الميليشيات تعوق التسوية والحل يأتي من الداخل وبدعم إقليمي وتوافق دولي

الإثنين، 28 أيلول/سبتمبر 2020

عبرت الاحتجاجات التي شهدها عدد من المدن الليبية خلال الأيام القليلة الماضية عن حالة الغضب التي وصل اليها المواطن الليبي الذى أصبح لا يمثل أي دور في صيغ الاتفاقات ومعادلات الصراع حول ليبيا، فالكعكة الليبية يتنافس حولها العديد من الفرقاء الذين يساندهم داعمون إقليميون ودوليون، والخاسر الأكبر هو المواطن الذى لم يعي الساسة والعسكريون أنه يعانى من الكثير من الأزمات، وأن خروجه للشارع سوف يغير كافة موازين الصراع وقد يخسر الكثيرون تحت وطأة حالة الغضب التي وصل اليها والذى لن يعود إلى بيته إلا بعد أن تتحقق مطالبه.

ويسعى التقرير الحالي إلى مناقشة الأسباب التي دفعت الليبيين إلى الاحتجاج وامتداد الاحتجاجات بين المدن الليبية، وموقع هذه الاحتجاجات من معادلة الصراع في ليبيا، وهل سينجح الليبيون من خلال الاحتجاجات في تحقيق مطالبهم وإجبار أطراف الصراع على الاستجابة للمسار السياسي لتسوية الأزمة. 

أولاً – أسباب تأجج الاحتجاجات في المدن الليبية    

بدأت مظاهرات في العاصمة الليبية طرابلس في 23 أغسطس الماضي، وامتدت من الغرب إلى مدن في الشرق ثم الجنوب، في مصراته والزاوية وبنغازي والمرج، حيث أضرم المحتجون النار في مقر الحكومة المؤقتة في بنغازي، كما اندلعت احتجاجات مماثلة بالشرق في مدينة البيضاء (المقر السابق للحكومة) وفى سيبها بالجنوب، كما وصلت هذه الاحتجاجات إلى المرج التي تعد معقل لقوات الجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر.

وتطورت هذه الاحتجاجات من كونها تعبير عن حالة السخط والاستياء الشعبي من تردى الأوضاع المعيشية والخدمية التي أدت إلى ازدياد معدلات الفقر كانقطاع الكهرباء ونقص الوقود هذا فضلاً عن تردى خدمات التعليم والصحة ونقص السيولة في المصارف وارتفاع أسعار المواد الغذائية بسبب أزمة انخفاض الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية مرورًا بارتفاع الإصابات بفيروس كورونا. فقد أصبح 45% من الأسر الليبية تعيش تحت خط الفقر مقابل 29% من هذه الأسر في عام 2009م، ولا يتجاوز عدد سكان ليبيا 6.8 مليون نسمة، كما تراجع متوسط دخل الفرد إلى 6.5 ألف دولار مقابل 12 ألفًا في 2010م، فقد تلاشت الطبقة الوسطى.

وتصاعدت هذه الاحتجاجات للتحول إلى حالة غضب شاملة على الطبقة السياسية والعسكرية في معسكري الصراع في ليبيا، حيث أعلن المحتجون رفضهم استمرار المرحلة الانتقالية مطالبين بإجراء استفتاء على مشروع الدستور والدخول مباشرة في انتخابات برلمانية ورئاسية، ويعترض المحتجون على عدم امتلاك أطراف الصراع في ليبيا لمشروع وطني حقيقي لتسوية الأزمة ويرى البعض أن الحل في إقصائهم جميعًا بدون استثناء.

ثانيًا –الاحتجاجات الليبية والتدخلات الخارجية  

لا يمكن فهم موقع الاحتجاجات الليبية من معادلة الصراع بين الفرقاء الليبيين دون التطرق إلى تحليل الوضع العام في ليبيا وخاصة تداعيات التدخلات الخارجية على الاستقرار في ليبيا، وانعكاسات الاحتجاجات على مواقف القوى الخارجية المنخرطة في الصراع في ليبيا. 

فقد اعتمد طرفا الصراع في ليبيا على الدعم الخارجي في صراعهما مما زاد من تعقيدات المشهد الأمني والسياسي، وخاصة في ظل استغلال بعض القوى الخارجية للصراع في ليبيا في تنفيذ طموحاتهم وتنفيذ خططهم الإقليمية والدولية، وقد أثار هذا الدعم مزيدًا من الاستقطابات والمشكلات على المستوى الدولي والإقليمي.

فقد مثل الانخراط في الأزمة الليبية فرصة ذهبية للحكومة التركية لتعويض خسائرها في سوريا، وتصفيه حساباتها مع المنافسين الإقليميين لها وكذلك ممارسة مزيد من الضغوط على الدول الأوروبية للحصول على منافع من هذه الدول، وتوجيه السياسات الأوروبية بما يخدم مصالحها وأهدافها، مع تحقيق هذه الطموحات في ظل تجاهل لمصالح الشعب الليبي، وبدأ التدخل التركي في الأزمة بعقد اتفاق مع حكومة السراج في نوفمبر 2019م، لترسيم الحدود البحرية يهدف لإنشاء منطقة اقتصادية خالصة تمتد من ساحل تركيا الجنوبي على المتوسط إلى الساحل الشمالي الشرقي الليبي. حيث أثار هذا الاتفاق العديد من الدول وفى مقدمتها اليونان وقبرص، اللتان توجد بينهما وبين تركيا نزاعات قديمة، واعتبرا الاتفاق باطل وينتهك القانون الدولي. وطردت اليونان السفير الليبي، كما اعترضت قبرص. وأصدر قادة الاتحاد الأوروبي بيانًا عبروا فيه عن وقوفهم "بشكل قاطع" إلى جانب اليونان وقبرص. كما أثارت الخطوة انزعاج مصر وإسرائيل اللتين خصصتا استثمارات ضخمة للتنقيب عن مصادر للطاقة في المنطقة، إذ إنها قد تهدد قدرتهما على تصدير الغاز إلى أوروبا. ووصفت مصر الاتفاق بأنه "غير شرعي ومن ثم لا يُلزم" أحدًا.

ويعرقل الاتفاق التركي مع حكومة السراج جهود قبرص واليونان وإسرائيل ومصر للتوسع في عمليات التنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط، واضعة حاجزًا أمام خط أنابيب مقترح يمتد إلى أوروبا عبر إيطاليا. وسيتعين أن يمر خط الأنابيب، الذي تتراوح تكلفته بين سبعة إلى تسعة مليارات دولار، في المنطقة الاقتصادية التركية-الليبية المزمع إقامتها.

 وفى المقابل نجحت حكومة السراج في الحصول على تعزيزات عسكرية تركية لدعمها في مواجهة الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر ، والذى كاد أن يسيطر على العاصمة الليبية طرابلس ،إلا أن التعزيزات العسكرية التركية لم تخل من الدسائس التركية حيث عملت الحكومة التركية على نقل مرتزقة للعمل مع الميليشيات التي تدعم حكومة الوفاق الوطني، ووفقًا لبعض التقديرات تجاوز أعداد هؤلاء المرتزقة 17 ألفًا، وكانت تنقل في البداية مرتزقة سوريين فقط ولكن منذ بداية عام 2020م، اتجهت إلى نقل مرتزقة من جنسيات أخرى وخاصة التونسيين وذلك وفقًا لأوامر الرئيس أردوغان ما يهدد دول جوار ليبيا.

ومع دعم تركيا حكومة السراج ليبيا، تزايد القلق الأوروبي من انعكاسات الأزمة الليبية على الأمن الأوروبي.  فلم تعد الأزمة الليبية تنذر أوروبا بالمهاجرين فقط، بعدما تبين أن مجموعات إرهابية تصل إلى العاصمة طرابلس وقد تنتقل إلى أوروبا. ويبدو أن التدخل التركي في ليبيا قد ساهم في تقريب مواقف الدول الأوروبية.

وقد بدا الصراع في سوريا، والمواقف الأوروبية بشأنه انعكس على التحركات التركية في ليبيا وتهديدها للمصالح الأوروبية، فقد حدث التحول في موقف تركيا عقب غارة جوية في نهاية فبراير الماضي راح ضحيتها 33 عسكريًا تركيًا في سوريا، في الوقت الذي عبر فيه المسؤولون الأوروبيون في حلف الناتو أن تركيا تتبع سياسية فردية إزاء الصراع في سوريا ولا يمكن أن يتحمل أعضاء الحلف تبعات هذه السياسة.

طلبت تركيا من فرنسا دعم تقديم حلف الناتو لدعمهم لها في حربها في سوريا، إلا أن ردود فعل فرنسا كانت مخالفة لذلك ، حيث دعا الرئيس الفرنسي ماكرون تركيا وروسيا إلى التوصل لوقف دائم لإطلاق النار في إدلب. وكانت تركيا قد أبرمت اتفاقًا مع الاتحاد الأوروبي في مارس 2016م، حول الهجرة تحصل بموجبه تركيا على مساعدات مالية مقابل ترحيل اللاجئين من أراضي الاتحاد الأوروبي إلى تركيا، فضلاً عن تبني تركيا إجراءات تضمن عدم ظهور مسارات هجرة جديدة من أراضيها باتجاه دول الاتحاد الأوروبي. إلا أن تركيا استخدمت ملف اللاجئين للتأثير في الأزمة الليبية، بالتهديد بفتح الحدود لعبور اللاجئين السوريين، كما حذر الرئيس التركي أردوغان الدول الأوروبية من المشكلات التي يمكن أن تنتج عن عدم دعمها لحكومة السراج حيث سينتقل الإرهابيون إلى أوروبا.

كما تسببت الأزمة الليبية في انقسام داخل" الناتو"، حيث انسحبت فرنسا في يوليو الماضي من عملية الناتو الأمنية (Sea Guardian ) متهمة تركيا بانتهاك حظر الأسلحة المفروض على ليبيا. جاء ذلك بعد أسابيع من مزاعم عن استهداف سفن تركية لسفينة حربية فرنسية في البحر المتوسط وهو أمر تنفيه أنقرة بشدة.    

وقد أثارت احتجاجات الشارع الليبي قلق تركيا خاصة أن هذه الاحتجاجات نددت بالتدخل التركي في ليبيا وأفضت إلى إعلان رئيس حكومة الوفاق رغبته في الاستقالة، كما اتجهت حكومة الوفاق إلى الزج ببعض المرتزقة السوريين لتغيير توجهات المظاهرات مما زاد من الغضب الشعبي من تركيا الداعمة لحكومة الوفاق المتهمة بالفساد. 

ثالثًا –الاحتجاجات والمسار السياسي

من العوامل التي أطالت أمد الأزمة الليبية إصرار طرفي الصراع على أن الحسم العسكري والسيطرة على الأرض يمثل أفضل الطرق للسيطرة على السلطة والموارد. إلا أن التطورات التي شهدتها مجريات الحرب، خلال العامين الأخيرين عملت على إحداث تغييرات جوهرية على توازنات أطراف الصراع بما دفع هذه الأطراف نحو تدعيم المسار السياسي.

بعد عشر سنوات من المعارك وصلت غالبية الأطراف الداخلية والخارجية إلى قناعة أن حل الأزمة لا يمكن باستخدام القوة وأن الحسم العسكري لن يكون السبيل لتحقيق الاستقرار، وهذه القناعة وصلت إليها الكثير من الدول التي عانت في السابق من الحروب الأهلية إلا أن الأطراف الليبية كان لديها الكثير من الطموح في السيطرة على الأرض بالقوة.

فقد سعى الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر منذ أبريل 2019م، في حملة لتخليص العاصمة الليبية طرابلس من الميليشيات المسلحة، إلا أن تحالف السراج مع تركيا ساهم في تغيير موازين الحرب لصالح حكومة السراج مما أخرج قوات الجيش الوطني من ضواحي العاصمة والمدن الغربية.

شهدت السنوات الأخيرة العديد من المؤتمرات لتحقيق التسوية السياسية وإيقاف الحرب، إلا أن النتائج لم يكن لها أي أثر على تطورات الصراع لعدم التزام أطراف الصراع بنتائج المؤتمرات، فبعد أن فشل اتفاقي باريس بين حفتر والسراج في يوليو 2017م، ومايو 2018م، وكذلك مؤتمر باليرمو إيطاليا في نوفمبر 2018م، فتح مؤتمر برلين الذى عقد في يناير 2020م، آفاقًا جديدة لتسوية الأزمة بعد أن ضم المؤتمر كافة الأطراف الداخلية والخارجية المعنية بالأزمة، واتفق المجتمعون على أن تسوية الأزمة تعتمد على الآليات السياسية وليست العسكرية، واتفقوا على تشكيل اللجنة العسكرية المشتركة" 5+ 5" التي تضم عشرة ضباط يمثلون طرفي النزاع "لمراقبة وقف إطلاق النار بإشراف الأمم المتحدة، كما اجتمعت هذه اللجنة بجنيف في فبراير 2020م دون التوصل لاتفاق حول وقف إطلاق النار.

إلا أن الاحتجاجات الأخيرة تزامنت مع انطلاق عدد من مسارات التفاوض بين أطراف النزاع، حيث جاءت المفاوضات في ظل إعلان طرفي الصراع عن وقف إطلاق النار، فقد عقدت جولتان متوازيتان من المفاوضات خلال الأسبوع الثاني من شهر سبتمبر في مدينتي مونترو السويسرية، وبوزنيقة المغربية، ورفع المجتمعون في مونترو توصياتهم إلى لجنة الحوار السياسي الليبي المزمع التئامها في تاريخ قريب برعاية البعثة الأممية وأكدوا على ضرورة إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في موعد لا يتجاوز ثمانية عشر شهرًا، كما أجمعوا على ضرورة إعادة هيكلة السلطة التنفيذية في ليبيا لتتشكل من مجلس رئاسي مكون من رئيس ونائبين ومن حكومة وحدة وطنية مستقلة عن المجلس الرئاسي وأن يتم اختيار المجلس الرئاسي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية في إطار لجنة الحوار السياسي الليبي، ودعا بيان صدر عن المجتمعين إلى انتقال المؤسسات التنفيذية ومجلس النواب إلى مدينة سرت خلال المرحلة التمهيدية للحل الشامل لممارسة مهامها السيادية. وفى 10 سبتمبر اختتمت المحادثات البرلمانية بين طرفي الصراع الليبي في مدينة بوزنيقة حيث اتفق المجتمعون على معايير تولي المناصب السيادية، ومن المفترض أن تشمل مفاوضات التسوية السياسية للازمة الليبية، مطالب المواطنين. 

رابعًا – مستقبل الاستقرار في ليبيا

الترتيبات التي تمت لتهدئة الشارع الليبي من استقالة الحكومة المؤقتة لعبد الله الثني ثم إعلان فايز السراج رغبته في الاستقالة وتسليم مسؤولياته إلى السلطة التنفيذية التي ستنبثق عن لجنة الحوار، بحلول نهاية شهر أكتوبر، تعبر عن استجابة للاحتجاجات الليبية إلا أن مسار الاستقرار في ليبيا لا يتوقف فقط على تهدئة الشارع أو انتهاء الاحتجاجات ولكن يرتبط بقبول أطراف الصراع بتنفيذ بنود التسوية السياسية، وذلك يتوقف على مجموعة عوامل أهمها:

  • طموحات كل طرف حول دوره المستقبلي في السلطة. فعلى الرغم من استجابة بعض المسؤولين في حكومة الوفاق للمطالب الشعبية وتقديم استقالتهم إلا أن المشهد السياسي في ليبيا يتسم بالتعقيد الشديد، فهناك العديد من الأطراف السياسية التي تمتلك أجنحة عسكرية تطمح أن يكون لها دور سياسي، و تجمعت العديد من هذه الأطراف لمواجهة الحملة التي شنها الجيش الوطني الليبي للقضاء على الميلشيات المسلحة في طرابلس، إلا أن الخلافات التي نشبت بين السراج ووزير داخليته فتحي باشاغا على خلفية الاحتجاجات الأخيرة أظهرت الأوزان النسبية للاثنين والتي ترتبط في المقام الأول بالأذرع العسكرية والميليشيات المسلحة لكل منها، ويرجع البعض اتجاه السراج للتنحي عن السلطة إلى هذه الخلافات .

في الوقت الذي تسيطر فيه أجنحة تيار الإسلام السياسي على طرابلس، والغرب الليبي مما يحمل تهديدات خطيرة على مستقبل التسوية، خاصة في ظل الخلافات والانشقاقات الأخيرة في حكومة الوفاق الوطني، وبروز شخصيات تعمل على تصدر المشهد السياسي القادم في ليبيا وهي لا تمتلك شعبية مثل فتحي باشاغا وأحمد معيتيق. 

كما لا تعبر استقالة الحكومة المؤقتة أو إعلان السراج تنحيه عن مهامه وفقًا لشروط، أن هؤلاء اختفوا من المشهد السياسي، أو أن هذه الاستقالات لم تعط ضوءًا أخضر لقوى سياسية أخرى لممارسة أدوار تزيد من تعقيدات التسوية السياسية القادمة، وقد بدأت مظاهر الاستقطابات الجديدة عقب إعلان الجيش الوطني استئناف إنتاج وتصدير النفط، حيث كان الإغلاق الذي فرضه الجيش الوطني على  صادرات الطاقة في ليبيا منذ يناير 2020م، إثر اتهام الجيش الوطني حكومة السراج بإساءة استخدام مدفوعات النفط في تمويل المرتزقة الأجانب، لزيادة الضغوط المعيشية على المواطن، وكان تقلص إنتاج النفط من نحو 1.2 مليون برميل يوميًا إلى 100 ألف برميل يوميًا، وتقدر المؤسسة الوطنية للنفط الخسائر بأكثر من 8 مليارات دولار. إلا أن العديد من القوى السياسية رفضت هذه الخطوة تحت دعوى افتقادها للمشروعية القانونية.      

  • طبيعة التحالفات بين أطراف الصراع والقوى الإقليمية والدولية، حيث يؤكد البعض أن تسوية الأزمة في ليبيا تتوقف على الوصول إلى تفاهمات بين القوى الدولية وتحديدًا أمريكا وروسيا وكذلك القوى الإقليمية وخاصة مصر وتركيا. إلا أن غالبية الدول المتدخلة في الأزمة لا تهتم إلا بمصالحها وتنفيذ خططها التي ليست بالضرورة تتوافق مع مصالح الشعب الليبي، فكثير من القوى المتدخلة تنظر إلى ليبيا باعتبارها منتج مهم للنفط العالمي، كما أنها معبر لإفريقيا جنوب الصحراء ومن ثم تحمل أراضيها تهديدات بالهجرة غير الشرعية نحو أوروبا، فضلاً عن الانتشار الواسع للجماعات الإرهابية داخل أراضيها، وكذلك حدودها المشتركة مع دول إقليمية مهمة في إقليم الشرق الأوسط مثل مصر، وكذلك دول المغرب العربي كالجزائر، وتونس.

ولا شك أن التحركات التركية للتدخل في ليبيا لم تكن بعيدة عن أنظار واشنطن، وكان الدعم الروسي للجيش الوطني الليبي قد أثار حفيظة أمريكا، وذكرت نيويورك تايمز، في تقرير يوم 5 نوفمبر 2019م، أن "نحو 200 مقاتل روسي وصلوا إلى ليبيا خلال الأسابيع الماضية لمساندة (حفتر)، في إطار حملة من جانب الكرملين لتأكيد النفوذ بمنطقة "الشرق الأوسط وإفريقيا"، لكن نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف نفى المعلومات التي أوردها التقرير. وفى أوائل شهر مايو 2020 م، ذكر تقرير مسرب للأمم المتحدة أن منشآت المرتزقة من مجموعة فاجنر التي يديرها يفغني بريغوزين المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كانوا يعملون في ليبيا.

  • وامتدادًا لما سبق لا يمكن تجاهل الأبعاد الاقتصادية للتدخلات الخارجية في ليبيا، ومدى تأثيرها على مواقف الأطراف الخارجية من التسوية ودعمها لأطراف معينة لتحقيق أهدافها الاقتصادية، ففضلاً عن أهمية ليبيا بامتلاكها أكبر احتياطي من النفط في إفريقيا  فالتدخل التركي لا يخفي البحث عن مئات المليارات التي قد تنعش اقتصادها، من خلال الاستحواذ على الجزء الأكبر من الاستثمارات المتوقعة في ليبيا خاصة في مجالات إعادة الإعمار والطاقة.  وفى هذا الإطار تظهر العديد من القوى المتنافسة من الدول الغربية وكذلك الصين.
  • الانتشار الواسع للميليشيات المسلحة في ليبيا، وبعضها يناصب العداء لاحد طرفي الصراع في ليبيا وخاصة الجيش الوطني الليبي، وعدد كبير من هذه الميليشيات تستخدم الأعمال غير المشروعة لتحقيق المكاسب وتمويل عناصرها وشراء السلاح، ومن هذه الأعمال، الاتجار بالبشر وتهريب الموارد، وتسيطر أربع ميليشيات مسلحة على العاصمة طرابلس، فكيف سيتم التعامل مع هذه الميليشيات التي لم يتم دمجها في الحوار السياسي الذي تشهده ليبيا، كما تظهر الكثير من الخلافات والاشتباكات بين عدد من هذه الجماعات.
  • كما تأتى المساحة الشاسعة للأراضي الليبية حيث تصل مساحة ليبيا إلى مليون ونصف كم2 في ظل خفة سكانية كبيرة حيث يصل عدد السكان إلى ما يقرب من 7 ملايين نسمه يعيش معظمهم في المدن الساحلية مما يضع تحديات خطيرة أمام الحكومة الليبية المستقبلية والتي سيكون عليها السيطرة على كامل أراضي إقليم الدولة.     

 

خاتمة

يمكن القول، إن الاحتجاجات التي شهدتها المدن الليبية كانت ضرورية في المرحلة الراهنة حتى يعلم الجميع أن الشعب الليبي لا زال يستطيع أن يصنع مستقبله بعيدًا عن أي طبقة سياسية تسعى إلى استغلال الظروف التي تعيشها بلاده بعد عام 2011 م، لتحقيق مصالحها الضيقة، كما أن خيوط تسوية الأزمة الليبية لابد أن تنبع من الداخل الليبي وليس بناء على طموحات إقليمية ودولية. كما أن هذه الاحتجاجات يمكن أن تتحول إلى مصدر لشرعية النخبة السياسية التي ستصل إلى السلطة عبرها. 

إلا أن التحديات التي تواجهها الدولة الليبية وخاصة ما يتعلق بانتشار الميليشيات المسلحة في أغلب مدنها تمثل أهم معوقات تسوية هذه الأزمة، فيجب أن يفكر القائمون والمهتمون بتسوية هذه الأزمة في كيفية التعامل مع هذه الميليشيات والتي تنتمي غالبيتها إلى التنظيمات الإرهابية. على ألا يكون العمل العسكري هو الآلية الوحيدة للتعامل مع هذه الجماعات والميليشيات، فقد وظفت الدول التي عانت من الحروب الأهلية في السابق الكثير من الأدوات في طريق التخلص من الميليشيات المسلحة بداخلها، كما يمكن تفعيل مشاركة القبائل والجماعات المختلفة المشكلة للمجتمع الليبي في مواجهة هذا التحدي الخطير وكذلك مفاوضات التسوية، لأن المجتمعات المحلية في كثير من الأحيان يكون لديها أدوات لمواجهة التحديات أكثر فاعلية بحكم قربها من الواقع.

كما يجب أن يستمر الدعم الخارجي لتسوية الأزمة الليبية حيث يحتاج الفرقاء الليبيون إلى نصائح وتوصيات للوصول إلى تسوية لخلافاتهم، على أن يكون للأطراف الإقليمية وخاصة دول الجوار لليبيا دور فعال في تسوية هذه الأزمة، حيث تشير التجارب الإفريقية في تسوية الصراعات أن الدور الإقليمي دائمًا يكون أكثر فعالية. 

مقالات لنفس الكاتب