صياغة دور الولايات المتحدة لصراعات منطقة البحر الأبيض المتوسط

الثلاثاء، 29 أيلول/سبتمبر 2020

أدى انفصال الولايات المتحدة المتزايد عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والذي بدأ في فترة رئاسة أوباما، وتسارعت خطواته في ظل إدارة ترامب الحالية، إلى خلق فراغ جوهري جديد. ويتجلى ذلك بوضوح مع تمهيد الطريق للعمليات الروسية والتركية لتعمل بشكل حاسم في سوريا وليبيا مؤخرًا. وتعتبر الولايات المتحدة هذه المنطقة إحدى أهم مصالحها الاستراتيجية، وبخاصة من حيث احتواء التدخل الروسي والصيني من خلال اتفاقاتها وحلفائها الإقليميين. ويعد الشغل الشاغل للسياسة الخارجية الأمريكية في منطقة البحر الأبيض المتوسط هو الحفاظ على طرق التجارة البحرية الآمنة، مثل قناة السويس. وفي هذا الصدد، سعت الولايات المتحدة للحد من فرص المواجهة بين دول المنطقة، وخاصة في الوقت الحالي في ضوء صراعات القوى مؤخرًا بين أعضاء الناتو تركيا واليونان، وربما فرنسا، وذلك في سياق التوترات في شرق البحر المتوسط.

 

ليبيا: الفترة الانتقالية، والصراع وسياسة الولايات المتحدة

مثلما ذكرت وزارة الخارجية الأمريكية، فإن الولايات المتحدة "ملتزمة بتقديم مساعدات تستهدف تعزيز المصالحة السياسية في ليبيا" بالإضافة إلى زيادة قدرة ليبيا على السيطرة على مقاليد الأمور بفعالية. وتكمن مصلحة الولايات المتحدة في بناء دولة ليبية مستقرة ومزدهرة من خلال الحفاظ على وجود حكومة موحدة وشاملة يمكنها تأمين وتلبية الاحتياجات الاقتصادية للبلاد. وتواصل الشركات الأمريكية الاستثمار في قطاع النفط الليبي، وهو المصدر الرئيسي للنقد الأجنبي في ليبيا، حيث بلغ إجمالي الاستثمارات الأمريكية في ليبيا والتجارة بيم البلدين في السلع أكثر من 1.1 مليار دولار في عام 2019م.

لقد أثر التدخل التركي المتزايد في الصراع الليبي سلبيًا على استراتيجيات الدفاع والأمن الإقليمي للولايات المتحدة، ولذلك أدانت الولايات المتحدة وفرنسا التصرفات التركية في الأراضي الليبية، بما في ذلك انتهاك أنقرة لقرار حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، والذي بموجبه فرض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عقوبات ضد ليبيا، بما في ذلك حظر توريد الأسلحة والمعدات العسكرية من وإلى ليبيا، حيث أرسلت تركيا 6 سفن حربية تركية إلى ليبيا. وقد تؤثر هذه المصالح الإقليمية المتضاربة بين أعضاء حلف الناتو على مستقبل الحلف، مع الأخذ في الاعتبار المادة رقم 5 الخاصة بالدفاع الجماعي، حيث يُعتبر الهجوم على أحد أعضاء الحلف هجومًا على جميع الأعضاء.

 

الشكل رقم 1: تجارة الولايات المتحدة في السلع مع ليبيا

الأرقام الواردة بالجدول بملايين الدولارات ، وعلى أساس أسمي، 

الشهر

الصادرات

الواردات

الموازنة

يناير 2020

35.7

3.3

32.4

فبراير 2020

50.6

211.7

-161.1

مارس 2020

35.7

0.1

35.6

أبريل 2020

22.0

0.0

22.0

مايو 2020

10.9

0.0

10.9

يونيو 2020

42.3

0.0

42.3

يوليو 2020

30.8

0.1

30.8

الإجمالي لعام 2020

227.9

215.2

12.8

 

الشكل رقم 1: تجارة الولايات المتحدة في السلع مع ليبيا (مكتب الإحصاء الأمريكي: 2020)

  

ورغم أن الولايات المتحدة ساعدت في قيادة تحالف الناتو الذي أطاح بالقذافي في عام 2011م، إلا أن دورها محدودًا في الصراع الحالي في ليبيا، والذي يُشعله تحالفات متنافسة من الجماعات المسلحة. وقد أدانت الولايات المتحدة تورط روسيا في الصراع الليبي، ووصفته بأنه تدخل أجنبي بالقوة، ودعت الليبيين إلى وقف القتال، مع تسليط الضوء على دعم النظام الصحي الليبي في الجهود المبذولة لمكافحة جائحة كوفيد-19. ووفقًا لدائرة البحوث في الكونجرس (2020)، فقد زار السفير الأمريكي في ليبيا ريتشارد نورلاند، يرافقه قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) الجنرال ستيفن تاونسند ليبيا في يونيو 2020م، وأبلغوا مسؤولي حكومة الوفاق الوطني أن "جميع الأطراف بحاجة إلى العودة إلى وقف إطلاق النار والمفاوضات السياسية التي تقودها الأمم المتحدة." ومنذ عام 2011م، تبنى الكونجرس خطة تمويل لدعم العملية الانتقالية في ليبيا، وتقديم المساعدات الأمنية، وتحقيق الاستقرار، فضلاً عن تعزيز البرامج الإنسانية في ليبيا، والتي يمكن تحديدها في قانون مجلس النواب الأمريكي رقم 4644، ومجلس الشيوخ رقم 2934، "دعم الاستقرار في ليبيا". وتواصل القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا إثارة القلق بشأن النشاط العسكري الروسي في ليبيا.

 

إن المنظمات الإرهابية النشطة في ليبيا حاليًا، فضلاً عن ضعف البنية التحتية للأمن القومي الليبي، تُشكل جميعها تهديدات للجهود الأمنية الإقليمية التي تقودها الولايات المتحدة. ومنذ تدخل حلف شمال الأطلسي في ليبيا في عام 2011م، كانت السياسات الأمريكية تجاه الأزمة الليبية تنحصر في جهود احتواء وتخفيف آثار انهيار الدولة وحل النزاعات وتقديم الدعم لإنجاز عملية الانتقال السياسي. ويمكن تصنيف الاستراتيجية الأمريكية الحالية في ليبيا إلى ثلاث محاور رئيسية: (1) الحد من تسليح الجماعات المسلحة ودعم أجهزة الأمن الليبية؛ (2) مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية فيما يتعلق بالنواحي المالية للدولة الليبية، بالإضافة إلى (3) وقف أعمال التطرف العنيف.

 

طموحات القوى العظمى، والموانئ والطاقة

 

لقد شهد شرق البحر المتوسط مؤخرًا توترات جديدة على خلفية اكتشاف حقولاً للغاز، ووجود نزاعات قانونية حول هذه الحقوق. وهذه التوترات متجذرة بسبب الأزمة العالقة لجزيرة قبرص بين اليونان وتركيا.

 

ولقد شجع الاهتمام الجماعي بتعزيز احتياطيات الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​إلى زيادة التعاون بين قبرص واليونان وإسرائيل ومصر، وأعقبهم إيطاليا والأردن وفلسطين، وبلغت ذروة هذا التعاون في إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط ​في القاهرة في شهر يناير 2019، بدعم من الولايات المتحدة. ويظل التحالف التركي الروسي المتنامي في المنطقة، وعلى سبيل المثال شراء أنظمة الدفاع الجوي روسية الصنع من طراز إس-400 (S-400)، تهديدًا للهيمنة الأمريكية في المنطقة، لأنه يتيح الفرصة أمام روسيا للوصول إلى هذه المصادر الجديدة للطاقة، وامتلاك تأثير إقليمي أكبر.

 

ويمكن لتنامي علاقات الطاقة بين تركيا وروسيا أن يحد أيضًا من محاولات الولايات المتحدة لتطوير خطوط أنابيب متعددة في شرق البحر المتوسط. كجزء من سياسة الاحتواء الأمريكية الجديدة ضد تركيا، والتي أقرها مجلس الشيوخ في يونيو 2019. وتهدف السياسة الأمريكية في منطقة شرق البحر المتوسط ​​إلى منع دول المنطقة من الاعتماد على الطاقة الروسية التركية. وهذا أمر مهم للغاية بالنسبة للولايات المتحدة لأنها تسعى إلى إنتاج سوق غاز إقليمي قوي. وتُعد مشاركة الولايات المتحدة في منتدى غاز شرق المتوسط أحد الجهود الاستراتيجية الأمريكية المبذولة لوقف التأثير الروسي على موارد الطاقة المحلية.

 

الخلاصة:

 

نظرًا لدور الولايات المتحدة المحدود في المنطقة، فقد عززت دول مثل روسيا وتركيا وغيرها من القوى الإقليمية الفاعلة من موقفهم وتواجدوا في مناطق الصراع بمنطقة البحر الأبيض المتوسط، والأهم من ذلك أن المجتمع الدولي يشهد ديناميكيات استراتيجية جديدة، نظرًا لأن أعضاء الناتو في حالة صراع بسبب مصالحهم المتضاربة. وهذا الصراع سيؤثر على سياسة الولايات المتحدة ومشاركتها في النزاعات التي تشهدها منطقة البحر الأبيض المتوسط. وفي الغالب، ستظل الولايات المتحدة منخرطة سياسيًا وستتدخل عندما ترى أن هناك ضرورة لاحتواء التهديدات المستقبلية. ولذلك يتعين على جميع أعضاء الناتو تبنىي بذل جهود تعاونية للمشاركة في نهج شامل لإنهاء هذه الصراعات الإقليمية.

 

مقالات لنفس الكاتب