إخفاق حل أزمة شرق المتوسط يفتح باب التدويل

الإثنين، 28 أيلول/سبتمبر 2020

تحميل    ملف الدراسة

كثيرة التحليلات التي تناولت الأزمة الليبية والذي أعاد تسليط الضوء الصراع في شرق البحر المتوسط، ولم تكن هذه الأزمة منشأة له بل كاشفة لأبعاده وأطرافه التي تباينت مصالحها، وللتصدي للكتابة عن هذه الأزمة فإن هناك 4 تساؤلات ستكون منطلقًا لهذه الرؤية، الأولى: ما هي طبيعة ذلك الصراع وأدواته وكيف يمكن تفسيره؟، الثانية: رؤية حلف الناتو لذلك الصراع وخاصة أن أطرافه من بين أعضاء الحلف؟ الثالثة: محددات دور الاتحاد الأوروبي تجاه الصراع في ليبيا وشرق المتوسط؟، الرابعة: مآلات هذا الصراع وتأثيره على الأمن الإقليمي عمومًا والمنطقة العربية والخليج العربي خصوصًا؟ وصولاً إلى الخلاصات الاستراتيجية لتلك الرؤية.

 أولاً: طبيعة الصراع في شرق المتوسط  .. مداخل للتفسير 

 بداية ينبغي التأكيد على أن الأزمة الليبية التي بدأت عام 2011م، لم تكن منشأة للصراع في منطقة شرق البحر المتوسط، ولكنها كانت كاشفة لأبعاد هذا الصراع وأطرافه والعوامل التي أدت لتأجيجه على هذا النحو، فتاريخيًا يوجد ما يكفي لتفسير ذلك الصراع بيد أنه كان بين أطراف ثلاثة هي (تركيا، اليونان، وقبرص) حول حدود ارتضتها أطراف ورفضتها أخرى، واقتصاديًا فقد كان اكتشاف شركة إيني الإيطالية حقل ظهر للغاز في مصر في عام 2015م، الذي على مساحة 3752 كم مربع ويقع في المياه الاقتصادية الخالصة لمصر- تحولاً مهمًا في طبيعة هذا الصراع وأطرافه التي ازداد عددها، ثم مبادرة مصر لتأسيس منتدى غاز شرق المتوسط عام 2019م، والذي يضم إلى جانب مصر، إيطاليا، اليونان، قبرص ،الأردن، فلسطين، وإسرائيل، وقانونيًا عكس ذلك الصراع الثغرات التي تكتنف تطبيق الاتفاقيات الدولية ومنها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الموقعة عام 1982م، والتي حددت بوضوح مساحة المياه الإقليمية والمياه المتاخمة والمنطقة الاقتصادية الخالصة.

ويعني ما سبق أننا أمام صراع ذو جذور تاريخية وأبعاد اقتصادية وأخرى قانونية، لكن الصراع في شرق المتوسط يتجاوز تلك العناصر ومن ثم يمكن تفسيره في ضوء خمسة مداخل هي:

الأول: خروج الصراع عن النطاق الإقليمي نحو التدويل الأمر الذي أضفى عليه سمتي التعقيد والتشابك، حيث أطلت أطراف دولية برأسها بجانب هذا الطرف أو ذاك، مع محاولة بعض الأطراف لعب دور الموازن، وهو ما يمكن تفسيره استنادًا إلى كتاب "دراسة في أصول العلاقات الدولية الإقليمية" للدكتور محمد السعيد إدريس، والذي حدد فيه أطراف  الصراع داخل الأقاليم بين ثلاث قوى ، وهي القوة التدخلية التي تسعى لتعزيز نفوذها في الإقليم من خلال علاقات مع بعض أطرافه" الاتفاقيات بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية"، أو استعراض القوة من خلال المناورات التركية في شرق البحر المتوسط والإصرار على التنقيب على الغاز ، والقوة المناوئة هي التي ترى في ذلك التدخل تحديًا لأمنها القومي وتتمثل في مصر واليونان وقبرص، أما القوة الثالثة فهي الموازنة التي تعمل على الحيلولة دون بلوغ الصراع حد حافة الهاوية وتتمثل في حلف شمال الأطلسي" الناتو" والاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى أمريكا أخذًا في الاعتبار تدخل واشنطن في تلك الأزمة- ولو بشكل محدود وغير مباشر- من خلال قرار رفع  تصدير حظر الأسلحة  إلى قبرص وإجراء مناورات بحرية مع البحرية التركية في شرق المتوسط، فضلاً عن حث الأطراف على انتهاج الحوار لحل المسائل الخلافية، ففي الثاني من سبتمبر 2020م، قال مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي" "نحث الجميع على التراجع لخفض التوتر وبدء محادثات دبلوماسية بشأن النزاعات القائمة والنزاعات الأمنية والنزاعات على موارد الطاقة والنزاعات البحرية في شرق المتوسط "، فضلاً عن الزيارة التي قام بها بومبيو لقبرص في الثاني عشر من الشهر ذاته وقال خلالها أنه" يجب حل النزاع بطريقة سلمية ودبلوماسية".

الثاني: تعد أزمة شرق المتوسط فصلاً جديدًا من الصراع بين القانون الدولي وفرض الأمر الواقع، فمع تعدد جوانب الصراع كان واضحًا  تمسك بعض الدول بالقانون الدولي حيث قامت مصر واليونان بتوقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية ردًا على توقيع تركيا اتفاقًا مماثلاً مع حكومة الوفاق الليبية، إلا أن تركيا  ليست من الدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982م، (لم تنضم كل من سوريا وإسرائيل لتلك الاتفاقية) والتي حددت المياه الإقليمية لكل دولة بحوالي 12 ميلاً بحريًا، والأهم حتى أنه بافتراض توقيع كافة الدول على تلك الاتفاقية الدولية، فإن افتقار المنظمة الأممية لقوة إلزامية لفرض اتفاقياتها يظل عقبة أمام علاقات دولية تؤسس على مبادئ حسن الجوار واحترام سيادة الدول.

الثالث: عند تحليل الصراع في شرق البحر المتوسط يجب التفرقة ما بين عوامل منشأة وأخرى محركة للصراع، فالعوامل التاريخية والاقتصادية والقانونية جميعها عوامل منشأة للصراع ولكن الأزمة الليبية أتاحت أشكالاً مختلفة من التدخل الخارجي، فضلاً عن احتدام الصراع الروسي-الأطلسي جميعها كانت عوامل محركة للصراع.

الرابع: تعد الأزمة مؤشرًا جديدًا على الصراع بين الأمن الإقليمي ونظيره العالمي، ولا يقصد بذلك التنظيمات العالمية في مقابل الإقليمية، بل محاولات إيجاد حلول إقليمية للأزمات في مقابل تدويل تلك الأزمات بما يطيل أمدها، و قدمت الأزمة الليبية نموذجًا واضحًا على ذلك، ففي الوقت الذي تصطف فيه أطراف إقليمية في مواجهة تركيا، ينخرط تنظيمان إقليميان في ذلك الصراع وهما حلف الناتو والاتحاد الأوروبي في مقابل الحياد الأمريكي والترقب الروسي، بما يعنيه ذلك أن نتائج ذلك الصراع سوف تؤسس لواقع إقليمي جديد في تلك المنطقة من ناحية وستكون اختبارًا حقيقيًا لقوة حلف الناتو والاتحاد الأوروبي من ناحية ثانية الأمر الذي لن ينعكس على أدوارهما المستقبلية فحسب بل على شراكتهما الإقليمية في الوقت ذاته، وقد لوحظ ظهور بعض الكتابات التي تروج لما أسمته" إقليم شرق البحر المتوسط".

الخامس: أزمة شرق البحر المتوسط يمكن تصنيفها بأنها أزمة "توريط" حيث تتعدد الكتابات التي صنفت الأزمات الدولية ومن بينها تصنيف تلك الأزمات إلى ثلاثة أنواع الأولى: أزمات التلاعب وأهم ما يميزها سعي كل طرف لإجبار الطرف الآخر على تقديم تنازلات ما يعني أن الأزمة مازالت بعيدة عن سيناريو العمل العسكري، والثانية: أزمات التوريط وفيها تزداد درجة التهديد المتبادل وتستمر فترة من الزمن وربما تشهد دخول أطراف عديدة على خط التفاعل أو تشهد أعمالاً غير متوقعة، الثالثة أزمة حافة الهاوية أو الانفلات وهي أخطر أنواع الأزمات حيث إن احتمال المواجهة المسلحة يكون قائمًا بدرجة كبيرة لسبب أن الطرف الأكثر إثارة للتوتر يرى أنه بدون شن عمل عسكري فإن ذلك يعني إفراغ مفهوم الردع من مضمونه، ولايزال الصراع في شرق المتوسط يدور في مدار أزمة التوريط حيث أنه بالتوازي مع الجهود الدبلوماسية لاحتواء تفاقم الصراع نجد مؤشرات للتصعيد سواء من خلال اعتراض تركيا مقاتلات يونانية، وتهديد قائد القوات المسلحة اليونانية بالتدخل العسكري، وإعلان تركيا أن اليونان سلحت 16 جزيرة في بحر إيجه، إضافة إلى المناورات المضادة بين طرفي النزاع، وإخفاق جهود وساطة أطراف أوروبية، صحيح أن تصريحات مسؤولي كافة الأطراف تؤكد الرغبة في تجنب الوصول لأزمة حافة الهاوية، إلا أن إصرار كل الأطراف للحصول على نقاط ارتكاز متقدمة في المنطقة وإعلان بعضها ما أطلقت عليه "خطوط حمراء" لن يسمح بتجاوزها جميعها مؤشرات تبقي كافة الاحتمالات قائمة بما فيها الاقتراب من أزمة حافة الهاوية.

 ثانيًا: مأزق "الناتو" في صراع شرق المتوسط

 مع تفاقم الصراع في شرق المتوسط والذي لم تكن الأزمة الليبية سوى من العوامل المحركة له فإن حلف الناتو يواجه مأزقًا كبيرًا لأسباب ثلاثة:

الأول: على مستوى العلاقات البينية بين أعضاء الحلف من حيث  المواجهة بين دولتين تحظيان بعضوية الحلف وهما تركيا واليونان، فضلاً عن ظهور انقسامات أخرى منها الخلاف الفرنسي-التركي الذي أدى إلى قرار فرنسا تعليق المشاركة في المهمة البحرية للحلف في البحر المتوسط، واصطفاف فرنسا إلى جانب اليونان وهو ما بدا واضحًا في نشر فرنسا مقاتلتين من طراز رافال وسفينتين حربيتين في الثالث عشر من أغسطس2020م، شرق المتوسط للمشاركة في تدريبات مع البحرية اليونانية، وبروز عدم رضاء العديد من أعضاء الناتو بشأن السلوك التركي، وعلى الرغم من حرص الناتو لحث تركيا واليونان على الحوار فإن تصاعد الحرب الكلامية بين الدولتين واتهام تركيا لفرنسا بتحريض اليونان على التصعيد، حدا باليونان للتوجه لتقديم إيجاز للأمين العام للأمم المتحدة في الخامس من سبتمبر 2020م، حول ما تقوم به تركيا من عمليات تنقيب في شرق المتوسط الأمر الذي دفع تركيا للإعلان عن إجراء مناورات عسكرية بين تركيا وشمال قبرص أطلقت عليها "عاصفة البحر المتوسط من 6  إلى 10 سبتمبر 2020م، شاركت فيها القوات البحرية والجوية وتضمنت إجراء تدريبات مشتركة على هجمات جوية وعمليات بحث وإنقاذ، بالإضافة إلى إعلان تركيا عن بدء مناورات بالذخيرة الحية قبالة السواحل القبرصية تزامنًا مع زيارة وزير الخارجية الأمريكي لقبرص في الثاني عشر إلى الرابع عشر  من سبتمبر 2020م .

الثاني: على مستوى علاقة الناتو بالاتحاد الأوروبي، فعلى الرغم من وجود 22 دولة تتداخل عضويتها بين المنظمتين، وأن حلف الناتو هو حلف دفاعي، بينما الاتحاد الأوروبي مشروعًا سياسيًا يتضمن جوانب أمنية ودفاعية، فإن حالة الانقسام بين أعضاء الناتو من ناحية، وبروز أدوار أوروبية خلال تلك الأزمة من ناحية ثانية وخاصة فرنسا أمر يعزز الطموح الأوروبي الذي تقوده فرنسا في إيجاد هوية أمنية أوروبية مستقلة عن الناتو من مقترح الرئيس الفرنسي ماكرون عام 2018م، بتأسيس "جيش أوروبي موحد" ما من شأنه التأثير على الحلف كمنظمة دفاعية.

الثالث: الصعوبات التي تكتنف تدخل الحلف في تلك الأزمة، ذلك التدخل الذي لن يؤسس على المادة الخامسة التي تعد جوهر وجود وعمل الحلف والتي تتضمن أن أي اعتداء على دولة عضو بالحلف يعد اعتداءً على دول الحلف جميعها ومن ثم يتعين على الحلف الرد الجماعي، ومع صعوبة تطبيق هذه المادة، فإن تدخل الحلف خارج أراضيه سيكون أكثر تعقيدًا بالنظر لشروط الحلف وهي ضرورة إجماع الدول الأعضاء على ذلك التدخل، ووجود قرار أممي ثم طلب الدولة المعنية وجميعها شروط لن تتحقق على أرض الواقع.

 ومع أهمية ما سبق، لا يعني أن حلف الناتو يقف عاجزًا أمام الصراع  بل يعد طرفًا غير مباشر فيه لسبب أن أي تصدع في العلاقات بين أعضاء الحلف، سيكون فائدة للنفوذ الروسي في المنطقة التي يحظى فيها الناتو بشراكة إقليمية مهمة وهي الحوار المتوسطي الذي أطلقه عام 1994م، مع 7 دول هي مصر، الأردن، إسرائيل، الجزائر، تونس، المغرب، وموريتانيا، إذ لم تكن صفقة الصواريخ إس400 بين تركيا وروسيا سوى بداية توظيف للخلافات داخل الناتو، و لوحظ أن تصريحات مسؤولي دول الحلف تجاه الصراع في شرق المتوسط كانت تكتنفها دبلوماسية مفادها التأكيد على أن تركيا عضو في الناتو من ناحية وعدم بلوغ الصراع حد التصادم من ناحية ثانية، ومن ثم فقد دعا ينس ستولتنبرج الأمين العام للحلف إلى "ضرورة حل النزاع القائم في شرقي المتوسط عبر روح التضامن"، فضلاً عن تأكيده أن الحلف يدرس تطبيق "إجراءات منع الاشتباك لمنع وقوع حوادث بحرية " بتأسيس روابط اتصالات بين جيوش المنطقة، وهي الآلية التي تضمنها البروتوكول الموقع  بين واشنطن وموسكو في سوريا لمنع الاشتباك بين مقاتلات الجانبين جوًا وكانت آلية ناجحة للتنسيق فيما بينهما، وقد أعلن الأمين العام للحلف مبادرة لإجراء محادثات فنية بين تركيا واليونان، وضمن هذا السياق التقى خلوصي أكار وزير الدفاع التركي مع ستيورات بيتش رئيس اللجنة العسكرية بحلف الناتو في السابع من سبتمبر 2020م، فضلاً عن دعوة حلف الناتو لاجتماع فني لوفدين عسكريين يمثلان تركيا واليونان من أجل بحث التوتر بين الدولتين العضوتين في حلف الناتو والذي لم يسفر عن نتائج محددة.

 ثالثًا: محددات دور الاتحاد الأوروبي تجاه الصراع:

بالنسبة للاتحاد الأوروبي يبدو المشهد في شرق البحر المتوسط أكثر تعقيدًا حيث تتداخل مصالح الدول الأوروبية فرادى مع التزاماتها المزدوجة في كل من الناتو والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى علاقة الاتحاد الأوروبي بتركيا وتتمثل تلك المحددات فيما يلي:

المحدد الأول: يسعى الاتحاد الأوروبي لانتهاج استراتيجية تمزج بين الحلول الضاغطة والتوفيقية في التعامل مع تركيا، حيث أعلن جوزيف بوريل الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية أن الاتحاد يعد عقوبات ضد تركيا  "إجراءات تقييدية" تستهدف الحد من قدرتها على التنقيب عن الغاز الطبيعي في المياه المتنازع عليها وسوف تتم مناقشتها في قمة الاتحاد المقررة يومي 24 و25 سبتمبر 2020م، وتتراوح بين عقوبات اقتصادية قد يكون لها تأثير على الاقتصاد التركي علمًا أن تركيا عضو في الاتحاد الجمركي الأوروبي وتستقبل السوق الأوروبية 40% من الصادرات التركية، إضافة إلى إمكانية إيقاف مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وهذه الاحتمالات تعني منح تركيا الفرصة للتراجع عن سياسة التصعيد قبل انعقاد القمة، وقد استبق الرئيس الفرنسي ماكرون القمة بالدعوة إلى قمة – غير رسمية –في كورسيكا لمجموعة الدول الأورومتوسطية السبع وتضم إيطاليا، إسبانيا، مالطا، اليونان، قبرص والبرتغال في العاشر من سبتمبر ، ودعا خلالها ماكرون الدول الأوروبية للتحدث بصوت" واحد وواضح " إزاء السياسات التركية في البحر المتوسط التي رآها ماكرون" تهديدًا استراتيجيًا لمصالح أوروبا وسيادتها"، و أعلنت تركيا رفضها لبيان هذه القمة ثم تصاعد الحرب الكلامية بين تركيا وفرنسا، ومع أهمية هذه القمة وفي ظل استمرار عدم إجماع أوروبي بشأن موقف محدد إزاء تركيا فإن الموقف الأوروبي يستهدف صياغة معادلة دقيقة تعبر عن امتعاض الدول الأوروبية من السياسة التركية من ناحية والحفاظ على اتفاق اللاجئين الموقع مع تركيا في عام 2016م، من ناحية ثانية والذي هدد أردوغان بإلغائه بما يعني الارتباط بين الصراع في شرق المتوسط وبحر إيجه، وسعت الدول الأوروبية لوساطة ومنها ألمانيا التي تترأس الاتحاد الأوروبي بين اليونان وتركيا.

المحدد الثاني: نجاح الاتحاد الأوروبي في إدارة أزمة الصراع يعني  إيجاد موطئ قدم جديد للاتحاد الأوروبي في مواجهة تهديدات الأمن البحري عمومًا وهي الاستراتيجية التي بدأها الاتحاد الأوروبي من خلال عملية "صوفيا" التي أسسها عام 2015م، بهدف التصدي للهجرة غير المشروعة في البحر المتوسط، وحققت نجاحات ملحوظة و بحلول عام 2016م، تم إنقاذ 13000 مهاجر غير شرعي، ومرورًا بمشاركة الاتحاد ببعثة لمكافحة القرصنة قبالة سواحل الصومال وخليج عدن عام 2008م، وفقًا لقرارات أممية في هذا الشأن وانتهاءً بالعملية البحرية "إيريني" والتي أقرها الاتحاد في فبراير 2020م، لمراقبةَ حظر وصول الأسلحة إلى أطراف النزاع في ليبيا، وتتضمن نشر سفن وطائرات وتفعيل أقمار صناعية لهذا الغرض، ولاشك أن المكاسب الاستراتيجية التي سوف يحصل عليها الاتحاد الأوروبي من الأزمة تعزز من التوجهات الداعية لتأسيس هوية أمنية أوروبية مستقلة عن حلف الناتو، إضافة إلى مكاسب اقتصادية حيث أضحت قضية أمن الطاقة والتي تم إدماجها في أجندة السياسة الخارجية للاتحاد منذ عام 2007م، أحد أولويات الاتحاد، خاصة تنويع واردات الاتحاد من الطاقة ومن بينها غاز البحر المتوسط وهو أمر من شأنه الحد من الاعتماد الأوروبي على روسيا وخاصة دول شرق وجنوب أوروبا.  

المحدد الثالث: أمن واستقرار ليبيا ومنطقة شرق المتوسط عمومًا يعد أمرًا استراتيجيًا لدول الاتحاد الأوروبي عمومًا ودول مثل إيطاليا خاصة التي تعد البوابة الأولى لتدفق الهجرة غير الشرعية لدول الاتحاد ومن ثم لم يكن مستغربًا حالة التقارب التي شهدتها العلاقات الإيطالية-الفرنسية خلال تفاعلات ذلك الصراع وهو أمر لم يكن معهودًا من قبل ومن ثم فقد حرص الاتحاد على الانخراط في الجهود الدبلوماسية لحل الأزمة وأبرزها الزيارة التي قام بها جوزيف بوريل الممثّل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي لجامعة الدول العربية في الثالث من سبتمبر 2020م، حيث اتفق المسؤول الأوروبي والأمين العام لجامعة الدول العربية على "خطورة التدخّلات العسكرية الأجنبية في الشأن الليبي بالمخالفة لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، والحاجة إلى توحيد الجهود الدولية لتنفيذ مجمل مخرجات عملية برلين و تعزيز التعاون والجهد التكاملي بين الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي، لتوصل إلى تسوية سياسية ليبية للأزمة" ، فضلاً عن لقاء جوزيف بوريل مع سامح شكري وزير الخارجية المصرية الذي أكد على  أن" الموقف المصري يؤسس على قرارات مجلس الأمن الدولي، ومخرجات مسار برلين، مشيرًا إلى أن مصر تتواصل بشكل مكثف مع دول الاتحاد الأوروبي لتبني أفضل الحلول للخروج من الوضع الحالي في ليبيا".

 وبغض النظر عما ستؤول إليه تطورات الصراع فإنه يعد اختبارًا حقيقيًا لدور الاتحاد الأوروبي الأمني في جنوب المتوسط والتي كان لها نصيب وافر من استراتيجيات الاتحاد التي أطلقها كجزء من الحوار مع هذه الدول وتم تطويرها غير ذي مرة للارتباط بين أمن الدول الأوروبية وجنوب المتوسط.

 رابعًا: مآلات الصراع وتأثيره على الأمن الإقليمي والخليج العربي

في ظل التشابك والتعقيد الذي يتسم به الصراع في شرق المتوسط فإن التساؤل المنطقي: هل ستكون نتيجة ذلك الصراع صفرية أم غير صفرية؟ وذلك وفقًا لنظرية المباريات في تفسير الصراعات الدولية، ووفقًا للمعادلة الصفرية فإن المصالح بين الأطراف المتصارعة  تكون متعارضة وبالتالي فإن المكسب الذي يحققه طرف ما سيكون حتمًا خسارة للطرف الآخر، وهذا لا يوجد سوى على المستوى النظري، بينما تتمثل النظرية اللاصفرية  في أن كل طرف تكون لديه مكاسب وخسائر في الوقت ذاته ما يعني أن مصالح الأطراف متعارضة ولكنها متداخلة بما من شأنه إتاحة الفرصة لآلية المساومات، وفي كافة الصراعات مهما كان لدى طرف ما من قوة فإن المعادلة الصفرية لا تتوافر ولكن اللاصفرية هي التي تفسر مثل هذه الصراعات بحيث يوظف كل طرف ما لديه من أوراق للحصول على أكبر مكاسب والحد من الخسائر إلى أدنى درجة، ولاشك أن هذا الصراع سيكون له تأثير على الأمن الإقليمي والخليج العربي من ثلاث نواح:

أولا: تمثل الأزمة الليبية خاصة والصراع في شرق البحر المتوسط عمومًا معركة جديدة بين الأمن الإقليمي والأمن العالمي، بدأت فصولها عام 2011م، عندما طالبت جامعة الدول العربية مجلس الأمن الدولي بالاضطلاع بمسؤولياته تجاه الأزمة الليبية من خلال قرار لمجلس الجامعة وهو الذي اعتبره حلف الناتو مسوغًا للتدخل في ليبيا  على الرغم من عدم نص قرار الجامعة صراحة على طلب تدخل حلف الناتو- إلا أن عدم وجود حلول إقليمية للأزمة مجددًا ونجاح الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو في صياغة واقع إقليمي جديد في شرق البحر المتوسط فإنه يعني أن تدويل الأزمات قد أضحى هو الآلية الأنجع لمواجهتها أخذًا في الاعتبار أن كلاً من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي قد أخفقا – حتى الآن- في تنفيذ حظر الأسلحة على ليبيا.

الناحية الثانية: لا يمكن اختزال أطراف الصراع في الدول المتوسطية  فحسب، بل تنامى الدور الروسي منذ سنوات في شمال إفريقيا  ومن مؤشراته تطور العلاقات المصرية-الروسية والتي كان من ملامحها  إبرام  مصر صفقة تسلح مع روسيا  لشراء 20 طائرة سوخوي 35 خلال الفترة من  2021م إلى 2022م، و قيمة مليارين وربع المليار دولار ، الأمر الذي أثار اعتراض واشنطن، ويعني أن ذلك الصراع يمكن أن يكون مقدمة لحرب باردة جديدة بما تتضمنه من استقطاب الأطراف الإقليمية في هذا الاتجاه أو ذاك مما يحد من الخيارات الاستراتيجية لدول المنطقة التي ترتبط بعلاقات شراكة مع حلف الناتو ، بالإضافة إلى علاقات دول المنطقة المتنوعة مع روسيا في الوقت ذاته وخاصة على الصعيدين الاقتصادي والعسكري والتعاون بشأن الطاقة، وعلى الرغم من عدم انخراط روسيا - حتى الآن-في الصراع  بين اليونان وتركيا فإنه يجب الأخذ في الاعتبار أنه لدى روسيا تواجد في شرق المتوسط والبحر الأسود، ولدى روسيا 9 سفن عسكرية بين قبرص وسوريا وتتضمن 3 غواصات، فضلاً عن تقديم دعم مالي لقبرص واليونان والتواجد في شركات التنقيب بالتعاون مع لبنان، ولاشك أن مسار ذلك الصراع ونتائجه هو مثار اهتمام روسيا التي تسعى لإعادة صياغة أسس النظام العالمي بتوظيف التناقضات خلال أزمات من هذا النوع، وقال سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي إن " روسيا تتابع عن كثب الوضع في شرق المتوسط ومستعدة لتقديم المساعدة في المحادثات من أجل تطوير حوار حقيقي يهدف لحلول مقبولة للطرفين" خلال زيارته لقبرص في الثامن من سبتمبر 2020م، والتقى خلالها رئيس قبرص ووزير خارجيتها ، فضلاً  عن إصدار السفارة الروسية في اليونان بيانًا في الرابع من سبتمبر جاء فيه أن روسيا تقوم بتدريبات عسكرية في منطقة شرق المتوسط ضمن قواعد القانون الدولي حيث أنه يتم إخطار خدمة تحذير الملاحة الدولية قبيل القيام بتلك التدريبات، التي وصفها البيان بأنها "روتينية"، وأضاف أنه يتم استخدام إجراء ثنائي بين اليونان وروسيا عندما يحين موعد تمرين جوي.      

الناحية الثالثة: ترتبط أربع دول خليجية بشراكة مع "الناتو" ضمن مبادرة استنبول التي أطلقها الحلف عام 2004م، واتخذت مسارات مختلفة كان منها مشاركة بعض دول المبادرة مع "الناتو" في عملياته العسكرية ضد النظام الليبي عام 2011م، وانخراط بعض الدول الخليجية في الصراع  بشرق المتوسط ومن ذلك إعلان هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة اليونانية في الثامن والعشرين من أغسطس 2020م، وصول 9 طائرات حربية إماراتية إلى قاعدة "سودا" اليونانية للمشاركة في تدريبات بين الجانبين، ووفقًا للبيان فإن التدريبات تستهدف التعاون بين القوات الجوية اليونانية والإماراتية لتطوير القدرات القتالية، ما يعني أن الأزمة أعادت الارتباط بين أمن الخليج والإطار الإقليمي، أخذًا في الاعتبار حدوث حالة من الافتراق بين دول الخليج أعضاء مبادرة استنبول لجهة مساندة المشير خليفة حفتر أو فائز السراج في ليبيا ما من شأنه التأثير على شراكات الحلف مع تلك الدول.

 وتخلص الرؤية إلى أربع نتائج استراتيجية

 الأولى: رغم حدة الصراع في شرق المتوسط وتعدد أطرافه وتباين مصالحها، فإن تأثير القوى الكبرى وخاصة أمريكا والتنظيمات الإقليمية مثل الناتو والاتحاد الأوروبي تمثل كوابح لأي مغامرة عسكرية غير محسوبة لإدراك الجميع أن مخاطرها لن تقتصر على أطرافها المباشرة، فضلاً عما يرتب عليها من تداعيات على الأمن الإقليمي والعالمي على حد سواء بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي البالغ للمنطقة وتشابك مصالح أطرافها.

 الثانية: مع أنها ليست المرة الأولى التي يواجه فيها "الناتو" انقسامات داخلية، فإن التحديات الراهنة غير مسبوقة حيث تطور الأمر إلى خلاف بين الأعضاء، وعلى الرغم من أن الحلف لديه آليات تتيح له احتواء الخلافات أو على الأقل الحيلولة دون بلوغها التصادم.

 الثالثة: مقارنة بحلف الناتو، فإن مهمة الاتحاد الأوروبي تبدو أكثر صعوبة تجاه صراع المتوسط سواء بالنسبة لموقع تركيا لدول الاتحاد ودورها في الحد من تدفق موجات الهجرة غير المشروعة لأراضيه أو بالنسبة للاتحاد ذاته لكون الأزمة تعد اختبارًا لقدرته على إدارة الأزمات خارج أراضيه بما يعزز أو يعرقل التوجهات الأمنية الأوروبية المستقلة عن حلف الناتو مستقبلاً.

 الرابعة: رغم وجود العديد من التداعيات التي يرتبها الصراع في شرق المتوسط على الأمن الإقليمي فإن أكثرها خطورة هو عسكرة صراعات من هذا النوع بما يجعلها قابلة للانفجار بين عشية وضحاها، فضلاً عن أن الإخفاق في إيجاد حلول إقليمية للأزمات لا يؤثر على مستقبل التنظيمات الإقليمية فحسب بل يجعل التدويل هو آلية حل تلك الأزمات ومن ثم إطالة أمدها بالنظر إلى تضارب المصالح من ناحية والتفاوت في موازين القوى من ناحية ثانية.

 

مقالات لنفس الكاتب