تهميش المشروع التركي بإعادة تشكيل المشهد بعيدًا عن أنقرة

الإثنين، 28 أيلول/سبتمبر 2020

تطرح المتغيرات السياسية التي تشهدها الأزمة الليبية في المرحلة الحالية، في ضوء لقاء " مونترو " في سويسرا (7-9 سبتمبر 2020 م) بين الفرقاء الليبيين، والإعلان المفاجئ لرئيس حكومة الوفاق فايز السراج التقدم باستقالة نهاية أكتوبر المقبل، تساؤلاً حول مصير التفاهمات العسكرية التي أبرمتها حكومة الوفاق مع تركيا، كجزء من الملف العسكري والأمني الشامل الذي أسقط من جدول أعمال المشاورات التمهيدية للمسار السياسي الانتقالي المرتقب. ومن المتصور أن الأطراف بصدد ترحيل هذا الملف إلى السلطة الجديدة التي سيسفر عنها الاتفاق السياسي، ومن المتوقع أن يشكل تحدٍ كبير أمامها. كما أن استقالة السراج التي جاءت على غير رغبة تركيا وضعتها في مأزق ضيق الوقت الكافي لترتيب أوضاعها في ليبيا، وإعادة هندسة دورها في الملف الليبي في ضوء العملية السياسية المرتقبة لاسيما ما يتعلق بالملف العسكري والأمني.

واقعيًا، يمكن القول إن المشروع التركي في ليبيا يمر في المرحلة الحالية بمأزق، بالنظر إلى عدد من المؤشرات ومنها على سبيل المثال:

خسارة الرهان على الوفاق: إذ يمكن القول أن تركيا خسرت الرهان على استمرار حكومة الوفاق لمدة أطول مما أصبحت عليه الآن، وهو ما برز في رد فعل تركيا على استقالة السراج، حيث عبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن استيائه من تلك الخطوة المفاجئة والتي لم تكن محل ترتيب على المستوى الثنائي وفقًا للمعطيات الحالية، فقد كانت أنقرة تدعم طرح استمرار الوفاق لفترة من 6 أشهر إلى عام بحيث يتم نقل السلطة مباشرة دون المرور بمرحلة انتقالية بما يسمح بإعادة إنتاج سلطة الوفاق ، التي يمكن أن تؤمن لها بقاءها وتحقيق مصالحها وفي مقدمتها شرعنة عملية تواجد عسكري مستدام في ليبيا، وشرعنة الاتفاقيات الاقتصادية التي أبرمتها أو التي بصدد إبرامها . فعمليًا أصبحت في المرحلة الحالية في صدام مع السراج، وعلى الأرجح لن يرغب الأخير في توقيع اتفاقيات مع أنقرة في المدة المتبقية له في السلطة، كما أن جناح تركيا الآخر المتمثل في رئيس مجلس الدولة وفى وزير داخلية الوفاق لن يكون بمقدورهما إنجاز هذه المهمة من دون الضلع الثالث وهو السراج، وبالتالي فإن ما فعله السراج أضعف الوفاق بدرجة قطعت الطريق على مواصلة المشروع التركي في ليبيا.  

ديناميكيات خارج الحسابات التركية: من المتصور أن ديناميكيات الحالة الليبية ذات التأثير على الموقف التركي لا تقتصر فقط على تلك المتغيرات السابق الإشارة إليها على الرغم من أهميتها، لكن جانب آخر ، تفاجأت تركيا بتحديات خارج الحسابات المتوقعة، منها الوقفة الحازمة للقاهرة في التعامل مع الملف الليبي، والخطوط الحمراء التي وضعت حدًا للصراع المسلح بين أطراف الصراع في ليبيا، فواقعيًا بدت تركيا متعجلة في التغلغل في الساحة الليبية، وسعت إلى تشكيل تكتل عبر دول الجوار في بداية الأمر مع كل من تونس والجزائر ، لكن لم تتمكن من ذلك، فشريكها التونسي تنظيم الإخوان المسلمين يواجه تحديات داخلية، والجزائر أبدت أنه يمكنها أن تتعاطى مع تركيا في الملف الليبي لكن هذا لا يعني من جانب آخر تلبية كافة مطالبها، فلجأت إلى الحليف القطري، وهو ما كان له ارتدادات عكسية، في ظل النظر إلى تركتها السلبية بعد 2011م. إضافة إلى حالة التصدع التي أصابت حكومة الوفاق، والتنافسية الشديدة بين مكوناتها، وكذلك قدرة القيادة العامة للجيش الليبي على إحباط عملية استمرار تمويل مشروع تركيا عسكريًا في ليبيا عبر مؤسسة النفط، حيث تتحكم القيادة العامة في محابس النفط، باعتباره الرافد الرئيسي للاقتصاد الليبي.

مسار الانخراط العسكري التركي في ليبيا: من الصعود إلى التراجع  

عمليًا بدأ التدخل العسكري التركي في ليبيا وفق البعثة الأممية لدى ليبيا في أعقاب مؤتمر برلين ( يناير 2020م ) مباشرة ، وهو ما يعكس دلالة عدم التزام أنقرة بمخرجات برلين التي أكدت على رفض الحل العسكري ودعوة الأطراف المنخرطة في الملف إلى استئناف المسار السياسي، لكن لم تفعل هذه المخرجات بشكل مؤقت على خليفة دخول القوى المشاركة في برلين ( القوى الأوروبية والولايات المتحدة ) في ذروة جائحة " كرونا " وهو ما استغلته أنقرة التي وجدت الجميع منشغلاً بأزمة الجائحة وتداعياتها، ما سمح لها بالتمدد العسكري في ليبيا دون رادع في الأشهر الأربعة التي تلت جولة برلين.

لكن المتغير  في عامل الردع الذى اصطدمت به تركيا لاحقًا هو الخطوط الحمراء التي وضعتها القاهرة، والتي تمثلت في مبادرة الحل السياسي ( يونيو 2020م) والتي جاءت على أرضية برلين، وإعادة الاصطفاف الوطني الليبي ووضع ملامح خريطة طريق متكاملة على أساس الحل السياسي، ثم أتبعت القاهرة هذا الإعلان بإعلان الخط الأحمر (سرت – الجفرة )، وأعقب هذا الطرح حراك دولي وأممي نشط، دعم أطروحات القاهرة من جهة، ومن جهة أخرى حولت تلك السياقات إلى حراك تبلور في جنيف وأنتج مخرجات " مونترو "، وعلى التوازي تشكلت مكابح للردع النشط أيضًا ساهمت في الحد من التمدد العسكري التركي في ليبيا تمثل في العملية " إيريني " الأوروبية لمراقبة السواحل ووقف إمدادات التسلح إلى ليبيا.

الخط الأحمر الآخر الذي اصطدمت به تركيا، رسمته القوى الأوروبية أمام تحركات أنقرة في شرق المتوسط خاصة في مواجهة اليونان، حيث تشكل سريعًا تكتل داعم لليونان، ومن الواضح أن هذا التحرك أضعف تركيا في ليبيا، فالخطوة الأولى التي اتخذها هي عدم الاعتراف بشرعية ترسيم الحدود البحرية التركية مع الوفاق، وبالتالي تم انهيار الركن الرئيسي بشكل غير مباشر في علاقة تركيا بالوفاق، فاتفاقية ترسيم الحدود البحرية هي الاتفاقية الرئيسة التي وقعها الطرفان. وبحسب تقديرات أمريكية كانت تركيا تهدف إلى تعزيز تواجدها في قواعد ساحلية ليبية جنوب المتوسط لتعزيز تواجدها في شرق المتوسط أيضًا، وبالتالي فالرابط في الأهداف التركية كان لافتًا للانتباه للقوى الدولية التي تتصدى للتحركات التركية في شرق المتوسط.

وعلى الرغم من أن الحراك الأممي تجاه إعادة الاعتبار لمسار الحل السياسي الذي كان أبرز محطاته مؤخرًا لقاء " مونترو " تجنب الخوض في الملف العسكري والأمني، إلا أن إعادة الاعتبار للمسار السياسي في حد ذاته قطع الطريق على استمرار حالة الانقسام الليبي بشكل مبدئي، ومن ثم فإن بوابة اختراق تركيا للمشهد الليبي أخذت تنحصر، حيث كانت تتمدد وتتسع في ظل عملية الانقسام والصراع المسلح وانشغال القوى الفاعلة المنخرطة في الملف الليبي.

تحديات وإشكاليات مرحلية:

التساؤل الذي يطرح نفسه الآن هو هل يمكن أن تستسلم تركيا أمام تلك المتغيرات، والمعطى الرئيسي فيها تراجع فرص روافع مشروعها في ليبيا؟ ربما يمكن الإجابة على هذا التساؤل من خلال استعراض عدد من المحاور منها على سبيل المثال:  

طبيعة العلاقة العسكرية بين تركيا والوفاق:

علاقة المقاول: ربما تمكنت أنقرة من تغير التوازنات العسكرية في معركة طرابلس لصالح الوفاق، بعد أن سيطرت على قاعدتي معيتيقة والوطية ومعركة ترهونة، ثم توقفت مع إعلان الخط الأحمر المصري (سرت –الجفرة)، وصدرت تركيا لليبيا ما يزيد على 18 ألف من المرتزقة السوريين والأجانب، واتبعت في هذا السياق سياسة تدوير المرتزقة من خلال تعاقدات مؤقته لمدد محددة تمولها الوفاق. كما وردت تركيا العديد من الصفقات العسكرية لتلك المعركة من مدرعات ومركبات وطائرات دون طيار. ومن المتصور أن هذه الصفقات ستمثل تحديات في المرحلة المقبلة، فكيف يمكن التعامل مع هذا الملف وإخراج المرتزقة من ليبيا، وبالتالي ستبقي ورقة ضغط لدى تركيا في المشهد الليبي. خاصة وأن معظم المرتزقة ينتمون في الأصل لتنظيمات إرهابية، وهو ما ظهر في عملية "سبها" الإرهابية حيث كشف عن أن أحد منفذي العملية سوري ربما من العناصر التي نقلتهم تركيا إلى ليبيا.

إشكالية المشروعية: السياقات التي تناولت طبيعة العلاقات الثنائية العسكرية ( التسليحية والدفاعية) التركية – الليبية التي أبرمت العام الجاري ، ربما بالغت بشكل كبير لأسباب دعائية وسياسية في حقيقة تلك الاتفاقيات، فواقع الأمر أن تركيا لم توقع اتفاقيات عسكرية بالمعني الإجرائي مع حكومة الوفاق، وما تم إبرامه لا يعدو كونه اتفاقيات مقاول كما سبق القول وهي اتفاقيات مؤقته، وهو ما لا ينفي في الوقت ذاته أن هناك علاقة تعاقديه بين الطرفين، في إطار بروتوكولات ومذكرات تفاهم تتعلق بالتدريب وتشغيل القواعد العسكرية، وقعها وزيرا الخارجية والداخلية . لكن لم توقع اتفاقيات دائمة خاصة وأن البرلمان الليبي لم يكن طرفًا في هذه الاتفاقيات.

البنية العسكرية التركية في غرب ليبيا: على الرغم من انعدام مشروعية الوجود العسكري التركي في ليبيا إلا أن أنقرة استولت على قواعد عسكرية في الوطية ومعيتيقه ومصراته، وعملت على إعادة تأسيس وشغل هذه القواعد وتأمينها بمنصات دفاعية، وبها نحو ألف عسكري تركي، وبغض النظر عن الطبيعة التعاقدية لشغل هذه القواعد فإن تركيا فرضت أمرًا واقعًا من خلال تلك البنية العسكرية، وهوما يشكل تحديًا آخر في إطار التعامل مع ملف الوجود العسكري التركي في ليبيا. وعلى الرغم من المبالغة في تقدير حالة هذه البنية، بالإشارة إلى وجود منظومات دفاع مثل300 S-،  S-400، فعلى الأرجح عوضت تركيا منظومة هوك التي تم استهدافها في قاعدة الوطية بمنظومات أخرى قصيرة ومتوسطة مثل بانتسير S-A .  لكن تقارير للقيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا – أفريكوم – أكدت عدم صحة تلك الأنباء، لكن عدم وجودها لا ينفي وجود أسلحة دفاعية وهجومية وأخرى.  

المناورة  التركية- الروسية في ليبيا: بدأت هذه العلاقة متوترة إلى حد كبير ، فتركيا وقفت إلى جانب حكومة غرب ليبيا وانتقدت وجود قوة " فاغنر الروسية " في شرق ليبيا، بدعوى مساندتها القيادة العامة للجيش الليبي، وفى المرحلة الحالية يبدو أن هناك تقارب بين الطرفين، أو تفاهم ما على طبيعة المرحلة المقبلة، فقد عقد الطرفان لقاءً حول ليبيا في 16 سبتمبر الماضي، يتعلق بالاتفاق على وقف إطلاق النار، وفى واقع الأمر لم يكن أي من منهما طرفًا في قرار وقف إطلاق النار، فالبيانان الصادران في هذا الشأن عن المستشار عقيلة صالح رئيس البرلمان، وفايز السراج رئيس المجلس الرئاسي، جاءا في إطار توافقهما على الحوار في إطار حوار جنيف، بل إن تقارير ليبية أكدت أن السراج لم يطلع أنقرة أيضًا على هذا القرار إلا في اللحظات الأخيرة. وبالتالي يبدو أن هذا اللقاء يتعلق بترتيبات المرحلة المقبلة، وهو ما يعني أن العلاقة بين الطرفين في المرحلة السابقة في ليبيا لم تكن بالشكل الذي تم الترويج له وكأن هناك صدام وشيك بينهما، وهو ما يكشف عن إشكالية محتملة إذا ما كانت هناك مناورة تركية – روسية ستلقي بظلالها على التحول السياسي المرتقب في ليبيا، خاصة وأنهما الطرفان اللذان يمتلكان موارد وبنية عسكرية في ليبيا.

في الأخير ؛ من المتصور أن مصير الوجود العسكري التركي في ليبيا لن يتوقف فقط على طبيعة العلاقات الليبية – التركية في ضوء تغير السلطة في المرتقب في طرابلس في حال ما كان قرار تلك السلطة هو إنهاء الوجود العسكري التركي في البلاد، بالنظر إلى تعقيدات طبيعة الوجود العسكري التركي، فلا يزال لدى أنقرة الكثير من أوراق الضغط فيما يتعلق بالجانب اللوجستي للتواجد العسكري التركي المتمثل في المرتزقة الذين جلبتهم من الخارج، وهم بمثابة قنبلة موقوته قابلة للانفجار في ظل قدرة تركيا على تحويل توجهاتهم إلى مسار مختلف كمسار العمليات الإرهابية، وبالتالي هي ورقة قابلة لصناعة فوضى كبيرة في ليبيا.  كذلك فإن البنية العسكرية التي أسست لها تركيا في ليبيا أصبحت بمثابة أمر واقع، وربما ستسعى تركيا إلى تعزيز هذه البنية كخطوة استباقية قبل تشكيل السلطة الجديدة.

وبالتالي، من المتصور أن تركيا فقدت الدعامة السياسية التي تقف على أرضيتها في ليبيا، من خلال الحليف المتمثل في حكومة الوفاق التي أصبحت في حكم انتهاء الصلاحية، لكن يظل لديها الأداة العسكرية، وأداة الفوضى، في ذات الوقت المتمثلة في المرتزقة.  وإذا كانت هذه المتغيرات السياسية ستضعف الحضور التركي في ليبيا في ظل تراجع فرص حلفاء تركيا مع انتهاء مرحلة الوفاق، لكنها لن تنهي دور تركيا بشكل عام وستبقى لديها أدوات ضغط ستوظف لتأمين مصالح تركيا في ليبيا في المدى المتوسط على الأقل، حتى يعاد التوزان مرة أخرى للقرار الليبي، الأمر الذي سيستغرق فترة من الزمن.  كذلك فإن الدرس المستفاد من هذه التجربة هو أن المشروع التركي في ليبيا تعرض مؤخرًا لضربات متتالية لم تكن ضربات عسكرية بقدر ما كانت ضربات سياسية تتمثل في مقاربة إعادة تشكيل المشهد السياسي في ليبيا بعيدًا عن تركيا وبالتالي لا تزال السياسة قادرة على إخضاع الآلة العسكرية.

مقالات لنفس الكاتب