array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 155

تدهور الوضع الليبي تتحمله الأطراف الداخلية التي فشلت في طي الخلافات وبناء دولة تتّسع للجميع

الأحد، 01 تشرين2/نوفمبر 2020

منذ سقوط نظام "معمّر القذافي" في عام 2011م، لا أحد كان يتوقّع أن الأزمة الّليبية ستأخذ منحى خطيرًا، عكسه تعقّد الأوضاع السياسية والأمنية والاجتماعية، وعدم قدرة الفاعل الليبي على بلورة توافقات بنّاءة تدعم استقرار البلاد، وبناء المؤسّسات، وإرساء الأمن، وهي الأوضاع التي أخذت أبعادًا أكثر خطورة مع تنامي التدخّل الأجنبي في هذا البلد العربي والمغاربي، بصور ساهمت في تعميق الجرح، ودخول الفصائل الليبية في حالة استقطاب، تحطّمت أمامها كلّ المبادرات البنّاءة التي قادتها بعض الأطراف بحسن نية.

خلّفت الأزمة التي اتخذت مسارات متعدّدة، تداعيات داخلية خطرة، تراوحت بين تردّي الأوضاع الاجتماعية، نتيجة لانتشار الفقر والبطالة، وتدهور الاقتصاد بسبب الأضرار التي لحقت بالمنشآت النفطية، وعدم قدرتها على الإنتاج أو التصدير مع إغلاق عدد من الموانئ والطرق، ولخطّ أنابيب النفط الرئيسي بالبلاد، ناهيك عن تنامي الصراعات السياسية على السلطة والتي اتخذت طابعًا عاليًا من العنف، ما خلّف حالة من الارتباك الأمني التي عمت البلاد، وعرّضتها إلى الكثير من الصّدمات، بحكم موقعها الاستراتيجي في شمال القارة الإفريقية، وجنوب البحر الأبيض المتوسط، ومجاورتها لعدد من الدول، خلفت الأزمة الليبية تداعيات إقليمية ودولية مختلفة، كان نصيب المنطقة المغاربية وشمال إفريقيا وافرًا منها.

وفي هذا المقال سنحاول رصد السّياق العام للأزمة الليبية وتعقّدها في ضوء غياب التوافق الداخلي، وتنامي التدخلات الأجنبية في البلاد (أولاً)، قبل التعرض لانعكاسات الأزمة بالنسبة للدول المغاربية وشمال إفريقيا بشكل عام، سواء على مستوى تأثيرات تسرب الأسلحة على أمن المنطقة (ثانيًا)، تمدّد الجماعات الإرهابية والمرتزقة داخل ليبيا، وانعكاسات ذلك على محيطها (ثالثًا)، فيما يتعلق بتنامي الهجرة السّرية عبر ليبيا (رابعًا)، وكذا تنامي التدخل الأجنبي في ليبيا وتداعياته (خامسًا)، قبل الختم بالأدوار التي يمكن للبلدان المغاربية ومصر أن تقوم بها، فيما يتعلّق بمساعدة الأطراف الليبية على إرساء توافق ينهي هذه الأزمة التي عمّرت طويلاً، وخلّفت تداعيات ضخمة على عدة واجهات (سادسًا).

أولاً: الأزمة الّليبية بين غياب التوافق الداخلي والتهافت الأجنبي

رغم التضحيات الجسام التي بذلها الشّعب الليبي في سبيل الإطاحة بنظام القذافي، وطيّ صفحة قاتمة من تاريخ البلاد، نحو أفق واعد وإرساء مؤسسات سياسية ودستورية، تتيح تحقيق الأمن والتنمية، في بلد يحظى بإمكانيات طبيعية هائلة، وبموقع استراتيجي، فإن الوضع الليبي يزداد تعقيدًا وتأزّمًا يومًا بعد يوم، بسبب التضارب في المواقف، والاستقطاب الحادّ، والذي أفضى إلى تكريس اقتسام السلطة، وهو الخيار الذي غذّته توجّهات القوى الأجنبية.

في غياب أيّ دور فاعل لجامعة الدول العربية، أو للبلدان المغاربية، تصاعدت حدّة الأزمة، ورغم الجهود التي بادرت إليها بعض الدول العربية، في إطار منع خروج الأمور عن نطاق السيطرة، وكذا إصدار مجلس الأمن لمجموعة من القرارات في هذا الصدد، إلا أن ذلك لم يحل دون تدهور الأوضاع.

بعد جهود مضنية قادتها مجموعة من الأطراف الدولية والإقليمية وبإشراف أممي، تمّ إبرام اتفاق الصخيرات الذي استضافته المملكة المغربية عام 2015م، وشارك فيه عدد من القوى الليبية، تم التأكيد خلاله على وحدة وسيادة ليبيا، كما وضع الاتفاق خارطة طريق تدعم وقف إطلاق النار وإجراء الانتخابات وبناء المؤسسات، وهو ما خلّف حينها ارتياحًا كبيرًا داخل ليبيا، فيما قابلته الكثير من الدول الكبرى والأمم المتحدة بالترحيب، وقد ظلّ مجلس الأمن يؤكد على أهميته ضمن مجموعة من القرارات التي أصدرها[1]، ورغم الآمال التي خلّفتها هذه الخطوة إلا أن تطور الأحداث على الأرض جاءت معاكسة تمامًا لمقتضيات الاتفاق.

دخلت البلاد في نفق مسدود مع بروز انقسام سياسي، بين سلطتين، الأولى غرب البلاد تقودها حكومة الوفاق الوطني وتتخذ من طرابلس عاصمة لها، والثانية، تتمركز في بنغازي شرق البلاد ويقودها الجنرال "حفتر"، ولم تنجح اتفاقات الهدنة التي بين الطرفين في وقف الأزمة، كما أن مختلف المبادرات التي طرحت في سياق الوساطات والمساعي الحميدة، اصطدمت بإصرار الأطراف المتصارعة على مواقفها مدعومة من قوى خارجية.

تمكّنت الأمم المتحدة في عام 2017م، من إقرار وقف إطلاق النار بين الأطراف المتصارعة، مع تعهّدهم بتنظيم انتخابات بالبلاد في عام 2018م، وهي السنة التي أشرفت فيها الهيئة أيضًا على عقد اتفاق باريس، والقاضي بتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية، في سياق قواعد دستورية متّفق بشأنها، في إطار تدابير أمنية تشرف عليها القوات الليبية الرسمية وبتعاون مع الأمم المتحدة، قبل توحيد عدد من المؤسسات الدستورية والإدارية والاقتصادية والأمنية، غير أن هذه الجهود لم تنجح في وقف تطوّر الأمور نحو الأسوأ.

احتضنت برلين (ألمانيا) في 19 يناير 2020م، مؤتمرًا لتدارس القضية الليبية، حضر فيه عدد من الدول الغربية كألمانيا وفرنسا وأمريكيا وبريطانيا وروسيا، فيما شارك عن الجانب العربي كل من الإمارات ومصر والجزائر، إضافة إلى الصين والكونغو وتركيا، وكذلك الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي، وقد أكد الجميع على ضرورة تجنب الحلول العسكرية، في التعاطي مع الأزمة، فيما امتنع كل من الجنرال "خليفة حفتر" و"فايز السراج" عن الجلوس على طاولة واحدة رغم حضورهما في المؤتمر، وجاءت بعدها محادثات جنيف بإشراف أممي، دون تحقيق نتائج ملموسة على الأرض أيضًا.

رغم كل المحن والمعاناة التي مرّ بها الشعب الليبي، والتي عرضت البلاد لتهافت دولي وإقليمي غير مسبوق يحرّكه هاجس التحكم في ثروات البلاد النفطية، ما زال الكثير من الفرقاء الليبيين لم يستوعبوا الدرس بعد، فقد ظلّ صوت الرصاص مهمينا، ما عرقل كل الجهود الرامية إلى إرساء حوار بناء بين كل الأطراف المتصارعة في الميدان، ما يفتح البلاد على أفق قاتم.

 

ثانيًا: تسرّب الأسلحة وأمن المنطقة

عندما سقط نظام "القذافي"، بدا أن هناك فراغ سياسي وعسكري عمّ البلاد، بالنظر إلى غياب مؤسسات دستورية حديثة، تضمن استمرار الحياة السياسية بغض النظر عن الأشخاص، كما تبين أيضًا أن النظام المنهار لم يتمكن من بناء مؤسسة عسكرية وأمنية متطورة وحديثة، ما جعل البلاد تدخل حالة من الفوضى والاستلاب الأمني.

وقد تحدّثت الكثير من التقارير والدراسات العلمية عن استهداف عدد من الثكنات ومخابئ الأسلحة من قبل المليشيات، وعن تسرّب الأسلحة إلى عدد من الفصائل، وإلى عدد من المناطق المجاورة في جنوب البلاد، كما هو الشأن بالنسبة لتشاد والنيجر ومالي، وهي التحديات التي تضاف أيضًا إلى انتشار الألغام على امتداد عدة مناطق من ليبيا، وضعف الخبرات، وقلة الإمكانيات العسكرية.

مع انعدام السلطة المركزية، وانتشار الأسلحة بين الأفراد، وتوقّف عملية نزع السلاح، بدأ الصراع بالانتشار على نطاق واسع، بعد أشهر قليلة على انتهاء الحرب، واتخذ العنف أشكالا مختلفة، تراوحت بين صراعات قبلية على الأرض، إلى صراعات مع معاقل النظام المزعومة، وجهود الجهاديين لزعزعة الاستقرار [2].

إن الإشكالات التي بات يطرحها هذا التّسرب لا تمثّل تهديدًا للأمن الداخلي الليبي، بل تشكّل خطرًا حقيقيًا يهدّد المناطق المجاورة لليبيا برمتها، خصوصًا وأن عددًا من التقارير الواردة من ليبيا تحدّث عن سيطرة عدد من المليشيات والجماعات الإرهابية على جزء مهم من تركة السّلاح التي خلفها رحيل نظام القذافي.

أدى انتشار السلاح الليبي بعد انهيار نظام القذافي إلى تغذية مناطق الصراع في الجوار الإقليمي، وتأزيم الأوضاع الداخلية للبلاد، فيما تحوّلت الأراضي الليبية إلى منطقة عبور وانطلاق لأخطر أنواع الجريمة المنظمة «تجارة السلاح» ما أثر سلبًا على ليبيا وزيادة حدة تأزمها الأمني من جهة، وتهديد أمن واستقرار دول الجوار الإقليمي من جهة ثانية[3].

وتزداد هذه التحديات والمخاطر، مع انتعاش شبكات تهريب الأسلحة في البلاد، ومع دخول كميات ضخمة من الأسلحة من الخارج، بعدما أضحت ليبيا محطّ تهافت عدد من القوى الأجنبية، وساحة لتصفية الحسابات الاستراتيجية والاقتصادية، وحسم المصالح المتضاربة بين هذه القوى.

وللإشارة فقد سبق لمجلس الأمن أن أصدر قرارًا (رقم 1970) يقضي بحظر الأسلحة عن ليبيا بتاريخ 26 فبراير 2011م، وهو الأمر الذي أكدت عليه مجموعة من قراراته اللاحقة[4].

 

ثالثًا: تمدّد الجماعات الإرهابية والمرتزقة

تشير الممارسات الدّولية إلى أن بؤر التّوتر المنتشرة حول العالم، تشكّل فضاءً خصبًا لانتعاش الجماعات الإرهابية وتمدّدها. وفي الحالة الليبية، حيث مساحة البلاد مترامية الأطراف، وقربها من منطقة الساحل المعروفة بهشاشتها الاجتماعية والأمنية، يصبح الوضع أكثر خطورة.

ففي الوقت الذي تعرّضت فيه العديد من الجماعات الإرهابية المنتشرة في المنطقة، كما هو الشأن بالنسبة لتنظيمي "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" و"بوكو حرام"، لعدد من الضربات القوية التي ساهمت في تقزيم خطورتها وأدوارها قبل عقد من الزمن، فتح الصراع الدائر في ليبيا، وما رافقه من تدهور للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، تمركز عدد من هذه الجماعات التي وجدت في المساحة الواسعة للبلاد، وصعوبة تضاريسها، فضاءً ملائمًا لتجنيد الأشخاص والقيام بالتدريبات ورسم الخطط، للقيام بعملياتها المسلحة في المنطقة[5]. فيما تزايد أيضًا عدد المرتزقة الذين يخدمون أجندات خارجية داخل البلاد، بشكل كبير[6].

وتحت ضغط العمليات النوعية التي تمّ تنفيذها داخل الأراضي السّورية والعراقية ضد عدد من الجماعات الإرهابية، كما هو الشأن بالنسبة لـ "داعش"، بدأ الكثير من أعضائها يقصدون ليبيا، للانضمام إلى جماعات أخرى متمركزة في البلاد. وهو ما دفع الكثير من الخبراء والباحثين إلى إطلاق تحذيرات من إمكانية تحوّل الأزمة الليبية إلى ما يشبه الحالتين السورية أو الصومالية.

وقد ساهم الانفلات الأمني على الحدود نتيجة ضعف سيطرة الدولة، في دخول عدد كبير من الإسلاميين المتشددين إلى ليبيا عربًا وأجانب، وانضمامهم للجماعات المسلحة وانتشارهم في كافة الأراضي الليبية، ممّا ساهم بشكل كبير في زيادة عددها وقوتها حتى أنها باتت ترى أنها قادرة على تنفيذ مشروعها[7].

كما تواجه السلطات الليبية تحدّيًا لا يستهان به في جهودها لإخضاع المليشيات العديدة لسيطرتها. وقد اختطفت هذه المليشيات القانون إلى حد كبير، وراحت تطبقه على طريقتها[8].

استغلّت الجماعات الإرهابية حالة الانقسام الليبي، لتفرض منطقها على مجموعة من المناطق، كما هو الأمر بالنسبة لـ "درنة" و"سيرت"، ولتدخل في تنسيق مع عدد من الجماعات المسلحة في منطقة الساحل الإفريقي، كما استهدفت بعملياتها عدد من المنشآت المدنية والعسكرية في البلاد، وقامت أيضًا بتفجير عدد من المباني التابعة للبعثات الأجنبية، وهو ما ساهم في تعقيد الأوضاع الأمنية، ورحيل عدد الدبلوماسيين الأجانب من البلاد[9].

بدأت الكثير من الدول المغاربية والأوربية تقتنع أن انتعاش الجماعات الإرهابية واستقرارها في مناطق مختلفة من التراب الليبي، يمثّل خطرًا حقيقيًا على أمنها، مع إطلاق هذه التنظيمات لتهديدات باستهداف هذه الدول أيضًا، والحديث عن وجود أكثر من خمسة آلاف مقاتل من جنسيات مختلفة (ضمنها عدد من المغاربيين) منتشرة على امتداد أرجاء من البلاد.

 

رابعًا: الهجرة السّرية عبر ليبيا

أسهم تردّي الوضع الأمني الّليبي في ارتفاع نسبة الهجرة السّرية عبر المتوسط، وهو أمر طبيعي، حيث استغلت شبكات الهجرة طول الحدود وغياب التغطية الأمنية، لممارسة نشاطاتها في هذا الخصوص على نطاق واسع.

وهكذا أضحى التراب الليبي قبلة مفضلة بالنسبة لعدد من المهاجرين السّريين أو طالبي اللجوء القادمين من مختلف البلدان الإفريقية والمغاربية، أو من مناطق توتر أخرى، كما هو الشأن بالنسبة لسوريا.

وقد برزت هذه الهجرة نحو أوروبا وبالأخص إلى السواحل الإيطالية، كأحد المشاكل المعقدة التي طفت على سطح الأحداث في ليبيا بعد 2011، ويأتي معظم المهاجرين خاصة من إفريقيا[10].

وأمام هذا الوضع، أصبح البحر الأبيض المتوسط يشهد كوارث إنسانية حقيقية، بسبب غرق عدد من المهاجرين الراغبين في الانتقال إلى الضفة الشمالية منه، فيما بدا هناك ارتباك واضح في تدبير الدول الأوربية لهدا الملف، حيث هيمن الهاجس الأمني على المعاناة الإنسانية التي باتت تطرحها الظاهرة. وهو ما نبّهت إليه الكثير من التقارير الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة التي أشارت إلى حجم الخسائر البشرية التي أضحى معها المتوسط "مقبرة للمهاجرين".

بل وصل الأمر إلى أن بعض المنظمات الحقوقية والتقارير الإعلامية، تحدثت عن "الاتجار في المهاجرين غير الشرعيين" داخل البلاد، ما خلّف ردود فعل من قبل عدد من الدول والمنظمات غير الحكومية التي طالبت بضمان حماية حقوق هذه الفئة.

 

خامسًا: التّدخل الأجنبي ومستقبل المنطقة

كان واضحًا منذ البدايات الأولى لاندلاع الأزمة الليبية، أن تأخر الفرقاء الليبيين عن بلورة توافقات بنّاءة تسمح بإرساء سلام مستدام، يدعم الاستقرار والأمن في البلاد، سيفتح الباب واسعًا أمام تدخلات إقليمية ودولية تعمق الوضع أكثر.

ويبدو أن الليبيين لم يقرؤوا في ذلك الدرس جيدًا من الأزمة السورية التي أضحت محطة لكسب معارك اقتصادية واستراتيجية دولية، زجّت بالبلاد إلى متاهات من الاقتتال والعنف.

أضحى التّدخل الأجنبي في ليبيا أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، بعد أن أخذ طابعًا عسكريًا. تارة باسم دعم هذا الطرف أو ذاك، وتارة باسم مكافحة الإرهاب، وتارة أخرى بذريعة الحدّ من الهجرة السرية نحو أوروبا.

ونشير في هذا السياق إلى فرنسا التي تسعى إلى المحافظة على مصالحها "التقليدية" في إفريقيا، وإيطاليا التي تهدف إلى تعزيز مصالحها في هذا البلد، ودفعه نحو وقف الهجرة السرية باتجاهها، وروسيا والصين اللتان تسعيان إلى التّموقع بالمنطقة لتحقيق مصالح اقتصادية واستراتيجية، ويعتبر أحد الباحثين[11] أن الحضور العسكري التركي في ليبيا ليس جديدًا، حيث بدأت بتوفير الدعم العسكري لمناصري الإسلام السياسي و"الجهات الثورية" في غرب ليبيا، خاصة خلال الحرب التي شهدتها بنغازي في فترة2014-2017 م، ما يشكّل انتهاكًا لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة.

إن تراجع التدخلات الأجنبية في البلاد والتغلّب على الجماعات الإرهابية، سيشكّل أرضية تدعم الانكباب على الأولويات والقضايا الحاسمة في ارتباط ذلك بإرساء الأمن وبسط سلطة الدولة، وبناء المؤسسات، وإعادة الحياة للعجلة الاقتصادية، والسعي لتحقيق التنمية.

ويبدو أن استقرار الوضع في ليبيا ستكون له تداعيات إيجابية على الوضع الأمني والاقتصادي في المنطقة المغاربية، وسيدعم أيضًا استقرار الضفة الجنوبية للمتوسط، بما يسهم في الحدّ من تصاعد وتيرة الهجرة السّرية.

سادسًا: أيّ دور لبلدان شمال إفريقيا في حلّ الأزمة الليبية؟

من الطبيعي أن تكون المبادرات الصادرة عن الدول العربية وبحكم وحدة المصير والعلاقات التاريخية في صالح ليبيا ووحدتها، غير أن دخول أطراف دولية وإقليمية أجنبية -تبحث مصالحها الضيقة -على الخط، عقّد الأمر، وكرّس الفرقة والانقسام.

تنتشر على امتداد المنطقة العربية الكثير من بؤر التّوتر، أسهمت بشكل كبير في تدهور النظام الإقليمي العربي، ما أتاح لعدد من الأطراف الإقليمية كإيران وتركيا فرص لعب أدوار ملتبسة داخل عدد من البلدان التي تعيش على إيقاع الصراعات والأزمات، وهو الأمر الذي ينطبق على الحالة اللّيبية وبخاصة، مع القصور الذي طبع أداء الأمم المتحدة في التعاطي مع هذه الأزمة إلى حدود الآن.

قامت بعض الدول المغاربية بحكم القرب الجغرافي، والانتماء لاتحاد المغرب العربي الذي يضم (المغرب، وتونس، والجزائر، وليبيا وموريتانيا) وكذلك مصر، ببعض المساعي لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين، ومنع تطور الأمور نحو الأسوأ، ورغم تقارب المواقف المغاربية من الأزمة، إلا أن مبادراتها اتخذت في المجمل طابعًا فرديًا، ولم تتم في إطار اتحاد المغرب العربي الذي يعيش نوعًا من الجمود، ما أفقدها (المبادرات) القوة على الصمود.

ويخلص أحد الباحثين إلى أن الاتصالات بين دول شمال إفريقيا لم تصنع أرضية واحدة تمنع التدخل الأجنبي في تلك الدولة الشقيقة وتدفعها نحو تسوية شاملة تحقق لها الاستقرار وتحول دون السيطرة الأجنبية على مقدراتها[12].

اهتمت مصر على مدار السنوات العشر الأخيرة بالأزمة الليبية، وما يحدث على الأرض من عمليات إرهابية، حفاظًا على سلامة أرضيها، ودعمًا لعودة البلاد إلى ما كانت عليه قبل فبراير (شباط) 2011م، لذلك سعت الدبلوماسية المصرية من خلال المؤسسات الدولية إلى دعم الحل السياسي ووقف إطلاق النار بين أبناء البلاد، مطالبه بنزع السلاح من العناصر الإرهابية[13]. وأمام تنامي التواجد العسكري التركي في البلاد، عبرت مصر بشكل صارم عن رفضها للتدخل الأجنبي في البلاد.

لا تخفي الجزائر وبحكم حدودها الممتدة مع ليبيا (حوالي 982 كلم)، من تحوّل هذه الأخيرة إلى حالة من الفوضى، مع تزايد حدة التدخلات الخارجية، وحاولت بدورها التقريب بين وجهات النظر الليبية ونهج حوار بناء بين الأطراف. أما تونس التي طالما شكّلت ليبيا متنفسًا بالنسبة إليها، باعتبارها شريكًا اقتصاديًا هامًا، فقد اعتمدت موقف الحياد من الأزمة، مع رفض التدخلات الأجنبية في البلاد.

أما المغرب، فقد استضاف اللقاء الذي أثمر اتفاق الصخيرات عام 2015م، كما قام في الآونة الأخيرة بتحركات دبلوماسية هامة أثمرت عن جلوس الأطراف الليبية على مائدة التفاوض بمدينة بوزنيقة في سبتمبر/ أيلول 2020م، ما يشكل خطوة هامة لتقريب وجهات النظر بين هذه الأطراف، قد تفضي إلى نسخة ثانية معدّلة لاتفاق الصخيرات تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الواقعية التي حدثت على امتداد حوالي السنوات الخمس الماضية، حيث اعتبر المغرب الذي ظل يؤكد على وحدة ليبيا، أن الأمر يتعلق بمبادرة تساير جهود الأمم المتحدة.

وعمومًا، يمكن القول إن الانخراط الجدّي والمسؤول للدول المغاربية ومصر على طريق تدبير الأزمة القائمة هو عمل ضروري تقتضيه المصالح الاستراتيجية، في ارتباط ذلك بتأمين الفضاء المغاربي والشمال الإفريقي بشكل عام، وتوفير شروط التعاون والشراكة، والحدّ من المخاطر والتدخلات الأجنبية التي تتهدّدها، وهو ما يقتضي طيّ الخلافات والحسابات الضيقة بين هذه الأقطار لكسب هذا الرهان في إطار من التعاون والتنسيق الجماعيين. 

خاتمة:

أمام التهديدات والمخاطر الآخذة في التّطور والتسارع في ليبيا، لم يعد تحقيق الاستقرار والأمن في هذا البلد العربي والمغاربي، مطلبًا داخليًا فقط، بل أصبح رهانًا إقليميًا بالنظر إلى الكلفة التي يخلفها الوضع القائم في البلاد بالنسبة للبلدان المغاربية، والنظام الإقليمي العربي، بل والمنطقة المتوسطية بكاملها.

ورغم التدخلات الأجنبية المتزايدة في البلاد والتي أضحت واضحة للعيان بعدما اتخذت طابعًا عسكريًا، فإن مسؤولية تدهور الوضع الليبي تتحمله الأطراف الداخلية التي لم تتمكن من طي الخلافات، واستحضار المشترك نحو بناء دولة تتّسع لجميع المكونات داخل المجتمع.

وبحكم عضوية ليبيا ضمن اتحاد المغرب العربي، يمكن للدول المغاربية أن تسهم في خلق أجواء من الثقة بين الأطراف المتصارعة ضمن رؤية موحدة تستحضر مصالح ليبيا ووحدتها، ومصالح المنطقة بتجنيبها تبعات تدخلات أجنبية، يمكن أن تزجّ بالدول المغاربية قاطبة في متاهات مفتوحة على كل الاحتمالات السيّئة.

 

 

 

المراجع

[1] - حرص مجلس الأمن ضمن قراره رقم 2273 لعام 2016 على تأكيد دعمه لمخرجات هذا الاتفاق، داعيا كل الأطراف الليبية إلى الانخراط في تنفيذ مقتضياته بحسن نية.

[2] - كريستوفر س. شيفيس و جيفري مارتيني: ليبيا بعد القذافي.. عبر وتداعيات للمستقبل، مؤسسة راند (RAND)، الولايات المتحدة الأمريكية، طبعة 2014، ص 12

[3] - زاوشي صورية: انتشار السلاح الليبي.. تعقيدات أمنية وهواجس إقليمية، جريدة الغد، الأردن، بتاريخ 14 أيار/ مايو 2015

[4] - نشير في هذا الصدد إلى قراراته 2292 (عام 2016) و2357 (عام 2017) و2420 (2018 عام) و2473 (عام 2019)..

[5] - لمزيد من التفاصيل حول هذه الجماعات، يراجع، خريطة التنظيمات المسلحة في ليبيا، الموقع الإلكتروني "كيو بوس"، بتاريخ الأحد 21 يوليو، 2019 (تاريخ زيارة الموقع 4 سبتمبر/ أيلول 2020 )، على الرابط:

https://www.qposts.com/%D8%AE%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D8%AD%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7

[6] - لمزيد من التفاصيل حول هذا الخصوص، يراجع، خالد محمود: ليبيا.. «جيوش المرتزقة» تُربك المفاوضات الدولية لحلّ سياسي، صحيفة الشرق الأوسط العدد 15236، بتاريخ السبت - 25 ذو الحجة 1441 هـ - 15 أغسطس 2020 م

[7] - منظمة فريدريش إيبرت (مكتب المغرب): الجماعات الإسلامية في ليبيا، حظوظ الهيمنة السياسية وتحدياتها، طبعة 2015، ص 9

[8] - الميليشيات تتهدّد الآمال المعقودة على ليبيا الجديدة (تقرير)، منظمة العفو الدولية، المملكة المتحدة، شباط 2012، وثيقة رقم 2012/002/19 MDE، ص 39

[9] - خلال مباحثات جنيف التي أشرفت عليها الأمم المتحدة في بداية شهر فبراير من عام 2020، اتفق طرفا النزاع في ليبيا على وقف تدفّق المقاتلين الأجانب، وترحيلهم من البلاد.

[10] - رامي التلغ: الهجرة غير الشرعية في ليبيا... أو المأساة بلا نهاية، بوابة إفريقيا الإخبارية، بتاريخ 10 ديسمبر 2018 (تاريخ الزيارة 07 سبتمبر/ أيلول 2020)، على الرابط:

https://www.afrigatenews.net/article/%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%AC%D8%B1%D8%A9-%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D8%A3%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D8%A9-%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%A9

[11] - جلال حرشاوي: داخل الدوامة الليبية، الموقع الإلكتروني لمركز كارنيجي للشرق الأوسط، 16 يناير/ كانون الثاني 2020 (تاريخ زيارة الموقع 08 سبتمبر/ أيلول 2020)، على الرابط:
https://carnegie-mec.org/diwan/80814

[12] - مصطفى الفقي: دول المغرب العربي والأزمة الليبية، الموقع الإلكتروني "أندبندنت" عربية، بتاريخ 6 يوليو 2020(تاريخ الزيارة 05 سبتمبر/ أيلول 2020)، على الرابط:

https://www.independentarabia.com/node/132741/%D8%A2%D8%B1%D8%A7%D8%A1/%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A9

[13] - خالد أبو الروس: مصر والأزمة الليبية... سنوات من الدعم السياسي، الموقع الإلكتروني ل "المجلة" لندن، بتاريخ 12 يونيو 2012(تاريخ الزيارة 08 سبتمبر/ أيلول 2020)، على الرابط:

https://arb.majalla.com/node/91891/%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%B3%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A

 

مقالات لنفس الكاتب