العدد 156

سياسة السعودية تجاه المجتمع الدولي ومواقفها في الأمم المتحدة ذهب وقت ممارسة السعودية دور أفضل الصامتين وأصبحت تؤدي دور أصلب المدافعين

الأحد، 29 تشرين2/نوفمبر 2020

انعقدت مؤخرًا قمة مجموعة العشرين الافتراضية برئاسة المملكة العربية السعودية، وبذلك توشك الرئاسة السعودية للمجموعة على الانقضاء، وهي رئاسة حافلة في سنة مليئة بالتحديات على صعيد العلاقات الدولية وعلى الصعيدين الصحي والاقتصادي في العالم.

وبالرغم من ذلك فإن الرئاسة السعودية لم تتخلف عن متطلبات المرحلة وعقدت عشرات الاجتماعات وأدارت بمهنية راقية العديد من المحاور التي تشكل نطاق عمل المجموعة دون أن تغفل عن التحديات الاستثنائية التي يفرضها الوباء والظروف الدولية، وقامت بهذا الدور ضمن قيود الاتصال والتواصل التي فرضت أن تكون اللقاءات في معظمها لقاءات افتراضية.

هذا العام رسخ مكانة المملكة العربية السعودية في طليعة الدول القيادية في العالم وجعلت من الشريك السعودي شريكًا مؤثرًا ومفاوضًا بارعًا ووسيطًا ناجحًا تمكن من تقريب وجهات النظر وأداء دور الجسر بين المواقف المتباينة، ولا شك أن عوامل كثيرة ساعدت المملكة على القيام بهذه المهمة بهذا المستوى من النجاح منها أن المملكة تتمتع بعلاقات صداقة وثيقة وتعاون بناء مع كل الأطراف الفاعلة، ومنها أن للمملكة وزنًا تحتمه مكانتها الاقتصادية والسياسية والمعنوية في العالم، ومنها أن المملكة دولة نامية تتفهم تحديات التنمية ومتطلباتها وتعيشها وتتعامل معها مما يجعلها أكثر قدرة على فهم احتياجات الدول النامية والتعبير عنها، كما أن المملكة دولة متقدمة في العديد من المجالات مما يجعلها قريبة من مواقف الدول المتقدمة اقتصاديًا وبذلك تتمكن المملكة من تجسير الفجوة بين الأطراف المختلفة في المجتمع الدولي.

لقد كانت المملكة على مدى العقود الماضية شريكًا فاعلًا في المجتمع الدولي وعضوًا مؤسسًا لكثير من  المنظمات والهيئات وأهمها الأمم المتحدة وكذلك الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي وغيرها من المؤسسات السياسية والمالية، وكانت سياسة المملكة في هذه المحافل جميعها دائمًا تسعى إلى تحقيق التوازن والتفاهم، ولكن الأعوام الأخيرة في المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز قد شهدت تطورًا نوعيًا في المواقف السعودية، فبدلًا من أن تسعى إلى السير في ركاب التوافقات العالمية والإقليمية، أصبحت تتخذ مواقف قيادية في كثير من القضايا ، ومن ذلك على سبيل المثال طرح المملكة في مبادرة السلام العربية ومساهمتها الفعالة في الحوار والبرامج الخاصة بالغير المناخي، والمشاركة المتميزة للمملكة في مناقشة أهداف التنمية المستدامة 2030 وإقرارها، فضلاً عن اتخاذ عدد من المبادرات وتبني قرارات في الأمم المتحدة حول سبل التصدي لجائحة كورونا بالإضافة إلى الالتزام الوثيق بالمبادئ والأسس التي تحمي مصالح الأمة العربية والإسلامية وعلى رأسها ما يتعلق بقضية فلسطين  وحماية حقوق الشعب الفلسطيني، والتصدي لأزمة النازحين من المسلمين الروهينجا في ميانمار، والعمل على دعم الشرعية في اليمن والسعي إلى إقرار السلام في السودان وليبيا وسوريا وغيرها، وكل ذلك تتم ترجمته على شكل مواقف متقدمة إيجابية تطرح بوضوح ويدافع عنها بقوة في الأمم المتحدة وغيرها.

لقد ذهب الوقت الذي كانت فيه المملكة العربية السعودية تمارس دور أفضل الصامتين وأصبحت تؤدي دور أصلب المدافعين، وذهب الوقت الذي كانت فيه تنتظر مبادرات الآخرين لتقرر ما إذا كانت سوف تؤيدها أو لا تؤيدها وأصبحت تقود الركب في تقديم المبادرات واحدة تلو الأخرى، وأن من بعض المبادئ التي تم إرساؤها لدى بعثة الأمم المتحدة هو أن الأصل في الأمور هي المشاركة في البحث والنقاش وأن هذه المناقشة لا تتطلب الأذن ، وما ينبغي الاستئذان فيه هو الإحجام والسكوت عن المشاركة، كما أن مبدأ آخر تم إقراره مفاده أن كل أمر لا تتضح المسؤولية عنه هو من مسؤولية البعثة وينبغي التعامل معه على هذا الأساس، ومبدأ آخر هو أن الخطأ هو ضريبة العمل، وأن الجمود هو الوسيلة المثلى لتجنب الخطأ، في حين أن التعلم من الأخطاء هو السبيل إلى التوصل إلى الأهداف المرجوة.

هذه لمحة سريعة عن سياسة المملكة العربية السعودية تجاه المجتمع الدولي ومواقفها في الأمم المتحدة، والتي جاءت مواكبة للحركة الوثابة للمجتمع السعودي.

مقالات لنفس الكاتب