الصين تستخدم سياسة ملء الفراغ الذي تتركه أمريكا في لحظة انشغالها بمشكلاتها الداخلية

الثلاثاء، 01 أيلول/سبتمبر 2020

قال الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي "الصينيون يكتبون كلمة "أزمة" باستخدام حركتين بفرشاة الكتابة، الحركة الأولى تمثل الخطر، وأما الثانية فترمز إلى الفرصة.  في أي أزمة كن حذرًا من الأخطار ولكن عليك إدراك الفرص ؛ تمثل هذه المقولة وصفاً دقيقًا للعلاقات الأمريكية-الصينية اليوم لأنها محفوفة بالعديد من المخاطر كما وأنها مليئة بالفرص.  هي علاقات بين أمة تمثل واحدة من أقدم الحضارات على وجه الأرض وأخرى من أحدثها، وفي ذات الوقت هي شراكة بين نظام مركزي يمثل بقية النظام الشمولي الماركسي-الماوي وبين نظام ديموقراطي يمثل الرأسمالية الغربية بأوضح نجاحاتها وإخفاقاتها.  لكن هذه التناقضات لم تمنع من قيام علاقات سياسية متميزة مهدت لتعاون اقتصادي نادر المثيل كان من نتائجه عملية تنموية تجاوزت حدود البلدين لتشكل نواة الاقتصاد العالمي الجديد.  تقف هذه العلاقات اليوم على مفترق طريق ربما بسبب النتائج الباهرة التي تحققت على أرض الواقع والتي لم تخطر ببال أحد.  ولأهمية تلك العلاقات بالنسبة للعالم والمنطقة نستعرض تاريخها الحديث ونستذكر أهم التحديات التي تواجهها اليوم ونستشرف بعض تطوراتها المستقبلية.

 

 الانفتاح الأمريكي على الصين:

تعود بداية العلاقات الحديثة بين الصين والولايات المتحدة إلى الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية وبالتحديد إلى عملية تشكيل النظام العالمي الجديد لمرحلة ما بعد الحرب الذي قام على رؤية الرئيس الأمريكي روزفيلت القائمة على مبدأ "الشرطة الأربعة" في إشارة إلى الدول الأربع التي كان يعتقد أن بإمكانها قيادة النظام العالمي الجديد، وهي بريطانيا والاتحاد السوفيتي وجمهورية الصين بالإضافة إلى الولايات المتحدة.  كانت الفكرة قائمة على طبيعة الحكم في الصين آنذاك، وهو الذي يمثل حلقة واحدة في سلسلة من التطورات السياسية الكبيرة التي شهدتها الصين.

البداية كانت مع إطلالة القرن العشرين حينها كانت الصين تحت حكم سلالة (كينغ) التي كانت توصف "بالرجل المريض" مثلها مثل الدولة العثمانية، تلك الأنظمة التي كان السبب الوحيد لبقائها على قيد الحياة رغبة الدول العظمى المستفيدة من ضعفها.  لكن الأوضاع في الصين ما لبثت أن تغيرت حينما أعلن (صن يات سين) إسقاط حكم سلالة (كينغ) وبداية الحكم الجمهوري في عام 1912م، لتبدأ مرحلة من عدم الاستقرار حتى جاء (تشنغ كاي شيك) إلى الرئاسة عام 1928م، مدعومًا من الاتحاد السوفيتي والحزب الشيوعي الصيني.  عاشت الصين مرحلة من الاستقرار بعد انقلاب كاي شيك على الشيوعيين وإلى عام 1931م، عندما احتلت اليابان منشوريا وأقامت فيها حكمًا عسكرياً الأمر الذي أدى إلى نشوب الحرب اليابانية-الصينية التي أصبحت فيما بعد من أهم جبهات الحرب العالمية الثانية التي انتهت باستسلام الجيش الياباني للجيش الصيني وإعلان جمهورية الصين بقيادة (كاي شيك).  تلك إذا كانت صورة الصين التي كان روزفيلت يطمح أن تكون الشريك في النظام العالمي.  لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن، ذلك أن الحرب الدائرة بين (الكومينتان) بقيادة كاي شيك والشيوعيون بقيادة ماوتسي تونغ منذ 1934م ، والتي شهدت هدنة أثناء الاحتلال الياباني ما لبثت أن عادت إلى أوجها بعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها.  كانت نتيجة الحرب الأهلية هزيمة القوات الحكومية بقيادة كاي شيك الذي هرب إلى جزيرة تايوان وأقام فيها حكومته المعترف بها غربي، وقيام ماوتسي تونغ بإعلان قيام جمهورية الصين الشعبية في عموم الصين وذلك في عام 1949م، لتبدأ بذلك مرحلة انقسام الصين إلى حكومتين والتي دامت ثلاثة عقود من الزمن.

ورثت الحكومة الشيوعية مجتمعًا يعتمد على الزراعة بالكلية ولم تعد فيه بقية النهضة الصناعية التي قامت في الثلاثينات من القرن العشرين أيام كاي شيك.  ولكون الحزب الشيوعي يرغب في تنمية القطاع الصناعي لأن الماركسية تصلح للمجتمعات الصناعية أكثر منها للمجتمعات الزراعية، لذلك قام (ماو) بإعلان خطة ثورية لمدة خمس سنوات بين 1958-1962م، سميت "بالقفزة الكبيرة إلى الأمام"، حيث أمرت الحكومة بموجبها بنقل مئات الملايين من الفلاحين الذين سلبتهم مزارعهم الشخصية ليصبحوا أعضاء في مجمعات حكومية متكاملة تحتوي المزارع والمصانع.  كانت نتيجة الخطة، التي أحدثت أكبر عملية نزوح بشرية في التأريخ، كارثية بكل معنى الكلمة، لأنها فشلت فشلاً ذريعًا في توفير أبسط المستلزمات مثل الغذاء لمئات الملايين من السكان وكانت نتيجتها موت عشرات الملايين بسبب الجوع وسوء الأحوال المعاشية، الأمر الذي دفع بعض أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، ومنهم (دينغ شياوبنغ) إلى توجيه النقد الشديد للرئيس (ماو) ومحاولة سحب بعض الصلاحيات منه.  هذه الخلافات داخل الحزب هي التي دفعت ماو إلى المزيد من الثورية بإعلان "الثورة الثقافية" عام 1966م، وذلك للتخلص من بقايا البرجوازية في مؤسسات الدولة، وكانت نتيجتها أنها أتت على ما بقي في المجتمع من قيم ومؤسسات وأتت على الشعب بالمزيد من الويلات.   

الاتحاد السوفيتي الذي كان حليف الحزب الشيوعي الصيني في الوصول إلى السلطة وكان الشريك في الحكم ما لبث هو الآخر أن شهد تطورا مفاجئا وذلك عندما دبت العديد من الخلافات بين الطرفين مثل إتهام الماويين رفاقهم بالابتعاد عن النهج الماركسي بالإضافة إلى الخلاف السياسي الذي نتج عن رفض الصينيين الخضوع للرفاق الروس خصوصا حول فكرة "القفزة الكبيرة إلى الأمام" والتي أدت في البداية إلى انسحاب المستشارين السوفيتيين من الصين لكن الصراع ملبث أن تطور بعد ذلك إلى مناوشات مسلحة على الحدود المشتركة أدت إلى اتخاذ القيادة الصينية قرارا باعتبار الاتحاد السوفيتي الخطر الأول بدلا من الولايات المتحدة. 

وجدت الولايات المتحدة الفرصة سانحة لإعادة النظر بالعلاقات مع الصين، وكان الهدف الأول من ذلك إحداث شرخ بين قطبي المعسكر الشيوعي والمساعدة في الخروج من مأزق الحرب في فيتنام بالإضافة إلى أن الصين كانت تمثل فرصة خارجية للرئيس نيكسون الذي كان يعيش تحت وطأة الضغوط الداخلية المتزايدة نتيجة فضيحة "ووترغيت". وكانت بداية الدفء في العلاقات دعوة فريق كرة المنضدة الأمريكي إلى الصين لإجراء مباراة ودية مع نظرائهم الصينين في عام 1971م، والتي تبعتها زيارة سرية قام بها هنري كيسنجر مستشار الرئيس نيكسون لشؤون الأمن القومي.  تطور الوضع بسرعة مع إعلان الولايات المتحدة اعترافها بحكومة الصين الشعبية بوصفها الحكومة الشرعية لتمهد الطريق أمام الاعتراف الدولي واعتبارها صاحبة المقعد الدائم في مجلس الأمن بدلاً من جمهورية الصين التي سحبت معظم دول العالم الاعتراف بها. وأخيرًا توجت جهود الطرفين بقيام رئيس أكبر دولة رأسمالية رتشارد نيكسون بالزيارة التاريخية للصين الشعبية عام 1972م.  

 جاءت الفرصة لإحداث التغيير الداخلي المنشود عام 1976م، مع وفاة الزعيم ماو ليخلفه (دينغ شياو بينغ) إلى السلطة وزعامة الحزب والذي قاد سلسلة من الإصلاحات السياسية تمثلت بالتخلص من قادة الثورة الثقافية وفسح المجال أمام التنمية الاقتصادية من خلال خطة "تحديث الأربعة" لعام 1978م، التي تضمنت الاهتمام بأربعة قطاعات أساسية هي الزراعة، الصناعة، الدفاع والعلوم. وبناءً على ذلك فقد تمت إعادة هيكلة النظام التعليمي وعودة العمل بالمناهج الدراسية والاختبارات العامة.

وصلت العلاقات بين البلدين أوجها عام 2000م، عندما قام الرئيس بيل كلينتون بتوقيع وثيقة العلاقات الأمريكية-الصينية التي منحت الصين موقع الشريك التجاري وفتحت الطريق أمامها لتصبح عضوًا في منظمة التجارة العالمية.  كانت نتائج تلك الخطوة كبيرة جدًا حيث ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من 5 مليارات في عام 1980 إلى 230 مليار في عام 2004 م، ولتصبح الصين الشريك التجاري الثاني للولايات المتحدة بعد كندا، كما هو مبين في الرسم البياني:

 

 

رسم بياني يمثل النمو الكبير في التجارة بين الصين والولايات المتحدة بعد توقيع اتفاقية العلاقة بين البلدين عام 2000م.

 

القضايا العالقة في العلاقات الصينية-الأمريكية

يمكن أن نلخص مجمل العلاقات الأمريكية-الصينية بالمثل العربي القائل "لا أرضى به ولا أقدر بدونه". ولأن تلك العلاقة ليست بالبساطة التي يتصورها البعض، فليس بإمكان الولايات المتحدة أن تشطب الصين من اهتماماتها أو أن تقوم الصين بمقاطعة الولايات المتحدة بين عشية وضحاها. لكن هذه العلاقات تعاني من العديد من المشكلات لعل من أهمها:

  1. المشكلة الأساسية تتمثل بالشكوى الأمريكية من السيطرة الحكومية على الاقتصاد الصيني الذي تدعمه الحكومة بطريقة تمنحه العديد من الميزات مقابل الاقتصاديات الحرة من خلال العديد من السياسات التي تخالف أنظمة منظمة الجارة العالمية ومن أهمها التدخل المباشر في الاقتصاد من خلال الشركات الحكومية العملاقة، بالإضافة إلى وضع القيود على البضائع الأجنبية المنافسة، والأهم من ذلك السيطرة على سعر صرف العملة الصينية (اليوان) والحفاظ على مستويات متدنية لسعر صرفها أمام العملات الأخرى كوسيلة للحفاظ على أسعار متدنية للبضائع الصينة في الأسواق العالمية. وتتلخص الطريقة التي تحافظ بها الصين على سعر صرف العملة من خلال إعلان البنك المركزي الصيني لمعدل سعر الصرف اليومي حيث يسمح للعملة بالتذبذب بحدود لا تتجاوز 2% عن ذلك السعر ومن ثم يقوم البنك بالتدخل بشراء العملة من السوق في حالة الانخفاض أو بيع العملة في حالة الارتفاع عندما يحصل تجاوز لتلك المستويات.
  2. القضايا الجيوسياسية مثل محاولة الصين توسيع مياهها الإقليمية من خلال بناء الجزر في بحر الصين أو التوسع من خلال بناء شبكة "الطريق والحزام".
  3. اختلال الميزان التجاري: كما هو واضح من الرسم البياني أعلاه فإن العلاقة بين البلدين غير متوازنة على الإطلاق، ذلك أن العجز في الميزان التجاري لعام 2018م، بلغ 418 مليار دولار أو ما يعادل نسبة 346%، أي أن العجز يمثل أكثر من ثلاثة أضعاف الصادرات الأمريكية إلى الصين. ولعل من أهم أسباب ذلك هو أن الصين تستورد المواد الأولية من الولايات المتحدة مثل المنتجات الزراعية في حين أن الولايات المتحدة تستورد المواد المصنعة مثل الأجهزة الإليكترونية والأدوات المنزلية.
  4. دور الشركات الأمريكية في الاقتصاد الصيني: شكلت الصين فرصة سانحة للشركات الأمريكية التي تبحث عن اليد العاملة الرخيصة بالإضافة إلى ضعف القيود المفروضة على الإنتاج وسهولة الوصول إلى الأسواق العالمية ومن أهمها الدول الآسيوية. لذلك لاحظنا نمو الاستثمارات الأمريكية في الصين بشكل مماثل متواز مع نمو التجارة حيث وصلت إلى 116 مليار دولار في عام 2019م، كما هو مبين في الرسم البياني أدناه.

 

 

رسم بياني يمثل النمو في استثمارات القطاع الخاص الأمريكي في الصين منذ توقيع اتفاقية العلاقة بين البلدين عام 2000م

 

الاستثمارات الأمريكية كانت نتيجة نقل معظم الشركات الأمريكية لمصانعها إلى الصين الأمر الذي أدى إلى إغلاق العديد من المصانع وخسارة الملايين من العمال لوظائفهم. الرئيس ترامب فاز بالانتخابات على وعود بإعادة تلك الوظائف لذلك لجأ مؤخرًا إلى استخدام سياسة العصا والجزرة مع الشركات الأمريكية من خلال إغرائها بإعفاءات ضريبية إذا ما قامت بنقل مصانعها من الصين أو تهديدها بحرمانها من العقود الحكومية إذا لم تفعل ذلك. بالطبع ليس من الإنصاف اتهام الصين بأنها السبب وراء فقدان الوظائف لأن المشكلة أعقد من ذلك، لكن الساسة يميلون إلى الحلول البسيطة التي تدغدغ عواطف الناخبين.

  1. مشكلة الدين الخارجي: تعتبر الصين الممول الأول للدين الأمريكي من خلال شرائها للسندات الحكومية والتي بلغت قيمتها أكثر من 1.2 ترليون دولار. عملية شراء الصين للسندات الأمريكية وإن كانت تمنح البنك المركزي الأمريكي الحرية في توفير مستويات فائدة متدنية لتنشيط الاقتصاد وكذلك السيطرة على مستويات مقبولة للتضخم، إلا إنها تمنح الصين قوة تأثير غير مباشر في القرار السياسي الأمريكي وتزيد من قوة الارتباط بين العملة الصينية والدولار.  المبادرات الحكومية مثل تخفيض الضرائب والمحفزات الاقتصادية أوصلت الدين الحكومي إلى مستويات غير مسبوقة مما يفتح المجال أمام الدول الدائنة لشراء المزيد من السندات الأمريكية.
  2. الملكية الفكرية: تتهم الولايات المتحدة ومعها الدول الأوروبية الصين بممارسة سياسات غير منصفة في مجال حماية الملكية الفكرية بإلزامها الشركات الأجنبية العمل من خلال شركاء محللين يمتلكون حقوق الملكية الفكرية، الأمر الذي تعتبره الولايات المتحدة طريقة للوصول إلى أسرار الشركات وسرقة حقوقها الفكرية، كما أن الولايات المتحدة تتهم الصين بعدم الاحتكام إلى قوانين الملكية الفكرية ووضع القواعد المنحازة لشركاتها أمام الشركات العالمية. هذا بالإضافة إلى شكوى الشركات الأمريكية من القرصنة الإليكترونية التي تتعرض لها من قبل الجهات الصينية في سبيل الوصول إلى أسرارها التكنولوجية تحت رعاية الحكومة الصينية.

 

آثار أزمة كوفيد-19 على العلاقات الأمريكية-الصينية

كانت الصين البلد الأول الذي ظهر فيه الفيروس المسبب لأزمة (كوفيد-19) في أواخر العام الماضي عندما أعلنت الإصابة الأولى في مدينة (ووهان) التي وصلت إلى 50 ألف والوفيات إلى ما يقارب 5 آلاف، الأمر الذي أدى بالصين إلى إعلان الإغلاق الكامل والعزل التام للمناطق التي ظهرت فيها الإصابات.  هذه العملية أدت إلى حصول أول انكماش في نمو الاقتصاد الصيني الذي سجل نسبة تدني 6.8% في الربع الأول من العام الحالي وهي الفترة الأولى منذ بداية تدوين الإحصاءات في الاقتصاد الصيني عام 1992م، التي لم يحقق فيها الاقتصاد نموًا.

تعتبر الولايات المتحدة البلد الأكبر تضررًا بأزمة الكوفيد-19 حيث بلغت الإصابات أكثر من خمسة ملايين وتجاوز عدد الوفيات 171 ألفًا.  كان لهذه الأزمة أثرًا كبيرًا على الاقتصاد الأمريكي فقد ارتفعت نسبة البطالة من 3.5% إلى 14.7% في شهر مارس بسبب فقدان أكثر من 20 مليون أمريكي لوظائفهم، وكانت النتيجة انخفاض الناتج المحلي بنسبة 5% في الربع الأول وبنسبة 32.9% في الربع الثاني من العام الحالي.  الصين في المقابل كانت الدولة الوحيدة من القوى الاقتصادية الكبرى التي سجل اقتصادها نموًا بنسبة 3.2% في الربع الثاني.  جدير بالذكر أن اقتصاد الصين وصل إلى المرتبة الثانية عالميًا بعد الولايات المتحدة بسبب تأثر اقتصاديات الدول الكبرى بالأزمة المالية العالمية لعام 2007م، فهل ستدفع أزمة كوفيد-19 الاقتصاد الصيني ليصبح الاقتصاد الأول عالميًا ويتجاوز بذلك الولايات المتحدة؟

 

الانتخابات الأمريكية وأثرها المحتمل على العلاقات مع الصين: لم يشهد تاريخ أمريكا الحديث انتخابات رئاسية بأهمية الانتخابات القادمة في الثالث من نوفمبر القادم.  تأتي هذه الأهمية ليس من الاختلاف الكبير بين المرشحين للرئاسة فحسب بل من التداعيات الكبيرة المحتملة على الأصعدة الداخلية والخارجية والتي من المتوقع أن تنعكس وبقوة على العلاقات الأمريكية-الصينية وكذلك الموقف الأمريكي من المنطقة.  لسنا هنا بصدد الدخول في تفاصيل الانتخابات الأمريكية ونتائجها المتوقعة وتداعياتها المحتملة، فهذه تحتاج إلى معالجة مفصلة، لكننا نكتفي بالقول بأن نتيجتها سوف تعتمد على الموقف من ثلاث قضايا أساسية هي التي ستكون أساس اختيار الناخبين:

  • يعتبر الاقتصاد العامل الأهم في الانتخابات الأمريكية ولأن الاقتصاد يعاني من أكبر أزماته التي تمثلت بارتفاع حاد في معدلات البطالة وتدني مستويات النمو الاقتصاد لذلك فإنه سوف يكون العامل الأهم في هذه الدورة الانتخابية من خلال التصويت للشخص الأصلح لإعادة بناء الاقتصاد وإخراجه من تداعيات أزمة الكوفيد-19.
  • تشكل أزمة الكوفيد-19 واحدة من أكبر الأزمات التي واجهت الولايات المتحدة في تاريخها الحديث. تشير الدراسات إلى أن عدد الوفيات في أمريكا قد يزيد على الربع مليون مع حلول موعد الانتخابات. السؤال هنا هل سوف يعاقب الناخب الرئيس على أدائه في إدارة الأزمة؟ أم أن تطورات كبيرة في هذه المجال مثل إنتاج عقار يخفف من الأزمة ويمنح الأمل بقرب الخروج من تداعياتها سوف يقلب المعادلة؟
  • ولأن الأزمات تأتي مجتمعه فإن أزمة أخرى برزت على الساحة وهي أزمة الانقسام المجتمعي بسبب السياسات العنصرية التي تمثلت بحادثة قتل الشرطة في مدينة منيابولس لفلويد جورج وهي العملية التي فجرت التظاهرات والاحتجاجات في معظم مدن الولايات المتحدة ومدن العالم التي أظهرت تعاطفًا كبيرًا مع مطالب الأقليات في الولايات المتحدة بالعدالة الاجتماعية. هذه الاحتجاجات زادت من حدة الانقسام المجتمعي، ولذلك فمن المتوقع أن يكون موقف المرشحين من هذه القضية أحد العوامل التي سوف تحسم اختيار الانقسام المجتمعي؟ أم أنه سوف يصوت لصالح المواقف التي اتخذها الرئيس، فهل سوف يصوت الناخب الأمريكي للمرشح الذي يرى فيه الشخص المناسب للمعالجة من الأحداث والتي زادت من حدة الانقسام؟

تشير استطلاعات الرأي خلال الأشهر الثلاث الماضية إلى تقدم المرشح الديمقراطي جو بايدن على الرئيس ترامب. الصورة ليست بالبساطة التي يتصورها البعض، لأن الأوضاع تمتاز بالتغير السريع، خصوصًا بوجود أزمة الكوفيد-19، ومع ذلك فمن المحتمل أن تكون الأصوات متقاربة وقد تؤدي إلى تأخير في إعلان النتائج أو اللجوء إلى القضاء لحسم النتيجة لأحد المرشحين.

 

بالإضافة إلى الانتخابات الرئاسية فإن انتخابات الكونغرس بشقيه هي الأخرى على درجة كبيرة من الأهمية. تجدر الإشارة هنا أن الانتخابات القادمة سوف تشمل جميع مقاعد مجلس النواب ذو الأغلبية الديموقراطية وثلث مقاعد مجلس الشيوخ ذو الأغلبية الجمهورية (53 مقعدًا من أصل مائة). هذه الدورة تمنح الديمقراطيين الأفضلية للتقدم على الجمهوريين لأن أغلبية المقاعد المتنافس عليها في مجلس الشيوخ (33 مقعدًا بالإضافة مقعدين إضافيين بسبب الوفاة والتقاعد) تعود إلى الحزب الجمهوري (23 جمهوريًا و12 ديمقراطيًا) وفي ولايات تمنح أفضلية للديموقراطيين.  يلعب الكونغرس بمجلسيه دورًا مهمًا في السياسة الأمريكية من خلال متابعة أداء الحكومة وتوجيه السياسة العامة من خلال إقرار الموازنة والموافقة على ترشيحات الرئيس للمناصب المهمة بالإضافة إلى صلاحية عزل الرئيس وأصحاب الدرجات الخاصة.

 

بغض النظر عن النتيجة فإن من المتوقع أن تشهد الفترة الرئاسية القادمة تركيزًا على القضايا الاقتصادية وتقليل الاهتمام بالقضايا الخارجية باستثناء تلك التي لها علاقة مباشرة بحالة الاقتصاد الأمريكي. وهنا يتبادر السؤال فيما إذا كان ذلك سوف يعني انكفاء الولايات المتحدة على نفسها لمعالجة جروحها الداخلية الأمر الذي يعني فتح الأبواب أمام القوى المنافسة اقتصاديًا وسياسيًا لملئ الفراغات؟ أم أن الإدارة القادمة سوف تسعى لإعادة بناء علاقاتها الاستراتيجية مع الشركاء الأساسيين ومنهم دول المنطقة؟

 

خلاصة القول إن العلاقات الأمريكية-الصينية مفتوحة على المجهول في المرحلة القادمة بسبب التحديات الكبيرة التي تواجه الطرفين. ليس من السهل التنبؤ بتوجهات هذه العلاقة لعدم وجود علاقات شبيهة في التاريخ الحديث لأنها بين قوتين متنافستين اقتصاديًا وجيوسياسيًا من جهة وترتبطان بشبكة علاقات اقتصادية واستثمارية لا مثيل لها. كما وأن للصين جالية كبيرة يبلغ تعدادها أكثر من 5 ملايين نسمة وتمتاز بأنها الأفضل من حيث مستوى التعليم إذ أن أكثر من ربع الجالية من حملة الشهادات العالية، لذلك فهي تتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي كبير.  هذه المشتركات سوف تحول بين الطرفين والوصول إلى نقطة التصادم المسلح أو حتى الحرب الباردة لأنهما على قناعة بأن الجميع سوف يخسر، كما وأن الصين تؤمن من خلال الفلسفة (الطاوية) بأن الفوز في الحروب إنما يكون قبل الحرب ومن دون قتال، لذلك سوف تستخدم سياسة ملء الفراغات التي قد تتركها أمريكا في لحظة انشغالها بمشكلاتها الداخلية.  كل ما نستطيع قوله هو أن الفترة القادمة ستكون حبلى بالمتغيرات وأن في رحم مآسي اليوم فرص عظيمة لمن يحسن اغتنامها.  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  سفير العراق الأسبق لدى اليابان والمملكة العربية السعودية

مقالات لنفس الكاتب