مسيرة مجموعة الفكر (T20) 2020

الأحد، 01 تشرين2/نوفمبر 2020

وقع الاختيار في منتصف عام 2019م، على كل من مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية (كابسارك) ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية لاستضافة مجموعة تواصل الفكر (T20) - وهي عبارة عن مجموعة مشاركة تمثل بنك الأفكار لمجموعة العشرين - ولقد تشرفت بتعييني رئيسًا لمجموعة تواصل الفكر ومشرفًا على مثل هذه المبادرة الكبيرة والواسعة النطاق التي جمعت أكثر من 600 مؤلف وخبير في السياسة العالمية يمثلون 56 دولة و440 مؤسسة لمساعدة قادة العالم على حل القضايا والمشكلات التي تواجه العالم. ولقد تمكنا من وضع العديد من مقترحات السياسة القابلة للتنفيذ في 156 موجزًا سياساتيا من المحتمل أن يعود بالفائدة والنفع على العالم بشتى الطرق. وقد أوجزت ملخصات السياسة في 32 مقترحًا من بيان مجموعة العشرين الرسمي، قدمناها لأمانة مجموعة العشرين في قمة مجموعة تواصل الفكر بتاريخ 31 أكتوبر والأول من نوفمبر. إذ تقدم هذه المقترحات حلولا للتحديات العالمية الأكثر إلحاحًا التي تواجه الدول في يومنا هذا، والتي تناقشها رؤية المملكة العربية السعودية للسعي نحو مستقبل يسوده الازدهار الاقتصادي والاستدامة والشمول.

ومن جانب آخر، خططنا لاستضافة العديد من الفعاليات المتعلقة بمجموعة تواصل الفكر، بما فيها قمة مجموعة تواصل الفكر. وقد حقق المؤتمر الاستهلالي نجاحًا منقطع النظير. ولقد أدى الانتشار العالمي لجائحة كوفيد-19 بعد فترة وجيزة من اندلاعها إلى تعطيل العديد من خططنا، إلا أنه أتاح لنا الفرصة للجوء إلى استخدام طرق عمل جديدة ومبتكرة. حيث عقدنا رغم صعوبة السفر العديد من الاجتماعات والندوات عبر شبكة الانترنت مع الزملاء والمؤسسات المشاركة. ومما لا شك فيه أن هذه الجائحة تسببت في تفاقم المشكلات الحالية التي تواجه العالم، بل وخلقت بدورها مشكلات جديدة. غير أننا استجبنا لهذا النموذج العالمي الجديد بإنشاء فريق عمل إضافي، متمثلا في فريق العمل الحادي عشر (11): فيروس كورونا المستجد: مناهج متعددة التخصصات لمواجهة المشكلات المعقدة.

تعمل مجموعة تواصل الفكر على تغذية عمليات مجموعة العشرين من خلال تسهيل التفاعل بين أعضاء المجموعة والمجتمع المعني بالسياسات، وتقديم توصيات سياساتية ملموسة ومجدية، وتقييم نتائج مجموعة العشرين وتوجيه عمليات صنع سياساتها والتواصل مع عموم الجمهور حول القضايا ذات الأهمية العالمية. وشملت المواضيع الخمسة لمجموعة تواصل الفكر التابعة لمجموعة العشرين التي تتولى رئاستها المملكة العربية السعودية: المناخ والبيئة والنساء والشباب والتعددية والتنمية الاقتصادية والتمويل والموارد المستدامة والتكنولوجيا والرقمنة.

كذلك أعادت جائحة كوفيد-19 التأكيد على ما كان راسخًا بالفعل: أنّ الصحة منفعة عامة عالمية ولا يمكن تحقيقها بفعالية إلا من خلال الشركات والتعاون العالمي، إننا أقوياء بقدر أضعف حلقاتها، ويمكننا من خلال المسؤولية المشتركة فقط تحقيق الاستعداد العالمي لحالات الطوارئ المشتركة. ولقد طالبنا مجموعة العشرين بإعادة التأكيد على أهمية الصحة باعتبارها منفعة عامة عالمية وتبني التغطية الصحية الشاملة والعالمية وتعزيز التضامن العالمي والتعددية استجابة لجائحة كوفيد-19، إذ يوجد ما يقارب من 40 مليون حالة إصابة مؤكدة بكوفيد-19 وأكثر من مليون حالة وفاة تم إبلاغ منظمة الصحة العالمية عنها. ولم تكن الخسائر المأساوية للأرواح والمعاناة التي يعيشها الناس حول العالم بالإضافة إلى حالات التعطل التي مست اقتصاداتنا ومجتمعاتنا، إلا تذكيرًا بضعفنا، وتحتم علينا هذه الأوقات التي لم نشهد لها مثيلاً أن نقوم بعمل جماعي غير مسبوق.

كانت جائحة كوفيد-19 سببًا وراء إلغاء العديد من الفعاليات العالمية، بما فيها الدورة السادسة والعشرون لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ (COP26)، ومؤتمر كوبنهاغن للتغيّرات المناخية (COP15) الذي يركز على التنوّع البيولوجي. ويعتبر تغير المناخ أزمة عالمية ملحة. لذا يتعين على مجموعة العشرين تعزيز الحاجة إلى الحفاظ على الالتزامات المتعلقة بتغيّر المناخ لتتصدر جداول الأعمال العالمية. ولتحقيق ذلك، أوصينا باستخدام نهج الاقتصاد الدائري للكربون لضمان تحولات الطاقة المحايدة للكربون وتعزيز التعاون في خطة العمل بشأن تغير المناخ لدعم النمو والتعافي الاقتصادي المستدام والمتكيف مع المناخ وحماية التنوع البيولوجي والحفاظ عليه واستعادته.

كان وقع جائحة فيروس كورونا المستجد أشد وطأة على الفئات الأكثر عرضه للإصابة بالمرض وهم النساء والشباب والفقراء وكبار السن. لذا، وجب على المجتمع الدولي أن يتخذ إجراءات عاجلة لضمان ألا تؤدي هذه الجائحة إلى تفاقم الانقسامات الاجتماعية وبالتالي المساهمة في زعزعة الاستقرار العالمي. "الإنسان أغلى ما نملك". ولتعزيز التمكين والمساواة بين النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للمرض من الناحية الاقتصادية، طالبنا مجموعة العشرين بزيادة تمويل حلول التعليم المبتكرة التي تلبي احتياجات شباب اليوم، وتعمل على تهيئة الظروف الملائمة لمنع وقوع الخسائر في مستقبل التعليم. كما أوصينا بأن تتولى دول مجموعة العشرين تنسيق السياسات الحكومية التي تهدف إلى الحد من التأثير الاقتصادي لأزمة كوفيد-19 وأن تتأقلم مع الجهود الدولية المبذولة لدعم الدول والشعوب الأكثر تضررًا وأن تضع سياسات تكفل حماية الصحة البدنية والرفاه الاقتصادي للعمال المهاجرين وإعدادهم لمستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.

تحتاج المخاوف الناشئة بشأن الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية إلى إيجاد حلول ناجعة ومتعددة الأطراف لها، ويجب أن تنظر مجموعة العشرين في إيجاد أفضل السبل لدعم المنظمات متعددة الأطراف والتعاون معها حتى تخدم أهدافها بطريقة تتسم بالفعالية والشمول والاستدامة. كذلك طالبنا مجموعة العشرين بإجراء إصلاحات داخلية لضمان استدامة وشرعية النظام متعدد الأطراف المستند إلى القانون، وتحسين التعاون متعدد الأطراف بين دول أعضاء مجموعة العشرين والدول غير الأعضاء على حد سواء. كما أوصينا بزيادة مشاركة أصحاب المصلحة متعددي الأطراف في مجموعة العشرين لمواجهة تحديات السياسة الحالية التي تؤثر على الاقتصاد العالمي، مثل الصحة العامة وتغيّر المناخ والصراع العالمي. وأخيرًا، أوصينا بأن تعزز مجموعة العشرين الأطر المبتكرة التي تساعد على سد فجوة الاستثمار من أجل بنية تحتية مرنة ومستدامة.

أدت المستويات المتزايدة من التفاوت في الدخل والثروة داخل الدول، إضافة للتغيرات في هيكل التجارة الدولية والتركيبة السكانية والهجرة إلى تآكل التماسك الاجتماعي في العديد من الدول. والجدير بالذكر هنا، أن المجتمعات المتماسكة تضع أسسًا لصحة الأمم، لذا طالبنا مجموعة العشرين باعتماد نهج شامل لتنفيذ أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، بما فيها دمج القيم الاجتماعية والمبادئ الدينية المشتركة. وأوصينا كذلك بأن تتخذ المجموعة إجراءات وتدابير للتخفيف من حدة الآثار السلبية للتحولات الديموغرافية، والعمل على إجراء إصلاح ضريبي منسق باعتباره وسيلة لمعالجة المستويات المتزايدة من حالات عدم المساواة التي تنذر بتهديد التماسك الاجتماعي.

وعلى صعيد آخر، تعتبر الغذاء والماء والطاقة ركائز أساسية للازدهار الاقتصادي، وبالتالي فإن القدرة على تحمل تكاليف هذه الموارد واستدامتها وأمنها يعد من ضمن المواضيع الرئيسة الواردة دوما في الخطابات الاقتصادية والجيوسياسية. ولقد طالبنا مجموعة العشرين بتعزيز الإجراءات والتدابير التي من شأنها دعم التكنولوجيا والابتكارات لإنشاء سوق غذاء عالمي مستدام ومستقر، والمحافظة على أمن الطاقة واستقرار أسواقها لضمان مستقبل مزدهر، وتفادي تجزئة وتقسيم السياسات وتعزيز الابتكارات لتسهيل استدامة العلاقة المتبادلة بين الماء والغذاء والطاقة.

والجدير بالذكر هنا، أن هذه الجائحة قد سلطت الضوء على قيمة العالم الرقمي، وبالتالي يجب أن تتكيف جداول أعمال السياسات والآليات التنظيمية والأدوات والابتكارات الخاصة بمجموعة العشرين مع تأثير الرقمنة على البشرية كآفة، بما فيها النظم البيئية الاقتصادية والاجتماعية. وقمنا من أجل تسخير إمكانات التقنيات الرقمية للجميع، بدعوة مجموعة العشرين لدعم بناء القواعد والمعايير الرامية لمجابهة التحديات الجديدة التي تؤثر على الاقتصاد العالمي، مثل الذكاء الاصطناعي والفضاء السيبراني. كما أوصينا دول المجموعة بتوسعة نطاق محو الأمية المالية الرقمية ليصل إلى الفئات المحرومة، بما فيها السكان النازحون قسرًا لتحقيق الشمول المالي العادل في العصر الرقمي، ولضمان توفر نظام بيئي سليم وآمن عبر الانترنت يحمي استقلالية المواطن، وبخاصة الأطفال والشباب.

ونشير إلى أن رئاسة مجموعة تواصل الفكر انتقلت بالتعاقب من اليابان إلى المملكة العربية السعودية التي ستنتقل منها إلى إيطاليا والهند. وها نحن بعقل مفتوح يملؤوه التفاؤل بالمستقبل، نسلم هذه الشعلة إلى شركائنا الإيطاليين ونتمنى لهم حظًا موفقًا خلال توليهم لرئاسة مجموعة تواصل الفكر لعام 2021م، ونعرب عن استعدادنا وجاهزيتنا للمساعدة في الأعمال المستقبلية لمجموعة تواصل الفكر ووضع الأسس المتينة لمستقبل يسوده الازدهار الاقتصادي والاستدامة والشمول والخير للبشرية كافة.

مقالات لنفس الكاتب