سيناريوهان للحل المؤقت و3 خيارات لإنهاء أزمة ليبيا والحلول مرتبطة بالتوافق الخارجي

الإثنين، 28 أيلول/سبتمبر 2020

عندما اندلعت الثورة الشعبية في تونس في شهر ديسمبر ٢٠١١م، وبعد أيام في مصر، لأسباب اجتماعية وسياسية، لم يخطر ببال كثير من المحللين أن الموجة الثورية ستمتد إلى ليبيا وبلدان أخرى، لأن الشعب الليبي كانت له من الثروات والامتيازات الاجتماعية ما يجعله لا يتأثر بالمد الثوري وسيسعى للامتناع عن التفريط في العيش الطيب.

لكن كان للشعب الليبي رأي آخر، فلم ينتظر طويلاً حتى انطلقت الاحتجاجات في منتصف فبراير٢٠١١م، وكانت سلمية في بداياتها لتتحول إلى مواجهات عنيفة، رافعة شعارات ضد الفساد وانعدام العدالة في توزيع الثروات وضد التخلف الذي يعيشه الشعب الليبي وضد قمع وظلم "اللجان الثورية" وغياب الحكم الديمقراطي، برغم الثراء الليبي والوضع الاقتصادي الطيب.

وفي خضم هذا الحراك صدر قراران من مجلس الأمن " ١٩٧٠" الذي فرض عقوبات دبلوماسية ومالية على النظام الليبي والقرار " ١٩٧٣" الذي حظر الطيران في الأجواء الليبية لحماية المدنيين، وحرم ذلك القرار النظام الليبي من استخدام قواته البرية وغطائها الجوي، للسيطرة على الوضع، ولم تقدر القوات المعارضة على حسم الموقف لصالحها في غياب العتاد والسلاح وقوة مدربة مقارنة بقوات النظام، فبلغت الحالة مرحلة الجمود على الميدان.

علما أن حكم العقيد معمرالقذافي امتد على ٤٢ سنة منذ١٩٦٩م، وبالرغم من كل الإصلاحات التي قام بها مجلس قيادة الثورة، أثارت السياسة الخارجية للقذافي على مرالسنين الكثير من التوترات والمصاعب، إضافة للقمع السياسي والتشديد على المعارضة والمجتمع المدني.

كانت المظاهرات التي انطلقت سلمية قد شكلت قوات الثوار" المجلس الوطني الانتقالي"(٢٧ فبراير٢٠١١م) كسلطة مؤقتة في المناطق التي تسيطر عليها، فشرعت القوات الحكومية في شن الغارات عليها، فرد الثوار ردًا عسكريًا خلف فظائع كبيرة. وامام تردي الأوضاع والانفلات الأمني قرر التحالف الدولي بقيادة "الناتو" التدخل عسكريًا لحماية المدنيين في ٢١مارس ٢٠١١م.

وفي٢٧يونيو٢٠١١م، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف في حق القذافي، وفي ٢٠ اغسطس٢٠١١م، سقطت طرابلس بيد الثواروأطيح بالعقيد القذافي من السلطة وانطلقت احتجاجات عارمة بلغت ذروتها في ٢٠ أكتوبر ٢٠١١م، بعدما نفذ الحلف الأطلسي ضربات جوية ضد قافلة القذافي خلال محاولتها الهروب، فقتل القذافي ودخلت البلاد في دوامة الفوضى وانتشار السلاح، وشهدت حربًا أهلية أولى وثانية مع تدخل العديد من الدول الأجنبية في الصراع وظل الوضع على غاية من التعقيد ومهيأ للانفجار في كل وقت.

  • فما هي طبيعة الصراع الإقليمي والدولي في ليبيا؟
  • ما هي الأسباب الحقيقية لهذا الصراع؟
  • وما مدى تأثير الأزمة الليبية على تونس؟
  • وماهي الخيارات المتاحة لحلحلة هذه الأزمة؟  

هذا ما سنحاول مناقشته في هذه الورقة.

 

١-طبيعة الصراع في ليبيا

أدى فرار الرئيس زين العابدين بن علي (١٤يناير٢٠١١م) إلى زلزال سياسي أدى في أقل من شهر إلى استقالة الرئيس حسني مبارك والى صدامات في ليبيا واليمن، والبحرين، وسوريا، والجزائر، وتدخل للقوى الغربية عسكريًا في الصراع الليبي. وربما تعود أهم أسباب ذلك إلى هشاشة النظام السياسي في ليبيا وضعف الإدارة وغياب جيش وطني فاعل، حيث تمكن القذافي خلال أربعة عقود من خلق نظام شمولي فريد. ومن خصوصيات هذا النظام أنه أنهى العمل بالبرلمان منذ١٩٦٩م، ومنع الأحزاب وضرب مركزية الإدارة وعوض جهاز الدولة بلجان محلية تسير شؤون الحياة. هذا النظام المرتكزعلى القبيلة وعلى المحليات فتت الحياة السياسية والاجتماعية وضرب الوحدة الوطنية. فحسب مبادئ هذا النظام، تحدد الإرادة الشعبية انطلاقًا من القواعد كل تنظيم الدولة، فأدت هذه الفكرة إلى انزلاقات كبيرة، أصبح بمقتضاها القذافي "حكمًا"، لكن يمسك بكل مقاليد السلطة وله الكلمة الفصل في إصلاح أخطاء الشعب وتوجيهه، وأرسي نظامًا يرتكز على الرعب والعقوبات العنيفة العشوائية.

في الحقيقة شهدت ليبيا ثورتين، الأولى في ٢٠١١م، مع بداية "الربيع العربي " بانطلاق الاحتجاجات للمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية فكان الرد بالعنف والقوة واستطاع الحراك الصمود فتشكلت مليشيات مسلحة. وعندما تمركزالثوار في شرق البلاد ببنغازي ومصراتة هددهم القذافي برد دموي، عندها تدخلت الأمم المتحدة بدون الحصول على توافقات وقرر حلف "الناتو" التدخل دعمًا للمعارضة وحماية للمدنيين، ولكن دون أن يتم إلقاء القبض على القذافي ومحاكمته تم قتله في أكتوبر٢٠١١م، فأصبح شهيدًا ورمزًا سياسيًا ووطنيًا في أعين أنصارة وأعطاهم ذلك مبرراتهم للانتقام ومواصلة المقاومة.

وبرغم تنظيم الانتخابات الأولى بعد سنة من ذلك التاريخ لاختيارأعضاء المؤتمر العام، الذي تم الاعتراف به دوليًا، ظلت ليبيا مجزأة تتقاذفها الفوضى، وأمام عجز الحكومة الجديدة في ظل تدهورالوضع الأمني على بسط نفوذها على كامل التراب الليبي وتأمين البلاد انطلقت الثورة الثانية في ١٤فبراير٢٠١٤م، حركها خليفة حفتر ، اذ استطاع في ظرف سنتين من الأخذ بقيادة جيش التحريرالوطني. وفرض شرعيته عندما حرر الجنوب الليبي. ومنذ ذلك التاريخ انقسمت البلاد إلى معسكرين، الأول بالشرق وله برلمان متمركز بطبرق تحت مراقبة المشير حفتر وبالغرب حكومة على رأسها فائز السراج.

في ربيع ٢٠١٤م، شن المشير حفتر هجومًا على طرابلس وأنهى اتفاق وقف إطلاق النار الموقع  في مايو٢٠١٧م، وكانت مآخذه على الحكومة عجزها وإطلاق يد المليشيات الإرهابية، واستقرت الجبهة على مسافة ٥٠ كم من طرابلس ؛ واتخذ من قاعدة الوطية الجوية الاستراتجية مكانًا لتجميع القوات وللإعداد اللوجستي للمعركة الفاصلة المرتقبة باحتلال العاصمة ، حصل حفتر على دعم بعض الدول كمصر والإمارات وروسيا وعلى أسلحة متطورة وطائرات لكن أدى طول الانتظاروالتردد وتأجيل الهجوم على العاصمة إلى انهيار معنويات قواته وتردد داعميه والتشكيك في مدى قدرته على حسم المسألة مما عجل بتدخل تركيا التي سعت بعد عقد اتفاقات مع حكومة الوفاق الوطني إلى قلب المعادلة وجعلت قوات حفتر تتقهقر وتصبح في حالة الدفاع بعدما كانت تهدد باحتلال العاصمة وطرد المجموعات الإرهابية منها.

 

واليوم تعيش ليبيا وضعًا معقدًا للغاية مع تواجد أكثر من ألف مليشيا مسلحة ذات توجهات سياسية وأيديولوجية متناقضة، وحال مقتل القذافي شهدت البلاد أعمالاً إجرامية متعددة انتقامًا من رجال النظام وبطشهم. وتعددت أشكال تلك المليشيات، من مجموعات بسيطة من خمسة أفراد أو أكثر، هواة ومرتزقة إلى مجموعات مكونة من عسكريين محترفين، فهناك مليشيات المدن ومليشيات الأحياء، ومليشيات الكتائب والقبائل والمليشيات الإسلامية والأجنبية، كل هيكل منها مستقل وله رؤيته ومواقفه ومصالحه.

 

-الثروات والرهانات والتحديات

لدى ليبيا ثروات طائلة واحتياطات ضخمة ما يجعلها هدفًا مميزًا للطامعين، ويضع أمام سياسييها رهانات جمة.

فهناك الحديد في وادي الشاطئ بالجنوب ويمثل أكبر الاحتياطات في المنطقة ويقدر بقرابة ٣٫٥ مليار طن، وفي "تاروت" احتياطي ٤٢٠ مليون طن من الخامات المغناطيسية ٥٥٪؜ من الحديد والذهب مع وجود اليورانيوم المتأكد في منطقة العوينات وحوض مرزق، وذلك مع كنزا لنفط  ذو الجودة العالية، إذ تحتل ليبيا المرتبة الخامسة عربيًا باحتياطي يبلغ٤٨٫٣٦ مليار برميل نفط واحتياطي من الغاز يقدر ب٥٤٫٦ ترليون قدم مكعب وتتوقع وكالة الطاقة الأمريكية أن يرتفع هذا الاحتياطي لقرابة الضعف ليمر العمر الافتراضي لإنتاج النفط من ٧٠ إلى ١١٢عامًا، بعد الإعلان أن الاحتياطي الليبي من النفط المخزون في الصخور والقابل للاستخراج يبلغ ٢٦ملياربرميل، كما تشير الوكالة إلى أن الاحتياطي من الغاز الليبي سيرتفع بدوره إلى ثلاثة أضعاف حيث سيبلغ ١٢٢ترليون قدم مكعب قابل للاستخراج من الصخور، كما تعد ليبيا مصدرًا لإمكانيات هائلة للطاقات المتجددة التي يمكن إنتاجها وتصديرها إلى أوروبا وتقدرالثروة المالية الموجودة في مصارف ودول أجنبية بنحو من١٠٠ إلى ١٦٠مليار دولارموزعة بين الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وهولندا إلى جانب أموال واستثمارات في فرنسا والبرتغال وإسبانيا وبلدان عربية وإفريقية عديدة.

 

 

ليبيا تعتبر بوابة أوروبا للعديد من المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء، فمنذ زمن القذافي شكلت البلاد ممرًا استراتيجيًا للمهاجرين، ولذلك تعد مسألة مكافحة الاٍرهاب من أهم التحديات في السياسة الليبية؛ مع انتشار السلاح بشكل كبير وتخوفاتها من انفلات الوضع وتفاقم العمليات الإرهابية على أراضيها سارعت دول أوروبية بالتدخل لفائدة هذا الطرف أو ذاك فأصبحت ليبيا حلبة صراع لمختلف القوي المتشددة والقوى الأجنبية.

 

تأثير الوضع الليبي على تونس

 

إن تأثير الوضع المتأزم في ليبيا وتواجد المليشيات المسلحة والمتطرفة وانتشار

السلاح وعدم قدرة السلطة القائمة على تأمين حدود البلاد وضبط الأمن والسيطرة على كامل مجالها، مع الفوضى المفروضة على بوابات العبور، يجعل تونس في وضع أمني صعب، تتهيب من تواصل تلك الفوضوي وذلك الوضع المتسم بعدم الاستقرار والذي يؤثر بشكل مباشر على الأمن والاستقرار وحركة المواطنين وعلى النشاط الاقتصادي.

لقد كان وقع الصراع الليبي على تونس ملموسا في كل المراحل منذ سقوط النظام في ليبيا، وكانت من أهم أضراره اضطراب الحركة التجارية بين البلدين، والتسبب في موجات نحو تونس، ففي بداية الثورة الليبية وعلى امتداد أشهر كان التوافد اليومي للمواطنين بآلاف جميعهم فار من القتال، فأنشأت تونس مخيمات قرب الحدود لاستقبال المهجرين ومع تزايد أعداد النازحين تدخلت الأمم المتحدة، ومنظمة غوث اللاجئين للمساعدة، وخلال سنوات عانت تونس من هذه المعضلة؛ تم ترحيل لاجئين من٤٥ جنسية إلى بلدانهم واستقر عدد كبير من الليبيين بعديد من المدن التونسية إلى اليوم، ومنذ الهجوم الأخير لحفتر وتمركز قواته على مشارف طرابلس، تزايد عدد الفارين واللاجئين إلى تونس بشكل ملحوظ.

قبل تدهور الوضع السياسي والأمني في ليبيا كان هذا البلد يمثل رافدًا اقتصاديًا هامًا لتونس ولعديد التونسيين إما بفضل النشاط التجاري المزدهر أو بفضل التحويلات المالية من طرف آلاف العمال. ونظرًا للأزمة الاقتصادية المستفحلة التي تمر بها البلاد التونسية منذ عقد من الزمن زاد تدهورالوضع الليبي من قلق تونس لما له من تاثيرات بالغة أمنية واقتصادية واجتماعية على البلاد.

-على المستوى الأمني

منذ انطلاق الثورة الليبية إلى اليوم، تأثر الوضع الأمني على الحدود التونسية الليبية بشكل بالغ وذلك بسبب صراع المليشيا الليبية (قرابة١٥ مليشيا) على معبري "رأس جدير"" والذهيبة" وعدم قدرة السلطة الليبية على امتداد السنوات التسعة الماضية من السيطرة على الحدود، حيث غاب التنسيق الأمني مع السلطة فاستفحلت عمليات التهريب والتسلل بلا رادع، وبرغم كل الاحتياطات الأمنية من الجيش التونسي والأمن والحرس الوطني تظل التهديدات الإرهابية قائمة، ومتزايدة بتزايد فوضى السلاح في الداخل الليبي.

ومن النتائج المباشرة لهذا الوضع تعاون بعض المليشيات مع تنظيم أنصارالشريعة المصنف تونسيًا ودوليًا كتنظيم إرهابي والذي نفذ عديد العمليات الإرهابية والاغتيالات في البلاد وبعضها يحمي ويمد العون ويوفر الملاذ الآمن لعناصر ذلك التيار.

إن التحديات الأمنية الداخلية الليبية وضعف المؤسسات وانتشار المليشيات المسلحة والانتشار الكبير للأسلحة في وسط فوضوي، عرض تونس لمخاطر أمنية جمة، لقد تحولت ليبيا مرتعًا للمجموعات الجهادية المتطرفة، من داعش إلى القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، مرورًا ببوكوحرام إضافة إلى المجموعات المسلحة مثل حركة تحريرأزواد وحركة العدالة والمساواة كما أضحت ليبيا منطقة تمركزوعبورمفضلة لانشطة أفراد وجماعات وشبكات التهريب بأنواعها ،إن هذه التهديدات التي تمثلها المجموعات الجهادية والمد الضخم للمهاجرين وللهجرة غير الشرعية تمثل تحديًا كبيرًا لكل بلدان شمال إفريقيا والساحل وأوروبا.

لذلك تنظر تونس بعين الريبة لإنشاء منطقة عمليات على حدودها مع تواجد مجموعات إرهابية (قاعدة الوطية تبعد٢٧كم عن الحدود التونسية) ولا يمكن معرفة عدد العناصرالإرهابية التي تقاتل في ليبيا إلى جانب هذه الجهة أو تلك بسبب الفوضى العارمة التي تسود البلاد. ففي ٢٠١٥م، انتقل بين ١٠٠٠و١٥٠٠مقاتل تونسي إلى ليبيا حسب خبيرة الأمم المتحدة "اليزابيتا كارسكا" التابعة لفريق عمل حول استعمال المرتزقة. ويمثل هذا العدد من الإرهابيين مشكلة لتونس التي لا يمكن أن تكون في مأمن من عمليات إرهابية يتم الإعداد لها من داخل ليبيا علمًا أن وزارة الداخلية التونسية دأبت عن كشف الكثير من العمليات الإرهابية وإبطال مخططاتها وإلقاء القبض على خلاياها. وقامت وحدات الجيش والأمن جنوب البلاد بالقبض على عناصر إرهابية متسللة إلى تونس خلال السنوات الماضية وأن الهجوم الإرهابي على مدينة بن قردان بجنوب البلاد (مارس٢٠١٦م) والتي تصدت فيه قوات الجيش والأمن والحرس الوطني بقوة وفاعلية لمجموعة كبيرة من الإرهابيين المتسللين ليبيا، هجوم تم الإعداد له ودعمه وإسناده من مدينة صبراطة الليبية.

عسكريًا تمثل دور الجيش الوطني وقوات الأمن الداخلي في حماية المناطق الحدودية والتصدي لتهريب الأسلحة وتسلل العناصرالإرهابية وتنشيط وتدعيم العمل الاستعلاماتي والقيام بعمليات استباقية لكشف أوكار ومخططات المجموعات الإرهابية وتدميرها ورفع درجة التأهب واليقظة مع تواصل حالة الطوارئ في البلاد. وعلى امتداد السنوات الأخيرة تمت مضاعفة ميزانيات وزارتي الدفاع والداخلية واقتناء التجهيزات والمعدات والآليات الضرورية لحماية البلاد وإحكام مراقبة الحدود. كما تم إنشاء مناطق عسكرية مغلقة بالجبال الغربية على الحدود التونسية الجزائرية ومنطقة عسكرية عازلة بالجنوب التونسي، يمنع التجول فيها إلا بترخيص من السلطات لمنع التسلل والتهريب، وتم إنشاء حاجر بأجهزة إلكترونية متطورة لمراقبة الحدود. ومع ذلك يظل الهاجس الأمني مسيطرًا على التونسيين وسيظل كذلك ما لم يستقر الوضع في ليبيا.

 

-على المستوى الاقتصادي والاجتماعي

مع احتدام الصراع وطول أمده وتنفذ المليشيات والاضطراب الأمني توقفت الأنشطة التجارية بين البلدين بشكل شبه كامل. واتخذ قرار أحادي الجانب فرضت بمقتضاه السلط الليبية ضرائب على البضائع والسلع المنقولة إلى تونس.

كان لهذا القرار دور في تعميق الأزمة الاقتصادية بالبلدين، وكان تأثيره بالغًا على تونس التي تستقبل يوميًا آلاف الليبين الفارين من القتال، وعطل القتال في ليبيا الأنشطة الاقتصادية بعديد المدن والقرى الليبية ما منع الأعمال والشؤون الإدارية والتجارة من الجانب التونسي .علمًا ان طرابلس تستورد قسطًا كبيرًا من البضائع التونسية وتمد تونس بأكثر من٢٥٪؜.من حاجياتها النفطية بأسعار تفاضلية، وقد أضرالوضع الليبي أيضًا بأنشطة الشركات والمؤسسات التونسية أمام تعطل وغلق موانئ البلاد مما أوقف بصفة شبه كاملة المبادلات التجارية الرسمية وفتح الباب أمام التجارة الموازية والتهريب المرتبط دون شك بالإرهاب. اذ بين تقرير لوزارة التجارة التونسية أن المبادلات التجارية بين البلدين تقلصت بنسبة ٧٥٪؜. مع التوقف التام الأكثر من مائة مؤسسة تونسية تشتغل أساسًا مع السوق الليبية.

 كما تضرر قطاع النقل من الوضع الأمني المضطرب بتوقف نشاط الناقلة الجوية التونسية التي كانت تؤمن خمس رحلات يوميًا لمدن ليبية، اذ كانت ليبيا سوقها الأولى على مستوى الدخل المالي والثانية على مستوى عدد المسافرين.

وكان للتواجد المفاجئ لمئات الآلاف من الليبيين في تونس بسبب تأزم الوضع في ليبيا على امتداد السنوات تاثيرًا بالغًا على الاقتصاد، لان إمكانيات خلق الثروة لم تعد تواكب نفس النسق السابق بسبب الوضع الداخلي للبلاد مما أثر بشكل ملحوظ على العلاقة بين العرض والطلب وأضاع التوازن الهش فنشأ عن ذلك ارتفاع في الأسعار وزيادة التضخم والتدهور في قيمة العملة الوطنية.

كما أن تواجد عدد كبير من الليبيين في تونس أثر بشكل مباشر على التضخم خاصة في مجال العقارات والمواد الفلاحية والغذائية والخدمات، ونشأ ضغط هائل على صندوق التعويضات نظرًا لارتفاع معدلات الاستهلاك وأثر ذلك بدوه على معدلات النمو التي تراجعت بقرابة الخمس نقاط. وأحدث هذا الوضع صعوبة كبيرة في التصرف في ميزانية الدولة وانخفاض في قيمة الخدمات الأمنية والصحية.

 

-الخيارات المتاحة لتونس

اتخذت تونس مبادرة سياسية هامة منذ ٢٠١٣م، تتمثل في الدفع نحو حوار وطني ليبي يجمع كل الأطراف الشرعية والذي من شأنه أن يشكل طريق الخلاص الوحيد بقناعات جميع الأطراف. وينتصر لإرساء نظام ديمقراطي وحكم مدني. انطلقت المشاورات الدبلوماسية الموسعة وأعطت حضوضًا فعلية لنجاح تلك المبادرة إلا انها اصطدمت بعائقين:   

- إحراج الرئيس التونسي المنصف المرزوقي للأطراف الليبية، إذ كرر نفس الخطأ المرتكب إزاء سوريا، فأعلن بشكل متعجل عن موقف لا يتماشى مع تطورات الوضع الداخلي الليبي ولا يراعي موازين القوى فأضاع المصداقية التونسية وعرض البلاد لمخاطر جمة تمس من أمنها الداخلي.

- العمل العسكري للمشير خليفة حفتر الذي رفض الحوار.

أما الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي فقد أكد أن حل الأزمة الليبية يجب أن يتم دون تدخل أجنبي وأوضح في حوار بثته قناة نسمة التونسية الخاصة "أن تونس ومصر والجزائر متفقون حول ضرورة أن يكون الحل ليبيا والليبيون أيضًا متفقون معنا في ذلك" ولفت إلى أنه إذا لم يكن الحل ليبيا فتونس لن تشارك في الموضوع مؤكدًا أن تونس ساعية للتوفيق بين الفرقاء الليبيين نظرًا لاختلاف آرائهم وتباين مواقفهم. وقد عرض الرئيس التونسي مبادرة "رأب الصدع" على الرئيسين المصري والجزائري وقبلا بها، "ودعا كافة الأطراف الليبية إلى الإسراع في إيجاد أرضية مشتركة للحوار والمصالحة ونبذ الفرقة والإقصاء لبناء دولة ليبية ينعم فيها الشعب بالأمن والاستقرار".

وأمام تطور الأوضاع السياسية والعسكرية مع الزمن وسعي المشير حفتر للهجوم على طرابلس مع إعلان حكومة السراج عن انطلاق عملية "عاصفة السلام" التي تهدف إلى السيطرة على بعض المدن الساحلية وقاعدة الوطية ومع التدخل التركي المباشر في ليبيا، تميز الموقف التونسي بالارتباك، إذ بدا رهين المتغيرات الاستراتيجية وذلك بسبب الخلافات الأيديولوجية للأحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي، فعلى المستوى السياسي تميز الموقف بالغموض وفشل الدبلوماسية البرلمانية في القيام بدور واضح سواء بالحوار أو بالوساطة أو في دعم الحل السياسي برغم اللقاءات بين رئيسي مجلسي النواب التونسي والليبي . ولم تعد لمبادرة تونس للسلام التي اقترحها الرئيس قيس سعيد في ديسمبر٢٠١٩م، أهمية تذكر وسط التشكيك في فاعلية المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية المعروف بقرب مكوناته من النظام السابق وتجاوزها بحكم مقررات مؤتمر برلين الذي لم تشارك فيه تونس.

ويبدو الارتباك جليًا كذلك من خلال اختلاف تصريحات مؤسسات الدولة من عملية "ارني" البحرية المدعومة من الاتحاد الأوروبي والتي تعتبر امتداد لعملية "صوفيا" المخصصة لمكافحة الهجرة غير الشرعية نحو السواحل الأوروبية والتي من بين مهامها تنفيذ القرارات الأممية حول حضر السلاح الوارد إلى ليبيا ومكافحة الاتجار بالبشر وجمع المعلومات حول التصدير غير الشرعي للنفط الليبي. كل ذلك أكد الحاجة إلى مراجعة الموقف التونسي حيال الأزمة الليبية وتبني استراتيجية واضحة ويبدو أن رئاسة الجمهورية أخذت بزمام الأمور فتم في 30 أبريل ٢٠٢٠ م، اتخاذ موقف رسمي تونسي مساند للحل السلمي ومناهض للتقسيم، فتم تكوين فرق عمل للتنسيق والاستشراف على إثر اجتماع عقد برئاسة الجمهورية بحضور رئيس الحكومة ووزراء الدفاع والداخلية والعدل وتغييب رئيس مجلس النواب في حركة لاستبعاد الدبلوماسية البرلمانية من هذا الملف. وحسب الباحث والمختص في الشأن الليبي الدكتور رافع طبيب يعتبر ذلك "إعادة تموقع جذري من طرف الرئيس قيس سعيد بعد فترة من الاطلاع على الملف الخاص بالعلاقات الدولية والوضع الجيوسياسي والجيواستراتيجي حول تونس وخاصة الملف الليبي شديد التعقيد " فذهب الرئيس إلى تحديد الجهة التي عليها التعاطي مع الموضوع تحت إشراف رئاسة الجمهورية من خلال فريق عمل ولا يسمح لأي جهة أخري بالتدخل في الملف. وبين الرئيس أن تونس هي البلد الأكثر تضررًا من الأزمة الليبية مؤكدًا"أن الوضع الأمني في ليبيا الناتج عن الحرب الأهلية أو عن التدخلات العسكرية عبر المليشيات يضرب الأمن القومي التونسي بعمق عندما يتم نقل مليشيا معروفة بعلاقاتها مع مجموعات مصنفة إرهابية في تونس " وبقي الموقف التونسي ثابت، بدعوته للتفاوض والدعوة للحل السلمي ورفض التدخل الأجنبي، في بداية شهر سبتمبر ٢٠٢٠م، أكد الرئيس قيس سعيد على أهمية دور دول الجوار في حل الأزمة الليبية معربًا عن استعداد تونس لاستضافة حوار يجمع كل الأطياف الليبية ، على أثر لقاء جمعه بالممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ستيفاني وليامز ومؤكدا على أهمية التنسيق التونسي الجزائري لحل الازمة.

-اَي مستقبل لحل الأزمة الليبية؟

ختامًا اَي مستقبل لحل الأزمة الليبية؟ إن المعطيات الحالية لا تعطي إلا مزيدًا من الضبابية حول مستقبل الأزمة الليبية سواء على مستوى التغيرات المحلية والجهوية في بلدان شمال إفريقيا أو حتى على مستوى المحاور الإقليمية أو الدولية في الشرق الأوسط خاصة المحور التركي – الليبي، المحور المصري – الإماراتي والدور الروسي والأوروبي.

على المستوى القصير والمتوسط يتوقع أن يكون الوضع أكثر وضوحًا مما كان عليه في شهر يوليو الماضي وهو ما يوحي بأن الطرفين الروسي والتركي سيتوصلان لتوافق وتتوضح كذلك مواقف الفاعلين الجهويين والدوليين بما فيهم مصر والإمارات والجزائر والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

وحسب المعطيات الحالية؛ على المدى القصير (إلى غاية نهاية٢٠٢٠) يمكن ارتقاب "سيناريوهين".

-السيناريو الأول؛ انطلاق حوار سياسي، اذ تمثل مبادرة عقيلة صالح قاعدة لبناء الحل السياسي لأنها تجرد حفتر من مكانته كقائد عام للجيش وتفتح الطريق للحوار بين الأطراف بدون شروط مسبقة. وبرغم ما يبدو محاولة مصرية للتشبث بحفتر الذي دعي للقاهرة وظهر مع الرئيس السيسي وعقيلة صالح في ٥ يونيو الماضي في ندوة صحفية، فمصر لا تبدو معترضة على مبادرة عقيلة صالح.

وقد انطلقت المحادثات في المغرب في بداية شهر سبتمبر ٢٠٢٠م، وبذلك سيتحقق استقرار الوضع على الميدان، وفي هذه الحالة، إما أن يغادر حفتر الساحة تمامًا وذلك إما باستقالة أو بإقالة، وهذا الاحتمال يمكن أن يتم بضغط من طرف روسيا وفرنسا وإذا تأكدت القاهرة بأنه لم يعد بالإمكان التعويل عليه.

أو أن يظل حفتر متمركزًا في بنغازي في وقت تكون قد عقدت اتفاقات سياسية، ستدعم الإمارات هذا الخيار لان حفتر يمثل كل سياستها، وأن أي حل مع حكومة الوفاق يمثل هزيمة لمشروعها، هذا الخيار سيحصل على دعم مصر التي ترغب في الدفع لخيار عسكري يؤدي للسيطرة على طرابلس وحل يحافظ على مصالحها في برقة، ويرتبط هذا الخيار بالموقف الأمريكي من تطورات الوضع على الساحة الليبية وقدرة روسيا وتركيا على إيجاد توافق حول الوضع في ليبيا.

 يظل هذا الخيار محتملاً وما يبرره أنه يستجيب للرغبة الروسية بعدم قبول خسارة كاملة ،فقد استطاعت روسيا العودة للساحة الليبية بعدما كانت غائبة منذ سقوط القذافي وقد مكنت طبيعة الخارطة السياسية للصراع عودة هذا التدخل دون ثمن مرتفع اذ تتطلب استعمال الدبلوماسية الروسية والمرتزقة الروس، وروسيا واعية بأنه لا يمكنها ممارسة الضغط العسكري كما هو الشأن في سوريا لعدم تواجدها العسكري المباشر وطبيعة التحديات والرهانات الدولية، لكن في المقابل لها ميزة تواجد تركيا كفاعل في الصراع ما يسمح لها بتدعيم موقفها وترابط مصالها بمصالح تركيا.

 ويمكن هذا الخيار أيضًا من الحفاظ على المصالح الأمريكية والأوروبية دون انتصار كامل لروسيا ولتركيا، فحل سياسي الآن يمكن أن يضمن المصالح الروسية والتركية ويحافظ على مصالح بقية الفاعلين بشكل معقول ويضمن توازنًا على الساحة الليبية.

-السيناريو الثاني؛ يتمثل في المحافظة على الخيار العسكري، فانهيار قوات حفتر في المنطقة الشرقية رغم جهود المحور الداعم له في حملته على طرابلس التي انطلقت في أبريل ٢٠١٩م، يجعل إعادة الحملة على غاية من الصعوبة أمام قواعد لعبة جديدة على الميدان. فقد أصبحت القوى المدافعة عن طرابلس في موضع هجوم بعد أن كانت في موضع الدفاع. 

ان احتمالات هذا السيناريو مرتفعة لكن أثمانه باهظة بالنسبة لتركيا على المدى الطويل.

على المستوى الطويل:

الحل النهائي للازمة الليبية لا يبدو قريبًا من التشكل لأنه ليس هناك ما يكفي من المؤشرات للمساعدة على وضع صورة واضحة للوضع المرتقب، وسيكون الحل مرتبطًا بالتطورات التي ستشهدها ليبيا على المدى القصير في غصون سنة أو سنتين على الأقل خلالها تتشكل خارطة النفوذ. والتي ستكون مختلفة عن السنوات السابقة؛ ويمكن للوضع المرتقب في ليبيا في غضون الثلاث سنوات القادمة، أن يتشكل حسب إحدى الخيارات التالية:

  • ليبيا موحدة: من خلال اتفاق سياسي شامل أو حل عسكري نهائي؛ يمكن أن يؤدي من جديد إلى توحيد ليبيا والعودة إلى دولة مركزية تحكم من طرابلس، ويتطلب هذا الخيار تفهمًا دوليًا شاملاً للملف الليبي من طرف كل الفاعلين، علمًا أن هذا التفهم غير موجود اليوم لكنه ليس مستحيلاً في المستقبل.
  • ليبيا فدرالية: هذا الخيار تفضله روسيا؛ تدعمه مصر ويستجيب للمصالح الأوروبية ولا يمكن لتركيا الاعتراض عليه في أطر معينة. لتحقيق هذا الخيار يجب مغادرة حفتر للميدان ويبدو هذا السيناريو ممكنًا؛ إلا إذا ما وقعت تطورات غير مرتقبة،
  • ليبيا في صراع: وهو الخيار الأسوأ، وهو مرجح إذا لم يتمكن أي طرف فرض سلطته على كامل التراب الليبي، بالتوازي مع عجز الفاعلين الدوليين على إيجاد حل سياسي وذلك يعني تواصل حرب استنزاف بين الفاعلين لعدة سنوات،

  علما أن تواصل الصراع لمدة طويلة ربما سيدفع بدخول فاعلين جدد مما سيزيد من تعقيد الوضع ويطيل من أمد الأزمة.

 

مقالات لنفس الكاتب