وهو ما يؤشر مستقبلاً، أن الجزائر والمنطقة العربية ستتأثر سلبًا كلما تصاعدت حدة الحرب التجارية الأمريكية-الصينية، بسبب فرض العقوبات الأمريكية على الدول التي تتعامل مع الصين كما هو الحال مع إيران، أي أن فخ توسيديد سيمس كل الأطراف المنخرطة في مبادرة الحزام والطريق الذي تعتبره واشنطن مشروعًا متحديًا لها، ومن جهة أخرى، فإن التحدي القادم بالنسبة لكثير من الدول المنخرطة في المشاريع الصينية التي تعرف عجزًا ماليًا، قد تقع في فخ المديونية الصينية، وفي هذه الحالة فإن الكماشة قد تعيد قضية، إجبار الصين سيريلانكا على التوقيع على خصخصة ميناء هامبانتوتا، الممر البحري الاستراتيجي، لمدة 99 سنة بحصة 85 بالمائة بعدما عجزت عن سداد ديونها، كما دفعت باكستان على استحواذ شركة صينية على ميناء غوادر الاستراتيجي لمدة 40 سنة، بامتلاك 85 بالمائة من إجمالي إيراداته.

في النهاية، فإن المبادرات الصينية بقدر ما تقدم من فرص للدول العربية للانخراط فيها بما يسوق لقاعدة رابح-رابح، فإن الصراع الأمريكي-الصيني وفق منطق فخ توسيديد ستكون انعكاساته صعبة التقدير على بنية النظام الاقتصادي العالمي الذي أضحى أكثر ترابطًا ما بعد جائحة كوفيد 19، وفي حالة العجز المالي الداخلي لأي بلد عربي، فإن النموذج الصيني التنموي وفق مبادرة الحزام والطريق " ميناء، منطقة صناعية ومدينة وفق صنع في الصين عام 2025" ستكون تحديًا آخر لمن لا يملك أدوات التكيف الإيجابي.

مقالات لنفس الكاتب