العدد 153

ماراثون القوة العظمى في العالم ومخاوف تداعيات امتلاك التكنولوجيا

الثلاثاء، 01 أيلول/سبتمبر 2020

الصراع الأمريكي ـ الصيني صراع تاريخي لا ينتهي، ولكن الحرب التجارية التي يخوضها البلدان فتحت آفاقاً أوسع للتوتر والتصعيد المتواصل لاسيما في السنوات الأربع الأخيرة، مع صعود نجم الصين في تكنولوجيا الاتصالات، وبروزها منافساً لأمريكا، متحولاً كما لو أنه "صراع وجودي". ولكن الصراع التكنولوجي الصيني يحمل أبعاداً عدة لا ترتبط بالتكنولوجيا وحدها على نحو مجرد، بل يتداخل في طياتها الكثير من الملفات الأخرى المؤثرة في مكانة كلا الدولتين عالمياً وطموحاتها في هذا السياق.

  بدأ الأمر بفتيل أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ وصوله إلى سدة الحكم عام 2017م، مفاده ضرورة تطبيق سياسات اقتصادية عادلة ومواجهة القرصنة الصينية لحقوق المعرفة والملكية الفكرية، وخصوصاً في القطاع التكنولوجي، رافق ذلك فرضه رسوماً بمليارات الدولارات على البضائع الصينية. وما لبث الأمر أن تحول إلى الادعاء بـتهديد الأمن القومي الأمريكي، من خلال بروز الصراع بين الطرفين على نشاط شركة هواوي المشتبه بها بشأن توريد أجهزة اتصال إلى إيران، ما يعني انتهاكاً للعقوبات الأمريكية المفروضة على ذاك البلد.

فتح هذا الادعاء أبواب اتهام وكالة الاستخبارات الأمريكية لتمويل شركة هواوي من قبل أمن الدولة الصيني، فوجهة النظر الأمريكية ترى أن الشركة تعد وجهاً للجاسوسية في الصين، وسرعان ما تمخض هذا التحليل عن قرار أمريكي يقضي بمنع استخدام معدات الاتصال الأجنبية التي يُعتقد بتشكيلها تهديداً للأمن القومي الأمريكي. من جانبها استمرت الحكومة الصينية تؤكد على حرصها على الدفاع عن الشركة فيما يتعلق بالاتهامات الموجهة إليها.

وسرعان ما أُدخلت شركة غوغل الأمريكية في هذا الصراع لحرمان الشركات الصينية من بعض تحديثات التشغيل أندرويد والحيلولة دون الوصول لمتجر تطبيقات غوغل والبريد الإلكتروني (Gmail). وكان قد أجج الغضب الأمريكي تجاه شركة الاتصال الصينية، بناؤها شبكة الجيل الخامس من الاتصالات (5G) عقب استمرار نشاط الشركة ومبيعاتها في أوروبا.

أما الدول الأوروبية فقد قررت وقتها تجاهل التحذيرات الأمريكية "الساعية لإخراج شركة هواوي خارج شبكة 5G العالمية" كون ليست ثمة مؤشرات واضحة لدى هذه الدول تفيد بخرق هواوي لقواعد تسيير الاتصالات والأمن المعلوماتي، حتى مارست الولايات المتحدة مزيدًا من الضغوط على أوروبا للاستجابة لها، فيما تأرجحت الدول الأوروبية بين الحياد حيناً، وبين عدم التبني الكامل للموقف الأمريكي.

في مطلع أغسطس 2020م، عادت الولايات المتحدة لتوجيه الاتهامات للصين بشأن تهديد أمنها القومي والسماح للحزب الشيوعي الصيني بالوصول لمعلومات شخصية للأمريكان، ولكنها ليست "هواوي" هذه المرة، بل تطبيق "تيك توك" الذي يعود لشركة "بايت دانس المحدودة" الصينية، وتطبيق "وي تشات" لشركة "تينسينت هولدينجز المحدودة". ويعاد تكرار سيناريو مشابه بتغير الأدوات، فلم تكن "غوغل" الطرف الفاعل هذه المرة، بل شركة "مايكروسوفت" التي تهدف لشراء عمليات "تيك توك" في الولايات المتحدة. 

ومن الجدير الإشارة إلى تصريح وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بشأن مبادرة تهدف إلى محو التكنولوجيا الصينية من شبكات الاتصالات الأمريكية بالكامل، وهو ما يبرر -في وقت لاحق -مضي الولايات المتحدة قدماً في البحث عن مزيد من شركات تكنولوجيا الاتصال في الصين لشن الحرب عليها، ومن بينها شركة "علي بابا" التي تنتشر في الصين وجنوب شرق آسيا وتدير منصات شهيرة للتجارة الإلكترونية هناك نحو علي بابا الذي يعد من التطبيقات الأكثر انتشاراً في الصين، كما تدير "علي بابا" أنظمة أخرى مستندة إلى "السحابة".

ورغم أن التوتر والتراشق الأمريكي ـ الصيني مفتوحان على قائمة طويلة من الملفات (فايروس كورونا كوفيد-19، ومسلمي الإيغور، وقانون الأمن القومي في هونغ كونغ، وتايوان. وغيرها)، إلاّ أن هذا الملخص المقتضب للصراع التكنولوجي الأمريكي الصيني يفتح مجموعة من الأسئلة نتناولها عبر هذه الورقة: ما الذي تريده الولايات المتحدة الأمريكية من الصين في صراعها معها عبر جملة من الملفات أبرزها تكنولوجيا الاتصال؟ وهل منشأ هذا الصراع حماية الأمن القومي الأمريكي أم هو صراع اقتصادي في ظل تسارع النمو الصيني خصوصاً في القطاع التكنولوجي أم صراع نفوذ عالمي بين البلدين على المستويين السياسي والاستراتيجي؟ وهل لهذا الصراع -وارتفاع درجة حرارة التوتر بين البلدين مؤخراً -علاقة بالانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر المقبل؟ 

القطب الأوحد

عند محاولة ترجيح إحدى كفتي ميزان الأمن القومي والاقتصادي كمسبب للصراع التكنولوجي الأمريكي الصيني، لا بد من التأكيد على طبيعة النظام العالمي الجديد الذي تحكم الولايات المتحدة قبضتها عليه باعتبارها القطب المهيمن الأوحد نظراً لجملة من العوامل يأتي في مقدمتها قوة الاقتصاد الأمريكي. 

ومن أجل الحفاظ على الهيمنة الأمريكية على العالم تحرص الولايات المتحدة للحيلولة دون حصول القوى الكبرى –ومن بينها الصين-على نفوذ اقتصادي عالمي يمكن ترجمته لاحقاً إلى نفوذ سياسي واستراتيجي في النظام العالمي الجديد. 

صعود نجم الصين في العقود الثلاثة الماضية، وبروزها مركزاً للنمو الاقتصادي العالمي مسألة مهمة تؤخذ بالاعتبار في توازن القوى والصراع بينها، لاسيما أن المنافسة الصينية للأمريكان باتت تتشعب في الاشتغال بمجالات عدة، حيث الاهتمام بالفضاء، وتطوير التعليم الصيني من باب السعي لتحقيق أحد أسباب القوة الأمريكية الكامنة بتميز النظام التعليمي، وغيرها كثير.

ورغم الاهتمامات الصينية المختلفة؛ إلاّ أن الصين تحولت إلى منافس شرس للولايات المتحدة الأمريكية في التكنولوجيا وخصوصاً تكنولوجيا الاتصال، حتى خشيت الولايات المتحدة من السرعة الصينية للحاق بها، الأمر الذي يجعل من الضرورة بمكان التساؤل إذا ما كانت تداعيات تلك المنافسة تحقيق قوة اقتصادية مجردة للصين، أم أنها ستجر إليها مزيداً من النفوذ وتفتح أمامها أبواب تعدد الأقطاب في النظام العالمي الجديد، وهو أمر يجر بدوره إلى التحقق من الغرض الذي يؤديه قطاع تكنولوجيا الاتصال للولايات المتحدة وإذا ما كان ثمة أمر يدعو للريبة بشأن ولوج الصين فيه بتلك القوة مؤخراً.

ولعل الوقوف على ما يوفره قطاع تكنولوجيا الاتصال من معلومات وبيانات ضخمة للمسيطرين عليه، مسألة أمنية وسياسية أهم وأعمق بكثير من البعد الاقتصادي المتحقق من أنواع التكنولوجيا المختلفة، وهو ما يدعو للوقوف على خطر البيانات وأهميتها بالنسبة للولايات المتحدة، ما يجعلها تؤكد ضمنياً حقها الحصري في امتلاك تلك البيانات، وعدم السماح للصين أو غيرها بمشاركتها الكعكة. وتوجيه الاتهامات بتهديد الأمن القومي الأمريكي منشؤه العلم اليقيني بقوة تلك البيانات وقدرتها على إحداث التأثير إذا ما أحسن توظيفها، الأمر الذي تقوم به الولايات المتحدة بدورها للهيمنة على بقية دول وشعوب العالم.

الاقتصاد الصيني

تعد الولايات المتحدة الأمريكية أول أقوى اقتصاد في العالم، ويأتي الاقتصاد الصيني في المرتبة الثانية غير أن استراتيجية الصين للاقتصاد العالمي باتت واضحة المعالم منذ الإعلان عن "طريق الحرير"، وهو المشروع الذي أوقد شرارة الغضب الأولى لدى ترامب تجاهها، عندما تسلمت إدارة ترامب وثيقة النسخة المعدلة للاتفاق المتعلق بمشروع "طريق الحرير" والذي رفضت فيه الصين مجموعة كبيرة من الطلبات الأمريكية من بينها تقليص دور الدولة الصينية في تحريك الاقتصاد والتجارة، ليستشيط ترامب غضباً ويطلق يومها سيلاً من التغريدات المناوئة للصين على حسابه بتويتر، معلناً قطع المفاوضات التجارية فوراً مع بكين وفرض حزمة جديدة من الرسوم والضرائب على المنتجات التجارية الصينية، ولكن بكين انتقمت هي الأخرى بفرض ضرائب مقابلة.

إن تنامي الاقتصاد الصيني ووضوح الخطة الاستراتيجية الاقتصادية الصينية، دفعت للقول بالهيمنة الصينية على العالم وبسط نفوذها عليه، الأمر الذي يشكل تهديداً لأمريكا وإزاحتها من عرش سيدة الأوحد. ثم أن تنامي الاقتصاد الصيني ليكون في المرتبة الثانية ومع سرعة اللحاق الصيني بالولايات المتحدة، يعني أن الفرصة ما زالت سانحة أمام الصين لتبرز كقوة عظمى مهيمنة تجعل من أمجاد الولايات المتحدة المتفردة ذكرى تاريخية في ظل فرض واقع جديد لعالم تقوده الصين أو تشارك في قيادته بقوة على أقل تقدير.

التكنولوجيا الصينية

تناولت كثير من أفلام الخيال العلمي الأمريكية موضوع "إنترنت الأشياء"، وتم الترويج له بقوة في السنوات الأخيرة حتى بات أمراً منتظراً للتحول الكامل وليس اقتصار استخدامه على أشياء محدودة؛ فالعالم يتحضر لاستقبال مزيد من الخدمات الموصولة بالأجهزة الذكية المحمولة "كالبث التليفزيوني أو ألعاب الفيديو"، توصيل السيارات بالإنترنت وتوصيلها "ببعضها البعض وبالوحدات المرورية لتكوين شبكة كاملة تظهر التكدسات المرورية، الأعطال وحتى مكان السيارة في حالة سرقتها"، وكذلك الأجهزة المنزلية".  كل هذا يستلزم إنترنت عالي السرعة لا يمكن تقديمه للمستخدمين إلاَّ عبر شبكات الجيل الخامس 5G.

وبالنظر لأهمية هذا التطور في شبكة الاتصالات، يمكن فهم الغضب الأمريكي المتولد إزاء تقدم الصين في المجال، وهو رأي يؤكده الخبير الاقتصادي جيفري ساكس بقوله: "فشلت الولايات المتحدة في احتلال وضع بارز على مستوى شبكة اتصالات الجيل الخامس التي تقع على جانب كبير من الأهمية بالنسبة للاقتصاد الرقمي الجديد في الوقت الذي حصلت فيه هواوي على نصيب أكبر بكثير من الأسواق العالمية... والولايات المتحدة اختلقت النظرية التي تشير إلى أن هواوي تشكل تهديداً عالمياً، وأنها تضغط بقوة على حلفائها لقطع العلاقات مع هواوي".

ورغم الهجمة الشرسة التي توجهها الولايات المتحدة على الصين في قطاع تكنولوجيا الاتصال والتي بدأت مندفعة بشركة هواوي وما زالت منطلقةً نحو ضم مزيد من الشركات؛ تدافع الصين عن موقفها إعلامياً، ولكنها في الجانب الأكثر أهمية تبدي موقفاً ثابتاً من المضي قدماً في تطورها التكنولوجي تحديداً، وتضخ المليارات لدعم مجموعة من القطاعات التكنولوجية "بدايةً من الرقائق وصولاً إلى السيارات الكهربائية" لبناء قوة تكنولوجية رائدة.

كل هذه، مساعٍ لا تقتصر على تنمية القوة الاقتصادية وحدها بل المنافسة الصينية للولايات المتحدة على قيادة العالم، إذ "كانت الصين واضحة في التعبير عن طموحها لقيادة العالم في مجال التكنولوجيا المهمة في المستقبل مثل الإنسان الآلي والذكاء الصناعي" أيضاً، وهي مجالات يرفد نجاحها -كما أسلفنا-تقدم الصين في الجيل الخامس من الإنترنت 5G.

ورغم أن ثمة أطروحات وآراء تقلل من أهمية تنامي القدرات التكنولوجية الصينية، وتتوقع نجاح الهجمة الأمريكية على شركات الاتصال هناك، وترى أن ذلك سيجعل الصين -بكل ما تبتكر وتنتج-محبوسة في فقاعة حيث لن تجد أسواق خارجية ما سيجعل تكاليفها المنفقة في البحث والتطوير مصدراً للإرهاق الاقتصادي بدلاً من النمو. إلاّ أنه من الواضح أن الصين -ومن خلال تسريع وتيرة تقدمها التكنولوجي وعملها على إشعال "الحماس القومي بين رواد الأعمال" في قطاع التكنولوجيا -لديها إلى جانب ذلك خطط استراتيجية مختلفة لفتح الأسواق الخارجية وأهمها "طريق الحرير" الذي أثير الحديث حوله مؤخراً، وكيف تم استغلال الصراع الإيراني-الخليجي مثلاً لتعطيله أو الإضرار به، عبر ربطه باتفاقية الـ25 عاماً بين الصين وإيران.   

خطر البيانات

في وقت سابق كانت فكرة "منظار المخ" المتمثلة بإمكانية عرض أفكار الإنسان على الشاشة، نوعاً من الفلسفة والأساطير، ولكن التقدم التكنولوجي جعل من هذه الفكرة الفلسفية واقعاً ملموساً بعدما تمكن باحثون من ترجمة إشارات المخ إلى كلام عبر وصل دماغ الإنسان ببعض الأجهزة عبر مجموعة غطاء رأس مزود بأقطاب كهربية توضع فوق قشرة المخ. 

ولكن ثمة طرق أخرى تقيس الأفكار بسهولة أكبر من خلال تحليل البيانات الضخمة، سواء أريد بها مراقبة أفراد محددين، أو لقياس الوعي الجمعي لمجتمع ما، وذلك من خلال اقتفاء الآثار الرقمية لاستخدامات الناس المختلفة على الشبكة العنكبوتية؛ من عمليات بحث وارتياد مواقع إلكترونية، واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي والتطبيقات الإلكترونية المختلفة التي باتت تُحمّل على أجهزة الاتصالات المتنقلة. وتكمن أهمية اقتفاء الآثار الرقمية التي يجري عليها صراع وحرب البيانات في أن هذه الآثار "بمثابة مصل الحقيقة الرقمي، والمقياس الدقيق لأفكار وآراء وتطلعات الشعوب. 

وتكمن أهمية البيانات في نتائج تحليلها، لرصد وقراءة الوعي الجمعي للمجتمعات، ما يجعل من السهل فهمه ووضع السياسات الملائمة للعمل على تغييره وتحويله للنموذج الذي يراه مالك هذه البيانات ومحللها ملائماً، وتسييره للانخراط في وعي جمعي جديد من خلال الأدوات الأيديولوجية المختلفة. كما يمكن الاستفادة من البيانات نفسها وفق مراحل زمنية مختلفة للخروج بدلالات إحصائية دقيقة تكون بمثابة مؤشر على نجاح تلك السياسات الساعية لتغيير نظام العالم وشعوبه.

من هذا المنطلق لا يبدو امتلاك الصين للبيانات آمناً وفق منظور الولايات المتحدة، وربما لا يكون آمناً على العالم أيضاً عندما يقع ضحية صراع نفوذ سياسي واستراتيجي يُترجم على هيئة أيديولوجيات وأنظمة متضاربة يقدمها كل من الفريقين للحكومات والشعوب ليفرض شريعته ويتغلغل من خلالها، ما يحول دون الاستقرار العام. من هنا تبرز علة تصدي الولايات المتحدة لنمو الصين في قطاع تكنولوجيا الاتصال وتسويقها لمبررات تحول دون مضيها قدماً فيه. 

ورغم أن الصراع الأمريكي ــ الصيني التحف مؤخراً بغطاء "الحرب التجارية"؛ إلاَّ أن ما سبق يؤكد أن الاتفاق التجاري الموقع في يناير 2020م، بين الولايات المتحدة والصين (الذي تعهدت الصين بموجبه بشراء منتجات وخدمات أمريكية بقيمة مائتي مليار دولار إضافية، تشتمل على السيارات والآلات الصناعية والمعادن والحبوب والقطن واللحوم والنفط والخدمات المالية)، ربما كان نوعاً من المقايضة الصينية للولايات المتحدة في محاولة تحقيق مكاسب استراتيجية بالأساس.

غير أن هذه المقايضة لم تجرِ كما كان مخططاً لها عندما بدأت بالتعارض مع محور أكثر أهمية بالنسبة واشنطن (المحور التكنولوجي)، الأمر الذي يبرزه إرجاء المحادثات التجارية بشأن الاتفاقية قبيل ساعات من انعقادها، بحجج أمريكية تتجاوز التبعات الاقتصادية لفيروس كورونا على كل دول العالم -بما فيها واشنطن نفسها إلى جانب بكين- فما زالت أمريكا في خضم الصراع التكنولوجي الذي يؤكد ترامب باستمرار كونه مهدداً للأمن القومي، ومرجحاً كفته على ما يمكن أن تحققه تلك المحادثات التجارية من مكاسب اقتصادية للولايات المتحدة، وهو ما يحدد ميزان أولويات الأخيرة بوضوح. ويبدو أنه بات واضحاً للصين أن تلك المقايضة الاقتصادية لن تسفر عن حماية مصالح الشركات الصينية التكنولوجية من الضغوط والتهديدات الأمريكية المتصاعدة.

الانتخابات الأمريكية 

وبما أن الصراع الأمريكي يحتدم مع الصين قبيل الانتخابات الأمريكية المقبلة، فثمة تساؤلات حول التوقيت ودوافع الصراع، ويمكن تفسير الأمر بأنه -ورغم اهتمام ترامب بما يعتقد أن العملية الانتخابية خاضعة له؛ إذ "تخضع لمصالح صهيون بالشرق الأوسط" وحظوظه "من اليهود والإنجيليين والمحافظين التقليديين والخليج المأزوم"-إلاَّ أن ثمة أوراق انتخابية يحتاج ترامب استخدامها في الداخل الأمريكي وتتعلق بشؤونه على نحو مباشر لتدغدغ مشاعر الشعب بتحقيق مصالحه.

يبدو أن ترامب لم يجد ورقة انتخابية لإعادة انتخابه أجدى من مواجهة القوة الصينية المتعاظمة لمغازلة الشعب الأمريكي (بطبيعة الحال) لحماية أمنه القومي، ما يبرر جرعة "الشراسة الترامبية" الزائدة في حربه مع تكنولوجيا الاتصال الصينية مضرماً نار العقوبات والمنع والتهديد في شركاتها واحدة تلو الأخرى. وعلى النقيض من هذا، يفتخر ترامب في تصريحات أخرى بقدرته على إبرام صفقات تجارية كبيرة مع الصين ما يعني دعم الاقتصاد الأمريكي، في لغة يعزو فيها الفضل لدوره المتشدد الذي جلب محاولات الاسترضاء الصينية له من خلال رفد ميزانية الولايات المتحدة بمليارات الدولارات.

الخلاصة

الهجمة التي تشنها الولايات المتحدة على الشركات التكنولوجيا الصينية، والتي ابتدأتها بعمالقة التكنولوجيا والإنترنت هناك، لم يكن منشؤها حماية الأمن القومي الأمريكي حسب مزاعم الرئيس دونالد ترامب، وإنما هي صراع نفوذ وقيادة العالم. ولأن الصين قوة آخذة في التعاظم بوضوح تام وعلى الخطى الأمريكية (إذ ركزت على مفاتيح وأسرار القوة الأمريكية وعملت على النمو الكبير فيها) أصبحت منافساً شرساً للولايات المتحدة ليس في قطاع.

 

 

تكنولوجيا الاتصال وحدها، ولا التكنولوجيا عموماً، وإنما في مجالات عدة تبرز معها الصين كقوة جديدة منافسة للولايات المتحدة الأمريكية استراتيجية وسياسية بما يخلخل قاعدة القطب الأوحد ويتيح الفرصة لمشاركة الصين قطباً جديداً العالم.

إن ما تملكه شركات تكنولوجيا الاتصال من قوة معلوماتية، لا تشكل تهديداً للأمن القومي الأمريكي، وإنما تشكل تهديداً على هيمنتها على العالم من خلال المعلومات العالمية الشاملة التي هي بحوزة الولايات المتحدة، والتي تتمكن من خلالها رصد وتحليل توجهات الشعوب ووعيها الجمعي، وبالتالي إدارتهم وفق خطط استراتيجية معدة لتغيير تلك المعطيات إلى معطيات جديدة يقدمها مؤشر القياس المعلوماتي في المراحل الزمنية التالية لقياس أثر تلك الخطط، وهكذا تجري العملية باستمرار. 

ودخول الصين كشريك في هذه المعادلة يعني إزاحة الولايات المتحدة من عرش الإحاطة الشاملة بالمعلومة، وهو ما سيضعف من تقديرها للمواقف والوعي الجمعي للشعوب وبالتالي يضعف قدرتها على التأثير فيها، فيما ستكمل الصين المهمة وفق خططها الخاصة لضمان تمدد نفوذها على حساب تقلص النفوذ الأمريكي.

إلى جانب ذلك، فإن القوة الاقتصادية الصينية إذا ما عادلت الولايات المتحدة أو جاوزتها، فإن ذلك يعني منافسة الدولار الأمريكي، فضلاً عن سعة الانتشار العالمي للتجارة الصينية على حساب أنشطة تجارية أمريكية مختلفة، لاسيما مع ما تقدمه الصين من أسعار منافسة وجودة متصاعدة وأفكار مبتكرة في إنتاجها.

 

كما أن التطوير الذي أجرته الصين على تعليمها، وفي ظل تزايد نموها على مستويات عدة، يجعل الصين مهددة للولايات المتحدة على المستوى المعرفي، وهو الأمر الذي دفع الولايات المتحدة للإشارة إلى السرقات المعلوماتية والتعدي على حقوق الملكية الفكرية (وهو أمر حرصت الصين على نفيه مؤكدة أن هدف الولايات المتحدة عرقلة ووقف صعودها رغم أن ثمة مؤشرات وإحصائيات تبين حجم الخسائر الأمريكية من سرقات الملكية الفكرية)، ولن تقتصر المنافسة المعرفية على مستوى الإنتاج وحده، بل قد تغدو الصين - مع ارتفاع جودة التعليم فيها - وجهة جديدة للمقبلين على للتعليم العالي من أنحاء العالم.

وحسب القراءات الأمريكية بشأن النمو الصيني المتزايد؛ فإن سرعة لحاق الصين بالولايات المتحدة الأمريكية بات يثير مخاوف الأخيرة بشأن تراجعها لحساب الصعود الصيني، وأفول عهد هيمنتها على العالم.  وبهذا نصل إلى أن "ماراثون القوة العظمى في العالم" بين الولايات المتحدة والصين أمر يختصر الجدل الدائر حول ما تريده الأولى من الثانية في حربها لتي فتحت من خلالها النار على جبهات صينية كثيرة أبرزها شركات تكنولوجيا الاتصال، وحول المساعي الصينية الجديدة التي تترجم من خلال حرصها على نموها المتزايد.

مقالات لنفس الكاتب