مستقبل العرب... بين أمريكا والصين

الخميس، 20 آب/أغسطس 2020

يبدو أن قدر المنطقة العربية أن تتأثر بالقوى الكبرى في العالم، وتكون في مرمى القرارات التي تتخذها الدول المنتصرة في مختلف الحقب الزمنية ، حتى تلك القرارات المتعلقة بالمنطقة نفسها التي تصدر من القوى الكبرى ثم تنفذها في المنطقة العربية دون استشارة أهلها كما فعلت بقرارات تقسيم النفوذ ومنها قرارات سايكس ـ بيكو، ووعد بلفور وغيرها. ثم بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها تربعت الدول المنتصرة على عرش العالم بقيادة الخمس الكبار أصحاب قرار تأسيس منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ووضعوا أنفسهم أوصياء على العالم بوضع اليد وطريقة رفع الكف المشهور بـ "الفيتو".

بعض الدول في المنطقة العربية وفي العالم حاولت الفكاك من الاستقطاب والدوران في فلك القطبين الأعظمين  في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وهما الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي، وكان ذلك عبر تشكيل حركة عدم الانحياز أو الحياد الإيجابي، وكان أقطابها جمال عبد الناصر والرئيس اليوغسلافي تيتو ورئيس الوزراء الهندي جواهر لآل نهرو، والتي تأسست في مؤتمر باندونج عام 1955م، وعقدت أولى اجتماعاتها في بلغراد عام 1961م، بحضور ممثلين عن 25 دولة هم الأعضاء المؤسسين للحركة، ومع أن الحركة تأسست من  أجل عدم الانحياز لأي من القوتين العظمتين، إلا أن ذلك كان نظريًا فقط ولم تستطع الصمود وتحقيق الحياد الإيجابي المنشود ودخلت دولها بشكل أو بآخر تحت التأثير والاستقطاب الغربي أو الشرقي وتأثرت  بالحرب الباردة.

وظل الصراع الدولي منذ منتصف القرن العشرين بين القوى العظمى على تقسيم النفوذ والمصالح دون تقديم أي شيء لدول العالم الثالث، بل كان صراع النفوذ على حساب هذه الدول ومصالحها واستقلالها وثرواتها، ففي ظل هذا الصراع قامت دولة إسرائيل وحدث العدوان الثلاثي على مصر، ثم حروب الخليج الأولى والثانية، وتفكك الصومال وتقسيم السودان، وتلا ذلك احتلال العراق، وتحويل سوريا وليبيا واليمن إلى دول فاشلة أو ممزقة تحت ويلات الحروب الأهلية والتدخلات الدولية والإقليمية.

وعليه فإن النظام الدولي لم يكن في صالح المنطقة العربية والشرق الأوسط في ظل عالم متعدد أو أحادي القطبية، وهذا ما سيحدث في المستقبل في حال صعود الصين إلى قيادة العالم، أو في عدم صعودها، فالأمر لن يتغير كثيرًا حيث سيعود ترتيب مناطق النفوذ بين القوى العظمى كما حدث منذ النصف الثاني من القرن العشرين،

ويظل الحل المرتقب يأتي من داخل المنطقة العربية ذاتها وليس من خارجها، ويتحقق بقيام تكتل عربي قائم على المصالح لا الشعارات، وعلى صدق النوايا وعلى جهد صادق هدفه البناء لا الهدم، وعبر تكامل اقتصادي والاستفادة من تجارب الدول المتقدمة، واعتماد البحث العلمي كطريق ومنهج لتحقيق المقاصد، والسعي نحو التسليح والدفاع  الذاتي عن الأمن العربي، وإنهاء الصراعات غير المبررة التي تتخذها الدول الإقليمية والقوى الكبرى وسيلة ومظلة للتدخل في الشؤون العربية وتمزيق الممزق وتقسيم المقسم لضمان بقاء المنطقة ساحة مفتوحة للتدخل الخارجي كما يحدث الآن في مجموعة دول عربية كانت فاعلة في النظام العربي ومنها العراق وسوريا واليمن وليبيا.

من المهم الأخذ بأساليب التقدم والتنمية وعبر اقتصادات قائمة على المعرفة والمزايا النسبية وتطوير المناهج التعليمية لتكون الدول العربية قادرة على الدفع بمخرجات يحتاجها سوق العمل لتخفيف البطالة من ناحية ولدعم الإنتاج من ناحية واللحاق بركب التنمية والتطورات العالمية من ناحية أخرى.

ويتطلب ذلك وضع خارطة طريق عربية واضحة المعالم ، محددة الأهداف وفي إطار زمني، مثل تلك الرؤى الوطنية التي وضعتها دول عربية ومنها خطة التنمية 2030 وأن تكون على مستوى الدول العربية الفاعلة والمنسجمة مع بعضها البعض في السياسة والاقتصاد، والبناء على المشتركات الإيجابية والتخلي عن السلبيات الموجودة في النظام العربي الجماعي الحالي الذي تجسده جامعة الدول العربية بميثاقها الذي تم وضعه في منتصف اربعينيات القرن العشرين وتجاوزته الأحداث ولم يتبق من الجامعة إلا المقر والعلم واجتماعات دورية تدخل مقرراتها في دائرة النسيان فور انتهاء اجتماعاتها.

وبدون الحلول العربية الذات العملية سوف تراوح المنطقة في مكانها مهما تغير النظام الدولي وتعددت أقطابه أو لم تتعدد ما دامت المنطقة العربية ليست قطبًا من بين هذه الأقطاب.

مقالات لنفس الكاتب