ليبيا منصة لضبط التوازن السياسي لروسيا تجاه تركيا / قطر والأنظمة الخليجية

الإثنين، 28 أيلول/سبتمبر 2020

يميل المحللون الأجانب إلى تقييم طرق تعامل روسيا مع الصراعات الحالية في منطقة الشرق الأوسط (وتحديدًا في سوريا وليبيا) على أنه مجموعة من الخطوات الملموسة في إطار استراتيجية موسكو المتماسكة والمدروسة جيدًا التي تدفع في صالح هذا التوجه. وفي الغالب، يدور الكلام فقط حول رغبة روسيا في العودة منتصرة إلى الشرق الأوسط ولعب دور مهم في المنطقة. وهذا الرأي قد يكون صحيح ولكن بشكلٍ جزئي، نظرًا لأن تماسك الاستراتيجية الروسية وصلابتها المزعومة في حاجة إلى البرهان على ذلك. وفي نفس الوقت لا يفسر المحللون الأجانب مصالح وأهداف روسيا بوضوح، حيث يميلون عمومًا إلى التقليل من أهمية الدور الذي تلعبه عوامل السياسة المحلية داخل روسيا في حسابات الكرملين وتأثيرها على طريقة التعامل مع صراع معين في منطقة الشرق الأوسط.

وفي الحقيقة، تعتبر تصرفات موسكو في منطقة الشرق الأوسط ذات طبيعة تفاعلية تجاه التغيير المتكرر لمواقف معينة تتسم بالفوضوية، ولا تتماشى تلك الممارسات كثيرًا مع تنفيذ استراتيجية متماسكة وواضحة. ويتضح هذا بشكل خاص في سوريا، حيث كان محكومًا على روسيا، بسبب دعمها لنظام الأسد، اختبار علاقاتها مع الشركاء الإقليميين الهامين المشاركين في الصراع، مثل تركيا وإيران وإسرائيل. ولذلك، تتعرض هذه العلاقة لصدمات بشكل دوري، بحيث تتأرجح داخل نطاق واسع من التقلبات، فضلاً عن التوترات الروسية طويلة الأمد بشأن سوريا مع شركائها الواعدين في المنطقة، والأنظمة العربية المحافظة التي تدعم معارضي الأسد منذ عام 2011م.

وفي ليبيا، أُعيد إنتاج صورة "المواجهة غير المرغوب فيها" بين روسيا وشركائها الإقليميين في نموذج مختلف قليلاً: فعلى خط المواجهة الآخر هناك تركيا وإيران وقطر يؤيدون (سياسيًا) حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج، بينما تقف مصر والإمارات والسعودية في "خندق واحد" مع روسيا، التي تساند حفتر والجيش الوطني الليبي. وعلى عكس سوريا، لا يظهر الكرملين معارضة واضحة لبعض شركائه الإقليميين بالنسبة للأزمة الليبية، نظرًا لأن روسيا غير مشتركة رسميًا في الصراع (وفقًا للمقولة الشهيرة "نحن لسنا هناك")، لكنها تحاول أن تلعب دور الوسيط بين السراج وحفتر، تمامًا مثل الدور الذي تلعبه الإمارات والسعودية.

وجدير بالذكر أن موسكو في الحقيقة، تساند المواجهة الليبية الداخلية، مدفوعة بمصالح وأهداف مختلفة تمامًا عن مصالح الرياض أو أبو ظبي أو القاهرة، مما يجعل من غير المناسب عرض العلم الروسي علنًا في ساحات القتال في ليبيا، كما هو الحال في سوريا. ويبدو أن موسكو قد استخدمت وسائل أخرى لتقديم الدعم لحفتر، سواء كانت خفية أو هجينة، وبالتحديد بمساعدة مجموعة فاغنر، وهي منظمة روسية شبه عسكرية.

مصالح الجماعات الفاعلة

ومنذ بداية هذا العام، لوحظ بالفعل تورط مباشر للقوات الأجنبية في الأعمال العدائية في ليبيا. وأكدت الحكومة التركية رسميًا في يناير نشر قواتها لدعم حكومة الوفاق الوطني. وأعلنت الأمم المتحدة عن وجود مرتزقة روس يقاتلون إلى جانب جيش حفتر، وهو الأمر الذي لم تنكره موسكو، لكنها تؤكد أنهم "لا يمثلون مصالح الدولة الروسية". وفي 26 مايو، وجهت الولايات المتحدة اتهامًا لروسيا بنقل طائرات إلى ليبيا لدعم الجيش الوطني الليبي بمقاتلات MiG-29 وSu-35، وكذلك Su-24، لكن بدون استخدام علامات تعريف. ولم ترد موسكو على هذه الاتهامات بينما قامت على عجل بإجلاء مجموعة "فاغنر" من مناطق قريبة من طرابلس حتى لا يتم القبض عليهم وكشف هويتهم من قبل الجماعات التي تسيطر عليها تركيا. ولهذه الأسباب، فإن الدخول في صدام مباشر مع تركيا في ليبيا يمثل كابوسًا بالنسبة لروسيا.

وتكمن الحقيقة، في أن الزعيم التركي رجب طيب أردوغان يظل شريكًا مهمًا وضروريًا لروسيا أكثر بكثير من أهمية موسكو بالنسبة لأنقرة ("شراكة غير متكافئة"). وينطبق هذا بشكل رئيسي على المجال العسكري الاستراتيجي، وذلك من خلال دعم روسيا لأردوغان في نزاعاته الأخيرة مع الاتحاد الأوروبي بشأن الوضع في شرق البحر المتوسط ​​(بما في ذلك توريد أنظمة الدفاع الجوي S-400 )، ولذلك يتوقع الكرملين تعميق الخلافات داخل حلف الناتو. ومن ناحية أخرى، فإن الاتفاق مع أنقرة حول تهدئة التصعيد في سوريا هو السبيل الوحيد لضمان وجود غير دموي نسبيًا لروسيا على أراضي هذه الدولة العربية، نظرًا لأنه في حال حدوث صدام مباشر مع تركيا، سواء في سوريا أو ليبيا، فإن الضرر الذي قد يلحق بروسيا لن يكون مقبولًا، بأي شكل من الأشكال (عدد الضحايا المحتملين، سقوط الهيبة، انهيار الحسابات الاستراتيجية، إلخ).

وعلى عكس روسيا، فإن جميع دول المنطقة المشتركة في الصراع الليبي تمتلك قاسمًا مشتركًا مهمًا يُحدد مصالحها وأهدافها، وهو العامل الديني. وتبرز العقبة الرئيسية، وبالتالي، المسألة المفصلية بالنسبة للجانبين، في موقفهم من دور الجماعات المرتبطة بالإخوان المسلمين، ومكانتها وتأثيرها داخل هيكل حكومة الوفاق الوطني الليبية. ففي دول الخليج، وفي مصر، يعتبرون هذه الجماعة خطيرة، حيث أن أنصارها من الناحية النظرية يسترشدون بفكرة انتخاب القيادة في المجتمعات الإسلامية، وكذلك تناوب وانتقال السلطة. وعلى الجانب الآخر، نرى موقفًا مختلفًا تجاه جماعة الإخوان المسلمين في تركيا وقطر: حيث طالما اعتقدت الدوائر الحاكمة هناك أن أيديولوجية الإخوان المسلمين لها الحق لأن تكون شرعية كتعبير عن مصطلح "القوى الإسلامية الناعمة".

روسيا: لماذا حفتر؟

تكمن خصوصية نهج الكرملين في الصراع الليبي في عدم وجود هدف استراتيجي محدد بوضوح فيما يتعلق بليبيا. ومع ذلك، ينطلق نهج روسيا من حاجتها إلى إثبات وجودها هناك. كما يرغب الجيش الروسي في العودة إلى سوق السلاح الليبي، كما كان الأمر في عهد معمر القذافي. وفي أفضل الأحوال، إنشاء قاعدتها الخاصة في ليبيا، كما هو الحال الآن في سوريا. فضلاً عن حلم شركات الطاقة والشركات الأخرى إعادة العقود القديمة مع الشركاء الليبيين أو إبرامها من جديد. ونتيجة لذلك، لا يمتلك الكرملين أي مطالبات واضحة ضد حكومة السراج، التي لا يمكن توجيه اللوم لها. وهذا هو السبب في أن موسكو تضع نفسها رسميًا في موقع الوسيط، ولكن في ظل ظروف معينة، يُمكن لروسيا أن تشارك في حكومة الوفاق الوطني، على الرغم من أن تطلعات الخصوم الأوروبيين والأمريكيين تتخطى ذلك بوضوح.

ويمكن تفسير تقارب موسكو مع معسكر حفتر من خلال مجموعة من العوامل الموضوعية والذاتية الخاصة بالكرملين ومنها:

أولاً، تبدو قائمة مقترحات حفتر "لإغراء" موسكو أقوى مما يقدمه السراج ويُنظر إليها في الكرملين على أنها حجة قوية. كما تشمل تلويح المشير ببناء قاعدة عسكرية روسية على الساحل الليبي، أي بالقرب من الحدود الجنوبية لحلف الناتو.

ثانيًا، تثير شخصية حفتر مزيدًا من التعاطف والثقة لعدد من الأسباب. من بينها اعتماد موسكو عادة على شخص صاحب "شخصية قوية" بدلاً من المؤسسات المنتخبة، ولذلك يُنظر إلى ولع حفتر بالحكم بشكل إيجابي. وينجذب الكثيرون في موسكو إلى سمات سيرة المشير، كقربه من القذافي قبل سنوات، وتدريبه في الاتحاد السوفياتي وحتى محاولاته للتحدث بالروسية.

ثالثًا: توقع قدرة حفتر على إعادة إنتاج النموذج المصري للعودة للحياة الطبيعية بعد الربيع العربي، عندما استعاد الجيش العائد للسلطة، نظام الحكم السابق في البلاد، وتخلص من الإخوان المسلمين.

رابعًا: إن إقامة تعاون بين روسيا والسعودية والإمارات في ليبيا يعطي الأمل في التعويض بأي شكل عن الضرر الذي لحق بعلاقات موسكو مع الأنظمة الخليجية بسبب الخلافات بينهما في سوريا.

لا ينبغي لأحد أن يقلل من حقيقة أنه في عام 2011م، أصبح الموقف تجاه الإطاحة بالقذافي محل خلاف في دوائر الكرملين: حيث انتقد جزء كبير من الموالين للعقلية السوفييتية في موسكو القرار الإيجابي للرئيس الروسي آنذاك ديمتري ميدفيديف بشأن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973م، الذي أعطى الضوء الأخضر للتدخل الإنساني للغرب في ليبيا. وقد تلقى ذلك دعمًا رئيسيًا من فلاديمير بوتين، الذي عاد إلى الكرملين في عام 2012م، متهمًا الغرب بتدمير هذه الدولة العربية ووعد "بعدم تكرار أخطاء سلفه". وبعبارة أخرى، تم تقديم قضية ليبيا في حملة الدعاية في روسيا كمظهر من مظاهر التوجه المبدئي للقيادة الحالية، والتي تهدف إلى استعادة وحدة هذا البلد واستقلاله عن الرعاة الغربيين واستعادة مكانة روسيا هناك. وباختصار، كان هناك حالة تشبه الانتقام من قبل الكرملين لما أظهره من ضعف وخضوع ذات مرة للغرب.

ويظل حفتر الشخصية الأكثر قابلية للتفاهم بالنسبة للكرملين من الناحية الأسلوبية أولاً وقبل كل شيء. إذ يفترض التفاعل مع حفتر إمكانية استخدام موسكو لأدوات القوة، وإن كان ذلك بوسائل هجينة (مجموعة فاغنر) وهو أمر مهم للحفاظ على صورة الكرملين داخل روسيا وخارجها باعتباره "عاملًا قويًا في الشؤون الدولية". وتعتقد موسكو أن هذا يزيد من مكانة روسيا على طاولة المفاوضات مع حكومة السراج "الموالية للغرب" أيضًا.

 ومن الواضح أن دخول تركيا في الأعمال العدائية إلى جانب حكومة الوفاق الوطني قد عقد بشكل كبير تنفيذ خطط الكرملين التكتيكية للتفاعل العسكري مع الجيش الوطني الليبي، والتي وفقًا لمصادر صحفية ليبية، قد توافق مبدئيًا مع دول خليجية. ويبدو الوضع بالنسبة لروسيا وكأنها في مأزق، لأن التفاهم المتبادل مع أنقرة أهم بكثير بالنسبة للكرملين في الوقت الحالي من مستوى تعاون روسيا مع الأنظمة العربية الخليجية. وهكذا تصبح ليبيا منصة لروسيا لضبط التوازن السياسي بين تركيا / قطر، من جهة، والأنظمة الخليجية من جهة أخرى.

مقالات لنفس الكاتب