array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 156

4 خيارات أمام السعودية منها تطوير البرنامج النووي السلمي والتنسيق العربي / الخليجي

الأحد، 29 تشرين2/نوفمبر 2020

رغم أن تأسيس علاقات مع دول الجوار، ومن ضمنها إيران، انطلاقًا من مبدأ "حسن الجوار"، مثل سياسة السعودية بامتياز، إلا أن السياسات والإجراءات المستمرة التي تتخذها إيران، والتي تعتمد في الأساس على التدخل في الشؤون الداخلية وتهديد أمن واستقرار دول المنطقة، كانت سببًا رئيسيًا في أن يصبح التوتر عنوانًا أساسيًا لهذه العلاقات، على نحو أدى في النهاية إلى قطعها في 3 يناير 2016م، بعد أن تعرضت السفارة والقنصلية السعوديتان في طهران ومشهد لاعتداءات احتجاجًا على تنفيذ بعض الأحكام القضائية السعودية في 2 يناير من العام نفسه.

وقد كانت هذه السياسات المتشددة التي اتخذتها طهران سببًا في تعرضها لعزلة وعقوبات أمريكية ربما تكون غير مسبوقة، في إطار ما يسمى بسياسة "الضغوط القصوى" التي تبنتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وأدت، ضمن تداعيات عديدة، إلى تخفيض الصادرات النفطية الإيرانية من 2.5 مليون برميل يوميًا قبل الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي في 8 مايو 2018، إلى 233 ألف برميل يوميًا في سبتمبر 2020م، وهو ما فرض أزمة اقتصادية كبيرة داخل إيران، بدت جلية في ارتفاع مستوى التضخم إلى نحو 41.2% والبطالة إلى 10.7% وانهيار العملة الوطنية (الدولار يساوي حوالي 280 ألف ريال).

لكن جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي أجريت في 3 نوفمبر 2020م، لتزيد من احتمالات حدوث تغيير في السياسة الأمريكية تجاه إيران، لاسيما أن الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن سبق أن أشار، في مقال على شبكة "سي إن إن" في 13 سبتمبر 2020م، إلى إمكانية عودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الاتفاق النووي في حالة التزام إيران بتعهداتها في الاتفاق.

ورغم ذلك، فإن ترجمة هذه التصريحات إلى خطوات إجرائية على الأرض، سوف يواجه عقبات لا تبدو هينة. إذ أن التصعيد الذي جرى بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية على مدار الأعوام الأربعة الماضية، وبلغ ذروته في 3 يناير 2020م، عندما قامت الأخيرة بشن عملية عسكرية أدت إلى مقتل قائد "فيلق القدس" المسؤول عن العمليات الخارجية في الحرس الثوري قاسم سليماني ونائب أمين عام ميليشيا "الحشد الشعبي" أبو مهدي المهندس، لا يمكن تجاوزه بسهولة، خاصة أنه أضفى زخمًا على رؤى وتوجهات التيار الراديكالي داخل إيران المسيطر على مؤسسات صنع القرار، والتي تقوم على أساس عدم الثقة في إمكانية تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى أن الأخيرة تسعى بصفة دائمة إلى تقويض دعائم النظام الحاكم، أيًا كانت الإدارة الأمريكية الموجودة سواء ديمقراطية أو جمهورية.

واللافت في هذا السياق، هو أن هذا التيار الراديكالي بدأ في استغلال تصاعد حدة الضغوط الأمريكية على إيران من أجل تعزيز سيطرته على الساحة الداخلية الإيرانية، على نحو بدا جليًا في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 21 فبراير 2020م، والتي أسفرت عن فوزه بمعظم مقاعد مجلس الشورى في دورته الجديدة التي تولى أحد أبرز قياداته، وهو محمد باقر قاليباف، رئاستها.

 ويتوقع أن يتكرر ذلك في الانتخابات الرئاسية القادمة التي سوف تجرى في 18 يونيو 2021م، والتي لن يترشح فيها الرئيس الحالي حسن روحاني باعتبار أنه تولى منصبه فترتين متتاليتين، ولا يبدو أن تيار المعتدلين سوف ينجح في اختيار شخصية توافقية لدعمها في مواجهة التيار الراديكالي الذي يتوقع أن يسعى إلى تصعيد أبرز رموزه للمنافسة في الانتخابات والفوز بها ومن ثم تكريس سيطرته على المؤسستين التشريعية والتنفيذية في الدولة.

واللافت في هذا السياق، هو أن سيطرة التيار الراديكالي على مؤسسات صنع القرار قد تؤثر على السياسة الخارجية باتجاه إضفاء مزيد من التشدد عليها، بشكل سوف ينعكس على علاقات إيران ليس فقط مع الولايات المتحدة الأمريكية بل أيضًا مع دول الجوار، لاسيما دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها السعودية.

ويكتسب ذلك زخمًا خاصًا مع الوضع في الاعتبار أن السعودية تمثل القوة الإقليمية الرئيسية التي تقف في مواجهة طموحات إيران الإقليمية والنووية، والتي تتسبب في تصاعد حدة التوتر والتصعيد في المنطقة وتزيد من التهديدات الموجهة لأمن واستقرار دولها، وهو ما تدركه إيران وتدير اتجاهات تفاعلاتها مع السعودية ومع القوى الإقليمية الأخرى الساعية إلى دعم الاستقرار ومحاربة الإرهاب، على غرار الإمارات ومصر، بناءً عليه.

وعلى ضوء ذلك، يمكن القول إن مستقبل العلاقات بين إيران والسعودية تحكمه متغيرات عديدة، معظمها يرتبط بإيران تحديدًا، لاسيما ما يتعلق بتوازنات القوى السياسية الداخلية داخل الأخيرة، والمسارات المحتملة للعلاقات بين إيران وإدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، والتي سوف تتأثر، من دون شك، بحرص الأخيرة على توسيع نطاق التفاوض مع إيران، ليشمل ليس فقط الاتفاق النووي، وإنما يمتد أيضًا إلى برنامج الصواريخ الباليستية والدور الإقليمي، الذي يرتبط في المقام الأول بدعم إيران للتنظيمات الإرهابية والمسلحة الموجودة في بعض دول الأزمات.

مسارات محتملة:

على ضوء ذلك، يمكن القول إن ثمة مسارات رئيسية ثلاثة محتملة يمكن أن تتجه العلاقات بين السعودية وإيران إلى أحدها خلال المرحلة القادمة.

المسار الأول: تحسن العلاقات: ويفترض هذا المسار أن تيار المعتدلين داخل إيران، سوف ينجح في الحفاظ على نفوذه الداخلي وبقائه في السلطة بفوز أحد كوادره في الانتخابات الرئاسية القادمة، وبالتالي تقليص سيطرة التيار الراديكالي، الذي يقوده في الأساس الحرس الثوري، ويسعى من خلاله إلى التحكم في مقاليد السلطة، تمهيدًا لتصعيد دوره في اختيار من سيتولى منصب المرشد الأعلى للجمهورية بعد رحيل المرشد الحالي علي خامنئي.

كما أنه يعتمد على نجاح إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن في دفع إيران إلى القبول بتوسيع نطاق التفاوض ليشمل دعمها للتنظيمات الإرهابية والمسلحة في المنطقة وبرنامجها للصواريخ الباليستية، بعد أن يتم تنفيذ مقاربة "العودة مقابل العودة" أي عودة إيران للامتثال لالتزاماتها في الاتفاق النووي مقابل عودة الولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة فيه.

لكن هذا المسار يواجه عقبات عديدة. إذ أن إيران ما زالت مصرة على اقتصار أية مفاوضات قادمة بين الطرفين، في حالة انعقادها، على آليات عودة واشنطن للاتفاق النووي، دون التطرق إلى الملفات الأخرى الأكثر أهمية، لاسيما ما يتعلق ببرنامج الصواريخ الباليستية والدور الإقليمي. وقد وجهت إيران في هذا السياق رسائل مبكرة فور الإعلان عن فوز الرئيس جو بايدن بالانتخابات الرئاسية الأمريكية.

فقد قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية خطيب زاده، في 9 نوفمبر 2020م: "لا يمكن التفاوض من جديد حول الاتفاق النووي، وهذا الموقف لا يتغير بتغير الأفراد في واشنطن"، مضيفًا: إن "الاتفاق النووي متعلق بالماضي، ولا يمكن إعادة فتحه والتفاوض عليه من قبل أي كان"، لافتًا إلى أن "الاتفاق النووي ملف مغلق، والحديث عن إعادة فتحه والتفاوض حوله أمر ساذج".

إصرار إيران على تأكيد أن سياستها لا تتغير بتغير الأشخاص، بدا جليًا حتى في التصريحات التي أدلى بها المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، الذي قال في اليوم نفسه الذي أجريت فيه الانتخابات في 3 نوفمبر 2020م، أن "فوز بايدن أو ترامب لا يعنينا. فالسياسة الإيرانية لا تعتمد على الشخص الموجود في البيت الأبيض".

كما أنه لم يثبت جديًا أن وجود التيار المعتدل داخل السلطة يمكن أن يساهم في تحسين العلاقات بين طهران والرياض. فقد وقع الاعتداء على السفارة والقنصلية السعوديتين في عهد الرئيس حسن روحاني، وبعد الوصول للاتفاق النووي، بنحو ستة أشهر. كما بدأت إيران في رفع مستوى دعمها للميليشيات الإرهابية والمسلحة، على غرار "حزب الله" اللبناني وحركة المتمردين "الحوثيين" والتنظيمات التي قامت بتكوينها وتدريبها في سوريا والعراق وفي مقدمتها ميليشيا "الحشد الشعبي"، مستفيدة من العوائد التي حصلت عليها بعد رفع العقوبات الدولية التي كانت مفروضة عليها حتى منتصف يناير 2016م.

واللافت أن ذلك يثبت، إلى حد كبير، عدم صحة المقاربة التي تبنتها إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، والتي اعتمدت على أن الوصول للاتفاق النووي ورفع العقوبات الدولية المفروضة على إيران، فضلاً عن إعادة إدماجها في منظومة العلاقات الدولية، على المستويين السياسي والاقتصادي، يمكن أن يعزز حضور المعتدلين وبالتالي يساعد في توجيه السياسة الإيرانية نحو مسار أكثر اعتدالاً.

فقد تمثلت أولى ردود فعل إيران في هذا السياق في احتجاز عشرة بحارة أمريكيين على متن زورقين أمريكيين دخلوا بالخطأ إلى مياهها الإقليمية، في 13 يناير 2016م، وقبل أيام قليلة من رفع العقوبات الدولية، حيث قام الحرس الثوري بتصويرهم وهم راكعون وأيديهم فوق رؤوسهم، على نحو تسبب في إحراج الإدارة الأمريكية ودفع رافضي الاتفاق إلى شن حملة قوية ضدها.

إلى جانب ذلك، يبدو قبول إيران لتوسيع نطاق التفاوض ليشمل الملفات الأخرى، وفي مقدمتها البرنامج الصاروخي والدور الإقليمي، صعبًا بدرجة كبيرة. إذ أن إيران، وبعد المواجهة العسكرية المحدودة التي اندلعت مع الولايات المتحدة الأمريكية في 3 و8 يناير 2020م، بات ترى أن البرنامج الصاروخي يبقى هو المصدر الأساسي لقوة الردع التي تمتلكها، حيث تستطيع من خلالها إيران، نظريًا، رفع كلفة أي عمل عسكري قد تتعرض له سواء من جانب الولايات المتحدة الأمريكية أو من قبل إسرائيل.

كما أن إيران استنزفت عوائد الصادرات النفطية في دعم تمددها الإقليمي وتدخلها في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، وتقديم مساعدات اقتصادية وعسكرية لحلفائها في المنطقة، على غرار نظام الرئيس السوري بشار الأسد و"حزب الله" اللبناني وحركة المتمردين "الحوثيين" وميليشيا "الحشد الشعبي"، وبالتالي من الصعب عليها أن تتراجع عن مجمل هذا الدور في الفترة المقبلة.

المسار الثاني: تصاعد حدة التوتر بين السعودية وإيران: وذلك على ضوء احتمالين: أولهما، فشل أي مفاوضات محتملة بين إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن وإيران، خاصة في ضوء الرفض المتوقع من جانب الأخيرة لتوسيع نطاق المفاوضات ليشمل مجمل الملفات الأخرى، بما يعني صعوبة ترجمة مقاربة "العودة مقابل العودة" التي تعتمد على عودة إيران إلى الالتزام بتعهداتها مقابل عودة واشنطن للمشاركة في الاتفاق النووي.

وثانيهما، وصول أحد أقطاب التيار الراديكالي إلى منصب رئيس الجمهورية، حيث يتعمد هذا التيار، على عكس تيار المعتدلين، التأثير في عملية صنع قرار السياسة الخارجية، لاسيما إزاء التعامل مع دول الجوار وكل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، ودائما ما تتسم السياسة الإيرانية في عهد الراديكاليين بمزيد من التشدد.

ويعني ذلك في المقام الأول، أن العقوبات الأمريكية على إيران سوف تستمر وربما تتزايد حدتها في الفترة القادمة، وهو ما دفع بعض الأجنحة السياسية داخل إيران إلى ترجيح إقدام إدارة ترامب على تكرار ما قامت به إدارة أوباما قبل الوصول للاتفاق النووي، حيث حشدت القوى الدولية لفرض عقوبات قوية على إيران من داخل مجلس الأمن.

كما أن إيران، وفقًا لذلك، سوف تواصل تصعيدها فيما يتعلق بتنشيط برنامجها النووي مرة أخرى، بشكل يمكن أن يؤدي إلى رفع مستوى التخصيب من 4.5% في الفترة الحالية (يقضي الاتفاق النووي بعدم تجاوز مستوى التخصيب 3.67%)، وزيادة كمية اليورانيوم المخصب إلى أكثر من 2442.9 كيلو جرام (يقضي الاتفاق النووي بعدم تجاوز كمية اليورانيوم 202.8 كيلو جرام) بما يعني أنها وصلت إلى أكثر من 12 ضعف الكمية التي ينص عليها الاتفاق، وتوسيع نطاق عمليات التخصيب ليشمل مفاعل فوردو إلى جانب مفاعل ناتانز، ومواصلة عمليات البحث والتطوير على نطاق واسع.

وربما تتجه إيران في هذا السياق أيضًا إلى ممارسة الإجراءات التصعيدية ذاتها، والتي تهدف إلى رفع كلفة الإجراءات العقابية التي تتخذها واشنطن ضدها، على غرار استهداف ناقلات ومنشآت النفط في الخليج، والإيعاز إلى الميليشيات التابعة لها باستهداف أمن واستقرار دول الجوار، في ظل الوجود العسكري البارز للحرس الثوري في دول الأزمات، على غرار اليمن، التي تعمدت إيران، في 18 أكتوبر 2020م، تعيين سفير جديد من الحرس الثوري في صنعاء، هو حسن ايرلو، للإشراف على إدارة العمليات العسكرية التي تقوم بها الميليشيا المتمردة.

لكن هذا المسار يواجه بدوره عقبات عديدة، أهمها أن مواصلة إيران للسياسة المتشددة نفسها سوف يكلفها كثيرًا بشكل لم تعد تستطيع تحمله على المدى الطويل. وقد أشارت تقديرات عديدة إلى أن الخسائر التي منيت بها إيران بسبب العقوبات الأمريكية تتراوح بين 150 و200 مليار دولار، وهي خسائر هائلة تسببت في تقليص قدرة حكومة الرئيس حسن روحاني على مواجهة الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت حدتها بسبب انتشار فيروس كورونا على نطاق واسع داخل إيران.

فضلاً عن أن الإجراءات التي تتخذها القوى المناوئة للأدوار التخريبية التي تقوم بها إيران نجحت، إلى حد كبير، في تقليص قدرة بعض الميليشيات الإرهابية الموالية لها على تهديد أمنها واستقرارها، وهو ما يبدو جليًا في إعلان قوات تحالف دعم الشرعية عن إحباط الهجمات التي تشنها حركة المتمردين "الحوثيين" على الأراضي السعودية باستخدام الصواريخ والطائرات من دون طيار، وكان آخرها، حتى كتابة هذه السطور، إحباط 5 هجمات بواسطة طائرات من دون طيار في 12 نوفمبر 2020م، وهى الهجمات التي تمثل انتهاكًا للقانون الدولي والإنساني وقرار مجلس الأمن رقم 2216.

إلى جانب أن أي خطأ في التقديرات قد يفرض عواقب وخيمة على إيران، بعد أن بات احتمال اندلاع مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية غير مستبعد، في ضوء التهديدات المستمرة التي توجهها، مع حلفائها، للمصالح الأمريكية في المنطقة، وهي مواجهة دائمًا ما حاولت تجنبها لكنها لم تتمكن من ذلك في الأيام العشرة الأولى من يناير 2020م.

المسار الثالث: بقاء الوضع على ما هو عليه: وربما يكون ذلك المسار هو الأكثر ترجيحًا في الوقت الحالي، وذلك في ضوء عاملين: أولهما، حرص إيران على تبني السياسة نفسها إزاء الملفات الخلافية إلى حين إجراء الانتخابات الرئاسية في 18 يونيو 2021م، على أساس أن اختيار الرئيس الجديد سوف يكون مؤشرًا للاتجاه الذي سوف تتبعه في التعامل مع القوى الإقليمية والدولية الساعية إلى ممارسة ضغوط عليها من أجل تغيير سياستها تجاه الاتفاق النووي والبرنامج الصاروخي والدور الإقليمي.  

وثانيهما، انشغال الإدارة الأمريكية الجديدة أولا في تشكيل الفريق الخاص بإدارة السياسة الخارجية في المرحلة الانتقالية التي ستعقب تسلم الرئيس بايدن مقاليد منصبه في 20 يناير القادم، وثانيًا في التعامل مع أزمات مثل انتشار فيروس كورونا، بشكل يمكن أن يستغرق الفترة نفسها، أي إلى منتصف العام القادم.

وحتى مع افتراض اتجاه الإدارة الأمريكية الجديدة إلى تبني ما يسمى بدبلوماسية المسار الثاني "Track Two" مع إيران، من أجل دعم فرص الوصول إلى توافق بين الطرفين حول الملفات الخلافية، على غرار ما قامت به إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما قبل الوصول للاتفاق النووي، فإن ذلك سوف يستغرق وقتًا قد لا يكون قصيرًا، خاصة أن الخلافات العالقة بين الطرفين لا تبدو ثانوية ولا يمكن تسويتها بسهولة.

آليات التعامل مع السياسة الإيرانية:

أيا كان المسار الذي سوف تتجه إليه العلاقات السعودية-الإيرانية خلال المرحلة القادمة، على ضوء المتغيرات التي طرأت على الساحات المختلفة الداخلية والإقليمية والدولية، فإن ذلك يستوجب في كل الأحوال تبني آليات عديدة للتعامل مع السياسة الإيرانية، ويتمثل أبرزها في:

  • مواصلة تطوير البرنامج النووي السعودي: وهو ما سوف يساعد المملكة على دخول نادي القوى النووية، وسيضيف إلى قدراتها كقوة إقليمية رئيسية تسعى إلى تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، عبر استخدام الطاقة النووية لأهداف سلمية وإنسانية. وقد أشارت تقديرات عديدة إلى أنه في حالة إتمام بناء المفاعلات السبعة عشر ضمن البرنامج النووي السعودي، لإنتاج وتخصيب اليورانيوم، فإن ذلك سيمكن المملكة من توفير نحو مليون ونصف المليون برميل نفط يوميًا تستخدم في توليد الكهرباء.

وربما من هنا، يمكن تفسير أسباب الحملة التي تشنها إيران ضد هذا البرنامج، رغم أنها دائمًا ما تتعمد إخفاء بعض جوانب برنامجها النووي التي تثير شكوكًا عديدة لا يمكن تجاهلها، والالتفاف على الاتفاقيات الدولية، وآخرها الاتفاق النووي، بالتوازي مع عدم التعاون بشفافية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تشير تقاريرها المتتالية إلى أن إيران تواصل تخفيض مستوى التزاماتها في الاتفاق، بدليل أن كمية اليورانيوم منخفض التخصيب التي تمتلكها أصبحت حاليًا تمثل 12 ضعف الكمية التي ينص عليها.

  • توسيع نطاق التنسيق مع الدول العربية الداعمة للاستقرار: ولاسيما الإمارات ومصر والبحرين، على أساس أن هذه الآلية سوف تساهم في ممارسة ضغوط أكبر على القوى الداعمة للإرهاب وعدم الاستقرار، ولاسيما إيران وتركيا وقطر، وكبح تدخلاتها في الشؤون الداخلية للدول العربية أو محاولات تمددها داخل دول الأزمات على غرار سوريا وليبيا واليمن.
  • منح الأولوية لإشراك دول مجلس التعاون في أية مفاوضات مستقبلية مع إيران: وذلك باعتبار أن القضايا التي ستكون محورًا للمفاوضات المحتملة بين إدارة بايدن وإيران تمس بشكل مباشر أمن ومصالح دول المجلس. وقد كان ذلك أحد أسباب التحفظات التي أبدتها بعض دول المجلس إزاء السياسة التي تبنتها إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما في إجراء مفاوضات سرية مع إيران تحولت إلى علنية بعد ذلك بين إيران ومجموعة "5+1" (وجميعها دول من خارج المنطقة)، وأدت في النهاية إلى الوصول للاتفاق النووي، الذي يبدو أن استمراره، على المنوال نفسه، بات محل شك، في ظل استمرار إيران في تخفيض التزاماتها فيه لاسيما ما يتعلق برفع مستوى تخصيب اليورانيوم وزيادة كمية اليورانيوم المخصب وتوسيع نطاق عمليات التخصيب لتشمل مفاعل فوردو إلى جانب مفاعل ناتانز.
  • ضرورة ضم البرنامج الصاروخي والدور الإقليمي إلى المفاوضات: خاصة أن إيران دائمًا ما تسعى إلى استخدام البرنامج والدور في تهديد أمن ومصالح دول المنطقة. إذ سبق أن هددت باستهداف مصالح دول المنطقة والقوى الدولية التي تقع على بعد ألفي كيلو متر من حدودها عبر صواريخها الباليستية. في حين أن دورها الإقليمي يساعد في تفاقم حالة عدم الاستقرار على المستويين السياسي والأمني داخل دول الأزمات بما يفرض بدوره تهديدات جديدة لأمن دول المنطقة.

في النهاية، يمكن القول إن منطقة الشرق الأوسط تبدو مقبلة على استحقاقات استراتيجية لا تبدو هينة، في ضوء المتغيرات الجديدة التي طرأت على الساحات المختلفة، والتي سيكون لها دور رئيسي في تحديد اتجاهات العلاقات بين السعودية وإيران خلال المرحلة القادمة.

مقالات لنفس الكاتب