"صافر " قنبلة بيئية تحمل مليون برميل نفط في البحر الأحمر"

الإثنين، 28 أيلول/سبتمبر 2020

هز انفجار ضخم مدينة بيروت في الرابع من أغسطس 2020م، حيث دمر وسوى معظم أجزاء ميناء المدينة بالأرض تقريبًا، وألحق أضرارًا بالمباني في جميع أنحاء العاصمة وأرسل سحابة على شكل فطر عملاقة في السماء. وقُتل في الانفجار أكثر من 171 شخصًا، وفقد الكثيرون، وجُرح حوالي 6000 شخص، ودُفنت جثث الكثيرين تحت الأنقاض.

وبحسب المسؤولين اللبنانيين، حتى الآن، فإن السبب المعروف لهذه الكارثة المروعة هو انفجار حوالي 2750 طنًا من نترات الأمونيوم التي كانت مخزنة بشكل غير أمن في مستودعات ميناء بيروت.

يجب أن تركز هذه الكارثة الانتباه على المخاطر المتعلقة بالحالات الخطرة المماثلة في جميع أنحاء المنطقة العربية ومن أهمها حاليًا "خزان صافر" SAFER Tanker. حيث يرسو هذا الخزان العائم الذي تم بناؤه منذ 45 عامًا، وهو عبارة عن سفينة تخزين نفط عائمة مهملة محملة بحوالي 1.1 مليون برميل من النفط الخام، على بعد حوالي 60 كيلومترًا شمال ميناء الحديدة اليمني والذي يسيطر عليه المتمردون في اليمن.

في الحقيقة، لا المنطقة العربية ولا العالم يمكنهما تحمل الآثار المدمرة لهذه القنبلة البيئية المحتملة قبالة سواحل اليمن. فقد حذر العديد من خبراء البيئة من كارثة بيئية واقتصادية وإنسانية لليمن وكافة الدول المجاورة له إذا تحطمت السفينة أو انفجرت لأي سبب من الأسباب. فمنذ اندلاع الحرب الأهلية المدمرة في اليمن قبل حوالي خمس سنوات، لم يتم صيانة هذه الناقلة تقريبًا. علاوة على ذلك، في أواخر مايو 2020م، غمرت مياه البحر غرفة محرك الناقلة، مما زاد من خطر غرق السفينة أو انفجارها. لكن لحسن الحظ، تم إصلاح هذه المشكلة بشكل مؤقت.

ويعد البحر الأحمر من أهم مستودعات التنوع البيولوجي في العالم، حيث يدعم العديد من الأنواع المهمة بما في ذلك الثدييات والسلاحف والطيور البحرية. بالإضافة إلى ذلك، تعتبر الظروف البيئية للبحر الأحمر مثالية لازدهار الشعاب المرجانية. حيث تضمن المياه الضحلة بالبحر الأحمر ضوءًا كافيًا لحدوث التكلس ولعملية التمثيل الضوئي السهلة لنمو الطحالب.

ومع ذلك، فإن البحر الأحمر هو بحر شبه مغلق تقريبًا، لذا فإن بيئته ستحتاج إلى أكثر من 30 عامًا للتعافي من العواقب الوخيمة عن هذا الانسكاب النفطي المحتمل من ناقلة النفط صافر. فمثلاً يمكن أن يؤدي الانسكاب إلى تعطيل أحد أكثر ممرات الشحن ازدحامًا في العالم والتأثير على عمليات تسليم إمدادات المساعدات الإنسانية إلى الحديدة، والتي تعد شريان الحياة الرئيسي لأقل من ثلثي سكان اليمن.

وتقدر مجموعة "حلم أخضر البيئية" اليمنية الآثار السلبية الرئيسية التي قد تترتب على انفجار أو غرق الناقلة صافر على النحو التالي:

- ستفقد أكثر من 115 جزيرة يمنية في البحر الأحمر تنوعها البيولوجي وموائلها الطبيعية.
- كما أن 969 نوعًا من الأسماك في المياه اليمنية ستقتل بسبب تسرب النفط الخام.
- كذلك سيختفي حوالي 300 نوع من الشعاب المرجانية من المياه اليمنية.
- بالإضافة إلى ذلك، سيتضرر أو يموت حوالي 768 نوعًا من الطحالب في المياه الإقليمية اليمنية.
- وأيضًا سيتعرض 1.5 مليون طائر مهاجر للتهديد أثناء عبورهم السنوي لمنطقة باب المندب، والتي تصنف على أنها الممر العالمي الثاني للطيور المهاجرة.
- 850 ألف طن هي كمية المخزون السمكي الموجود في المياه اليمنية، والتي ستتعرض لأضرار في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن.
- حوالي 390 نوعًا من الطيور البرية والمائية في اليمن، سيواجه نصفها خطر الموت المؤكد على الجزر والسواحل التي سوف تتلوث ببقع الزيت.
- كما ستؤثر هذه الكارثة المحتملة على 100 في المائة من مصايد الأسماك اليمنية في غضون أيام.
- عدد الصيادين في محافظة الحديدة الذين سيفقدون مصدر دخلهم الوحيد بسبب الكارثة هو 67800.

 

التكاليف البيئية

قدرت شركة Riskaware ومقرها المملكة المتحدة التكاليف البيئية من انسكاب النفط من هذه الناقلة بتكلفة 20 مليار دولار ويمكن أن تستغرق عملية تنظيف آثارها حوالي عامين ونصف. والأخطر من ذلك هو اندلاع حريق أو انفجار على متن السفينة، مما قد يؤدي إلى تغطية 40٪ من الأراضي الزراعية اليمنية بالسخام، مما يترك أكثر من 3 ملايين مزارع غير قادرين على أداء أعمالهم لمدة عام تقريبًا.

وفي حالة حدوث انسكاب نفطي أو انفجار الناقلة سيتم إغلاق ميناء الحديدة الرئيسي القريب لفترة من خمسة إلى ستة أشهر مما سيؤدي ذلك إلى زيادة أسعار الوقود بنسبة 200 في المائة، بينما من المرجح أن تتضاعف أسعار المواد الغذائية.

في حين أن الساحل الغربي لليمن سيكون الأكثر تضررًا، فإن التأثير سيمتد بسرعة إلى سواحل جيبوتي وإريتريا والمملكة العربية السعودية، وسيؤثر على الطلب على المأكولات البحرية من البحر الأحمر كما سيؤثر على أكثر من 200 ألف سفينة تمر عبرها كل عام. وفي حالة حدوث انسكاب، قد يستغرق الأمر سنوات لاستعادة النظم البيئية وتعافي الاقتصاد.

لا لتسييس صافر

السؤال المهم هو ما إذا كان العالم سيتصرف في الوقت المناسب لمنع هذه المخاوف المريعة أم لا؟ وفي رأي الكاتب أن الحل الأفضل والأسرع والأكثر أمانًا هو تفريغ النفط من على متن هذه السفينة ومن ثم سحب الناقة إلى مكان آمن لتفكيكها.

في الوقت الحالي، ربما على جامعة الدول العربية والأمم المتحدة والأطراف اليمنية المختلفة العمل على الفور لإزالة أي عقبات، خاصة السياسية منها، أمام الجهود اللازمة لإزالة المخاطر التي تشكلها ناقلة النفط صافر دون أي تأخير. وكإجراء سريع يجب على الأطراف اليمنية بمساعدة الأمم المتحدة تقييم أوضاع السفينة واتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمينها ومنع حدوث اي تسرب نفطي محتمل.

وهناك حاجة ماسة لاتخاذ إجراءات عاجلة من قبل الأطراف المختلفة في اليمن بالتعاون مع الأمم المتحدة والجامعة العربية من أجل التوصل إلى خطة استجابة واضحة ومفصلة في حالة حدوث تسرب نفطي، مع التأكيد على أن الناقلة صافر يمكن أن تسرب كمية نفط تساوي أربعة أضعاف أكثر مما حدث في كارثة "إكسون فالديز" سيئة السمعة، قبالة ألاسكا في عام 1989م. ولا سيما أنه لا اليمن الذي مزقته الحرب ولا أي من جيرانه لديهم القدرة على إدارة وتخفيف عواقب مثل هذا التسرب النفطي أو الانفجار الضخم.

عملية منع هذه الكارثة لا ينبغي تسييسها بأي حال من الأحوال ففي حالة حدوث مثل هذه الكارثة فالكل سيصبح خاسرًا صحيًا وبيئيًا واقتصاديًا. فالأمر هنا يتعلق بحياة الناس وصحة البيئة وإنقاذ الاقتصاد خاصة أن الشعب اليمني يواجه بالفعل العديد من المشكلات والتحديات الشديدة والظروف الصعبة من حرب وأمراض وجوع واقتصاد منهار ومستقبل غامض.

مع قتامة الصورة لكن لحسن الحظ، إن مشكلة الناقلة النفطية "صافر" مشكلة قابلة للحل ولا يجب بأي حال من الأحوال إضافتها إلى المشكلات العديدة الحالية الأخرى في اليمن والمنطقة. ولربما تحث هذه الكارثة المحتملة جميع الأطراف اليمنية والجامعة العربية والأمم المتحدة على الهدف الأسمى وهو ضرورة الجلوس معًا والعمل الجاد لوقف الحرب في اليمن وتفادي هذه الكارثة وغيرها من المشكلات العديدة في اليمن.

مقالات لنفس الكاتب