array(1) { [0]=> object(stdClass)#13180 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 154

أمريكا تؤجل الحسم في ليبيا للإدارة القادمة بعد الانتخابات الرئاسية..موقف واشنطن: عدم تدويل الأزمة ورفض الحسم العسكري على الأرض

الإثنين، 28 أيلول/سبتمبر 2020

تتمتع ليبيا بموقع استراتيجي مهم جعل منها محط اهتمام العديد من القوى العالمية التي تطمح إلى الاستفادة من ذلك الموقع بوصفه البوابة التي تربط بين أوروبا وشمال إفريقيا.  سرعان ما اكتشفت الولايات المتحدة تلك الأهمية حيث سارعت إلى التواجد العسكري والاستفادة منها كموقع متقدم أثناء الحرب العالمية الثانية. جاء اكتشاف النفط والمساهمة الفاعلة للشركات الأمريكية في تطوير القطاع النفطي لتزيد من أهمية ليبيا بالنسبة للولايات المتحدة.  نحاول في هذه المقالة بحث خلفية العلاقات الأمريكية-الليبية والمراحل التي مرت بها واحتمالات تطوراتها على المستقبل القريب.  

الوجود العسكري الأمريكي في ليبيا

يعتبر الوجود العسكري الأمريكي في قاعدة "ويليس" الجوية في غرب ليبيا الأقدم في المنطقة العربية.  يرجع تأريخ تلك القاعدة التي لعبت دورًا في مهمًا في تأريخ ليبيا والمنطقة عندما أنشأت القوات الإيطالية قاعدة (الملاّحة) الجوية عام 1923م، لإطلاق طلعات جوية قتالية واستطلاعية في المعارك التي شهدتها منطقة شمال إفريقيا. القوات الألمانية هي الأخرى قامت باستخدام القاعدة أثناء تواجدها في شمال إفريقيا في فترة الحرب العالمية الثانية.  سارعت القوات الأمريكية إلى الاستحواذ على القاعدة بعد سقوط ليبيا في يد قوات الحلفاء عام 1942م، حيث أصبحت القاعدة في القسم الليبي الخاضع للوصاية البريطانية.  سرعان ما اكتشفت القوات الأمريكية أهمية القاعدة الجوية التي تحول اسمها إلى "قاعدة ويليس الجوية" حيث تم استخدامها في إرسال القاذفات الأمريكية في رحلات لقصف قوات المحور في إيطاليا وفرنسا وجنوب ألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية. تطور دور القاعدة فيما بعد لتصبح أكبر قاعدة أمريكية خارج الولايات المتحدة حيث وصل عدد الجنود إلى أكثر من 15ألف جندي بالإضافة إلى عوائلهم وأصبحت تسمى "أمريكا الصغيرة" لأنها احتوت على جميع وسائل الترفيه والاحتياجات الأساسية ومنها المدارس الأمريكية التي كانت تخدم أبناء العاملين في القاعدة وكذلك الأمريكان العاملين في الشركات النفطية بالإضافة إلى أبناء بعض زملائهم من الليبيين.

 

أصبحت قاعدة ويليس مركزًا من محطات الإنقاذ الجوي ومركزًا تابعًا للقيادة الاستراتيجية الجوية (Strategic Air Command ) التي تدير حركة القاذفات الأمريكية العملاقة مثل B-50 أثناء فترة الحرب الباردة. بدأت الأهمية الاستراتيجية للقاعدة بالتضاؤل بعد تطوير الصواريخ الباليستية العابرة للقارات وزيادة الاعتماد على الردع من خلال الأسلحة النووية التي تحملها تلك الصواريخ. بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالملكية في ليبيا وبداية حكم العقيد القذافي تم الاتفاق على إخلاء القاعدة وإعادتها إلى الحكومة الليبية التي حولت القاعدة إلى مركز قيادة القوات الجوية الليبية كما أنها استخدمت من قبل قوات الاتحاد السوفيتي.  تم تحويل القاعدة إلى مطار مدني يسمى "مطار معيتيقة" وهو اسم لطفلة قتلت في غارة لطائرات أمريكية على طرابلس عام 1986م،  

قصة النفط في ليبيا

تعتبر ليبيا من الدول المنتجة للنفط والغاز حيث تمتلك احتياطيًا من النفط يبلغ حوالي 50 مليار برميل من النفط تجعله في المرتبة التاسعة عالميًا و1.5 ترليون متر مكعب من الغاز الطبيعي هذه الموارد تزداد أهميتها بسبب قربها من الأسواق التاريخية في أوروبا وأمريكا الشمالية.   

تأريخ ليبيا الحديث لا يمكن الفصل بينه وبين تطوير قطاع النفط فيها.  كانت الحاجة إلى تطوير حفر آبار المياه في المناطق الصحراوية التي كانت أحيانًا يتدفق منها النفط أو الغاز مع المياه أو بدلاً منها. لكن التطورات السياسية وغياب الأمن حال دون تطوير القطاع النفطي.  جاءت الخطوات المهمة في تطوير القطاع النفطي عام 1959م، عندما اكتشفت شركة (إيسو) وهي شركة أكسون-موبيل الآن بالاشتراك مع شركة "أويسيس" ستة حقول للنفط في منطقة "سرت" كان أولها بطاقة إنتاجية بلغت أكثر من 17 ألف برميل في اليوم. 

هذه النجاحات دفعت بشركة أكسون إلى القيام بمد أنابيب نفط من حقول زليطن إلى ميناء برقة بطاقة بلغت 200 ألف برميل وقامت بتدشين الخط عام 1961م، بتصدير أول شحنة إلى بريطانيا. بلغت كمية النفط المصدر من ليبيا من قبل أكسون عام 1961م، سبعة ملايين برميل، قامت شركة أويسيس هي الأخرى بمد أنابيب النفط وتطوير ميناء "السدرة".   تطورت صنعة النفط في ليبيا بشكل كبير وأصبحت ليبيا عضوًا في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في عام 1962م.

 

أهمية ليبيا برزت ثانية بعد حدثين مهمين في تاريخ المنطقة وهما انقلاب مصدق في إيران عام 1951م، والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، الذي أدى إلى إغلاق قناة السويس الشريان الحيوي لإيصال النفط إلى أوروبا مما أدى بالسفن إلى استخدام الطريق الطويل الذي يمر من رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا.  هذان الحدثان أبرزا الحاجة إلى إيجاد مصادر بديلة لنفط الخليج تكون أقرب إلى الأسواق الأوروبية.   

 

النفط القديم والغاز الجديد

كانت مصر هي السباقة إلى اكتشاف الغاز في البحر المتوسط وذلك بتطويرها حقل )أبو ماضي) بالجزء الشمالي الشرقي لدلتا النيل عام 1967م، وفى عام1969م، تم اكتشاف حقل غاز (أبو قير) في البحر المتوسط شمال شرق مدينة الإسكندرية بحيث أصبحت احتياطات مصر من الغاز الطبيعي تقدر بأكثر من 75 ترليون متر مكعب. بدأت مصر عام 1975م، في الاتجاه نحو استخدام الغاز الطبيعي بوضع حقل غاز أبو ماضي على الإنتاج عام 1978م، وذلك بالتعاون مع شركة أديسون الإيطالية.

مع تطوير القدرات على استخراج النفط والغاز من أعماق البحار تكثفت جهود الاستكشاف نحو البحار وكانت المفاجأة أن شرق البحر المتوسط عبارة عن بحيرة من الغاز الطبيعي.  أصدرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية عام 2010م، تقريرها حول كميات الغاز في حقل شرق المتوسط وهي المنطقة التي تشمل الحدود البحرية لقطاع غزة وإسرائيل ولبنان وسوريا وقبرص حيث قدرت الاحتياطي من النفط والغاز المسال بحدود 5 مليارات برميل، لكن المفاجأة الأكبر كان تقديرها لكميات الغاز الطبيعي غير المستكشف بحوالي 3450 مليار متر مكعب.  جاءت المفاجأة الأكبر بعد إصدار الهيئة تقريرًا آخرًا عن كميات النفط والغاز في منطقة دلتا النيل التي قدرتها ب 7.6 مليار متر مكعب من النفط والغاز السائل و6320 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي.

تم الإعلان كذلك عن اكتشاف حقل آخر في الجنوب الشرقي من جزيرة قبرص قدرت كمية الغاز الطبيعي فيه بحوالي 200 مليار متر مكعب.  هذه الأرقام كبيرة جدًا لكنها ليست آخر القصة فهناك احتمالات باكتشاف حقول عملاقة أخرى في المنطقة الأمر الذي يجعل من البحر المتوسط معينًا لا ينضب من الموارد الهيدروكربونية. كانت نتيجة الاكتشافات ازدياد حمى الصراع على هذه الحقول ليس بين دول المنطقة فحسب بل بين الدول الأوروبية خصوصًا تلك التي كانت تعاني من مشكلات اقتصادية حادة قبل ظهور وباء الكوفيد-19 مثل اليونان وفرنسا وإيطاليا.     

 

العلاقات الليبية ــ الأمريكية في فترة حكم القذافي (1969-2011)

 

اتخذ العقيد معمر القذافي من مناكفة الولايات المتحدة وسيلة لإحكام السيطرة على مقدرات الحكم في البلاد بعد وصوله إلى الحكم بعد انقلاب عسكري أطاح بالملك إدريس السنوسي عام 1969م، سارع الحاكم الجديد إلى تأميم الصناعة النفطية فقامت الولايات المتحدة بالرد من خلال فرض عقوبات منها حظر بيع الطائرات العسكرية إلى ليبيا الأمر الذي أدى إلى توجه ليبيا إلى شراء السلاح من الاتحاد السوفيتي أسوة بمصر أيام عبد الناصر.  وقد وصل التوتر بين البلدين إلى مستويات خطيرة عندما هاجم متظاهرون السفارة الأمريكية عام 1979م، حيث أضرموا فيها النيران فقامت الولايات المتحدة بسحب الدبلوماسيين من ليبيا ووضع ليبيا على قائمة الدول الراعية للإرهاب.

أعلنت ليبيا توسيع مدى مياهها الإقليمية الأمر الذي اعتبرته إدارة الرئيس ريغان تصعيدًا يستوجب التصدي له، فأمر بإرسال قوات بحرية كبيرة منها حاملة الطائرات (نيمتز) لإجراء مناورات بحرية في المنطقة.  الأمر الذي أدى إلى وصول التصعيد إلى مستويات خطيرة أوصلت البلدين إلى حافة الحرب وذلك من خلال "حادثة خليج سدرة" وذلك عندما أطلقت طائرتان ليبيتان من طراز سوخوي النيران على طائرات عسكرية أمريكية كانت تشارك في مناورات بحرية في المياه الدولية في البحر المتوسط حيث ردت الطائرات الأمريكية النيران وقامت بإسقاط الطائرتين المهاجمتين.

شهد عام 1986م، تصعيدًا من نوع آخر وذلك عندما تفجرت قنبلة في ملهى ليلي في برلين الغربية يرتاده الجنود الأمريكان الأمر الذي أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص اثنان منهم أمريكان بالإضافة إلى جرح 229 آخرين 79 منهم أمريكان.  قام الرئيس ريغان بإصدار الأوامر إلى القوات الأمريكية بإجراء ضربات انتقامية حيث قامت الطائرات الأمريكية بقصف مدينتي بنغازي وطرابلس حيث كان منزل القذافي أحد الأهداف التي قصفتها الطائرات. بعد سقوط جدار برلين أظهرت وثائق مخابرات ألمانيا الشرقية تورط ليبيا في العملية مما أدى إلى تسوية بين ألمانيا وليبيا حيث قامت ليبيا بدفع 1.5 مليار دولار كتعويضات لضحايا الحادث. 

لم يكن تفجير برلين آخر الحكاية الحزينة بين الولايات المتحدة وليبيا القذافي حيث جاءت حادثة تفجير الطائرة التابعة لشركة (بان آم) فوق مدينة لوكربي الإسكتلندية. كانت رحلة طائرة البوينغ 747 العملاقة رقم 103 التي أقلعت من مدينة فرانكفورت يوم 21 ديسمبر في طريقها إلى ديترويت عبر مطار لندن وعلى متنها 243 راكب بالإضافة إلى طاقم الطائرة وعددهم 16.  انفجرت قنبلة في الطائرة وتسببت في تحطيم الطائرة ومقتل جميع ركابها والطاقم بالإضافة إلى 11 من سكان مدينة لوكربي التي حط حطام الطائرة في أحد شوارعها.  أثبتت التحقيقات التي أجراها مكتب مكافحة الإرهاب الإسكتلندي مع مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي ضلوع نظام القذافي في الجريمة الذي قام فيما بعد بتسليم شخصين اتهما بوضع القنبلة في رحلة من مالطة كانت تنقل بعض المسافرين على رحلة (بان آم) إلى المحكمة الخاصة في هولاندا التي قامت بتجريم ضابط المخابرات الليبي عبد الباسط المقراحي بالمسؤولية عن التفجير ومقتل 270 شخصًا والحكم بسجنه مدى الحياة.  مرة أخرى اعترف القذافي بالمسؤولية عن تفجير الطائرة في عام 2003م، وأعلن تقديم تعويضات مقدارها 2.7 مليار دولار لعوائل ضحايا الحادث.

 

المشروع النووي الليبي

تعود بدايات المشروع النووي الليبي إلى عام 1997م، عندما استلمت ليبيا عشرين جهازًا للطرد المركزي وهي الأجهزة التي تستخدم في تخصيب اليورانيوم والوصول به إلى درجة التركيز المطلوبة لتركيب جهاز نووي، بالإضافة إلى معدات 200 جهاز.  كان مصدر هذه الأجهزة العالم النووي الباكستاني عبد القدير خان العقل المدير للمشروع النووي الباكستاني. كما أن ليبيا وقعت اتفاقًا مع روسيا في نفس العام من أجل تطوير معهد الأبحاث النووية في تاجوراء.  استلمت ليبيا شحنة وزنها طنين من اليورانيوم غير المخصب في عام 2001م، يعتقد أن مصدرها كان كوريا الشمالية.  سعت ليبيا إلى تطوير قدراتها الذاتية لبناء أجهزة الطرد المركزي من خلال شراء المعادن عالية النقاوة التي تستخدم في بناء تلك الأجهزة مثل الألمنيوم والحديد بالإضافة إلى شراء المكائن الخاصة التي تقوم بالتصنيع والتعاون مع مصانع خاصة في عدة دول في العالم التي تمتلك القدرة على تصنيع تلك المعدات الدقيقة.

كانت نية ليبيا واضحة وصريحة وهي بناء سلاح نووي، ولذلك سعت للحصول على المعلومات حول تصميم القنابل النووية من عدة مصادر منها الخبير الباكستاني عبد القدير خان في عام 2001م. وكذلك حصلت بحسب المخابرات الأمريكية على المعلومات الخاصة بقنبلة نووية صينية تم تفجيرها في الستينات من القرن الماضي وزودت الباكستان بتلك التصاميم.  المشكلة الأساسية التي تشير إليها تقارير وكالة الطاقة النووية حول المشروع الليبي هو إقرار المسؤولين الليبيين بأنهم لم يكونوا يمتلكون القدرات الفنية لفهم وتقدير درجة مصداقية تلك التصاميم.  بعد أحداث أيلول وغزو أفغانستان والعراق قام مبعوثون من القذافي بالاتصال بالمخابرات البريطانية والأمريكية للوصول إلى تفاهمات تتخلى بموجبها ليبيا عن مشروعها النووي وتقدم جميع التفاصيل عن المشروع وتعترف بالمسؤولية عن تفجير طائرة (بان آم) وتفجير برلين وتقدم تعويضات مجزية لضحايا الحادثين مقابل رفع العقوبات عن النظام.  وبالفعل فقد وافقت حكومتا توني بلير وجورج بوش على تلك الصفقة.

   

العلاقات في مرحلة ما بعد القذافي

كانت نهاية نظام القذافي في عام 2011م، مأساوية بكل المعايير لأنها شكلت نهاية محنة وبداية أخرى جديدة للشعب الليبي حاله حال جميع الشعوب التي كانت خاضعة للأنظمة الشمولية لأن تلك الأنظمة تمثل حالة سرطانية تقضي على مؤسسات الدولة وتصيب النسيج الاجتماعي في مقتل. لأن ذلك ترك الشعب الليبي في وضع لم يجد ما يستند إليه في إقامة منظومة الحكم الجديد فليس هناك مؤسسات دولة تقدم الخدمات وليس هناك مؤسسات أمنية ترعى الأمن ولا جيش يحمي الحدود فأصبحت ليبيا ساحة للفوضى والصراعات الإقليمية والدولية.

قامت عناصر من مجموعة "أنصار الشريعة" في الحادي عشر من سبتمبر 2012م، بمهاجمة مقر البعثة الأمريكية في بنغازي وحرقه الذي تسبب بمقتل دبلوماسيين أمريكيين أحدهما السفير الأمريكي إلى ليبيا كريستفور ستيفنس ودبلوماسي آخر وفي عصر ذات اليوم هاجمت نفس المجموعة مبني آخر تابع للبعثة الأمريكية تسبب بمقتل شخصين يعملان في المخابرات الأمريكية.  بالمناسبة فقد كان لدى المخابرات الأمريكية برنامجًا للتقصي وإحصاء وجمع الصواريخ المضادة للطائرات المحمولة على الكتف والتي تسربت من مخازن أسلحة النظام الليبي السابق والتي تخشى أمريكا وصولها إلى جماعات إرهابية عابرة للحدود. وقد نشرت "صحيفة نيويورك تايمز" تقريرًا نقل عن مصادر أمريكية وأوروبية بأنه وعلى الرغم من قلة المعلومات عن الحادث إلا أن المسلحين الذين هاجموا القنصلية الأمريكية كانوا على درجة عالية من التدريب مع امتلاكهم أسلحة متقدمة وأن الهجوم كان على مستوى من التخطيط المسبق.  وقد أكد هذه المعلومات محمد المقريف رئيس المؤتمر الوطني الليبي عام 2010م. 

أثارت الحادثة الكثير من اللغط وردود الأفعال خصوصًا في الكونغرس الذي كانت تسيطر على مجلسيه أغلبية جمهورية حيث أجرى العديد من الجلسات التحقيق حول الحادث وقد أصدر مجلس النواب تقريرًا في 2013م، اتهم فيه الإدارة الأمريكية وخصوصًا وزيرة الخارجية آنذاك هيلاري كلينتون بالتقصير وأورد معلومات أفادت بأن الوزارة كانت لديها معلومات مسبقة عن الحادث ولم تتخذ الإجراءات اللازمة لحماية الدبلوماسيين.  بغض النظر عن التفاصيل فإن العملية والنزاع السياسي الذي تبع العملية ساهما مساهمة في إضعاف الوجود الأمريكي المباشر في ليبيا.

 

الموقف الأمريكي من الصراع الليبي

شكلت نتائج انتخابات مجلس النواب في ليبيا عام 2014م، نقطة محورية في تأريخ ليبيا الحديث من خلال ترسيخ حالة الانقسام الداخلي الذي تحول إلى صراع مسلح بين معسكرين الأول يمثل المجلس الانتقالي الذي انتهت مدته والثاني يمثل مجلس النواب الجديد الذي جاء من خلال انتخابات كانت نسبة المشاركة فيها قليلة بسبب الوضع الأمني. ضعف مؤسسات الدولة ومنها الجيش والجهات الأمنية التي خلفها نظام القذافي وكذلك ضعف الأداء الإقليمي كانت جميعًا عوامل مساعدة في تعميق حالة الانقسام، الأمر الذي ترك الباب مفتوحًا أمام صراع الأجندات الخارجية التي جعلت من ليبيا ساحة لصراعات دولية بالوكالة.  اتخذت الحكومة الأمريكية سياسة حذرة عبر عنها السفير الأمريكي ريتشارد نورلاند الذي زار طرابلس برفقة الجنرال ستيفن تاونزند قائد القوات الأمريكية الخاصة بإفريقيا حيث أشارا إلى دعوة الحكومة الأمريكية لجميع أطراف الصراع في ليبيا بوقف القتال والعودة إلى طاولة المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة.  هذه السياسة جعلت الموقف الأمريكي أقرب إلى حكومة الوفاق في طرابلس.  الدعم الأمريكي لحكومة الوفاق لن يصل إلى الحد الذي يمكنها من حسم الصراع عسكريًا لأن هناك عدة عوامل أخرى تساهم في تعقيد المواقف الأمريكية تجاه القضية الليبية، لعل من أهمها:   

 

  • أن ما يجري في ليبيا هو جزء من الصراعات المشتعلة في المنطقة التي تهدف ليس لشيء سوى تدمير البنية التحتية لدول المنطقة وتفكيك مجتمعاتها مثل ما جرى ويجري في العراق وسوريا وغيرهما وذلك على أساس الرؤية التي عبر عنها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر حين قال في التعليق على الحرب العراقية-الإيرانية "أنه من المؤسف أن كلا الطرفين لا يمكن أن يخسرا الحرب". ولذلك لا نرى حرصًا دوليًا على إيجاد حل سلمي للقضية مع غياب قدرة أي من الأطراف على تحقيق الحسم العسكري وفرض الأمر الواقع.
  • الوجود الأمريكي المباشر على الساحة الليبية صار ضعيفًا بعد حادثة بنغازي حيث أصبحت تدير الأزمة عن بعد من خلال مراقبة الأطراف المتصارعة في ليبيا مثل فرنسا إيطاليا وتركيا وروسيا والأطراف الإقليمية وهي تستنزف قواها بصورة مباشرة أو عن طريق شركاء محليين سعيًا وراء تحقيق مكاسب محلية وإقليمية. هذا الموقف لن يكلف الولايات المتحدة الكثير لأن أي من الأطراف المتصارعة لن يتمكن من حسم الموقف على الأرض من دونها، ولذلك فإن إطالة أمد الصراع في ليبيا لا يمثل خطرًا على مصالحها كما وأنه يأتي بمنافع إضافية استنزاف القوى الخارجية المتصارعة خصوصًا روسيا مما يمهد الدور لكي تلعب الولايات المتحدة الدور الحاسم في التسوية الليبية والتي قد يتم التوصل إليها في مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية القادمة وكذلك تنشيط سوق السلاح العالمي الذي تعتبر الولايات المتحدة المستفيد الأكبر منه.
  • تشكل قضية الهجرة غير الشرعية من إفريقيا إلى أوروبا هاجسًا مهمًا بالنسبة للدول الأوروبية حيث تشكل ليبيا البوابة الأهم بالنسبة لتلك الهجرة التي تشكل محورًا مهمًا من محاور الحوار الأمريكي-الأوروبي حول القضية الليبية.
  • الصراع في ليبيا يمثل جبهة من جبهات الصراع على السيطرة على حقول النفط والغاز في البحر المتوسط. كما أشرنا سابقًا فإن استكشاف الغاز في البحر المتوسط جاء بمثابة بارقة الأمل بالنسبة للعديد من الدول الأوروبية التي كانت تعاني من أزمات اقتصادية حادة مثل اليونان وفرنسا وإيطاليا. هذه الدول وخصوصًا فرنسا دخلت بقوة إلى منطقة البحر المتوسط بحثًا عن مصالح اقتصادية واستراتيجية تخرجها من أزمتها الاقتصادية وتضعها في موقع المنافسة على القيادة الأوروبية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتقاعد أنجيلا ميركل. هذه السياسة تفسر الاندفاع الفرنسي في لبنان بعد انفجار الميناء في بيروت خصوصًا وأن لبنان هو دولة ساحلية مطلة على أحد أكبر حقول الغاز الطبيعي في البحر المتوسط.

    

خلاصة القول بأن الموقف الأمريكي من القضية الليبية هو العمل على احتواء الأزمة من خلال التأكد من عدم خروجها عن الحدود المطلوبة وتحولها إلى صراع دولي يشمل العديد من الدول الحليفة وكذلك الحيلولة دون تحقيق أي من أطراف النزاع الحسم العسكري على الأرض الذي قد يضعف الدور الأمريكي في المستقبل.  هذا الموقف مبني أيضًا على أساس أن حسم القضية الليبية متروك للإدارة القادمة بعد انتخابات الرئاسية في نوفمبر القادم.  ولذلك فإن نتيجة الانتخابات سوف تكون لها آثار كبيرة على مستقبل القضية الليبية وأسلوب معالجتها والنتائج التي سوف تسفر عنها.

مقالات لنفس الكاتب