الحرب "السيبرانية" صراع المستقبل وانحسار المواجهات العسكرية

الثلاثاء، 01 أيلول/سبتمبر 2020

بعد مضيِّ أكثر من أربعة عقود على تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والصين تصاعدت مؤخرًا وتيرة الخلافات بين الدولتين، وبلغت حدتها مستويات غير مسبوقة طالت مجالات متعددة مثل الدفاع والتجارة والتكنولوجيا وحقوق الإنسان. وفي ظل إدارة الرئيس ترامب توالت الأفعال الاستفزازية من جانبه لِتُوَاجَهَ بردود انتقامية سريعة من الجانب الآخر. وعلَّق بعضهم بأن الأمور تتجه إلى الأسوأ لفقدان المهارات الدبلوماسية المناسبة للسيطرة عليها، وبعد أن كانت المواجهة محصورة في معضلات محددة وقابلة للحل تفاقمت إلى صراع يتهدد الأنظمة والقيم. وتباينت الأهداف بين مكاسب الاقتصاد أو التوسع وفرض النفوذ أو تجربة السلاح وبيعه.

الحرب الباردة الثانية

الولايات المتحدة والصين قوتان عظميان تمثلان معًا 40٪ من الناتج الاقتصادي العالمي. ومع دقات طبول الحرب الباردة، وتبادل الصيحات وإغلاق الأبواب، فعندئذ يكون العالم مكانًا غير مستقر للغاية، وتعجز المؤسسات عن التخطيط والتنمية. ونسوق هنا بعض الأمثلة على ما وصف بالحرب الباردة الثانية:

  • ألقَى ترامب باللوم على الصين في نشر فيروس كورونا، وطالب بأن تخضع الصين للمساءلة الكاملة باعتبارها أكبر دولة راعية للأوبئة، مع إطلاق عبارات عنصرية وتسمية الفيروس بأنفلونزا الكونج وفيروس ووهان وفيروس الصين. وتَبَنَّى أعضاء من الكونجرس الأمريكي مشروع قانون يُفوض الرئيس ترامب بفرض سلسلة من العقوبات على الصين، إذا لم تتعاون في أي تحقيق دولي حول تفشي الفيروس. وتشمل العقوبات تجميد الأصول، وحظر السفر، وإلغاء التأشيرات، وتقييد القروض إلى الشركات الصينية أو الاكتتاب فيها ومنع إدراجها في البورصات الأمريكية. ويجري تجهيز لوائح اتهام لعدد من المتسللين والجواسيس المدعومين من الحزب الشيوعي الصيني بمحاولة سرقة الأبحاث الأمريكية في الاختبارات واللقاحات والعلاجات المتعلقة بالفيروس. كما هدد ترامب بسحب عضوية بلاده نهائيًا من منظمة الصحة العالمية ووقف تمويلها، واتهم المنظمة بالتقصير والخضوع للصين بشأن انتشار جائحة كورونا، وإخفاء المعلومات عن بداية تفشي الفيروس وتجاهلها للتقارير الأولية عن ظهوره وسوء إدارة الأزمة التي تسبب فيها.
  • اتهمت بكين ترامب بتشويه صورة الصين والتهرب من مسؤوليات بلاده تجاه منظمة الصحة العالمية، بعدما هدد بالانسحاب منها. وقالت إن الولايات المتحدة تحاول صرف الأنظار عن إجراءاتها ”غير الكافية للوقاية من الفيروس واحتوائه“. في مواجهة الاتهامات الأمريكية المتعاقبة نجحت الصين في تعزيز مكانتها كقوة صحية عالمية، وتأكيد صعودها لساحة النظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب. إذ أرسلت مساعدات ومعدات طبية لكثير من الدول الأوروبية والنامية كانت في أشد الحاجة إليها، وقدمت نفسها على أنها تخوض حربا عالمية ضد فيروس كورونا وحدها دون إسهام أو تعاون أمريكي، وأعادت إحياء مبادرة "طريق الحرير الصحي"، التي طرحتها في عام 2017م.
  • تعرضت العلاقات التجارية المتبادلة لإجراءات قاسية بدأت باتهامات ترامب بأن الصين كانت تستغل العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة وتبيع لها أكثر بكثير مما تشتريه، ثم أصدر مرسومًا بسلسلة من الرسوم الجمركية العقابية على البضائع الصينية. وَرَدَّت الصين في حرب تجارية استمرت حتى الآن أكثر من عامين. ورغم الإعلان عن هدنة في يناير قيل إنها تمثل صفقة ”المرحلة الأولى“ التجارية فلم تُخفَّفْ معظم الرسوم الجمركية.
  • تحدت إدارة ترامب بشكل متزايد تأكيدات الصين على السيادة والسيطرة على جزء كبير من بحر الصين الجنوبي، بما في ذلك ممرات الشحن البحري الحيوية. ووصف وزير الخارجية مايك بومبيو الصين بأنها تشكل تهديدًا أمنيًا كبيرًا، وأصدر مرسومًا يقضي بأن معظم مزاعم الصين في بحر الصين الجنوبي ”غير قانونية بالمرة“، مما قد يؤدي إلى مواجهات عسكرية محتملة بين القوات البحرية الصينية والأمريكية في المحيط الهادي. وفي مايو وافقت إدارة ترامب على بيع أسلحة بقيمة 180 مليون دولار لتايوان، وهي جزء من صفقة أسلحة أكبر بكثير أغضبت السلطات الصينية، التي تعتبر الجزيرة المتمتعة بالحكم الذاتي جزءًا من الصين.

* اتهمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة الصين بسرقة التكنولوجيا الأمريكية. وصعّد البيت الأبيض من اتهاماته وسعى إلى وضع قائمة سوداء دولية لشركة هواوي، أكبر شركة تكنولوجيا في الصين، واصفًا إياها بأنها واجهة لجهود الصين لاختراق البنية التحتية للاتصالات في الدول الأخرى كي تحقق فوائد استراتيجية. وتم احتجاز المدير المالي للشركة في كندا منذ ديسمبر 2018م، بموجب مذكرة تسليم إلى الولايات المتحدة بتهم الاحتيال.

  • اتهمت إدارة ترامب وسائل الإعلام التي تديرها الدولة في الصين بإثارة الدعاية، وحددت عدد الصينيين الذين يعملون مع وكالات الأنباء الصينية في الولايات المتحدة. وردت الصين بطرد الصحفيين لديها من نيويورك تايمز وواشنطن بوست ووول ستريت جورنال، كما اتخذت خطوات أخرى تقيِّد وصول الصحافة الأمريكية إلى الصين. أعلنت صحيفة نيويورك تايمز، التي تشعر بالقلق إزاء إمكانية فرض مزيد من القيود على الصحفيين العاملين في الصين أنها بصدد نقل جزء كبير من مركزها الإخباري الرئيسي في هونج كونج إلى سيول، كوريا الجنوبية.
  • وقع ترامب في نوفمبر الماضي - بدعم من الحزبين - قانونًا يمكن أن يعاقب مسؤولين من الصين وهونج كونج الذين يقمعون المعارضين من دعاة الديمقراطية في هونج كونج. وكان ترامب قد أعلن اعتزامه أن يتخذ خطوات لإنهاء الوضع التجاري التفضيلي لهونج كونج مع الولايات المتحدة بعد أن أقرت الصين قانونًا أمنيًا جديدًا يمكن استخدامه لخنق أي شكل من أشكال التعبير التي تعتبرها الصين مثيرة للتمرد. ونددت السلطات الصينية بالإجراءات وتعهدت بالانتقام. فرضت إدارة ترامب مؤخرا عقوبات على عدد من المسؤولين الصينيين، بتهمة انتهاكات حقوق الإنسان في منطقة شينجيانج ضد أقلية الأويجور المسلمة في البلاد. وتوعدت بكين بالانتقام من المؤسسات والأفراد الأمريكيين إذ تشكل الإجراءات الأمريكية المتخذة باسم الدفاع عن المواطنين الذين يعيشون في أي مكان في الصين تدخلاً صارخًا في سياسات الصين الداخلية. وكان ترامب قد وقَّع في 2018م على مشروع قانون يعاقب المسؤولين الصينيين الذين يقيدون المسؤولين الأمريكيين والصحفيين والمواطنين الآخرين من الذهاب بحرية إلى مناطق التبت.
  • اتخذت إدارة ترامب خطوات لإلغاء تأشيرات الآلاف من طلاب الدراسات العليا الصينيين والباحثين في الولايات المتحدة الذين تربطهم علاقات مباشرة بالجامعات التابعة لجيش التحرير الشعبي. تنذر عمليات الطرد هذه بمزيد من القيود التعليمية المحتملة، ويمكن للحكومة الصينية الانتقام من خلال فرض حظر التأشيرات الخاصة بها على الأمريكيين. وكأحدث مثال على إجراءات واشنطن الاستفزازية طلبها إغلاق القنصلية الصينية في هيوستن خلال 72 ساعة متهمة إياها بالتجسس، وَرَدَّت بكين بالمثل بطلب إنزال علم القنصلية الأمريكية في تشنجدو وإغلاقها.

القوتان العسكريتان في الميزان

القوات المقاتلة:

لدى الصين أكبر جيش في العالم إذ يزيد تعداده على الجيش الأمريكي بنحو مليون ومائتي ألف جندي، ولكن القوة العسكرية تعتمد أيضًا على مهارة الجنود التي تتحدد بمستوى التعليم، والخبرة القتالية، والتدريب، والقيادة. (1) التعليم: أصبح الجيش الصيني أخيرًا مماثلا للجيش الأمريكي، حيث بلغت نسبة الحاصلين على تعليم ثانوي 80%، خمسهم حصلوا على تعليم جامعي. (2) الخبرة القتالية: لم يدخل الجيش الصيني حربًا منذ 1979م، إلا صراعًا حدوديًا قصيرًا مع فيتنام، إضافة إلى عملية إنزال برمائية في 1995م للسيطرة على جزيرة "يتشيا نجشان". ولا يوجد الآن بين القوات الصينية من خاض حربًا أو معركة من قبل، وهو ما يسميه المحللون الصينيون بـ ”مرض السلام“. (3) التدريب: تحسَّن أداء القوات الصينية منذ 1990م، ودخلت تكنولوجيا حديثة للتدريب تحت أجواء طبيعية صعبة، وتميل التدريبات الصينية إلى كونها غير منتظمة وتجري في إطار محدود. (4) القيادة: يتطلب نجاح عمليات التنسيق والإمداد ونقل القوات قادة موهوبين ومحللين عسكريين ذوي قدرات متميزة. ويتأتى ذلك بفضل سنوات من التأهيل في الأكاديميات ومعاهد البحوث والدراسات العسكرية. لا يتوافر لدى الأكاديميات العسكرية الصينية سوى 15% فقط من الحاصلين على درجات علمية متقدمة مقابل 90% في الأكاديميات العسكرية الأمريكية. وبين أفضل 100 مركز بحوث عسكرية في العالم يوجد في الصين ثلاثة مراكز فقط، مقابل 25 مركزا في الولايات المتحدة.

القواعد العسكرية والعتاد:

تمتلك الولايات المتحدة مئات القواعد العسكرية المنتشرة في أنحاء العالم، فضلا عن منصات بعيدة المدى ونظم مراقبة ورصد عالمية، وهو ما يمكنها من استخدام العامل العسكري الحاسم في أي منطقة حول العالم. حاملات الطائرات الأمريكية أسرع من الصينية بنسبة 50% وتحمل ضعف عدد الطائرات التي تحملها الصينية، وحمولة كل طائرة من الذخيرة أكبر بنسبة 40% مقارنة بالطائرات الصينية. تعمل حاملات الطائرات الأمريكية بمفاعلات نووية لا تُستبدل إلا بعد 50 عامًا من الخدمة، بينما تعمل حاملات الطائرات الصينية بمحركات بخارية وتحتاج لإعادة التموين عدة مرات في السنة، ويرى خبراء عسكريون أن حاملات الطائرات الصينية غير قادرة على خوض معارك كثيفة حتى في المياه القريبة من الشواطئ الصينية.

يمكن للغواصات النووية الأمريكية حمل أكثر من ضعف الذخيرة التي تحملها الغواصات الصينية التسع (4 استراتيجية + 5 تكتيكية). تستطيع البحرية الأمريكية تعقب الغواصات النووية الصينية من مسافات بعيدة عبر نظامها المتطور للمراقبة الصوتية. أما الغواصات الصينية الأخرى غير النووية وعددها 57 فتسير بنصف سرعة الغواصات الأمريكية النووية، ولهذا فمن النادر أن تغادر هذه الغواصات البحار القريبة من الصين. تحمل المدمرات الأمريكية أيضًا ضعف كمية الذخيرة التي تحملها المدمرات الصينية، فضلاً عن أنها مجهزة برادارات ونظم معلومات أحدث بكثير من المدمرات الصينية، وتستعد الولايات المتحدة لتسليح سفنها وغواصاتها بصواريخ كروز موجهة مضادة للسفن، الأمر الذي سيمكنها من تدمير أهداف على بعد آلاف الأميال. تمتلك الولايات المتحدة خمسة إلى عشرة أضعاف القدرات العسكرية للصين، اعتمادًا على نوع القوات العسكرية المعنية، وتحتفظ بإمكانات هائلة لاحتواء التوسع الصيني في شرق آسيا. يمكن للصين أن تحرم الولايات المتحدة من السيطرة البحرية والجوية العسكرية على بعد بضع مئات من الأميال من أراضي الصين، لكن الصين لا تستطيع تحمل العمليات القتالية الرئيسية خارج تلك المنطقة.

فاعلية المنظومات القتالية:

إن ما ذُكِر من مقارنات هنا ليس هو الفيصل في تقييم هذه القدرات الكَمِّية. يبقى السؤال الأهم هو هل تلك الأسلحة قادرة على تنفيذ مهامها الدفاعية أو الهجومية؟ فالطرف الآخر يستعد بقدرات أخرى نوعية وابتكارات أخرى لم تكن موجودة من قبل كالسيبرانية والأقمار والصواريخ وغيرها. في المقابل فقد نجحت كل من الصين وروسيا في تطوير سلاح غواصات جديد يعمل بمحركات ديزل لا تصدر ضجيجًا، وتقدُّمٍ في الألغام البحرية وتقنيةٍ متطورة لزوارق الطوربيد. وأسفر ذلك عن تعقيد المهام أمام حاملات الطائرات الأمريكية التي لم تعد محصَّنة ضد الاستهداف المعادي. أما السلاح الأقوى الذى طورته روسيا والصين فهو ”قاتل حاملات الطائرات“ وهو صاروخ مضاد للسفن من طراز DF-21 ضمن منظومة محمولة يبلغ مداه 15,000 كم، وباستطاعته حمل وإطلاق 10 رؤوس حربية موجهة لعدة أهداف في آن واحد. وبهذا يتفوق على أي مدى للطائرات المقاتلة على متن الحاملات الأمريكية الحديثة، فضلاً عن سرعته فَرْطِ الصوتية (أكبر من خمسة أضعاف سرعة الصوت hypersonic) وقد ظهر في عرض عسكري وكان تقييم الخبراء العسكريين لدى البنتاجون ”أن أبرز مزايا ذلك الصاروخ المحمول هو الفترة الزمنية القصيرة التي يحتاجها للإعداد والانطلاق نحو الهدف وسيكون صعبًا اعتراضه، بل إن معظم نظم الأسلحة المشاركة في العرض العسكري كانت من النوع المحمول على عربات، وفي حال نشوب نزاع يتعين على سلاح البحرية الأمريكية إخلاء المنطقة بالكامل، أي بحر الصين الجنوبي“. ويرى أولئك الخبراء أن تقنية الأسلحة فرط الصوتية لدى الصين وروسيا، ”تجعل من نظم الدفاع الصاروخية (الأمريكية) عديمة الفائدة على الأغلب“. صنعت الصين المقاتلة J-31 التي لا يكتشفها الرادار ويمكن انطلاقها من قاعدة أرضية أو حاملة طائرات وهي تشبه مقاتلة الجيل الخامس الأمريكية F-35. كما أنتجت طائرات بدون طيار UAVs تنافس النماذج الأمريكية في سوق الأسلحة الدولية.

هل أمريكا تتراجع كقوة عظمى؟

هناك رؤيتان متباينتان حول مستقبل تطور القوة الأمريكية. الرؤية الأولى: في كتابه ”بلا منازع.. لماذا ستبقى أمريكا القوة العظمى الوحيدة في العالم“ يقول مايكل بيكلي: إن أيام الولايات المتحدة على رأس الكوكب الأرضي ليست معدودة كما يقول كثير من الباحثين والدارسين؛ ذلك أنها ستظل هي القوة المهيمنة في العالم حتى نهاية القرن الحالي على الأقل، وهو يرتكز في ذلك على منهج مختلف يقيس قوة الأمم من خلال حساب صافي الثروة الاقتصادية والإمكانات العسكرية لكل دولة، وليس باحتساب إجمالي القدرات الاقتصادية والعسكرية، وأن عناصر القوة الأمريكية تشير إلى أنها ستظل تمتلك لعقود أخرى قادمة قدرات عسكرية واقتصادية وتقنية أفضل من بقية منافسيها خاصة الصين التي تعد أقرب منافسيها. يعيش في الولايات المتحدة 5% في المائة فقط من سكان العالم، وبها 25% من الثروة العالمية، و35% من الابتكار العالمي، و40% من الإنفاق العسكري العالمي. كما أنها موطن لما يقرب من 600 بين أكثر من 2000 شركة عالمية متخصصة، و50 من أفضل 100 جامعة. وهي الدولة الوحيدة التي يمكنها شن حروب كبرى خارج منطقتها وضرب أهداف في أي مكان على وجه الأرض في غضون ساعة، مع 587 قاعدة منتشرة في 42 دولة وقوات بحرية وجوية أقوى من القوات العشر التالية لها مجتمعة.

الرؤية الثانية: قبل ثلاثة عقود فقط خرجت الولايات المتحدة منتصرة من الحرب الباردة وتربعت على عرش نظام عالمي أحادي القطب. ولكن غزو العراق مَثَّل بداية تفكك القيادة الأمريكية ونهاية فكرة العالم أحادي القطب. كان في حسبان الأمريكيين أن الاستخدام الغاشم للقوة ضد العراق من شأنه أن يحقق عددًا من الأهداف الحاسمة، إذ سيؤكد دور الولايات المتحدة كقوة مهيمنة على العالم، وأنه مع رحيل صدام حسين ستترسخ الديمقراطية بشكل عفوي في العراق، وستتمدد إلى الشرق الأوسط بأكمله. لقد حدث العكس وتراجعت أمريكا في حرب طويلة مكلفة تسببت في خسائر فادحة في الأرواح والأموال وفي مكانة أمريكا في العالم. لقد أسفرت الحرب في العراق وأفغانستان عن أعباء اقتصادية واجتماعية هائلة في الولايات المتحدة، حيث بلغت تكلفة الحرب 5 تريليونات دولار ولقي 7 آلاف جندي أمريكي مصرعهم فضلاً عن إصابة 50 ألفا آخرين. ولم تنزلق أمريكا إلى مكانة أضعف وأقل احترامًا فحسب، بل إن لاعبين إقليميين ودوليين آخرين سعوا إلى تأكيد وجودهم، وأصبحت التعددية القطبية حقيقة واقعة. لقد تنامى دور روسيا والصين، وتصاعد نفوذ تركيا وإيران في الشرق الأوسط. ولم تسهم سلوكيات إدارة ترامب إلا في تسريع وتيرة التراجع في قيادة أمريكا للعالم. بدا واضحًا ازدراؤها للاتفاقيات الدولية والقانون الدولي، والفشل في الوفاء بالوعود، وإطلاق التغريدات المتهورة، مما خلق حالة عند الحكومات والشعوب تتأرجح بين الارتباك والخوف. واضطر بعض الحلفاء والمعارضين للبحث عن شراكات أخرى يثقون بها.

إن سباقًا جديدًا للتسلح قد بدأ رسميا وأصبح الفضاء هو الجبهة الأحدث للأسلحة. ركزت روسيا والصين على الاستثمار في الأسلحة التي يمكن أن تتغلب على التفوق العسكري الأمريكي، وتؤرق جيش الولايات المتحدة وقادتها السياسيين. قامت الصين بتطوير ونشر صواريخ كروز وصواريخ باليستية مضادة للسفن جعلت حاملات الطائرات الأمريكية تبدو ضعيفة، وهذه الأسلحة مصممة لردع أو منع البحرية الأمريكية من العمل بالقرب من المياه الصينية. ولم تعد الولايات المتحدة تتمتع بالتفوق العسكري، بل في بعض المجالات أصبح الأمريكيون في الخلف. لقد حدث تغير هائل في ميزان القوة العسكرية في مجال الأسلحة التي تتجاوز سرعة الصوت، وأيضًا في مجال الذكاء الاصطناعي، وهما من المجالات التي خصص لها الروس والصينيون استثمارات هائلة. وهي أسلحة سببت الخوف داخل أعلى دوائر الجيش الأمريكي، فبإمكانها الوصول إلى هدفها بسرعة كبيرة بحيث لا تستطيع الدفاعات الأمريكية الحالية التعامل معها، وقد تحمل رؤوسًا حربية تقليدية أو نووية. وقد تفاخر الرئيس الروسي بأن صاروخًا روسيًّا يتجاوز سرعة الصوت سيكون جاهزًا قريبًا، ولا يبتعد الصينيون كثيرًا عنهم. وهناك نظامان قيد التطوير في روسيا والصين، وهما صاروخ كروز يفوق سرعة الصوت يستطيع أن يطير على ارتفاع 100 ألف قدم، ومركبة انزلاقية فائقة السرعة مصممة للعمل على سطح الغلاف الجوي للأرض وقادرة على المناورة حتى اللحظة التي تصيب فيها هدفها.

ملاحظات ختامية

  • شارك كبار مسؤولي الدفاع من أمريكا والصين في الفترة الأخيرة في حوار بهدف تجنب الاشتباكات المسلحة المحتملة في المسارح البحرية، مع استعراض عضلاتهم وتحصين مواقعهم بشكل خطير في حرب باردة جديدة تتسارع وتيرتها. ويداوم وزير الدفاع الأمريكي ونظيره الصيني اتصالاتهما لنزع فتيل التوترات، خاصة في بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه بشدة حيث يخشى العديد من المراقبين من احتمال اشتباك الجانبين قريبًا. وفي الأسابيع الأخيرة أجرت الولايات المتحدة تدريبات مع حاملتي طائرات في بحر الصين الجنوبي، واعتبرتها الصين استفزازا وانتهاكًا لسيادتها. وتسعى الولايات المتحدة بنشاط لحشد دعم الحلفاء الإقليميين أستراليا واليابان بالإضافة إلى الشركاء الاستراتيجيين مثل الهند لاحتواء تغلغل الصين في المنطقة. كذلك تُظهر الولايات المتحدة دعمًا عسكريًا ودبلوماسيًا متزايدًا لتايوان، التي تعتبرها الصين مقاطعة منشقة.
  • تُعتبَر الصين - بحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) - ثاني أكبر منتج للأسلحة في العالم بعد الولايات المتحدة، حيث حققت أربع شركات أسلحة صينية على الأقل مبيعات تكفي لتصنيفها بين أكبر 20 بائع للأسلحة في العالم. وتُعَدٌّ شركات الأسلحة الصينية أكثر تخصصًا من نظيراتها في الخارج، إذ تنتج شركة صناعة الطيران الصينية "أفيك" طائرات وإلكترونيات خاصة بالطيران. ومن مصلحة المنطقة العربية أن تتجه إلى الصين في تسليحها وأن تعتمد نوعًا من التعاون والشراكة في التصنيع المحلي لبعض نظم التسليح.
  • ليس ثمة أدنى شك في أن العمليات ”السيبرانية“، أي المرتبطة بالفضاء الإلكتروني، سوف تصبح سائدة بشكل متزايد في المستقبل، خاصةً في ظل تغير طبيعة الصراع بين الدول وانحسار المواجهات العسكرية المباشرة. وستبرز تكتيكات أخرى تتعلق بالفضاء الإلكتروني كمجال لجمع المعلومات الاستخباراتية، وساحة للقيام بهجمات على الشبكات الخاصة والمرافق الحيوية للدول. وستؤثر هذه التكنولوجيات بعمق على صناعة الأسلحة مثل المركبات البرية والبحرية والطائرات بدون طيّار والروبوتات. وهنا يُنظر إلى الصين باعتبارها أكبر منافس عسكري محتمل للولايات المتحدة في القرن الواحد والعشرين.
  • يرى الكثيرون أن الصراع بين القطبين لن يتجاوز المحاور السياسية والاقتصادية، وأن من المستبعد تحوله إلى صدام عسكري لن يحقق مصلحة لأيِّ طرف. ومما يدعم هذا الرأي وجود ترسانة من الأسلحة النووية لدى كِلا الطرفين، وذلك كفيل بفرض”الردع المتبادل“ وما يستتبعه من تجنب الصراع العسكري.

بلغ حجم التبادل التجاري بين بكين والدول العربية حوالي 250 مليار دولار، وتمر حوالي 50% من واردات الصين من النفط في مضيق هرمز مما يعكس الأهمية الكبرى لمنطقة الشرق الأوسط بالنسبة للصين. كما تعد المنطقة أكبر سوق للأسلحة الأمريكية حيث استقبلت ما يزيد عن نصف صادرات الولايات المتحدة من الأسلحة خلال السنوات الخمس الماضية. وسيكون الشرق الأوسط وآسيا الوسطى مسرحًا لمنافسة بين الولايات المتحدة والصين. ومع توجُّه العالم إلى نظام متعدد أو ثنائي الأقطاب خلال مرحلة ما بعد كورونا، سينشأ وضع أفضل للدول العربية يتيح لها هامشًا للمناورة وعديدًا من الخيارات مما يعزز القدرة على تنويع شراكاتها.

 

صاروخ صيني مضاد للسفن من طراز DF-21

 

الطائرة الصينية المقاتلة J-31

 

الطائرة الأمريكية F-35

 

مقالات لنفس الكاتب