" العشرين" أنهت النظام العالمي القديم ووزعت القوى على 20 دولة

الإثنين، 26 تشرين1/أكتوير 2020

تحميل    ملف الدراسة

تمثل رئاسة المملكة العربية السعودية لمجموعة العشرين فرصة سانحة لإحداث تغييرات إيجابية في السياسة العالمية بسبب الدور الكبير الذي تمثله مجموعة العشرين ومكانة المملكة بالإضافة إلى الخبرة الكبيرة التي يتمتع بها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في مجال العمل الخيري والإنساني والتي توجت بقيام مركز الملك سلمان بن عبدالعزيز للإغاثة والأعمال الإنسانية بالإضافة إلى استضافة المملكة لمنظمة المؤتمر الإسلامي التي تعتبر ثاني أكبر منظمة دولية في العالم بعد الأمم المتحدة وهي من العوامل التي بلا شك سوف تعينه في قيادة مجموعة العشرين.  ولعل من أهم التغييرات المطلوبة عالميا هي إعادة النظر في طبيعة المنظمات الدولية العاملة في المجالات السياسية والاقتصادية والإنسانية وتفعيل دورها الحيوي في مواجهة التحديات الكبيرة التي تواجه البشرية اليوم.  في هذه المقالة سوف نستعرض نشأة بعض المنظمات الدولية وتاريخها وأهم المتغيرات على دورها وبعض المقترحات لتفعيل أدائها في مواجهة تلك التحديات.

تاريخ المنظمات الدولية وارتباطها بالنظام العالمي

يرتبط تشكيل المنظمات الدولية بطبيعة النظام العالمي لأنها تعتبر من الأدوات المهمة في ترتيب المنظومة الدولية. فعلى سبيل المثال كانت نشأة عصبة الأمم جزءًا من النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الأولى بناءً على رؤية الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون في تحقيق السلام من خلال حل المشكلات بين الدول وعدم الإخلال بالسيادة الوطنية، لكن تلك المنظمة فشلت فشلاً كبيرًا وكانت نتيجة ذلك الفشل الحرب العالمية الثانية التي وصل عدد الضحايا فيها إلى ما يقارب السبعين مليون وتدمير أوروبا واليابان والعديد من الدول الأخرى تدميرًا كاملاً.

 جاء تأسيس الأمم المتحدة هو الآخر نتيجة مباشرة لنظرة الحلفاء وخصوصًا الولايات المتحدة وبريطانيا للنظام العالمي لما بعد الحرب العالمية الثانية والتفاهمات التي حصلت بين الرئيس روزفيلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرتشل في عام 1941م، والتي سميت "إعلان الأطلسي" الذي عبر عن رؤية الطرفين لشكل العالم في مرحلة ما بعد الحرب والذي اشتمل على ثمانية مبادئ حيث نص البند السادس منها على أهمية "الأمن والأمل بقيام سلام يوفر لجميع الدول وسائل العيش بأمن ضمن حدودها"، أما البند السابع فقد نص على أن "ذلك السلام يجب أن يشمل حرية الملاحة في أعالي البحار من دون عوائق"، أما البند الثامن وهو الأهم فقد نص على "أن جميع دول العالم، ولأسباب عقلانية وروحية، يجب أن تتوصل إلى التخلي عن استخدام القوة وذلك لأنه لن يكون هناك سلام في المستقبل مع وجود احتمال استخدام القوات البرية والبحرية والجوية من قبل دولة لتهديد أو التلويح بالتهديد بالاعتداء خارج حدودها، ولذلك فلابد من قيام منظومة للأمن العام تقوم على أهمية نزع سلاح مثل تلك الدول" نلاحظ هنا أن الخطر الوحيد هو استخدام دول لقواتها في سبيل تهديد دولة أخرى.  

شكل هذا التفاهم الأساس لإعلان واشنطن في عام 1942م، بين 26 دولة والذي سمي باتفاق "الأمم المتحدة" والذي سرعان ما وافقت عليه 20 دولة أخرى منها خمس دول عربية هي المملكة العربية السعودية والعراق ومصر وسوريا ولبنان.  ولذلك قامت الأمم المتحدة على أساسين مهمين وهما سيادة الدول ضمن حدودها الدولية والثاني هو سيطرة الدول دائمة العضوية على القرارات التي تتعلق بالأمن والسلم في المنظمة الدولية من خلال امتلاكها لحق النقض في قرارات مجلس الأمن الدولي.  

  أهم المتغيرات العالمية التي تؤثر في أداء المنظمات الدولية

المتغيرات في السياسة العالمية:

النظام العالمي الذي خرجت من رحمه معظم المنظمات الدولية يعود إلى فترة الهيمنة الأوروبية على العالم التي جاءت بعد اتفاق في وستفاليا 1648 الذي قام على أنقاض حرب الثلاثين عام في أوروبا وجمع كلمة الدول الأوروبية حول مفهوم النظام العالمي القائم على أساس احترام سيادة الدول ضمن حدودها الدولية.  كانت نتيجة هذا النظام انطلاق الدول الأوروبية في حملات استعمارية في جميع إنحاء العالم فأصبحت أوروبا مركز العالم الذي يتحكم بشؤونه ومقدراته حتى صارت الدول الاستعمارية، وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا، إمبراطوريات لا تغيب عنها الشمس وأصبحت شبه القارة الهندية، على سبيل المثال، تدار من قبل شركة الهند الشرقية حالها حال معظم الدول الآسيوية من العراق إلى إندونيسيا. هذا المفهوم القائم على مركزية أوروبا هو العقيدة التي تأسس بموجبها النظام العالمي والمنظمات الدولية التي هي انعكاس له، ولذلك نلاحظ أن ثلاثة من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن هي من القارة الأوروبية التي يشكل سكانها أقل من 10% من سكان العالم في حين أن القارة الآسيوية التي تشكل حوالي 60% من سكان العالم تتمثل بدولة واحدة. وبعبارة أخرى فإن أقل من 20% من سكان العالم (أوروبا وأمريكا الشمالية) يمتلكون 80% من المقاعد دائمة العضوية في مجلس الأمن ولا تمتلك القارة الإفريقية التي يساوي عدد سكانها قارتي أوروبا وأمريكا الشمالية أي تمثيل في الدول الخمس التي تمتلك القرار في مجال الأمن والسلم العالمي ونفس الكلام يصدق بالنسبة لقارة أمريكا الجنوبية.

هذا النظام انتهى وأصبح العالم متوازنًا أكثر في نواحي النشاط الاقتصادي ولذلك نلاحظ أن مجموعة العشرين والتي تمثل أكبر 20 اقتصاد في العالم تعكس توازنًا كبيرًا في تشكيلها حيث تشمل عضويتها على ست دول من كل من آسيا وأوروبا وثلاث دول من أمريكا الشمالية ودولتان من أمريكا الجنوبية ودولة من إفريقيا وأستراليا بالإضافة إلى الإتحاد الأوروبي.  

 

التغيير في طبيعة التهديدات للأمن والسلم العالميين

المتغير الثاني يشمل تغييرًا كبيرًا في طبيعة الأخطار التي تواجه البشرية اليوم وهي عبارة عن تحديات عابرة للحدود ولا يمكن معالجتها في دولة دون أخرى ولا يمكن إطلاق صفة السيادة عليها ولذلك فليس من الممكن حلها باستخدام الأنظمة القديمة لأنها تستوجب مقاربات ووسائل جديدة تتناسب مع طبيعتها ومن أهم ذلك العمل الجماعي لإيجاد الحلول المناسبة لها بالإضافة إلى معالجة تداعياتها ، ولعل من أهم تلك المشكلات ما يلي :

  1. معالجة تداعيات التغيرات المناخية: تأتي أهمية الموضوع من حجم الأخطار التي تترتب على التغيرات المناخية والتي قد تصل لدرجة يمكن أن تهدد الوجود البشري على كوكب الأرض. ليس هناك اختلاف كبير على أهمية الموضوع ، لكن الخلاف هو حول طرق المعالجة، ذلك أن بعض الدول المتقدمة، والتي هي المتسبب الأكبر في هذه الأزمة، تريد من خلال الحلول المقترحة وضع العراقيل أمام عملية التنمية في الدول النامية، في حين ترى الدول النامية بأن لها الحق في تكرار تجارب الدول المتقدمة في التنمية، تلك التجارب التي كانت السبب في تردى الأوضاع البيئية. هذا الوضع يذكرنا بمقولة العالم الكبير آينشتاين " لا يمكننا حل المشكلات التي نعاني منها بنفس العقلية التي ولدت تلك المشكلات".  إذًا فإن معالجة قضية مثل التغيير المناخي تحتاج إلى رؤية متجردة وعمل جماعي يشترك فيه الجميع بالفرص والأعباء من خلال إحداث تغيير جذري في طبيعة الاقتصاد العالمي وبناءه على أسس لا تتعارض مع البيئة.  إن المملكة العربية السعودية بكونها أحد أهم الدول المصدرة للبترول يمكن أن تلعب دورًا رياديًا في التوصل إلى صيغة متوازنة لمعالجة هذه الأزمة التي تعتبر الأخطر في تاريخ البشرية.  ولعل من أهم العوامل هو الوصول إلى حلول تضمن الاستهلاك النظيف للمواد الهييدروكاربونية من خلال الاستثمار في وسائل جديدة لخزن أو تحويل ثاني أوكسيد الكاربون، والتنوع في موارد الطاقة وكذلك الاستثمار في الزراعة والحفاظ على المناطق الخضراء.    
  2. الأوبئة المعدية: ليس من الصعب إقناع أحد اليوم بخطورة الأوبئة المعدية وآثارها المدمرة على البشرية مباشرة وعلى مناشط الحياة الأخرى، ذلك أننا نعيش هذه التجربة المريرة مع تداعيات الكوفيد-19. ظهرت أول الإصابات في مدينة ووهان الصينية في أواخر العام الماضي وبعد عشرة أشهر فقط وصل عدد الإصابات في العالم إلى 36 مليون إصابة وعدد الوفيات إلى أكثر من مليون حالة، وهذه نسبة كبيرة جدًا لعدد الوفيات التي تتجاوز 3%.  والسؤال الآن هل تم التعامل مع هذه الجائحة بصورة سليمة؟ لا شك أن الأرقام أعلاه تنفي ذلك.  لقد كانت ردة الفعل متأخرة جدًا، ولعل السبب يعود إلى غياب الشفافية من قبل الصين حول الوباء بالإضافة إلى ضعف أداء المنظمات الدولية التي كان ينتظر منها دق ناقوس الخطر في وقت أبكر بكثير مما كان عليه الأمر لكي يتجنب العالم مثل هذه الخسائر الكبيرة والخراب الكبير الذي أصاب الاقتصاد العالمي.  إن دراسة هذه الحالة مطلوب الآن أكثر من أي وقت مضى ليس لتبادل اللوم بل لتعلم الدروس ومحاولة تجنب تكرار هذه التجربة المريرة، لأنه لابد من الإقرار بأن هذه الجائحة لن تكون الأخيرة وعلى العالم أن يكون أكثر استعدادا لما قد يأتي بعدها.
  3. الحروب غير المتوازنة وخطر الجماعات المسلحة العابرة للحدود : التطرف ظاهرة بشرية ليست حكرًا على دين أو قومية وهو خطر يهدد الجميع اليوم بسبب انتشار الأفكار الشوفينية واليمينية التي لا تقبل بالتعايش مع الآخر. إن دور هذه الجماعات أصبح أكثر خطورة بسبب استغلال بعض الدول لهذه الجماعات وتسخيرها لخدمة أغراضها السياسية وشن الصراعات بالوكالة حيث لا تكاد تخلو ساحة من ساحات الصراع اليوم من المليشيات المسلحة التي لا تخضع لسلطة دولة. إن العالم اليوم بحاجة إلى وقفة صريحة وواضحة تضع حدًا لجميع الممارسات التي لا تتناسب مع أوضاع العالم اليوم، وتجريم استخدام المجاميع المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة في الصراعات السياسية ووضع الدول أمام حقيقة أن مفهوم السيادة يمر باتجاهين حيث لا يحق لدولة أن تدعي السيادة وتطالب العالم باحترامها وهي تمول أو تؤوي الجماعات المسلحة التي تنتهك سيادة دول أخرى بغض النظر عن المبررات.  ولعل من الأمثلة على خطر هذه الجماعات القرصنة في أعالي البحار والتي من شأنها أن تعيق التجارة العالمية وتهدد السلم والأمن العالمي.
  4. الهجرة والمهجرين: يشهد العالم العديد من الأزمات والصراعات في الكثير من المناطق التي تسببت بزيادة كبيرة في أعداد المهاجرين والمهجرين شملت جميع القارات. تعتبر الأزمات في سوريا وليبيا بالإضافة إلى الأوضاع الاقتصادية المتردية في أمريكا الجنوبية والقارة الإفريقية عوامل كبيرة في زيادة أعداد المهاجرين إلى أرقام قياسية، فعلى سبيل المثال وصل عدد السوريين الذين هاجروا إلى مختلف دول العالم إلى حوالي 6 ملايين مهاجر في حين يبلغ عدد المهجرين داخل سوريا أكثر من ستة ملايين.  هذه الأوضاع أدت بالعديد إلى المخاطرة بحياتهم في سبيل تحسين أوضاعهم المعاشية بالإضافة إلى تعرضهم لمخاطر الرق والإتجار بالبشر والتي أصبحت واحدة من أكبر المشكلات الإنسانية التي تستوجب العمل على توفير الحماية القانونية للمهاجرين الشرعيين.
  5. الصراع على الموارد الطبيعية مثل موارد الطاقة والمياه: هناك العديد من النزاعات المحتدمة على الموارد الطبيعية مثل المياه التي تشكل نقطة تماس في العديد من المناطق مثل منطقة الشرق الأوسط التي تعاني من شحة شديدة في المياه تفاقمت بسبب التغيرات المناخية والزيادة الكبيرة في السكان ويشكل الصراع على مياه النيل بين مصر وإثيوبيا أحد أبرز الأدلة على ذلك بالإضافة إلى الخلاف على مياه دجلة والفرات بين العراق وسوريا من جهة وتركيا وإيران من جهة أخرى. ولا ننسى هنا أن نذكر بالمشكلة الأخرى وهي التلوث البيئي لمصادر المياه في أراضي المنبع كما يحصل بالنسبة لنهر الكارون الذي ينبع من إيران ويصب في شط العرب.

ليست المياه هي المشكلة الوحيدة بل هناك الصراع القديم الجديد على المعادن ومن أهمها مصادر الطاقة حيث الصراع المشتعل في دول حوض البحر المتوسط حول السيطرة على حقول النفط والغاز العملاقة التي اكتشفت حديثًا والتي تمثل نقطة تماس ساخنة بين العديد من الدول.  هذه المشكلات بحاجة إلى منظومة دولية تتمتع بالمرجعية والحيادية يرجع إليها في فض النزاعات قبل أن تتفاقم وتتحول إلى صراعات مسلحة يصعب السيطرة عليها. 

 

ضعف أداء المنظمات الدولية

تقف المنظمات الدولية موقف الحيرة أمام هذه التحديات الكبيرة التي تواجه العالم لأن تلك المنظمات أنشئت لمواجهة تحديات ذات طبيعة مختلفة جدًا، ولذلك يصعب وضع تقييم شامل لأداء المنظمات الدولية لكن الإخفاقات التي عانت منها كانت كبيرة جدا وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على الحاجة إلى عملية إصلاح شامل لإداء تلك المنظمات في سبيل معالجة نقاط الضعف في الأداء وتجنب الإخفاقات التي حصلت في الماضي، والتي منها:

  

  1. فشل الأداء الاقتصادي واتساع الهوة بين الغني والفقير على مستوى الأفراد والدول: كان عمل المؤسسات المالية الدولية يقوم على منهجية استدامة المديونية للدول الفقيرة بسبب الشروط التي تضعف التنمية في الدول المدينة من خلال ترشيد الإنفاق الحكومي على الصحة والتعليم ورفع الدعم عن المواد الأساسية التي تلبي الحاجيات الأساسية للطبقات الفقيرة. كانت من نتائج هذه السياسات توسيع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية من خلال إفقار الفقراء وتركيز الثروة عند الأثرياء.  هذه القضية لا تشمل الدول الفقيرة فقط بل هي تشمل الدول المتطورة التي شهدت اتساعًا كبيرًا في الهوة بين الفقراء والأغنياء حيث وصل معدل الدخل بالنسبة للطبقة الغنية في تلك الدول إلى عشرة اضعاف الطبقة الفقيرة.

يعتبر التعليم واستخدام التكنولوجيا من أهم وسائل بناء الاقتصاد اليوم لأنها صارت من مستلزمات تطوير القوى العاملة والمشاركة في الاقتصاد العالمي الذي تديره التكنولوجيا، ولذلك نلاحظ أن المجتمعات التي طورت وسائل التعليم بإدخال التكنولوجيا استطاعت أن توفر فرص عمل للشباب من خلال تطوير الاقتصاد المحلي أو بواسطة اجتذاب الشركات العالمية الباحثة عن اليد العاملة كما حصل في الصين وماليزيا وكوريا وسنغافورة.  تجدر الإشارة هنا إلى أن العديد من المجتمعات تعاني صعوبة كبيرة في الوصول إلى التكنولوجيا مما أدى إلى ازدياد الفجوة بين الدول الفقيرة حيث أشارت دراسة للأمم المتحدة إلى أن سبب الفجوة هو اقتصادي لأن المواطن الأمريكي يحتاج إلى أقل من نصف راتبه الشهري لشراء جهاز كمبيوتر في حين أن المواطن في بنغلاديش عليه أن يصرف راتبه السنوي لشراء نفس الجهاز.  إن المطلوب اليوم هو العمل على شيوع المعلومات من خلال توسيع شبكات الإنترنت على مستوى العالم واستخدامها في سبيل توفير المعلومات ورفع مستوى الوعي عند الشباب في مختلف أنحاء العالم والحيلولة دون احتكار التكنولوجيا في عدد من الدول أو عند طبقات معينة في المجتمعات لأن المعلومات قوة.

 

  1. الفشل السياسي بسبب التجاذب بين الدول الكبرى: شكلت الحرب على العراق واحدة من أكبر الإخفاقات للمنظمات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة في تأريخها ذلك لأن أداءها كان مخالفًا لرسالتها الأساسية.  قامت الأمم المتحدة من خلال مجلس الأمن بوضع العراق تحت طائلة البند السابع بعد غزو الكويت عام 1990م، وفرضت عليه منظومة من العقوبات لم يشهد لها التاريخ مثيلاً والتي بقيت من دون تغيير بعد حرب تحرير الكويت.  شكلت العقوبات واحدة من أكبر المآسي الإنسانية لأنها استهدفت الشعب العراقي وحرمته من أبسط الحاجيات الأساسية مثل الماء والدواء والغذاء وترتب عليها حوالي المليون من الضحايا. ومع أن الأمم المتحدة كانت تمتلك أكبر بعثة تفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في التأريخ والتي قامت بتفتيش كل ما أرادت تفتيشه ودمرت جميع المنشآت العلمية والتعليمية تحت ذريعة الاستخدام المزدوج إلا أنها ومن خلال وكالة الطاقة الدولية لم تستطع أن تضع الحقائق عن عملها أمام العالم في مقابل الأدلة الأمريكية المفبركة عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل. هذا مع العلم بان هناك العديد من دول العالم التي تمتلك برامج لإنتاج أسلحة الدمار الشامل وتشكل تهديدًا مباشرًا للأمن العالمي لكن الأمم المتحدة تقف مكبلة اليدين أمامها بسبب الخلاف في مواقف الدول الكبرى التي تنظر إلى مصالحها الآنية من دون أية مراعاة لدورها العالمي، الأمر الذي يهدد النظام العالمي الذي يشكل مصلحة كبرى بعيدة لتلك الدول.

 

  1. الفشل في الجوانب الإغاثية والإنسانية: شهدت القارة الإفريقية واحدة من أكبر المآسي الإنسانية والتي تمثلت بحملة الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994م، وذلك عندما شن القادة المتطرفون في جماعة الهوتو التي تمثل الأغلبية في رواندا حملة إبادة ضد الأقلية من قبيلة توتسي. وخلال فترة لا تتجاوز 100 يوم قُتل ما يقارب 800 ألف شخص وتعرضت مئات الآلاف من النساء للاغتصاب. جرى كل ذلك أمام سمع العالم وبصره ووقفت المنظمات الدولية موقف المتفرج الذي لاحول له ولا قوة.

 

ليست مأساة رواندا هي الوحيدة ولكن هناك مآس كبيرة أخرى مثل مآسي عديدة في البلقان مثلا كما جرى في البوسنة والهرسك وعمليات التطهير العرقي لعشرات الآلاف من البوسنيين على يد القوات الصربية التي قامت بقتل الرجال واغتصاب النساء ولا ننسى ما جرى ويجري من عمليات التهجير القسري في ميانمار وغيرها من دول العالم.  هذه المآسي تلقي بثقلها على الضمير الإنساني الذي يأبى مثل هذا وقد سبق للعالم أن أعلن بعد الحرب العالمية الثانية بأن عمليات التطهير العرقي لن تحصل ثانية، لكنها حاصلة وسوف تتوالى مالم يتخذ العالم موقفًا مغايرًا لما عليه اليوم. 

 

أولويات إصلاح المنظمات الدولية

ليست هناك مشاريع وأفكار جاهزة لإصلاح المنظمات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة، لكن ذلك لا يقلل من أهمية الأمر.  لذلك تتزايد الدعوات لإجراء إصلاحات جذرية قد تتطلب الدعوة إلى مؤتمر سان فرانسيسكو جديد لإعادة بناء عملية السلم والأمن العالمي الذي بدأ يتهاوى أمام الأخطار الجسيمة التي تواجهه ولا يجد له حولاً ولا قوة تجاهها.  ولعلنا نطرح بعض الخطوط العريضة لعملية الإصلاح التي يمكن أن تشمل ما يلي:

  1. توسيع دائرة القرار في المنظمات الدولية: هنا يأتي دور مجموعة العشرين لأنها تشكل قاعدة أوسع من مجموعة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن ولذلك فهي أكثر تمثيلاً للعالم وأكثر إدراكا للتحديات التي تواجهه.
  2. إعادة النظر في رسالة الأمم المتحدة وتعريف دورها بصورة تتماشى مع المهمات المطلوبة منها اليوم. ولعل من أهم الجوانب التي يجب التوصل إليها هي الحيلولة بينها وبين أن تكون حبيسة القرار السياسي لدولة أو مجموعة من الدول لأن ذلك يضر بالجميع، وإذا ما تعذر ذلك فيجب حصر دور الأمم المتحدة بالقضايا الإنسانية وعدم التدخل في القضايا السياسية المباشرة.
  3. زيادة الكفاءة ورفع مستوى الأداء في المنظمات الدولية: عمل المنظمات الدولية وخصوصًا الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها يتسم بالترهل والبيروقراطية، لأن العدد الأكبر من العاملين في هذه المنظمات يفضلون العمل في مدن العالم الكبرى مثل نيويورك وجنيف ولندن وبروكسل، وهذه أبعد ما تكون عن الأماكن التي تشتد فيها الحاجة لجهود هذه المنظمات، ولذلك نرى أن العديد من المواقف التي تصدر عن تلك المنظمات حول الأزمات العالمية تكون بعيدة عن واقع تلك الأزمات مما أضعف قدرات المنظمات على أداء دورها المطلوب. ولذلك فإن أحد عوامل الإصلاح إنما يكون بتواجد المنظمات الفعلي في مواطن الأزمات وحيثما تكون الحاجة وبالتعاطي المباشر مع المشكلات وعدم الاكتفاء بإصدار التقارير من المكاتب الفارهة.
  4. العمل على تقليص الهوة الاقتصادية والتعليمية بين الدول الفقيرة والغنية من خلال توسيع الوصول إلى التكنولوجيا. إن الدول الغنية عليها ألا تنظر إلى ذلك على أنه عطية أو هبة بل هو استثمار لأن الإنسان إذا ما تطور في أي مكان في العالم فإنه يصبح أكثر فائدة وأكثر إنتاجًا وأكثر استهلاكًا للمواد التي تصنعها تلك الدول وبذلك نحقق مفهوم الربح لجميع الأطراف.
  5. تطوير النظام الصحي العالمي هو قضية دفاعية لأن الصحة إما أن تكون للجميع أو لا تكون ذلك أن الأمراض المعدية، كما تعلمنا من أزمة الكوفيد-19، لا تعرف الحدود ولأن الفيروسات لاتحمل جوازات سفر لكي يتم إيقافها عند الحدود. لقد اكتشفت الدول الكبرى التي تنفق أموالها على السلاح والعتاد لكي تضمن أمنها، بأن تلك الأسلحة الفتاكة وقفت عاجزة عن التصدي لفيروس لا يرى بالعين ولم تحقق تلك الأسلحة الأمن المنشود، ولذلك فإن المطلوب هو الاستثمار في صحة الإنسان بوصفه الوسيلة الأقوى في التصدي للأوبئة الفتاكة.

 

خلاصة القول إن إصلاح المنظمات الدولية يمكن أن يتحقق إذا ما توصلت الدول إلى قناعة بأن الأخطار الكبيرة التي تواجهها البشرية اليوم كبيرة جدًا لأنها تهدد الوجود الإنساني على هذا الكوكب الصغير، الأمر الذي يستوجب علينا الارتقاء إلى مستوى التحديات والوصول إلى حلول تنمي العمل الدولي المشترك الذي يعكس قوة الترابط الإنساني أمام التحديات.  قد لا تكون فرص النجاح في هذا المجال كبيرة لكن المطلوب المحاولة الصادقة المبنية على الرؤية المخلصة القائمة على العمل المشترك وتغليب المصلحة العامة على المصالح الضيقة.

مقالات لنفس الكاتب