أوروبا جادة في مواجهة تركيا وأمريكا لن تتخلى عن اليونان وفرنسا

الإثنين، 28 أيلول/سبتمبر 2020

دخلت تركيا ومعظم الدول العربية في السنوات الأخيرة في أزمات وخلافات كبيرة، وقد أخذت هذه الخلافات بالتطور حتى بلغت حد التدخل العسكري التركي في أكثر من بلد عربي، بينما لم تعتد الدول العربية على رؤية التدخل التركي في الأراضي العربية عسكريًا طوال قرن مضى، وإذا ما حصل من خلاف بينهما في بعض القضايا منذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923م، فقد كان لأسباب حدودية في الغالب، مثل الخلافات التركية مع العراق وسوريا، كانت محدودة جدًا ومفهومة الأسباب والحلول.

وقد بدا الموقف التركي بصورة إيجابية وتعاونًا مع الدول العربية في السنوات العشر الأولى من حكم حزب العدالة والتنمية، فيما عرف بسياسة "صفر مشاكل"، حيث توجه فتح آفاق تعاون واتفاقيات استراتيجية كثيرة مع كل الدول العربية، ولكن صفر مشاكل كانت قصيرة العهد، مثل شهر العسل، وأخذت الخلافات التركية ــ العربية تتأزم كثيرًا مع عدد من الدول العربية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وظلت مرشحة لمزيد من الصراعات في السنوات القادمة، وبالأخص في الملف الليبي، ما لم يتم وضع حد لهذا الخلاف أولاً، ومعالجة أسبابه بالتفاوض والتفاهم في العلاقات المباشرة بينهما ثانيًا، ووضع أسس من الدبلوماسية السلمية المباشرة بينهما ثالثًا، أو من خلال مؤسسات معنية بحل المشاكل بينهما مثل منظمة التعاون الإسلامي وغيرها.

تركيا وليبيا

لا تقوم العلاقات بين الدول صداقة أو عدوانا، سلمًا أو حربًا، إلا على أساس المصالح التجارية والأرباح الاقتصادية المتبادلة، وقبل خروج احتجاجات 17 فبراير 2011م، كان لتركيا علاقات تجارية كبيرة مع ليبيا في عهد معمر القذافي، ولذلك لم تؤيد الحكومة التركية برئاسة رجب طيب أردوغان في ذلك الوقت تلك الاحتجاجات ولم تتدخل لإسقاط معمر القذافي، بل وثقت علاقاتها مع نظام القذافي أثناء الثورة الليبية عام 2011م، بسبب مصالحها الاقتصادية وحرصها على تواجد العمالة التركية الكبيرة في ليبيا، ومواصلة تنفيذ المشاريع الموقع عليها من قبل، إضافة إلى رغبة جامحة بتوسيع هذه العلاقات الاقتصادية مع ليبيا القذافي، وقد أدرك المحللون السياسيون المتابعون لما عرف بثورات الربيع العربي أن الحكومة التركية كانت ضد الثورة الليبية واتهموها أنها تقيس بمعيارين، فهي تؤيد كل تلك الاحتجاجات أو الثورات باستثناء الثورة الليبية، وقد وجدت الحكومة التركية الحرج من ذلك وأخذت تدافع عن مواقفها المتناقضة، ولكن النهاية المأساوية لمعمر القذافي فرضت على الحكومة التركية تغيير موقفها، وعملت على بناء علاقات حسنة مع الحكومات الليبية الجديدة بعد عهد القذافي، وبالأخص الحكومات والاتفاقيات والتصالحات بين أطياف الشعب الليبي التي أشرفت عليها الأمم المتحدة، والتي أصبح بعضها فيما بعد منخرطة أو متهمة بأنها جزء من المشروع الإسلامي السياسي التابع للإخوان المسلمين في بعض الدول العربية.

كانت الضربة القاصمة التي تلقها مشروع الإسلام السياسي في المنطقة عمومًا وفي شمال إفريقيا خصوصًا هي إخراج الإخوان المسلمين من السلطة السياسية في مصر بثورة 3 يوليو 2013م، على يد وزير الدفاع المصري عبدالفتاح السياسي، وقد بدا الانقسام السياسي على الموقف من عزل الرئيس المصري محمد مرسي بتاريخ 20 يونيو/حزيران 2012م، معيارًا لما يقع في المنطقة العربية والإسلامية وشمال إفريقيا من تحالفات أو انقسامات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، وقد وضعت الحكومة التركية نفسها في محور الدول المؤيدة لمشروع الإسلام السياسي في المنطقة، والذي تعبر عنه الحكومة التركية وحزبها الحاكم "حزب العدالة والتنمية" على أنه دعم للديمقراطية وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وبذلك أصبحت تركيا في نظر الدول المعارضة لمشروع الاسلام السياسي، دولة شاذة عن شبه الإجماع الرسمي العربي والإسلامي عمومًا، بل أخذت حكومات حزب العدالة والتنمية التركية تتورط أكثر فأكثر في دعم الدول التي يجد فيها مشروع الإسلام السياسي والإخوان المسلمين على وجه التحديد رواجًا ودعمًا سياسيًا وماليًا، مثل قطر وتونس وليبيا، بل اتخذت قيادات الإخوان المسلمين الهاربة من مصر تحديدًا، ورجالات المعارضة السياسية العربية الفارة عمومًا من تركيا دولة هجرة وملاذ ولجوء سياسي آمن، وهو الأمر الذي وسع من هوة الخلاف بين تركيا ومعظم الدول العربية عمومًا، والدول العربية الخليجية على وجه الخصوص، باستثناء قطر وسلطنة عمان، أما مصر فقد بقيت على خلاف سياسي كبير مع تركيا بسبب موقفها السياسي من أحداث 3 يوليو 2013م.

لقد وجدت تركيا في حكومة الوفاق الليبية والاعتراف الدولي بها آنذاك متكأً أو مستندًا لتثبيت تدخلها في شمال إفريقيا عمومًا وفي ليبيا خصوصًا، وقد وثقت الحكومة التركية علاقاتها مع حكومة الوفاق برئاسة السراج بتوقيع اتفاقيات سياسية وأمنية واقتصادية واتفاقية الحدود البحرية بين البلدين نهاية عام 2019م، بهدف دعم الحكومتين لبعضهما بعضًا، وبالأخص لتمرير المشروع أو الرؤية التركية لما تراه من حقوق لها في حدودها الزرقاء، أي في حدودها المائية في البحار التي تحيط بتركيا من كل جانب، وبالأخص في البحر الأبيض المتوسط، والذي مهدت باتفاقها مع حكومة الوفاق لرؤية نفسها دولة تحقق أهدافها السياسية والأمنية والعسكرية بالاتفاقيات الدولية، بالرغم من اعتراض العديد من الدول عليها، وبالأخص الدول التي لها حدودًا عليها، مثل مصر واليونان وقبرص الرومية وغيرها، وبالأخص أن الاتفاقية التركية ـــ الليبية وقعت مع حكومة السراج المنتهية ولايتها من الناحية القانونية.

هذه المكاسب التي تحققها تركيا مع حكومة الوفاق الليبية برئاسة السراج من أكثر الأسباب التي جعلت الحكومة التركية تدعم حكومة السراج في صراعه الداخلي مع الجنرال خليفة حفتر ، والذي يستمد مشروعيته من البرلماني الوطني الليبي المتواجد في طبرق وغيرها من المدن الليبية بما فيها طرابلس العاصمة، ولكن الركيزة الأساسية للبرلماني الوطني الليبي في طبرق برئاسة عقيلة صالح، والتي تجد دعمًا من حكومات أوروبية ومن روسيا وبعض الدول العربية، بينما تمسك أمريكا برئاسة ترامب العصى من المنتصف من الصراع في ليبيا، فتظهر مواقف غير معارضة لتصرفات تركيا في ليبيا وشرق المتوسط، كما تظهر في الوقت نفسه مواقف مؤيدة لحكومة طبرق ووزير دفاعها الجنرال خليفة حفتر، كما تتهم الحكومة الليبية عددًا من الدول العربية بدعم حكومة وبرلمان طبرق وخليفة حفتر ، منها مصر والسعودية والإمارات، بينما مواقف تونس والجزائر والمغرب غير مستقرة وتفضل الحل السياسي في ليبيا، وهي حذرة من التحركات التركية شمال إفريقيا، وضد أي تواجد عسكري تركي فيها.

تركيا ورؤيتها للنظام الدولي قيد التشكيل إقليميًا ودوليًا:

في النظام الدولي السابق وأيام الحرب الباردة كانت تركيا جزءًا من الحلف الغربي السياسي والعسكري، وترتبط بالغرب ارتباطًا عضويًا لا تملك أن تنفك عنه سياسيًا ولا عسكريًا، والانقلابات العسكرية التي وقعت في تركيا في القرن الماضي كان من أهم أسبابها محاولة بعض الحكومات التركية الابتعاد عن الغرب ، أو محاولة بناء نوع من التعاون الاقتصادي مع المنظومة الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت، ومع انتهاء النظام الدولي القديم فقدت تركيا أهميتها الاستراتيجية للغرب في المجال الاقتصادي والسياسي، كما ضعفت الحاجة العسكرية إليها وإن لم تنته بعد، لأن روسيا الاتحادية لم تتوقف عن سعيها لبناء قوتها العسكرية الجديدة، ومحاولة استرجاع مكانتها في النظام الدولي الجديد غير المكتمل إنشاؤه حتى الآن منذ عام 1990م.

إن تراجع الاهتمام الخارجي بتركيا جعل حكوماتها في بداية القرن الحادي والعشرين تبحث عن هوية سياسية وقوة عسكرية وحضارية خاصة بها، وبالأخص بعد رفض دول الاتحاد الأوروبي قبول عضويتها الكاملة فيها، وبعد أن أخذت الحركة الإسلامية التركية بزعامة نجم الدين أربكان تحديد هوية تركيا السياسية مع الشرق عمومًا ومع دول العالم الاسلامي الكبرى، وبعد أن أخذت مشاعر الشعب التركي تتبنى مشاكل العالم الًسلامي أكثر فأكثر وتتظاهر وتحتج من أجلها، مثل قضية القدس وفلسطين، وقضية قبرص التركية، وأزمات الاحتلال الأمريكي للعراق 2003م، وغيرها، والذي تزامن مع وصول حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان إلى السلطة السياسية، الحزب ذو الهوية الإسلامية شعبيًا، وذو الهوية العلمانية الغربية سياسيًا، فامتزجت هوية الشعب التركي وحكومته بين متناقضات الشرق والغرب، وبين دواعي الانتماء أو التحرر من الشرق ومشاكله الكثيرة، لقطاعات كبيرة من الشعب التركي، ممثلة في معظمها في الأحزاب السياسية التركية الشعبوية والأيديولوجية والقومية والعرقية والطائفية والمحافظة وغيرها.

هذا التشكيل المأزوم للهوية التركية منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، والذي هو نتاج صراع هويات متعاكسة بين ميراث الدولة العثمانية وميراث الجمهورية الأتاتوركية، جعل الحكومة التركية العلمانية لحزب العدالة والتنمية وهي في السلطة السياسية تتبنى مشروع الانتماء للتراث العثماني دون التخلي عن ميراث الجمهورية الأتاتوركية، وإلا واجهت الانقلاب العسكري والشعبي كسابقتها من الحكومات التركية في القرن العشرين، فحكومة حزب العدالة والتنمية منذ عشر سنوات في صراع داخلي ثقافي وحضاري، وانقسام شعبي لا تعرف له نهاية ولا مخرجًا، فلا يملك جزء من الشعب التركي هزيمة جزئه الآخر إلا بتدخل خارجي، أو أن ينجح أحد الأطراف المتنازعة إثبات نجاعة علاجاته الاقتصادية، وهو ما حاول حزب العدالة والتنمية النجاح فيه حتى عام 2012م، ولكنه أخذ بالتراجع والخسارة بعدها، ومعظم استطلاعات الرأي لعام 2020م، تشير إلى أن الانتخابات القادمة ستخرج حزب العدالة والتنمية من الحلبة السياسية مهزومًا.

لذا فإن كل التدخلات الخارجية لحكومات حزب العدالة والتنمية تزامنت مع هذه المرحلة الصعبة على حزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب طيب أردوغان، فهي محاولات لإرضاء القاعدة الحزبية للحزب أولاً، ولإرضاء القاعدة الشعبية الانتخابية المحافظة ثانيًا، وزادت الصعوبات الاقتصادية في السنوات الأخيرة من مبررات التدخل العسكري التركي في أزمات المنطقة ثالثًا، بما فيها في سوريا وليبيا والعراق وغيرها.

إن زيادة وتيرة الأزمات التركية في الخارج بهدف التغطية أو تجاوز أزمات الداخل، لن تكون نتائجه مضمونة النجاح، وليس من الحكمة صناعة أزمات في الخارج قد ترضي أو تلهي الداخل عن أزماته الشعبية والاقتصادية والقومية والعرقية وغيرها، وقطاع كبير من الشعب التركي يرى أن الحكومة التركية قد دخلت مراهنات ومجازفات خطيرة بخوضها لمعارك وحروب وخلق عدوات مع دول وشعوب الدول العربية في شمال إفريقيا والدول المتوسطية العربية والأوروبية، فهم غير مقتنعين بأن الحاجة للنفط والطاقة وحدها مبررًا كافيًا لمثل هذه المشاكل.

تركيا وقدراتها السياسية والاقتصادية والعسكرية:

يرى البعض أن تركيا اليوم ليست تركيا التي وقعت اتفاقية سيفر عام 1921م، والتي سارعت بإلغائها، وأنها ليست تركيا التي وقعت اتفاقية لوزان عام 1923م، والتي أقيمت الجمهورية التركية الأتاتوركية على أساسها، فتركيا اليوم أقوى سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، ولكنها ليست في قوة تكفي لتكون دولة مؤسسة لنظام عالمي جديد أولاً، وليست دولة تستطيع أن تكون دولة عظمى عالميًا ولا دولة عظمى إقليميًا، فما وقع للجمهورية العراقية عام 2003م، كان لمنعها من أن تكون قوة عظمى في إقليمها، وما يجري اليوم مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية من عقوبات كبيرة هو لمنعها أن تكون قوة عظمى في إقليمها أيضًا، ولن يكون الحال أقل سوءًا فيما لو حاولت تركيا لعب دورًا سياسيًا أو عسكريًا أكبر من حجمها وأكبر من قدراتها.

إن الترسانة العسكرية التي بنتها دول حلف الناتو وروسيا لا تزال في معظمها قائمة، والدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن لا تزال هي الدول الأقوى عسكريًا في الواقع، ولن تقبل التنازل عن مواقعها الدولية، وهذه الدول الأوروبية لن تتنازل عن هيمنتها على البحر الأبيض المتوسط بسهولة، وها هي فرنسا تحرك أكبر قطع أسطولها الحربي البحري "شارل ديغول" إلى البحر المتوسط، وأمريكا أجرت مناورات عسكرية مع الجيش اليوناني في البحر المتوسط قبل أسابيع، وأمريكا نفسها رفعت الحظر عن تزويد قبرص اليونانية من الأسلحة الأمريكية، غير مكترثة بالاعتراضات التركية، ومؤتمر وزراء الخارجية للاتحاد الأوروبي بتاريخ 13 أغسطس الشهر الماضي أعرب عن دعمه للموقف اليوناني ضد تركيا، بل هدد بفرض عقوبات على الاقتصاد التركي إن تمادى في تحركاته في المتوسط، بينما رفض حلف شمال الأطلسي الناتو تقديم دعم مطلق للموقف اليوناني لاعتبارات عسكرية تخص الناتو ولا تخص علاقاتها مع تركيا فقط، مما يدل على تباين بين الناتو والاتحاد الأوروبي من تركيا، وبالأخص في الجانب العسكري.

تركيا ومخاطر توسيع نفوذها في المتوسط:

إن تركيا أمام خطورة كبيرة إن هي اعتمدت على قوتها العسكرية فقط، مهما كانت واثقة منها، فالدول الغربية تملك من القوة ما يمكنها من فرض سيطرتها على المتوسط، ومنع ظهور قوة دولية جديدة لتركيا أو غيرها، ولا يمكن المراهنة على حصد نتائج معركة محدودة، بينما لا تحقق شيئًا من المكاسب السياسية لتركيا أو غيرها، لأن الدول الأوروبية ستكون جادة في مواجهة النفوذ التركي في المتوسط، وأمريكا لن تقف إلى جانب تركيا إذا وقعت اشتباكات بين تركيا واليونان، أو بين تركيا وفرنسا، وكذلك سوف تتغير مواقف ألمانيا وإيطاليا أيضًا، فإيطاليا تريد مكاسب مالية من ليبيا في منافستها لفرنسا، ولا تريد ولا تسعى لحروب مع دول أوروبية إطلاقًا.

إن إعلان تركيا عن شروع روسيا بإقامة مناورات عسكرية لها في شرق المتوسط لها دلالات مهمة، فلم يأت الإعلان من وزارة الدفاع الروسية وإنما من قبل الحكومة التركية، وهذا مؤشر على اعتبار روسيا أن هذه المياه البحرية شرق المتوسط هي من المياه البحرية التركية، وأن تركيا هي صاحبة الصلاحية بالإعلان عن هذه المناورات، وقد جاء الإعلان عنها من تركيا بعد إعلان الولايات المتحدة الأمريكية رفع الحظر عن تزويد قبرص اليونانية من الأسلحة الأمريكية، وكأن دخول روسيا على نزاعات المتوسط هي أقرب إلى تركيا من الناحية الاستراتيجية منها إلى اليونان، بالرغم مما يربط روسيا باليونان من علاقات سياسية ودينية.

إن السيناريوهات المتاحة أو الممكنة لتركيا لإنهاء هذه الأزمة أو خوضها غير واضحة حتى الآن، فالمساعي الحثيثة للأمين العام لحلف الناتو هي البحث عن حل سلمي وتوصل إلى اتفاق بين تركيا واليونان العضوين في حلف الناتو، وقد وافقت تركيا على ذلك بحسب تصريحات وزير خارجيتها جاويش أوغلو يوم 4 سبتمبر/أيلول الجاري، بينما رفضت اليونان الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

إن الخيار العسكري صعب جدًا على تركيا واليونان وكل دول المنطقة، ونقطة الخلاف هي في التوصل إلى اتفاق يتم فيه تحديد الحدود المائية لكل دول المنطقة بحسب القانون الدولي، سواء وجد النفط والغاز فيها أم لم يوجد، ووجود الغاز في مياه إقليمية لدولة ما من دول المتوسط لا يجعل من حق دولة أخرى أن تسيطر عليه بالقوة العسكرية، مهما كانت قوتها العسكرية.

إن العمل على رفع أسباب التوتر بين دول المتوسط بمساعيها الفردية هو خير وسيلة لجلوس الدول إلى طاولة المفاوضات، دون الحاجة إلى العسكرة مع دول إقليمية أخرى، ودون الحاجة بصورة أكثر خطورة مع الدول الكبرى، مثل فرنسا أو أمريكا أو روسيا، فالدولة الفرنسية والمواقف المتشددة للرئيس ماكرون من تركيا ربما كانت هي السبب في تصلب الموقف اليوناني نحو الحل السياسي والدبلوماسي، وكذلك الإشارات الأمريكية المتناقضة من قضية النزاع في المتوسط أو النزاع في ليبيا تزيد من عرقلة الجهود الصادقة لإيجاد حل تفاوضي، وهذا الدور الأمريكي المشبوه لعبته أمريكا في سوريا وفي العراق وفي اليمن وأفغانستان وكشمير وغيرها، فالتذبذب الأمريكي هو السمة البارزة لأي تدخل سياسي أو عسكري، فهو لا يحسم المشاكل ولا يحلها بل يزيد من أمدها وعمرها وتعقيداتها من الناحية الواقعية.

إن الاتصالات التي يقوم بها الناتو أولاً هي الأمل الأكثر واقعية لمنع نزاع عسكري لن يكون أحد أطرافه رابحا إطلاقًا، فالحل العسكري ينبغي استبعاده، وتدخل روسيا على خط النزاع في شرق المتوسط قد يقوي الموقف التركي درجة، ولكنه لا يهدف إلى ذلك بقدر ما يهدف إلى جذب تركيا إلى جانبه في كل نزاعات المنطقة من سوريا إلى ليبيا إلى أوكرانيا وجزيرة القرم وغيرها، فضلاً عن رغبته بتزويد تركيا بأحدث الأسلحة والصواريخ الدفاعية المتطورة، لتحقيق مكاسب تجارية وعسكرية وسياسية واقتصادية، فتركيا تبحث عن مصالحها في نزاعات المتوسط، مع رغبتها أن لا تطول هذه النزاعات، وهذه نقطة التباين بين الرؤية الروسية والأمريكية لحل الأزمات في منطقة المتوسط والعالم.

تركيا بين مكاسب السلام ومخاطر الحرب:

إن ما يعني الحكومة التركية في هذه النزاعات المضطربة في المنطقة هو عدم التسرع في دخول حرب غير معلومة العواقب، وأكبر خطورة على تركيا أن تدخل حربًا وهي في مرحلة بناء نهضتها، فستكون الحرب خسارة لها بكل المقاييس، وهي في الوقت نفسه تعاني من انقسام شعبي كبير ضد سياسات الحزب الحاكم في سياساته الخارجية منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة السياسية عام 2002م، وهذه نقطة خلاف وخطورة أما القرار السياسي والعسكري التركي، ويضاف إلى ذلك تدهور الأوضاع الاقتصادية الداخلية والخارجية، فإذا كانت حقوق النفط والغاز في المتوسط ستوفر لتركيا عددًا من المليارات من الدولارات، فالحروب سوف تستهلكها ؛ وأضعافها معها، لذلك على صاحب القرار في تركيا أن يتجنب حروباً قاسية ومدمرة لا يقبل بها الشعب التركي ولا يسعى لها.

إن خطورة الوضع العسكري في المتوسط تستدعي من عقلاء السياسيين في دول المنطقة أن يعودوا جميعًا إلى تصفير المشاكل بينهم، فهذا سيحفظ أرواح الشعوب البريئة أولاً، وسيحفظ الإمكانيات المالية والاقتصادية لاستثمارها في رفاهية الشعوب بدل تدميرها وخسارتها في الحروب، ولا يستطيع أحد أن يضمن نتائج حرب مسبقًا، وبالأخص في الحروب التي تختل بها موازين القوى، وتنهار فيها التحالفات لأسباب كثيرة، إن تركيا أمام خيار بناء ذاتها داخل حدودها وحمايتها من التدخل الخارجي، وأمام تحدي بناء قوتها مع دول إقليمها وجوارها وعدم التدخل في شؤونهم الداخلية حتى تضمن عدم تدخلهم في شؤونها الداخلية أيضًا.

مقالات لنفس الكاتب