التنافس الاستراتيجي الصيني-الأمريكي والشرق الأوسط: من حرب باردة إلى حرب تكنولوجية

الأحد، 30 آب/أغسطس 2020

تحميل    ملف الدراسة

في السنوات الأخيرة، تحول التنافس الاستراتيجي الأمريكي من حرب باردة إلى حرب تكنولوجية، وذلك بالتزامن مع فرض العقوبات الأمريكية على الشركات الصينية، مثل شركة زد تي إي، وهواوي، وتيك توك، وانتقاد واشنطن للصين بشراسة فيما يتعلق بسياستها تجاه هونج كونج، وشينجيانغ، وتايوان، وبحر الصين الجنوبي. وفي يوليو 2020م، طالبت إدارة ترامب الصين بشكل مفاجئ بإغلاق قنصليتها في هيوستن "لدواعي أمنية"، وردًا على ذلك اضطرت الصين إلى مطالبة الولايات المتحدة بإغلاق قنصليتها في تشنغدو، وإن تم ذلك على مضض. ويبدو أن اندلاع "حرب باردة جديدة" بين الصين والولايات المتحدة أضحى أمرًا وشيكًا.

1-الصراعات الفكرية بين الصين والولايات المتحدة في الشرق الأوسط

هناك قلق كبير بين الأكاديميين وصانعي السياسات حول وقوع بكين وواشنطن في "فخ ثوسيديدس"، وكذلك حول التأثير غير المباشر للتنافس الاستراتيجي الثنائي بينهما على الشرق الأوسط. وبشكل خاص، تميل الولايات المتحدة إلى الإضرار بالتعاون الاقتصادي لحلفائها مع الصين، وإلى تقليص النمو الاقتصادي الصيني في المنطقة. وخلال زيارته لإسرائيل، حذر وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو نظراءه الإسرائيليين من أن تعاونهم مع الصين سيعرض علاقاتهم الاستراتيجية مع الولايات المتحدة للخطر. وبشكل جزئي، وبسبب الضغط الأمريكي، فشلت شركة صينية في الفوز بمناقصة أكبر محطة تحلية في العالم يتم إنشاؤها في إسرائيل. وبالإضافة إلى ذلك، قد يتم حظر شركة هواوي من المشاركة في البنية التحتية لشبكة الجيل الخامس G5 في إسرائيل، كما هو الحال بالفعل في المملكة المتحدة. ومن المحتمل أن تتضرر الاستثمارات الصينية الكبرى في الشرق الأوسط، خاصة في الموانئ البحرية، والاتصالات، ومحطات الطاقة النووية المدنية، والفضاء الخارجي، والطب، وعليه فإن آفاق التعاون بين الصين والشرق الأوسط غير مؤكدة أيضًا.

 

هل التنافس بين الصين والولايات المتحدة يشبه الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة في الشرق الأوسط؟ في الواقع، ثمة سمات متشابهة. أولًا، يوجد تناقض هيكلي بين القوة القائمة (أي الولايات المتحدة، باعتبارها أكبر اقتصاد) والقوة الصاعدة (الاتحاد السوفيتي قبل ستة عقود والصين اليوم، وكلاهما يمثلان ثاني أكبر اقتصادات في عصورهما). ثانيًا، القوة القائمة هي دولة رأسمالية غربية، بينما القوة المتنامية هي دولة اشتراكية غير غربية. وأخيرًا، أقامت كل من الولايات المتحدة والصين علاقات غير متكافئة مع الدول في الشرق الأوسط، كما فعلت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة. وفي الوقت الحاضر، على الرغم من أن الولايات المتحدة تتمحور من الشرق الأوسط إلى آسيا، إلا أنها تتباهي بأقوى قوة عسكرية لديها. بينما الصين، في المقابل، هي أكبر شريك تجاري لمنطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا، وقد أقامت الصين شبكة من الشراكات مع أكثر من اثنتي عشرة قوة إقليمية كبرى، والتي يزداد نفوذها بشكل خاص.

تختلف وجهات نظر الصين والولايات المتحدة حول حوكمة الأمن في الشرق الأوسط. أولًا، تنحاز الولايات المتحدة إلى أطراف في نزاعات الشرق الأوسط، وتقسم المنطقة إلى "منطقة سلام وازدهار" و "منطقة صراع وفوضى". وبالتالي، تسعى واشنطن لبناء تحالف مع حلفائها، مما سيعزز "الناتو العربي" المكون من دول مجلس التعاون الخليجي والأردن ومصر، وكذلك تسعى لتعزيز علاقة خاصة مع إسرائيل في شرق البحر الأبيض المتوسط. ومن ناحية أخرى، تعمل الصين على التركيز على عدم الانحياز وعدم التدخل، وتسعى إلى بناء شراكات متجانسة مع جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك أولئك الذين يتنازعون مع بعضهم البعض، وبما في ذلك جميع حلفاء الولايات المتحدة بالإضافة إلى إيران، والعراق، والجزائر، والسودان، حيث يُنظر إلى المجموعة الأخيرة على أنها تمثل تهديدًا للولايات المتحدة. وتشكو الصين من أن انحياز الولايات المتحدة للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي نتج عنه تهميش المجموعة المتضررة، وقد يخلق قنبلة موقوتة للأمن الإقليمي.

ثانيًا، تلتزم الولايات المتحدة بالنزعة الانفرادية، بينما تهدف الصين إلى النزعة التعددية، مما سيسلط الضوء على ضرورة اتباع خطة العمل الشاملة المشتركة، واتفاقية أوسلو، والآليات الأخرى التي تقودها الأمم المتحدة للقرارات الإقليمية. انتقدت الصين الولايات المتحدة بسبب انحيازها للنزعة الانفرادية، واشتكت من أن انسحابها من خطة العمل المشتركة الشاملة قد تسبب في سباق محتمل للطاقة النووية المدنية، والأسوأ من ذلك، حدوث انتشار نووي طويل الأمد في الشرق الأوسط. ففي أغسطس 2020م، صوت مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة ضد قرار أمريكا بتمديد حظر الأسلحة المفروض على إيران إلى أجل غير مسمى. استخدمت الصين، بالإضافة إلى روسيا، حق النقض ضد المسودة التي اقترحتها الولايات المتحدة، وانتقدت إدارة ترامب لانسحابها انفراديًا من خطة العمل الشاملة المشتركة.

ثالثًا، تدمج الولايات المتحدة القضايا الاقتصادية والتجارية مع القضايا السياسية، بينما تعارض الصين إضفاء الطابع السياسي على الاقتصاد والأعمال التجارية، بهدف فصل القضايا الاقتصادية والتجارية عن القضايا السياسية. إن الصين غير راضية عن قرار الولايات المتحدة بفرض عقوبات على الشركات الصينية التي تخضع لأعمال تجارية عادية مع إيران. فقد اتهمت الولايات المتحدة شركة هواوي الصينية بالتستر على علاقتها مع شركة كانت قد "حاولت بيع أجهزة حاسوب أمريكية محظورة إلى إيران". وفي ديسمبر 2018م، تم القبض على السيدة/ منغ وانزهو، نائب رئيس مجلس الإدارة والمدير المالي لشركة الاتصالات العملاقة هواوي، أكبر شركة خاصة في الصين، في فانكوفر لتسليمها تحت ضغط أمريكي. إنه نزاع ساخن بين الصين والولايات المتحدة فيما يتعلق بالأعمال التجارية للشركات الصينية مع إيران.

II- تضارب المصالح بين الصين والولايات المتحدة في الشرق الأوسط

لم يشهد العقد الماضي صراعًا كبيرًا بين الصين والولايات المتحدة، بل تعايشا بسلام تام. وبالرغم من ذلك، بدأت الخلافات بينهما في التفاقم منذ أن طرحت الصين مبادرة الحزام والطريق في عام 2013م، وخاصة منذ أن أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لإيران، وثاني أكبر شريك تجاري لجامعة الدول العربية، وثالث أكبر شريك تجاري لإسرائيل وتركيا. إن الولايات المتحدة تعتبر الشرق الأوسط "ساحة معركة"، بينما تنظر الصين إلى الشرق الأوسط بوصفه "سوقًا تجاريًا". وبالتالي، تنظر واشنطن إلى القوى المعادية لأمريكا في الشرق الأوسط على أنها قوة مثيرة للشغب وأهدافًا "للحوكمة"، بينما تنظر الصين إلى جميع الدول والأحزاب على أنهم شركاء سياسيين واقتصاديين حقيقيين أو محتملين.

ومع تدهور العلاقات الصينيةـــ الأمريكية، بدأ التعايش السلمي بين الدولتين العملاقتين في الانهيار. لقد تسببت حتمًا المشاركة الاقتصادية المتزايدة للصين تجاه الشرق الأوسط في القلق الأمريكي، حيث أوَلت الولايات المتحدة النشاط الاقتصادي الصيني على أنه "تمهيد للحشد العسكري". وتم فرض رسوم على الموانئ التجارية التي بنتها الصين من قبل الأسطول السادس والخامس الأمريكي، مع ادعاء المسؤولين الأمريكيين أنها قد تشكل تهديدًا للمنشآت العسكرية الأمريكية. ويُنظر إلى مشاريع إنشاء وتشغيل الموانئ البحرية الصينية في ميناء حيفا بإسرائيل، وميناء دوراليه في جيبوتي، وميناء خليفة في الإمارات العربية المتحدة المعروفة باسم مسار "عقد اللؤلؤ" على أنها تشكل تهديدًا للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة على وجه الخصوص. ويعتبر كذلك إنشاء الصين للبنية التحتية لشبكة الجيل الخامس G5 في إسرائيل، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، والكويت، ومصر بمثابة تهديدًا لـ "مبدأ مونرو" الأمريكي في مجال التكنولوجيا. وحذر ديفيد شينك، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى، الحلفاء الأمريكيين من أنه يتعين عليهم موازنة شراكتهم مع الولايات المتحدة بمستوى مشاركتهم في التعاون التجاري مع الصين.

ويأتي التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية كمجال محتمل آخر للولايات المتحدة لمقاومة الشركات الصينية. ففي عام 2014م، طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ إطار عمل "1 + 2 + 3" للتعاون مع الدول العربية، حيث تعتبر " الطاقة النووية المدنية" واحدة من آفاق جديدة. ففي السنوات الأخيرة، كثفت كوريا الجنوبية تعاونها مع الإمارات في مجال الطاقة النووية المدنية، بينما كان لدى روسيا علاقات نووية مدنية وثيقة مع مصر وتركيا. وتحرص الصين على التعاون مع السعودية، ومصر، والأردن، والجزائر، وإيران. إن الولايات المتحدة شديدة الحساسية تجاه التعاون النووي المدني الصيني مع أصدقاء الولايات المتحدة وخصومها.

وفيما يتعلق بالتعاون في مجال الفضاء الخارجي، كسر نظام بايدو للملاحة بالأقمار الصناعية احتكار الولايات المتحدة لنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) في الشرق الأوسط، ووضعت بكين أسس التعاون مع السعودية، والإمارات، ومصر، وتونس من بين دول أخرى، وكان هذا الأمر مصدر قلق لواشنطن. وقد تم افتتاح المركز الصيني العربي لنظام بايدو للملاحة بالأقمار الصناعية/ نظام الملاحة العالمي بالأقمار الصناعية، وهو أول مركز خارجي لنظام بايدو للملاحة عبر الأقمار الصناعية في الصين، رسميًا في تونس في عام 2018م، مما سبب قلقًا في الولايات المتحدة أيضًا. وأخيرًا، قد ينتج عن الاستثمار الاستراتيجي الصيني لمدة 25 عامًا في التعاون في مجال الطاقة مع طهران إلى إلغاء الولاية القضائية طويلة المدى للعقوبات الأمريكية والضغط الأقصى على إيران. ونظرًا لوصول التوترات الأمريكية-الصينية طويلة المدى لحد الذروة، فإن "الاتفاق الثنائي الشامل الذي تبلغ مدته 25 عامًا والذي يُجري التفاوض عليه بين بكين وطهران قد أطلق جرس الإنذار في واشنطن"، وفقًا لما لاحظته وسائل الإعلام الغربية.

III- المنافسة الاستراتيجية بين الصين والولايات المتحدة لن تجلب حرب باردة جديدة

على الرغم مما سبق، فلا تزال النزاعات الصينية-الأمريكية في الشرق الأوسط تحت السيطرة في المستقبل القريب. قد يكون هناك نزاعات متفرقة، ولكنها لن تتحول إلى "حرب باردة" منهجية. دعونا نتعمق في الأسباب. أولًا، لدى الصين والولايات المتحدة أنظمة سياسية مختلفة، ومع ذلك لا يوجد تنافس أيديولوجي في الشرق الأوسط. بدلاً من ذلك، تسعى كل من الولايات المتحدة والصين إلى وضع سياسات واقعية والتركيز على المصالح العملية لكل منهما، فلا يندرج تصدير "الشيوعية" أو "الاشتراكية" ضمن بنود أجندة السياسة الخارجية للصين. وقد حافظت الولايات المتحدة على نظام تحالف في الشرق الأوسط يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، بينما تطبق الصين دبلوماسية "الشراكة"، التي لا تستهدف أي أطراف، بما في ذلك الولايات المتحدة. ولذلك، تفتقر الصين إلى مجال نفوذ متجانس مثل الولايات المتحدة.

ثانيًا، على عكس الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي التي أسفرت عن كتلتين اقتصاديتين متوازيتين ومنفصلتين، تنتمي كل من الصين والولايات المتحدة اليوم إلى سوق عالمية موحدة، ويعتبر الشرق الأوسط جزءًا من النظام العالمي. ولا ترى الصين أو الولايات المتحدة أن الشرق الأوسط يمثل منطقة ذات أهمية حيوية، ويقع التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في الغالب في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. ويظل الشرق الأوسط طرفًا ثانويًا وقد يكون كلا الجانبين عرضة للصلح. ولذلك، تحت إطار "مبادرة الحزام والطريق"، لا تملك الصين القدرة أو الرغبة في بناء كتلة اقتصادية أخرى غير المؤسسات الدولية التي تقودها الولايات المتحدة. في الواقع، تعتبر مبادرة الحزام والطريق والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية مؤسسات تكميلية للمؤسسات الاقتصادية الدولية الحالية، وليست بديلاً عنها. وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى الدفاع الجماعي وسياسات التحالف، تلتزم الصين بالأمن الجماعي وسياسات "صفر عداوات". وقد صرح الرئيس الصيني شي جين بينغ أن الصين لا تسعى إلى تنصيب وكلاء ولا بناء مجال نفوذ ولا ملء فراغات السلطة.

ثالثًا، مع الاختلاف عن العلاقات المتماثلة نسبيًا بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، فإن النفوذ الصيني والأمريكي في الشرق الأوسط غير متماثل. وباعتبارها دولة نامية، فإن الصين أضعف بكثير من حيث القوة الصارمة والقوة الناعمة. ويعتبر النفوذ الكلي للصين أقل أهمية من الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ولن يتم تحدي الهيمنة الجيوسياسية والعسكرية للولايات المتحدة في المستقبل المنظور، إذ يفضي الوجود العسكري الأمريكي إلى الأمن العام للسلع الإقليمية، مما يخدم المصالح التجارية للصين.

رابعًا، يعتبر الشركاء الأمنيون للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، مثل دول مجلس التعاون الخليجي، ومصر، والأردن، والمغرب، وإسرائيل، وتركيا، في الوقت ذاته الشركاء السياسيين والاقتصاديين المحوريين للصين. ويعتبر الخيار المثالي بالنسبة لهذه الدول هو الحفاظ على توازن القوى: فهذه الدول قادرة على الاعتماد على الولايات المتحدة في التعاون الأمني مع الحفاظ على التعاون الهام في مجال التجارة والطاقة مع الصين (بالإضافة إلى الهند واليابان وكوريا الجنوبية) من أجل إمدادات الطاقة والطلب عليها. وإعمالاً للمثل القائل "لا تضع البيض في سلة واحدة"، يمكن لهؤلاء الشركاء الحفاظ على علاقات متجانسة مع كل من الصين والولايات المتحدة، وأيضًا الحفاظ على التوازن الجيو-سياسي والجيو-اقتصادي بين الغرب والشرق بدلاً من التحوط في رهاناتهم بين الصين والولايات المتحدة. وبالنسبة لمعظم دول الشرق الأوسط، يتوافق كل من "التطلع إلى الغرب من أجل الأمن" و "التطلع إلى الشرق من أجل الاقتصاد" مع بعضهما البعض. وقد أكدت بكين أن مشاركتها الاقتصادية في الشرق الأوسط تتوافق مع المشاركة الأمنية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

IV- تعزيز التعاون الصيني- الأمريكي في العصر الجديد

إن الشرق الأوسط مليء بالعديد من المشاكل ولا يستطيع تحمل حلقة مفرغة أخرى من التنافس بين القوى العظمى. في الواقع، وبينما تسعى الصين بشكل جوهري إلى تحقيق المصالح الجيو-اقتصادية في مجال التجارة، والاستثمار، والطاقة، فإن الولايات المتحدة تحافظ على مصالحها الجيوسياسية في حماية القيادة الإقليمية، وإطلاق حملات مكافحة الإرهاب، والدفاع عن الحلفاء في الشرق الأوسط. على الرغم من ذلك، يشترك الجانبان في مصالح متوافقة ومتكاملة في حوكمة الأمن في الشرق الأوسط والتخفيف من حدة تصعيد النزاع، مما يختلق ديناميكيات هيكلية لبكين وواشنطن للبحث عن أرضية مشتركة مع نبذ الاختلافات فيما يتعلق بتقلبات هذه المنطقة المضطربة.

أولًا، يعتبر كل من الصين والولايات المتحدة شريكين متكاملين ويشتركان في مصلحة مهمة وهي الحفاظ على السلام والأمن في المنطقة. وبصفتهما عضوين دائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تدعم كل من الصين والولايات المتحدة بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في دارفور، والسودان، وجنوب السودان، والصومال، ولبنان، ومرتفعات الجولان، والصحراء الغربية. لا الصين ولا الولايات المتحدة لديها قوات على الأراضي في ليبيا أو اليمن، وكلاهما يريد أن يصل إلى تسوية سلمية للنزاعات في سوريا، ولبنان، وفلسطين، واليمن، وليبيا. وقد شكل تنظيم الدولة الإسلامية، وتنظيم القاعدة والتابعين لهم تهديدات محتملة لكل من الهيمنة العسكرية الأمريكية والاستثمارات الصينية والأجانب. ويمتلك كل من الصين والولايات المتحدة قواعد عسكرية في جيبوتي، حيث يتعايشون بسلام، ويشاركون بانتظام في التدريبات العسكرية المشتركة لمكافحة القرصنة ومرافقة السفن التجارية في المياه الصومالية. ويتعين أن يكون للجانبين قوافل بحرية مشتركة في الخليج أيضًا. كما قد تستأنف بكين وواشنطن آلية التشاور الثنائية حول شؤون الشرق الأوسط التي تم تأسيسها في عام 2012م، إن دول الشرق الأوسط، بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي، لا تنحاز بالضرورة إلى أي طرف أو تسعى إلى وضع سياسات تحيز تجاه الصين والولايات المتحدة، إذا تمكن العملاقان الاقتصاديان والعسكريان من إدارة نزاعاتهما. 

ثانيًا، لقد أقام حلفاء الولايات المتحدة علاقات مترابطة في مجال الطاقة والاقتصاد مع الصين بحيث يكون من المستحيل عليهم تنفيذ "انفكاك استراتيجي" مع الصين. ومع انخفاض أسعار النفط والركود الاقتصادي وتفاقم أزمة فيروس كورونا، تعتمد دول الشرق الأوسط على القوى الآسيوية التي لديها طلب مرتفع على النفط في الشرق الأوسط. نظرًا لأن الولايات المتحدة والصين لديهما نفس الشركاء، فإن التعاون الاقتصادي للطرف الثالث بين الولايات المتحدة والصين والشرق الأوسط، خاصة في الاستثمارات في المشاريع الكبرى، يعد أمرًا واعدًا.

ثالثًا، يعتبر التعاون الصيني-الأمريكي في مجال التكنولوجيا الفائقة أمرًا بالغ الأهمية أيضًا، إذ تتباهى الصين والولايات المتحدة بالتقنيات المتقدمة والمتكاملة في مجال الفضاء الخارجي، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، والاتصالات. ولدى كل من واشنطن وبكين أنواع مختلفة من برامج التدريب للموارد البشرية في الشرق الأوسط. وقد أبرمت شركة بي جي آي – وهي شركة صينية متخصصة في الهندسة الوراثية وتأسست في شنجن-عقودًا مع الإمارات والسعودية للتعاون المشترك في مكافحة فيروس كورونا، ولكن الحكومة الأمريكية أعلنت أن شركة بي جي آي تشكل تهديدًا للأمن البيولوجي لحلفائه، واعتبرتها "هواوي الطبية". بطبيعة الحال لا ينبغي للولايات المتحدة أن تصد مبادرة "طريق الحرير الصحية" الصينية التي تم اقتراحها في السنوات الأخيرة، ولا ينبغي لها أن تضفي الطابع السياسي على البحوث الطبية، بل فلتقم كل من الولايات المتحدة والصين باختبار اللقاحات لمكافحة فيروس كورونا. ولتكن حينها البحوث العلمية والطبية المشتركة بين شركاء الصين والولايات المتحدة والشرق الأوسط مكسبًا لجميع الأطراف، وهو أمر في غاية الأهمية، ليس فقط على صعيد الثقة الاستراتيجية بين الصين والولايات المتحدة، بل هو أيضًا مساهمة عظيمة للإنسانية جمعاء.

الخلاصة

تعتبر كل من الصين والولايات المتحدة قوى جغرافية اقتصادية وسياسية كبرى، ويمثل الشرق الأوسط منطقة مثالية لهما لتوفير "الأمن العام والسلع الاقتصادية". ويواجه الشرق الأوسط تحديات متزايدة، بما في ذلك الدول الضعيفة، والفاشلة، والحروب الأهلية الطويلة، واللاجئين المشردين، والجماعات المتطرفة، والحروب بالوكالة. أدت أزمة فيروس كورونا وما عقب ذلك من انخفاض في أسعار النفط إلى تفاقم البطالة والركود الاقتصادي؛ وبالتالي قد يواجه الشرق الأوسط المزيد من الاضطرابات الهائلة.

يتعين على الصين والولايات المتحدة تجاوز المصالح الوطنية لكل منهما من أجل مستقبل مشترك للبشرية جمعاء. أيضًا ينبغي عليهم كبح الآثار غير المباشرة للتنافس بينهما من منطقة آسيا والمحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط. وفي الواقع، غالبًا ما يتركز نفوذ الصين على الصعيد الاقتصادي، فهي ليست لديها القوة العسكرية المكافئة، ولا تمتلك قدرة كبيرة على فرض القوة في الشرق الأوسط، كما أنها لا تطمح في تحدي هيمنة القيادة الأمريكية في الشرق الأوسط.

وفي الختام، لا يكمن الخطر الحقيقي في التنافس بين الصين والولايات المتحدة، ولكن في تأثير ذلك على المنافع العامة، إذ يتعين على الصين والولايات المتحدة، باعتبارهما قوتين اقتصاديتين وعسكريتين عظمتين، تجنب تكرار الأخطاء التي ارتكبها الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة خلال الحرب الباردة. وعليهما تحمل واجباتهما ومهامهما المقدسة لتجنب اندلاع حرب باردة جديدة. ولا يزال هذا الأمر ذي أهمية بالغة لتعزيز السلام والرخاء لجميع شعوب الشرق الأوسط.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* معهد الدراسات الدولية، جامعة فودان، شنغهاي، الصين

مقالات لنفس الكاتب