اقترحت السعودية تعزيز استراتيجية اقتصاد الكربون الدائري للانتقال لنظام طاقة أكثر شمولا ومرونة واستدامة

الأحد، 01 تشرين2/نوفمبر 2020

مجموعة العشرين هي منتدى غير رسمي للنقاش بين دول منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية والدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول القضايا المتعلقة بالاقتصاد العالمي. وقد تم إنشاؤها كاستجابة للاعتراف المتزايد بأن الاقتصادات الصناعية والناشئة الرئيسية مثل السعودية، والصين، والهند، والبرازيل لم يتم تمثيلها بشكل كافٍ في صميم المناقشات الاقتصادية العالمية والحوكمة العالمية.

تمثل مجموعة العشرين 80٪ من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري (GHG) العالمية، و 80٪ من التجارة العالمية في السلع الزراعية و 60٪ من الأراضي الزراعية في العالم. وتشمل الاقتصادات الصناعية والناشئة ذات أعلى مساهمة تاريخية ومتوقعة في الانبعاثات. وللأسف أغلب التحليلات تخلص إلى نتيجة مفادها أن هذه الاقتصادات كلها خارج المسار الصحيح لتحقيق هدف اتفاق باريس البالغ 1.5 درجة مئوية.

توضح هذه المقالة أهم المشكلات البيئية العالمية وخاصة تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي ودور مجموعة العشرين في قيادة العالم لحل هذه المشكلات وبالتإلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

أهم المشكلات البيئية العالمية

يتوقع العلماء ما لم يتخذ العالم خطوات جادة لكبح جماح الاحترار العالمي أن تتسبب مشكلة التغير المناخي في موجات من الجفاف والفيضانات وأشكال أخرى من الطقس المتطرف أكثر تكرارًا وبالتإلى تتسبب في أضرار جسيمة بالاقتصاد العالمي والبنيات التحتية والتربة والغذاء والمياه وصحة الإنسان. بل يذهب بعض العلماء لأبعد من ذلك ويقولوا أن مشكلة التغير المناخي قد تتسبب في فناء الجنس البشري.

وهذه المشكلات السابقة من شأنها إحداث آثار اجتماعية كبيرة، كالدفع إلى نزوح جماعي واضطرابات وصراعات ولسنا ببعيد عن الصراع السوري الذي تسبب تغير المناخ في شراراته الأولى حيث عرفت سوريا أسوأ فترة جفاف مسجلة في الفترة ما بين 2006 و2011م، وتدهورت التربة وهجر المزارعين أراضيهم نحو المدن مما خلق ضغوطًا سياسية واقتصادية واجتماعية ساعدت على عدم الاستقرار ومن ثم اندلاع الحرب الأهلية.

كما أن ارتفاع مناسيب المياه بالبحار سيجعل السواحل المطلة على البحار كالبحر المتوسط والخليج العربي والمحيط الهندي أكثر عرضة لمخاطر تملح التربة والمياه الجوفية وتهجير سكان السواحل، بل أن دول مثل مصر والإمارات والبحرين مهددة بأن تفقد جزءًا كبيرًا من مساحتها حيث تغمره مياه البحر، كما أن هناك جزر مهددة بالغمر تمامًا بمياه البحار والمحيطات كجزر المالديف. والأهم من ذلك كله القدرة الضعيفة لتكيف الدول النامية مع كافة هذه المشكلات.

إضافة إلى ما سبق فالتغير المناخي يتسبب في تفاقم ظاهرة "التصحر" أي تحول الأرض الخصبة إلى صحراء قاحلة جافة وما يترتب على ذلك من فقدان للتنوع البيولوجي - الذي هو أساس الحياة على كوكب الأرض- وكذا بفعل الأنشطة البشرية المفرطة في الزراعة و إزالة الغابات والرعي الجائر وما إلى ذلك.  مع استمرار تكرار التأثير على هذه النظم الإيكولوجية تتسع مساحة المناطق المتصحرة وبالتالي تجف مصادر المياه ويقل إنتاج الغذاء، مما يؤدي إلى هجرة السكان إلى مناطق أخرى. إن التصحر وفقدان التنوع البيولوجي ينتج عنه مشاكل مناخية بيئية واقتصادية تؤثر سلبًا على المدى الطويل بيئيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.

وبالتالي فالأمن الغذائي العالمي أصبح مهددًا بشكل غير مسبوق خاصة أن الأمن الغذائي أصبح جزءًا مهمًا من مفهوم الأمن الشامل الذي لم يعد يقتصر على الأمن العسكري فقط. أضف لذلك أنه في ظل جائحة كورونا وتوقف سلاسل الإمداد العالمية بات العالم يواجه مشكلة حقيقة تتمثل بأمنه الغذائي.

وإذا نظرنا إلى أهداف التنمية المستدامة، وما تحقق منذ البداية إلى الآن والمتوقع حتى عام 2030م، فسنكون إلى حد كبير بعيدين عن تحقيق أغلب إن لم يكن كل أهداف التنمية المستدامة مما يعني أننا بحاجة إلى التعجيل والإسراع بتعبئة الموارد الطبيعية والجهود والخطط وما إلى ذلك. كما أن البلدان بحاجة إلى بذل مزيد من الجهد وتعبئة مواردها الداخلية وتحسين إدارتها والحد من الفساد وتنفيذ سيادة القانون.

وهناك أيضًا مشكلة التلوث - التي هي من أقدم المشكلات البيئية العالمية- باختلاف أنواعها، والملوثات هي منتج ثانوي مصاحب دائماً لمختلف الأنشطة التنموية. وحاليًا مع التطور الكبير الذى يشهده العالم وبخاصة دول مجموعة العشرين فى العديد من المجالات العمرانية والصناعية والسياحية والزراعية وغيرها بالإضافة إلى زيادة الاستهلاك غير المستدام من المياه والطاقة والسلع المختلفة، إضافة إلى الطفرة الهائلة فى وسائل الإنتقال برًا وبحرًا وجوًا وما صاحبها من ارتفاع معدل استهلاك الوقود الأحفوري، أصبحت الملوثات والتلوث بكافة آشكاله (البحري٬ والهواء، والتربة٬ والإشعاعي٬ والنفايات بأنواعها المختلفة...الخ) قضية بيئية رئيسية في العالم أجمع.

فهناك حاجة ملحة إلى صياغة السياسات واتخاذ الإجراءات اللازمة لمكافحة التلوث والتخفيف لأقصى قدر ممكن من التلوث والملوثات لتفادى آثارهم ومخاطرهم السلبية على الإنسان والنظم البيئية والتنوع البيولوجى بل وعلى عملية التنمية نفسها.

مفاوضات تغير المناخ والوقود الإحفوري

لمفاوضات تغير المناخ بباريس أهمية خاصة للدول النفطية نتيجة لعلاقتها بالوقود الأحفوري كمصدر رئيسي للإقتصاد في هذه الدول كالمملكة العربية السعودية. فغالبية قطاعات الصناعة والطاقة والزراعة والسياحة عالميًا مازالت تعتمد بنسبة كبيرة على الوقود الأحفوري، ونتيجة لذلك تولد نسبة كبيرة من إنبعاثات غازات الدفيئة. ولذلك، فإن أي إجراءات تتخذ في هذا الصدد في الدول التي تتبنى قوانين لخفض الإنبعاثات لتنفيذ إتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ ستؤثر على الطلب على الوقود الأحفوري وهو أحد المصادر الأساسية لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وهو ما سيؤدي بالتبعية إلى تضرر اقتصاديات الدول النفطية. فإتفاقية باريس تغير المناخ تعتبر تحديًا كبيرًا بالنسبة للدول التي تعتمد على الوقود الأحفوري كمصدر إقتصادي رئيسي للدخل.

فالمملكة العربية السعودية دائما ما أكدت على أهمية وضع السياسات المناخية التي تدعم التكيف وكذا التخفيف من دون المساومة على أهمية النمو الاقتصادي والازدهار في البلدان النامية. أيضًا، من المهم أن يسير جنبًا إلى جنب الحد من غازات الإحتباس الحراري، وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن يؤثر ذلك سلبًا على التنمية الاجتماعية. وهذا ما دفع، في الماضي، المملكة العربية السعودية لطلب مساعدة مالية مقابل مشاركتها كنوع من التعويض عن الأضرار التي ستلحق بها. والجدير بالذكر أن دولاً متقدمة في مجموعة العشرين حذت حذو السعودية فيما مضى في جهودها لحماية مصدر الطاقة أو الدخل الرئيسي لديها وعلى رأسها إنجلترا التي تتخذ العديد من الإجراءات لحماية صناعة الفحم لديها.

السياسات البيئية في مجموعة العشرين

باديء ذي بدء، تهدف السياسات البيئية إلى تصحيح الإخفاقات (أوجه القصور أو الفشل) السوقية والتنظيمية الخاصة بالسياسات على المستوى المحلي والعالمي بهدف سامي وهو تحسين جودة البيئة ونوعية الحياة للمواطنين وكذلك الحفاظ على الموارد الطبيعية من أجل تحقيق خطط التنمية المستدامة. من الناحية المثالية،  ينبغي تصميم السياسة البيئية لتعظيم الفوائد الصافية للمجتمع من خلال تحقيق المستوى الأمثل لجودة البيئة. وينبغي وتستطيع أن تلعب مجموعة العشرين دورًا محوريًا هامًا على المستوى العالمي في صياغة السياسات البيئية العالمية وليس فقط التركيز على البعد الاقتصادي فقط، فالاقتصاد بدون قاعدة الموارد الطبيعية السليمة يصبح غير مستدام وهش ينهار بلاشك.

قمة مجموعة العشرين والبيئة

عُقدت قمة مجموعة العشرين في السنوات الأخيرة في أنطاليا (تركيا ، 2015) ، وهانغتشو (الصين ، 2016) ، وهامبورغ (ألمانيا ، 2017) ، وبوينس آيرس (الأرجنتين ، 2018) وأوساكا (اليابان،2019)، الرياض (المملكة العربية السعودية، 2020).

يستطيع المتتبع لاجتماعات مجموعة العشرين أن يلحظ عدم الاهتمام بالقضايا البيئية العالمية مثل تغير المناخ والتنوع البيولوجي حتى مؤخرًا في قمة أوساكا في اليابان 2019م، بدأت بوادر الاهتمام بالقضايا البيئية العالمية تأخذ مكانها المستحق في اجتماعات مجموعة العشرين. حيث استضافت اليابان أول اجتماع وزاري لمجموعة العشرين حول البيئة وتغير المناخ والطاقة - الاجتماع الوزاري حول تحولات الطاقة والبيئة العالمية من أجل النمو المستدام (كارويزاوا ، 15-16 يونيو 2019).

ونستطيع القول بكل صدق أن الاهتمام بالقضايا البيئية عامة وخاصة قضايا المناخ والتنوع البيولوجي والبيئة بصفة خاصة تلقت دفعة واهتمامًا كبيرًا في ظل رئاسة المملكة العربية السعودية لمجموعة العشرين عام 2020م.

لأول مرة في اجتماع المسؤولون الماليين من دول مجموعة العشرين في الرياض فبراير 2020م، اتفقوا خلاله على صياغة البيان الختامي أن يتضمن الإشارة إلى تغير المناخ للمرة الأولى في عهد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وجاء الاتفاق بعد التوصل إلى صياغة توافقية للتغلب على اعتراضات الولايات المتحدة على مسودة سابقة أشارت إلى "مخاطر الاقتصاد الكلي المتعلقة بالاستدامة البيئية". ولكن احتفظت الصياغة التوافقية للبيان بالإشارة إلى عمل مجلس الاستقرار المالي على دراسة تداعيات تغير المناخ على الاستقرار المالي

وهذا تطور مهم جداً حيث إن هذه هي المرة الأولى التي تدرج فيها الإشارة إلى موضوع تغير المناخ في بيان مالي لمجموعة العشرين في عهد ترامب، فمنذ تولي ترامب السلطة في 2016م، يرفض مسؤولو بلاده ذكر تغير المناخ بوصفه خطرًا اقتصاديًا. وكان من أول إجراءات ترامب إعلان إنسحاب واشنطن من إتفاق باريس للمناخ.

فلقد دفعت السعودية بموضوعات تغيّر المناخ والتنوع البيولوجي والبيئة بصفة عامة، إذ اقترحت تعزيز استراتيجية اقتصاد الكربون الدائري كنهج متكامل وشامل للانتقال نحو نظام طاقة أكثر شمولاً ومرونة واستدامة وصديقًا للمناخ والذي يوفر طريقة جديدة لمقاربة الأهداف المناخية التي تشمل جميع الخيارات، ويشجع كل الجهود المبذولة للتخفيف من تراكم الكربون في الغلاف الجوي.

إن إزالة الكربون أمر حيوي لتحقيق أهداف اتفاقية باريس، إن اقتصاد الكربون الدائري منطقي لأنه كيفية إدارة الطبيعة للكربون، من خلال التوازن الوثيق بين الانبعاثات وإزالة ثاني أكسيد الكربون. لذلك فلقد تم التركيز على قضايا رئيسية تشمل اقتصاد الكربون الدائري واقتصاد الكربون الأزرق والعمل المناخي في الحزم الاقتصادية فيما بعد كورونا، وتحقيق الهدف رقم 13 من أهداف التنمية المستدامة بشأن العمل المناخي، وهو يهدف إلى إتخاذ إجراءات عاجلة للتصدي لتغير المناخ وآثاره.

ومما لا شك فيه أنه من الضروري أن ينظر إلى جائحة كوفيد-19 كفرصة ودرس في كيفية معالجة تغير المناخ بسرعة وبشكل تعاوني، فلابد من تنسيق الجهود عالميًا وخاصة لدول مجموعة العشرين لتحقيق هذا الهدف، مع ضرورة ألا تعرقل حزم تحفيز التعافي الاقتصادي بعد الوباء الإجراءات المناخية، وكذا أهمية أن تستخدم إطار اقتصاد الكربون الدائري لمعالجة التحديات الاجتماعية والبيئية في نفس الوقت مع تحفيز الازدهار الاقتصادي من أجل مستقبل أكثر شمولاً واستدامة.

فجميعنا شهدنا خلال فترة التوقف المصاحبة لأزمة كوفيد-19 بالنصف الأول لعام 2020م، كيف يمكن للطبيعة أن تسترد عافيتها بنفسها إذا سمحنا لها بذلك. وهناك العديد من الأمثلة الواضحة لكيفية تمكن البيئة من التعافي أثناء الحجر في ظل الجائحة حيث تم إختفاء أو تقليل ملوثات الهواء حول العالم خاصة فوق المدن الصناعية وكذلك تمت استعادة وازدها التنوع البيولوجي في البرية والغابات والمحيطات حول العالم.

التنوع البيولوجي هو أساس الحياة والتنمية المستدامة حيث توفر الطبيعة طعامنا ومياهنا وملابسنا ودواءنا وهواءنا، وهو أهم ما نحتاج إلى الحفاظ عليه. ومع ذلك، من خلال زيادة الملوثات، وكذلك التغيرات السريعة الضخمة، مثل النمو السكاني السريع والتصنيع وتأثيرات تغير المناخ، إلى جانب الضغوط البيئية الأخرى البشرية، تزيد من حدة وسرعة فقدان التنوع البيولوجي بما يهدد الجنس البشري نفسه.

فبلا شك إن تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي في قلب القضايا العالمية. ويتطلب إجراءً عاجلاً – وهو ليس فقط عملًا فرديًا ولكن نهجًا منسقًا متكاملاً– ومجموعة العشرين ربما هي أهم منصة عالمية لتحقيق ذلك. في الواقع ، إذا لم تستخدم مجموعة العشرين برنامج للتغير المناخي والتنوع البيولوجي ففي رأي الباحث لا يمكن لأي منصة أخرى تحقيق ذلك.

ومما لاشك فيه أن الزخم السياسي الذي نشأ بسبب اتفاقية باريس للتغير المناخي وأهداف التنوع البيولوجي لما بعد عام 2020م، وكذا أهداف التنمية المستدامة جميعها تدفع مجموعة العشرين لأن تلعب دورها المحوري في تعزيز كفاءة الموارد والبيئة باعتبارها الخطوة التالية فمن أجل تحقيق مستقبل مستدام خاصة مع إدراج صندوق النقد الدولي الكوارث المرتبطة بالمناخ في قائمة المخاطر التي يمكن أن تعرقل الانتعاش المتوقع والهش للغاية للاقتصاد العالمي في 2020م.

وهنا يود الباحث الإشارة إلى أهمية الحلول القائمة على الطبيعة (NBS) والتي تتلقى دعمًا قويًا في التحضيرات للجمعية العامة للأمم المتحدة المقرر عقدها قي فبراير 2021م، في نيروبي وكذلك في مفاوضات تغير المناخ وهي مفهوم جديد نسبيًا في الحوكمة البيئية العالمية. يعرف الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة (IUCN) الحلول القائمة على الطبيعة بأنها "إجراءات لحماية وإدارة واستعادة النظم البيئية الطبيعية أو المعدلة التي تتصدى للتحديات المجتمعية بشكل فعال، مع توفير مزايا رفاهية الإنسان والتنوع البيولوجي في نفس الوقت."

فإن الحلول القائمة على الطبيعة ذات صلة بأهداف التنمية المستدامة (SDGs) لجدول أعمال الأمم المتحدة 2030م، مع الهدف 13 بشأن تغير المناخ في المركز. تشير التقديرات إلى أن NBS توفر 37٪ من التخفيف من آثار المناخ حتى عام 2030م. وهي مهمة أيضًا للتكيف والمرونة، بما في ذلك ما يتعلق بالأمن الغذائي والصحة العامة والتنوع البيولوجي.

وقد تمت الإشارة لأهمية الحلول القائمة على الطبيعة في قمة أوساكا لعام 2019م، ويجب البناء على ذلك في قمة الرياض مع استخدام لغة أقوى والتزامات أكثر تحديدًا وطموحًا من أجل دفع العمل في مجموعة العشرين والعالم في مجال تغير المناخ والتنوع البيولوجي.

أهمية التكامل البيئي لمجموعة العشرين

التكامل البيئي يعني السياسات والمواقف والمعايير البيئية المشتركة التي تعتمدها كل دولة من الدول الأعضاء في مجموعة العشرين من أجل تسهيل جهود التكامل والتنمية الشاملة عالميًا. وبالنظر إلى أن الركيزة البيئية للاستدامة هي أساس التنمية المستدامة الشاملة، فيمكن للمرء أن يقول إن التكامل البيئي هو الخطوة الأولى لتحقيق التكامل في التنمية المستدامة. ووفقًا للاتحاد الأوروبي، فإن التنمية المستدامة توفر رؤية طويلة الأجل تنطوي على الجمع بين اقتصاد ديناميكي مع التماسك الاجتماعي ومعايير بيئية عالية.

إذا كانت دول مجموعة العشرين ترغب في تحقيق تقدم ملموس في مجال تغير المناخ والتنوع البيولوجي والتنمية المستدامة مع دفع عجلة الاقتصاد العالمي فيما بعد كوفيد-19 في قطاعات الطاقة والزراعة والسياحة والبنية التحتية والنقل وغيرها، فالتركيز على البيئة هو شرط أساسي ومبدئي لتحقيق ذلك ويرجع ذلك إلى الأسباب التالية:

- الطبيعة العالمية لمشكلات البيئة وخاصة تغير المناخ والتنوع البيولوجي.
- القضايا البيئيةجزء لا يتجزأ منجميع القضاياالسابق ذكرها، منالطاقةإلىالاقتصاد، إلى القضايا الأمنيةوالسياسية.
- القضايا البيئية هي جزء لا يتجزأ من الخطط القطاعية والاستراتيجيات والسياسات، مثل سياسة الطاقة والسياسة الزراعية وغيرهما سواء على مستوى الدولة أو إقليميًا أو عالميًا.

 

ونتيجة لذلك، نجد أنه كلما كان هناك تنسيق وتكامل بيئي أكبر بين دول مجموعة العشرين بصفة خاصة، كلما كانت إمكانية تحقيق أهداف اتفاقية باريس والتنوع البيولوجي والتنمية المستدامة أسرع وأسهل.

التوصيات

مما سبق نخلص أن مجموعة العشرين، التي تمثل ما يقرب من 80 في المائة من الانبعاثات، مازالت بعيدة عن المسار الصحيح للوفاء بتعهدات باريس وأهداف التنوع البيولوجي (ايشي أو أهداف ما بعد 2020) الا أنه فقط مؤخرًا في أخر عامين بدأت بوادر الاهتمام بقضايا البيئية خاصة تغير المناخ والتنوع البيولوجي، إلا أنه مازال هناك الكثير أمام مجموعة العشرين لتقدمه من أجل قيادة الاقتصاد العالمي إلى اقتصاد نظيف منخفض الكربون، فمثلاً:

- في اجتماعات مجموعة العشرين، لابد من وجود نصوص والتزامات محددة تنص على التزامات الدول تجاه قضايا المناخ والتنوع البيولوجي والالتزام به طبقًا للمبدأ المعروف "المسؤولية المشتركة لكن الالتزامات المختلفة".
- الشراكة والتكامل، فلا يمكن لأي طرف حتى الدول إنجاز أي تقدم ملموس في مجال تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي بدون الشراكة والتكامل وهذا هو أساس الحوكمة العالمية الناجحة في أي مجال خاصة المشكلات البيئية ذات الطبيعة العالمية. ويكفي هنا أن نٌذكر بأن الهدف السابع عشر من أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها الدول في سبتمبر الماضي هو "الشراكة من أجل إنجاح الأهداف".
- نقل التكنولوجيا وليس التمويل، في رأي الكاتب، أهم المكتسبات التي يجب على الدول العشرين أن تسعى بصورة حثيثة لنقلها للدول النامية فامتلاك التكنولوجيا الصديقة للبيئة والقليلة الانبعاثات في مختلف القطاعات هي السبيل الأمثل للتحول للاقتصاد الأخضر منخفض الكربون الذي يخلق وظائف خضراء جديدة واستثمارات جديدة ويضمن على المدى الطويل النجاح عالميًا.
- إن السياسة الخضراء الناجحة هي التي تدفع للفعل الصديق للبيئة من البداية وليست التي تعتمد على معالجة الضرر بعد أن يحدث أو ما يطلق عليه الكاتب السياسة التعويضية Compensation Strategy، حيث أن العلم البشري حتى الآن لا يستطيع على وجه الدقة حصر الآثار والأضرار البيئية لمشروع ما على الإنسان والنظم البيئية، فربما نتيجة التلوث نخسر جينًا أو نباتًا نادرًا مثلاً فالأفضل تفادى السياسة التعويضية قدر الإمكان.
- هناك ضرورة للتعديل الدوري لسياسات مكافحة التلوث والتنوع البيولوجي في دول مجموعة العشرين لتتماشى مع المستجدات البيئية الدولية. وكذلك هناك حاجة لمزيد من الاهتمام بإحصاءات التلوث والملوثات والبيئة، فبدون إحصاءات موثوق بها ومحدثة دوريًا لا يمكن رسم سياسات ناجعة ولا يمكن لكافة أصحاب المصلحة (حكومة، قطاع خاص، مجتمع مدني، إعلام...الخ) القيام بأدوارهم المنوطة بهم.
- تعد منظمات المجتمع المدني، التي تضم جميع المجموعات المنظمات التي لا تهدف للربح مثل المنظمات غير الحكومية (C20) ومراكز الفكر (T20)، وغيرهم مثل مجموعات الشباب والمرأة... الخ، شريكًا مهمًا جدًا في حماية البيئة والتغير المناخي والتنوع البيولوجي ورفع درجة الوعي بشأنها. فعلى مجموعة العشرين تحسين شفافيتها ومشاركتها مع هذه المجموعات التي تساهم في نقل مشكلات وحلول من أرض الواقع للمجموعة.
- إن تعزيز التكامل البيئي بين دول مجموعة العشرين قد يبدو أنه قضية ذات أولوية منخفضة في المجال السياسي، ولكنه في الواقع حافز وأداة لتعزيز العلاقات حيث أنها ستمكن من تجميع الجهود والموارد لجميع أصحاب المصلحة سواء دول، أفراد، مستثمرين، جهات بحثية... وغيرهم للإسراع في البحث عن حلول للمشكلات البيئية المشتركة ودفع عجلة التنمية المستدامة.
- على قادة مجموعة العشرين إظهار التزام أقوى بكثير تجاه العمل المناخي، واتخاذ تدابير "ضرورية للغاية"، مثل فرض ضرائب على الكربون وإنهاء الدعم للوقود الأحفوري (مثل النفط والغاز) والكف عن بناء محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم، والأهم من ذلك الإصغاء إلى المجتمع العلمي لإنقاذ الكوكب.
- يجب أن تعكس المساهمات المحددة وطنيًا في دول مجموعة العشرين لعام 2020م، طموحًا أكبر بكثير في مجال تغير المناخ والتنوع البيولوجي.

 

بلا شك يمكننا فقط تجنب تغير المناخ الذي يغير كوكب الأرض من خلال الالتزام الكامل لدول مجموعة العشرين بمستقبل خالٍ من الكربون. والتحول نحو الاستخدام المكثف لوسائل النقل العام في المناطق الحضرية والالتزام بإزالة الكربون بالكامل عن إمدادات الطاقة بحلول عام 2050، وفرض حظر على جميع محطات الطاقة الجديدة التي تعمل بالفحم، ولوائح للامتناع عن الاستثمار في البنية التحتية للوقود الأحفوري، وتشجيع استراتيجيات التصنيع الأخضر على مستوى الاقتصاد ككل نحو تقنيات خالية من الانبعاثات...الخ.

مقالات لنفس الكاتب