الحلول الاقتصادية ممكنة والتوفيق بين المصالح المتعارضة وراد

الإثنين، 28 أيلول/سبتمبر 2020

مهما تعددت أوجه التوترات الجيوسياسية في منطقة شرق المتوسط، والتي أخذت تدخلاً سافرًا من جانب تركيا في الشأن الداخلي في ليبيا، ووضعت المنطقة على شفا صدامات عسكرية، فسيبقى البعد الاقتصادي هو المحرك الرئيسي للنزاعات القائمة على غاز شرق المتوسط، ومعوقًا لقيام صناعة ناجحة للغاز في المنطقة.

فلا يوجد لدى بلد مثل تركيا من محرك لما تقوم به من تجاوزات ومناورات، أقوى من الاستحواذ على نصيب في الثروة الغازية التي بدأت تتكشف في هذه المنطقة، دون أن يكون لها حق قانوني في هذه الثروة، ورغم أن أطماع إسرائيل في بسط نفوذها بالمنطقة لا حدود لها، إلا أن تقاسم الثروة النفطية فتح شهيتها أكثر لضمان مكاسب اقتصادية ولو على حساب حقوق ثابتة للأخرين.

وتتشابك مصالح العديد من الدول في مياه شرق البحر المتوسط، بما خلق نوعًا من التوتر في المنطقة، وحسب تقدير هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية تقدر احتياطات الغاز الكامنة في تلك المنطقة ما بين 340 – 360 تريليون قدم مكعب.

لذا تتناول هذه الورقة الأبعاد الاقتصادية لأزمة شرق المتوسط، والتي تضم تسعة أطراف متاخمة للمنطقة، ومتداخلة في تشابكات واتفاقيات لاستغلال واستخراج وتصدير غاز المنطقة، هي تركيا ومصر ولبنان وإسرائيل، وفلسطين، وليبيا، واليونان وقبرص وروسيا.

المصالح المتشابكة بمنطقة شرق المتوسط

تضم خريطة شرق المتوسط، عدة مصالح متداخلة بشكل معقد، أطرافها هذا العدد الكبير من الدول المطلة على شرق المتوسط، وتتقاطع عبره مصالح متداخلة، لعل أهمها إشتراك مصر في خط أنابيب من حقل أفروديت القبرصي، وتبلغ احتياطاته ما بين 3.6 - 6  تريليون قدم مكعب، بغرض تسييلها في مصر وتصديرها إلى أوروبا بتكلفة مليار دولار، و رغم أن مصر تعتبر دولة بترولية وغازية في الوقت ذاته، إلا أنها تعاني عجزًا في الإنتاج النفطي مقارنة بالاستهلاك المحلي، فبالنسبة للغاز الطبيعي، تم تزويد معظم المحطات الكهربائية بالغاز، مما زاد الاستهلاك المحلى للغاز، الأمر الذي يدعو إلى ضرورة  استمرار كشف واستغلال حقول غاز جديدة لتلبية الزيادة في الاستهلاك السنوي، للأغراض الصناعية والمنزلية.

أما لبنان وإسرائيل فتتنازعان على التنقيب في منطقة الامتياز 9 وتشارك توتال الفرنسية ونوفاتك الروسية في اتفاقيتين لمنطقتي امتياز التنقيب، ومن المتوقع أن تثير مشكلة وضع إسرائيل اليد على جزء مهم من المياه الجنوبية اللبنانية تحديات للشركات العاملة في الجنوب اللبناني، رغم إمكانية هذه الشركات بالتنقيب عن الغاز على بعد عدة كيلومترات شمال المناطق المتنازع عليها.

وبالنسبة لفلسطين يحوي حقل غزة مارين، على تريليون قدم مكعب من الغاز، ويقع بين حقلي ليفياثن الخاضع لسيطرة إسرائيل وحقل ظٌهر المصري، في الوقت الذي احتكرت فيه إسرائيل تزويد الضفة الغربية بالوقود وبالأسعار والكميات التي تحددها، وفي الوقت الذي هيمنت فيه إسرائيل على تزويد غزة بالوقود، أتاحت نافذة صغيرة لمصر للمساهمة في هذه الترتيبات أيضًا، وشكل إيقاف تطوير الحقل وقطع الإمدادات عن الضفة وغزة، في الوقت الذي ترتئيه إسرائيل، أول نزاع بترولي في شرق المتوسط !

كما ترتبط إسرائيل مع اليونان وقبرص باتفاق، لا يزال قيد التنفيذ والبحث والتمويل، لمد خط إيست- ميد بطول 900 كيلومتر بغرض تصدير أكثر من 1 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا إلى اليونان وإيطاليا ودول أوروبية أخرى.

 وتعمل ليبيا مع إيني الإيطالية لاستكمال المرحلة الثانية من مشروع حقل بحر السلام للغاز لزيادة القدرة الإنتاجية للحقل إلى 11 مليار قدم مكعب يوميًا، بينما تشترك اليونان في خط إيست – ميد بطاقة مبدئية  مليار متر مكعب من الغاز سنويًا، ويمتد من إسرائيل عبر المياه القبرصية مرورًا بجزيرة كريت اليونانية وصولاً إلى أوروبا عبر إيطاليا.

اما قبرص فتعمل على استخراج الغاز من حقل كاليبسو ويعتقد أنه يحتوي على 6 -8 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، بينما تمر خطوط الغاز الروسي إلى أوروبا عبر مسارات عدة، ومنها (نورد-ستريم 2) الذي سينقل الغاز إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق، وترك – ستريم الممتد عبر تركيا ويصل اليونان وبلغاريا وشمال مقدونيا، بينما استوردت تركيا 85 % من احتياجاتها من الغاز عام 2018م، عبر مشغل خطوط الأنابيب ومشتري الغاز التركي (بوتاش) المملوكة للخزانة التركية.

أسباب الصراع على ثروات شرق المتوسط

تأجج الصراع مؤخرًا بمجرد اكتشاف الغاز في المياه المصرية شمال ميناءي الإسكندرية وبورسعيد، مما شجع الدول المطلة على شرق المتوسط (فلسطين، وإسرائيل، وقبرص، ولبنان، وسوريا، وتركيا) التي تشكو من شح مصادر الثروة البترولية في أراضيها، على محاولة الاستفادة من الاكتشافات المصرية لبدء المسوحات الزلزالية في مناطقها الاقتصادية الخالصة في البحر المتوسط، للتعرف على جيولوجية مناطقها البحرية، وإمكانية اكتشاف حقول بترولية فيها.

من المفترض أن تقاطع المصالح وتشابكها، لا يخل بالحقوق الثابتة لأي طرف من أطراف المصالح المتشابكة، في ظل وجود قواعد ثابتة في القانون الدولي يحكم ترسيم الحدود البحرية للدول ويحدد مناطق المياه الإقليمية الاقتصادية، لكن الأطماع يمكن أن تخلق صراعات وتعارضات كان من الممكن تجنبها.

ويمكن حصر الصراع على ثروات شرق المتوسط في ثلاثة بؤر لتنازع المصالح، أولها، الصراع المائي والنفطي قديم العهد بين لبنان وإسرائيل، وثانيها الصراع المنفجر حديثًا بين تركيا من جانب، وكل من اليونان وجمهورية قبرص من الجانب الآخر، أما الصراع الثالث، حديث العهد، فهو القائم بين تركيا ومصر، الاقتصادين الكبيرين في منطقة شرق المتوسط، نظرًا إلى ارتفاع عدد السكان في كل منهما من جهة، وإلى تقدمهما الصناعي من جهة أخرى، مما يتطلب توفر مصادرالطاقة لتغذية عملية التنمية ودفع النمو الاقتصادي.

وقد امتد صراع المصالح في المنطقة، في بعض الأحيان، ليشمل منافسات حادة بين الشركات الدولية، واشتدت النزاعات أحيانًا للحصول على شروط مفضلة للتطوير وخلقت نوعًا من النزاع بين دول الشركات المتنافسة (الدول الصناعية الكبرى).

 

  • التعنت الإسرائيلي تجاه السلطة الفلسطينية في إمدادها بالوقود

شكل الصراع العربي -الإسرائيلي أول الخلافات الجيوسياسية لغاز شرق المتوسط، حين منحت السلطة الفلسطينية عام 1999م، عقدًا للاستكشاف والإنتاج في بحر غزة لشركة بريتش غاز وشركائها، وشركة اتحاد المقاولين الموجودة في أثينا، وذات الملكية الفلسطينية، وصندوق الاستثمار الفلسطيني التابع للسلطة الوطنية الفلسطينية. حيث اكتشفت بريتش غاز في 2000 حقل (غزة مارين) باحتياطي غازي محدود قدَر بنحو 1.4 تريليون قدم مكعب، ورغم مرور عقدين من الزمن على هذا الاكتشاف، لا يزال هذا الحقل الفلسطيني البحري دون تطوير، بسبب رفض إسرائيل المستمر لتطويره.

 وقد اشترت شركة رويال دتش شل مؤخرًا أصول شركة بريتش غاز، ومن ضمنها حقل (غزة مارين)، ومع ذلك فقد عمدت شركة شل إلى عدم تطوير الحقل واستغلاله حتى الأن، بل وقامت بعرض حصتها في (غزة مارين) للبيع. ويعمل الشريكان العربيان، (شركة اتحاد المقاولين وصندوق الاستثمار الفلسطيني)، على إيجاد شركة نفطية للعمل معهما في الحقل، وإيجاد الطرق المناسبة لاستغلال ثروته الغازية.

وفي ضوء مخططات إسرائيل لتصدير النفط والغاز، فقد وجهت أنظارها منذ بدء اكتشافاتها الغازية أوائل الألفية الثالثة، إلى تلبية احتياجاتها المحلية أولاً، وبعدها السعي نحو التصدير، على أساس الحفاظ على  نسبة 60%من احتياطيات الغاز للسوق المحلية ونسبة 40%  للتصدير.

وفي السنوات الأولى بعد الاكتشافات، كان الاهتمام الأول لإسرائيل هو التصدير للسوق الأوروبية القريبة منها نسبيًا، مستغلة حقلي (تامار) و(لفيتان)، ولتغطية التكاليف الباهظة التي استغرقها تطوير الحقلين (نحو 20 مليار دولار)، وجهت إسرائيل اهتمامها للتصدير إلى مصر والأردن نظرًا لقصر مسافة الأنابيب، بما ساعد على تقليص تكاليف التشييد، وهناك مفاوضات لتصدير الغاز من حقل (غزة مارين) للضفة الغربية وقطاع غزة، دونها التعنت الإسرائيلي.

 

  • عدم رسم الحدود البحرية للمناطق الاقتصادية

أما السبب الثاني، فيتمثل في عدم رسم الحدود البحرية للمناطق الاقتصادية الخالصة ما بين الدول المطلة على شرق المتوسط، حتى قبل الاهتمام بالثروة البترولية، وتعود معظم هذه المشاكل لتداخل هذه المناطق القريبة من بعضها.

وقد توصل لبنان وقبرص عام 2007م، إلى رسم الخط الوسطي بين البلدين، لكن لم يتم تحديد النقطة الجنوبية أو الشمالية لهذا الخط، الأمرالذي كان يتطلب تحديد النقطة الجنوبية من خلال عقد اجتماع ثلاثي بين قبرص ولبنان وإسرائيل، وهو ما لم يتم وفق الموقف اللبناني الذي يعتبر في حال حرب مع إسرائيل، أما بالنسبة للنقطة الشمالية، فترفض سوريا التفاوض لرسم الحدود البحرية مع لبنان، وعليه لم يتم تحديد النقطة الشمالية بين لبنان وسوريا وقبرص.

وقد دفع هذا الوضع لبنان إلى رسم هاتين النقطتين على بعد قليل من النقاط المفترضة، للمضي قدمًا في رسم الخط الوسطي مع قبرص، وأودع مذكرة دبلوماسية وخرائط حدوده البحرية لدى الأمين العام للأمم المتحدة بغض النظر عن النقطتين الشمالية والجنوبية.

من جانبها، أكدت الاتفاقية البحرية الحدودية بين قبرص ولبنان عدم قيام أي من الطرفين بالاتفاق مع طرف ثالث دون العودة إلى الطرف الثاني للحصول على موافقته المسبقة، باعتباره الخيار الوحيد المتوفر للبنان في رسم الخط الوسطي مع قبرص، ورغم وجاهة الشرط إلا أنه يزيد الأمر تعقيدًا.

وقد بادرت قبرص لاحقًا إلى الاتفاق مع إسرائيل بشكل ثنائي، والإعلان عن رسم حدود منطقتها الاقتصادية الخالصة مع إسرائيل دون إعلام الجانب اللبناني، الأمر الذي أدى إلى وضع يد إسرائيل على مناطق مهمة وموعودة بتروليًا في أقصى المياه الجنوبية اللبنانية.

  • أطماع تركيا في ثروات شرق المتوسط

لعل من أهم جذور الصراع في منطقة شرق المتوسط، وما حولها من تشابكات وتضارب مصالح اقتصادية، هو أطماع النظام التركي في الحصول على نصيب غير مستحق من ثروات المنطقة، عن طريق التوسع في المناطق المجاورة، وتأييد الحركات الإسلامية، وهو ما ظهر في شكل اختيار التدخل العسكري السافر في ليبيا ذات الحدود الجغرافية الممتدة مع مصر، بما يشكل تهديدًا للحدود الغربية لمصر ويخلق نزاعات قد تفضي إلى صراع سياسي وعسكري.

 

ويحتل هذ النزاع أهمية كبيرة باعتباره نزاعًا بين الدولتين الأكبر في منطقة شرق المتوسط (تركيا ومصر)، نظرًا إلى ارتفاع عدد السكان في كل منهما من جهة، وإلى تقدمهما الصناعي، من جهة أخرى، مما يخلق مزيدًا من الطلب على مصادر الطاقة لتطوير هذه الصناعات، وتلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان.

لكن أحقية البلدين مختلفة تمامًا، فتركيا لا تشكل أكثر من نقطة عبور لنفط وغاز روسيا ودول بحر قزوين إلى أوروبا، كما أنها تفتقد الاحتياطات البترولية، في مياهها الإقليمية، مما يجعلها بحاجة إلى زيادة وارداتها السنوية البترولية لاستمرار نجاح خططتها التنموية والصناعية الطموحة، وهو ماتسعى لتحقيقه ولو على حساب الأخرين!

أما بالنسبة لمصر فالوضع مختلف تمامًا حيث تدفعها حاجاتها للموارد الطبيعية لتكثيف التنقيب عنها في مناطق حدودها الجغرافية والاقتصادية، بالتعاون مع الدول المتقاطعة معها في مناطق الحدود الجغرافية والاقتصادية، لزيادة الاكتشافات والعثور على حقول جديدة، منها المحاولات الحالية للاستكشاف والإنتاج من المناطق الغربية في المتوسط القريبة من المياه الليبية، والتي قابلها الجانب التركي بالاتفاق الحدودي التركي -الليبي، مما سيؤثر سلبًا على عمليات التنقيب والاستخراج والاستغلال.

وقد أسفرت جهود الجانب المصري عن اكتشاف شركة (إيني) لحقل (ظٌهر) العملاق عام 2015م، الذي يعد أضخم حقل غاز في البحر المتوسط، وهو كشف استراتيجي للاقتصاد المصري في مقابل زيادة الاستهلاك الداخلي، واعتماد نحو 85 % من توليد الطاقة الكهربائية المصرية حاليًا على الغاز، وتسعى مصر حاليًا إلى الاستفادة القصوى من منشآتها الغازية من أنابيب الغاز الدولية ومحطات تسييل الغاز لأجل التصدير.

ويعتبررسم الحدود البحرية الجديد بين تركيا وليبيا عملاً غير مسبوق، ويشكل ضغوطًا غير مبررة حول شرعية الدول المجاورة في التنقيب عن الغاز في مياهها، ومن هنا فقد استنكرت مصر الإعلان عن الحدود البحرية الجديدة بين تركيا وليبيا، رغم أن الدولتين غير متجاورتين، كما استنكرت اليونان الاتفاقية التي تمر هذه الحدود بالقرب من مياهها المحاذية لجزيرة كريت اليونانية، وتنتهي في الغرب من ليبيا.

ولم يقف الأمر عند الموقف العدائي التركي تجاه مصر، بل طالت الضغوط والتهديدات محاولات الاكتشاف القبرصية، ووصلت إلى حد الإدعاء بأن المنطقة الاقتصادية الخالصة القبرصية تابعة للمياه التركية، وأرسلت طائراتها مهددة عمليات الاستكشاف التى تقوم بها شركة إيني لمصلحة قبرص، كما هددت باتخاذ إجراءات ضد شركة إيني وأي شركة تعمل مع الجانب القبرصي، كما تحدت تركيا الاتفاقات الحدودية البحرية بين مصر وجمهورية قبرص.

منتدى غاز شرق المتوسط

من المعروف أن تركيا تفتقد الاحتياطات البترولية، وهي بحاجة إلى زيادة وارداتها السنوية البترولية، لتطوير صناعاتها، مما جعلها تبحث عن منفذ للوصول إلى تلك الثروة القابعة في مياه شرق المتوسط، والمتاخمة لحدودها، من خلال ادعاءات لا مبرر لها بأحقيتها في المياه الاقتصادية القبرصية، أو من خلال البوابة الليبية، رغم أنها تشكل نقطة عبور مهمة لنفط وغاز روسيا ودول بحر قزوين إلى أوروبا، الأمر الذي تنبهت له باقي دول المنطقة فأنشأت (منتدى غاز المتوسط) ومقره القاهرة، ويضم مصر واليونان وقبرص وإيطاليا والأردن وفلسطين وإسرائيل.

وقد بادرت مصر بهذا التوجه، في منتصف يناير 2019م، حين دعت إلى عقد اجتماع في القاهرة لوزراء الطاقة في الدول المنتجة والمستهلكة والعابرة في شرق المتوسط وهي :مصر، وفلسطين، والأردن، وإسرائيل، وقبرص، واليونان، وإيطاليا، لتأسيس منتدى غاز شرق المتوسط.
وقد أثبت المنتدى وجوده وجدواه، بتأييده القيام بمشروعين، الأول  هو التصدير المشترك للغاز المسال المصري والقبرصي والإسرائيلي من محطات تسييل الغاز المصرية، والذي يعمل لمصلحة الدول الثلاث، نظرًا لأن الكميات المكتشفة من الغاز في قبرص وإسرائيل لا تزال محدودة، ولا تعتبر اقتصادية بما فيه الكفاية للتصدير، إلا أن تصديره بهذه الطريقة يمكن تلبية الإمدادات لسوق كبيرة، كالسوق الأوروبية.

كما أرسى المنتدى خريطة الطريق لصادرات غاز شرق المتوسط مستبعدًا تركيا وأعطى زخمًا  لدور مصر المركزي في صناعة غاز شرق المتوسط مدعومة بالاكتشافات الضخمة للغاز في مياهها، كما قام المنتدى بدعم تشييد خط أنابيب بحري للغاز يبدأ من حيفا، فقبرص، واليونان، وحتى إيطاليا مستقبلاً، ويتم من خلال هذا المشروع دمج الغاز الإسرائيلي بالقبرصي وتصديرهما في مشروع منفصل إلى السوق الأوروبية، التى دعمت دراسات المشروع بتكلفة تبلغ سبعة مليارات دولار.

مستقبل النزاعات في شرق المتوسط

على الرغم من أن جائحة كورونا ضربت جميع الاقتصادات العالمية وأثرت سلبًا على معدلات الأداء الحالية وعلى توقعات النمو خلال الربعين المتبقيين من عام كورونا الأول 2020م، والعام التالي 2021م، إلا أن الاقتصاد التركي يشهد أسوأ فترات آدائه، سواء من حيث معدل النمو في الناتج المحلى الإجمالي وحجم الصادرات و سعر الليرة و معدل التضخم، حيث تشير معظم التوقعات التي تجريها المنظمات الدولية متعددة الأطراف كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي أو المراكز البحثية الخاصة، إلى أن خطة الإنقاذ والتحفيز الحكومية ليست كافية لانتشال الاقتصاد التركي من أسوأ كساد تعرض له مؤخرًا، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي تراجع الاقتصاد بنسبة 5% هذا العام، وتتوقع وكالة بلومبرج للأنباء انخفاض النشاط الاقتصادي هذا العام بمقدار 4%، وتتوقع وكالة فيتش للتصنيف الائتماني انخفاض النشاط بمقدار 3.9%..

وقد شكلت هذه التطورات محركًا قويًا للموقف التركي من ثروات شرق المتوسط، حيث يعتبر الموقف التركي أكثر العوامل زعزعة لأوضاع المنطقة، وتهديدًا لخطط دول شرق المتوسط لاستغلال الموارد النفطية بالمنطقة من غاز وبترول، وكان من الأجدى لتركيا أن تستغل موقعها الجغرافي كنافذة لآسيا وشمال إفريقيا إلى أوروبا، والحصول على احتياجاتها من الغاز والبترول المار بأراضيها وموانيها، إلا أنها اختارت طريقًا صعبًا دونه تهديدات عسكرية.

وكان من أول تداعيات الموقف التركي استبعاد الاتحاد الأوروبي تركيا أثناء مباحثات أوروبا مع حلفائها في غرب آسيا وشمال إفريقيا من أجل التوصل إلى خطة لتشييد خط أنابيب غاز يصل بين البحر الأبيض المتوسط ​​إلى أوروبا، كما تم استبعادها مرة أخرى عند تشكيل منتدى غاز شرق المتوسط من قبل قبرص ومصر واليونان وإسرائيل وإيطاليا.

ومما لا شك فيه أن سعي تركيا إلى التوصل إلى اتفاق مع حكومة الوفاق الليبية لتشكيل منطقة اقتصادية خالصة تمتد من شواطئها الجنوبية إلى الساحل الشمالي لليبيا عبر البحر المتوسط، جاء تحديًا لهذه الخطوات، رغم انتهاك هذه الاتفاقية للقانون الدولي، وللسيادة البحرية لكل من مصر واليونان، مما دفعهما لترسيم الحدود البحرية فيما بينهما، في مقابل الاتفاقية التركية، وجعل تركيا اليوم معزولة في المنطقة في ظل وجود تحالفات اقتصادية بين اليونان وقبرص وإيطاليا وفرنسا، تدعمه مصر وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة.

الخلاصة أن الحلول الاقتصادية ممكنة، والتوفيق بين المصالح الاقتصادية المتعارضة واردة، وانطلاق صناعة غاز شرق المتوسط بنجاح قريبة، إذا ما التزمت تركيا بقواعد القانون، واحترمت الحدود الاقتصادية لدول شرق المتوسط، وتحجيم رغباتها التوسعية، وإذا ما كفت إسرائيل عن تحقيق أطماعها على حساب الدول المجاورة لها، في فلسطين ولبنان.

ويمكن للوساطات الدولية الكبرى أن تنجح في احتواء التوترات الأخيرة، بين تركيا وكل من مصر وقبرص واليونان، على غرار ما نجحت فيه لفك الاشتباك بين لبنان وإسرئيل، والوصول إلى حلول مشتركة، تضمن لأصحاب الحقوق حقوقهم كاملة، وتسمح لباقي الأطراف بتحقيق مصالحها مستغلة موقعها وليس نفوذها.

مقالات لنفس الكاتب