array(1) { [0]=> object(stdClass)#13356 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 157

العلاقات الخليجية مع دول شمال إفريقيا: الحصاد والآفاق

الثلاثاء، 29 كانون1/ديسمبر 2020

د.مصطفى صايج

 رغم تميز البيئة الدولية في سنة 2020 م، باستمرار جائحة كوفيد 19- التي انعكست سلبًا على درجة الترابط والتعاون الدولي في كل المجالات، الدبلوماسية، الاجتماعية والاقتصادية، لاسيما الانخفاض المحسوس في تدفق الاستثمارات وحجم التبادلات التجارية، والتوقف الشامل لحركية التنقلات البرية والجوية، فإن استمرارية بناء الشراكات الاستراتيجية بين دول مجلس التعاون الخليجي ودول شمال إفريقيا اتسمت بنفس الاتجاه فيما يخص نمط التفاعلات، حيث تتعاطى الكتلة الخليجية في تعاونها مع دول شمال إفريقيا الأربع، ليبيا، تونس، الجزائر والمغرب، كمجموعة متكاملة ومجزئة في الوقت ذاته، مع ضرورة التمييز بين اتفاقيات مجلس التعاون الخليجي والاتفاقيات الثنائية القائمة بين دول مجلس التعاون الخليجي ودول شمال إفريقيا، حيث ترتب المملكة المغربية التي تجمعها بدول مجلس التعاون الخليجي علاقات استراتيجية متميزة في الدرجة الأولى من حيث النوعية والمكانة مقارنة بمجموع دول شمال إفريقيا، لدوافع سياسية وأمنية، ارتبطت أساسًا في السنوات العشر  الأخيرة بمحاولة التكيف مع الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي صاحبت موجة الربيع العربي، بينما ترتبط باقي دول شمال إفريقيا في اتجاهها العام بدول مجلس التعاون الخليجي بعلاقات تعاون وشراكات استراتيجية ثنائية، وهنا يمكن كذلك أن نميز في سنة 2020م، استمرارية التفاعلات بين الدول الأكثر ديناميكية داخل الكتلة الخليجية، المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة وقطر، فيما يخص التعاون والتبادلات مع دول شمال إفريقيا، بما فيها السلوك غير الموحد داخل الكتلة الخليجية فيما يخص القرارات المتبناة تجاه النزاع الليبي، حيث بقي الاصطفاف القطري-التركي قائمًا في مواجهة التحالف الإماراتي-المصري، الذي يتضح بالتحديد في دعم كل طرف جهة داخل اللعبة السياسية-الأمنية الليبية بين حكومة الوفاق بقيادة فائز السراج والجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر، مع تبني خيارات سياسية وأمنية متناقضة لمخرجات النزاع الليبي.  وعليه، فإن المستقبل المنظور لسنة 2021م، أو المتوسط إلى غاية سنة 2030م، في اتجاهاته الثقيلة، يؤشر على أن دول شمال إفريقيا في علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي ستبقى تتأثر سلبًا أو إيجابًا، حسب درجة التماسك من عدمه داخل مجلس التعاون الخليجي، لاسيما في الملفات الجيوسياسية الأربعة الأساسية، وهي على الترتيب التالي: أولاً، النزاع الخليجي-القطري واتجاهاته المستقبلية، ثانيًا، كيفية إدارة ملف التطبيع العربي-الإسرائيلي ومستقبل المبادرة العربية لتسوية القضية الفلسطينية، وثالثًا، الإدارة المستقبلية للنزاع الجيوسياسي في ليبيا، رابعًا وأخيرًا، تصاعد النزاع في قضية الصحراء الغربية وانعكاساته على مستقبل التعاون الخليجي مع دول شمال إفريقيا ولا سيما العلاقات الجزائرية-المغربية. 

إذا كانت الديناميكية التعاونية تبرز في مجموع الزيارات الرسمية الرفيعة المستوى بلقاء القادة، الملوك والرؤساء، أو على المستوى الدبلوماسي، وزراء الخارجية والسفراء، أو على المستوى التقني لمجموع الخبراء، وما تنتجه من اتفاقيات متنوعة للتعاون المالي، الاقتصادي، التجاري والأمني السياسي، فإن في الوقت ذاته، التنافس داخل مجلس التعاون الخليجي في عقد الاتفاقيات والصفقات ذات الطابع المالي والاستثماري قد برزت في فترة ما بعد الأزمة الخليجية بالأخص، ما بين الإمارات العربية المتحدة وقطر، حيث انعكست على دول شمال إفريقيا، لاسيما في تونس والمغرب، سياسيًا واقتصاديا، وعلى النزاع الليبي أمنيًا واستراتيجيا، وهو ما سنوضحه في العلاقات القائمة بين دول مجلس التعاون الخليجي ودول شمال إفريقيا بالتركيز على دولتي القلب الجزائر والمغرب، رصدًا لسنة 2020م، واستشرافًا لما هو آت في المستقبل المنظور 2021 والمتوسط 2030م.

أولا: العلاقات بين مجلس التعاون الخليجي والمغرب.

تميزت العلاقات بين مجلس التعاون الخليجي والمملكة المغربية في سنة 2020م، بتجسيد التوافق الاستراتيجي-الأمني الذي تكرس في فترة ما بعد اضطرابات الربيع العربي ( 2011-2020م)، حيث ترتبط  الرباط باتفاق تعاون استراتيجي مع مجلس التعاون الخليجي تم توقيعه في الرياض في سنة   2012م، ويتضمن ميادين التعاون المختلفة، السياسية الأمنية، الاقتصادية، الاستثمار والسياحة، والتعاون العلمي والثقافي، ولقد سبق أن تم توجيه الدعوة لانضمام المملكة المغربية لمجلس التعاون الخليجي إلى جانب المملكة الأردنية الهاشمية، انطلاقًا كما جاء في بيان قمة الرياض في شهر مايو 2011م، "من وشائج القرب والمصير المشترك ووحدة الهدف وتوطيدًا للروابط والعلاقات الوثيقة القائمة" واقتناعًا كذلك، بالتشابه بين دول مجلس التعاون الخليجي والمغرب من حيث طبيعة الأنظمة السياسية المتماثلة. ولقد أضحى هذا التعاون مكرسًا في معظم بيانات مجلس التعاون الخليجي وهو ما تم تجسيده في البيان الختامي للقمة الأربعين لدول مجلس التعاون الخليجي في الرياض في شهر ديسمبر 2019م، حيث دعا المجلس إلى تعزيز الشراكات الاستراتيجية القائمة مع المملكة المغربية.

من بين مضامين التعاون الاستراتيجي الخليجي-المغربي المتعددة، نذكر أهمها، توطيد الشراكة الاقتصادية والتجارية، حيث يتراوح حجم التبادل التجاري بين دول الخليج والمغرب ثلاثة مليارات دولار سنويًا، تتقدم المملكة العربية السعودية كأول شريك تجاري عربي إسلامي بما توفره من أمن طاقوي للمغرب فضلاً عن الاستثمارات المتنوعة، في مجالات السياحة، العقارات والبنوك، بينما تحتل الإمارات مكانة أول مستثمر عربي في المغرب، وتقدر حجم الاستثمارات الخليجية بما يقارب ربع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إلا أنه يجب أن نشير إلى أن تبعية دول شمال إفريقيا للاتحاد الأوروبي لا تزال قائمة فيما يخص التبادل التجاري وحجم الاستثمارات، حيث يستحوذ الاتحاد الأوروبي على ما يزيد عن 60 % من إجمالي حجم التبادلات التجارية للمغرب كما بلغت نسبة الاستثمارات الأوروبية في سنة 2019م، أكثر من 70 % من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة.  

أما في مجال التعاون العسكري والأمني، فإن مجلس التعاون الخليجي يتقاسم مع المغرب توحيد الإدراك الأمني لطبيعة التهديدات الأمنية المتعددة الأبعاد، لاسيما في تحديد الخطر الإيراني، حيث قطعت المغرب علاقاتها الدبلوماسية مع إيران في مايو 2018م، تناغمًا مع الاستراتيجية الخليجية في مواجهة التمدد الجيوسياسي الإيراني في المنطقة العربية، كما تشترك في آليات مكافحة الإرهاب، حيث انضمت المغرب للتحالف الخليجي الدولي لمحاربة داعش، كما انضممت إلى التكتل الخليجي في مواجهة الحوثيين في اليمن من أجل استرجاع السيادة للحكومة اليمنية الشرعية. لكن هذا التوافق الاستراتيجي الخليجي-المغربي مر بفترة اختبار في درجة تماسكه بسبب النزاع الخليجي-القطري والانسحاب المغربي من التحالف ضد الحوثيين، بقيت آثاره في سنة 2020م، وإن كانت درجة حدته قد خفت بإعادة صياغة السلوك المغربي تجاه النزاع الخليجي-القطري، من خلال إعادة ترتيب أولوياتها ومصالحها القومية ضمن التقارب الإماراتي. حيث وصل الصدام الدبلوماسي بين البلدين إلى سحب السفراء بسبب التقارب المغربي-القطري وتناقض الرؤى فيما يتعلق بالقضايا النزاعية الحيوية، اليمن، سوريا وليبيا، وكان من دوافع إعادة صياغة الأولويات المغربية رغم العلاقات المصلحية التي تربط قطر بالمغرب من حيث حجم الاستثمارات في القطاعات الحيوية للتنمية المغربية، مثل السياحة، العقارات والاستفادة من المنح، حيث أصدرت الخزينة العامة المغربية تقريرًا يبين مدى التزام دول مجلس التعاون الخليجي بتعهدات الحزمة المالية التي تقدمت بها سنة 2012م، والتي قدرت بخمسة مليارات دولار، لم تدفع بالكامل إلا الكويت وقطر، هذه الأخيرة التي قدمت منحة بقيمة 1.25 مليار دولار، إلا أن الارتباطات المصلحية والأمنية للرباط مع أبو ظبي رجحت الكفة لصالح الإمارات، التي استفادت منها المغرب بشكل أساسي في نهاية 2020م، مع النزاع في الصحراء الغربية حيث كانت أول دولة عربية وخليجية تعلن فتح قنصلية بمدينة العيون الصحراوية قبل أن تلتحق بها البحرين، مما جعل المغرب يعيد إحياء الشراكات الأمنية المتقدمة مع دولة الإمارات العربية المتحدة لا سيما في مجالات الدعم الاستخباراتي والعسكري المتبادل بين البلدين، وبذلك ذاب الجليد بين البلدين فيما يتعلق بالخلافات التي كانت قائمة حول المسألة اليمينة، والموقف المغربي تجاه النزاع الخليجي -القطري، يضاف إليها طي ورقة الغضب المغربي الرسمي والشعبي فيما يتعلق بالتصويت الإماراتي ضد ترشح المغرب لتنظيم بطولة كأس العالم لسنة 2026م.

وستبقى كل من قضية التطبيع العربي-الإسرائيلي وقضية الصحراء الغربية أكثر حضورًا في سنة 2021 م، بالنسبة للعلاقات الخليجية مع دول شمال إفريقيا، حيث يمثل التوافق الإماراتي-المغربي بدرجة أساسية إعادة إحياء القضيتين العالقتين، قضية بعث المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية والنتائج المترتبة عن التطبيع الخليجي والتساؤل عن مستقبل المبادرة العربية المطروحة على طاولة الجامعة العربية منذ 2002م، مع ترقب كيفية التعامل المغربي مستقبلاً مع المفاوضات المجمدة مع جبهة البوليزاريو، وصدام الإرادات القائم بين تكريس المغرب للأمر الواقع من خلال التمسك بخيار الحكم الذاتي الموسع في إطار الوحدة الإقليمية للمغرب، وبين رؤية البوليزاريو المتمسكة بحقها في تقرير المصير عن طريق الاستفتاء، خصوصًا وأن البوليزاريو قد أعلنت إنهاء وقف إطلاق النار الذي كرسته الأمم المتحدة بين الطرفين في سنة 1991م، وهو ما يوحي بتحريك النزاع المسلح اللاتماثلي في المنطقة والعودة إلى فترة ما قبل المينورسو، بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية.

يبقى أن نشير إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي عبرت عن دعمها للمغرب في قضية الصحراء الغربية، وهو موقف يعكس الرؤية الخليجية المتمسكة بمغربية الصحراء دعمًا للمملكة المغربية، وهو ما عبر عنه بيان الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، نايف فلاح مبارك الحجرف، في نزاع معبر الكركرات :" تؤيد دول مجلس التعاون الخليجي سيادة المغرب ووحدة أراضيه، ورفضها لأي أعمال أو ممارسات من شأنها التأثير على حركة المرور في منطقة الكركرات"، وكل المواقف الدبلوماسية الخليجية كانت تعبيرًا عن مغربية الصحراء، وهذا ما يستخلص من المرسوم الذي أصدره عاهل  البحرين، الملك حمد بن عيسى، بإنشاء قنصلية عامة بمدينة العيون الصحراوية، مما جاء في البيان المرافق له، "هذه المبادرة الدبلوماسية الحكيمة، تأتي انطلاقًا من المواقف البحرينية الثابتة بشأن دعم الحقوق المشروعة للمملكة المغربية في التوصل إلى حل سياسي لقضية الصحراء المغربية على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي وقرارات مجلس الأمن".

ثانيًا: العلاقات الخليجية مع الجزائر: التوافقات والتحديات الجيوسياسية.

تميزت العلاقات الخليجية مع الجزائر في سنة 2020م، بقدر كبير من التوافقات في القضايا الاستراتيجية التي تهم الطرفين، حيث شكل التوافق الطاقوي بين الجزائر والسعودية في إطار مجموعة أوبك "بلس" محور الديناميكية الدبلوماسية الطاقوية المكثفة التي قامت بها كل من الجزائر والرياض، ساهمت إلى حد كبير في تقريب وجهات النظر مع روسيا التي تشكل أكبر منتج خارج الأوبك من أجل الحفاظ على الأسعار بما يخدم المنتجين الذين تكبدوا خسائر كبرى من حيث عائدات النفط بسبب تدني الأسعار زادتها الأزمة الصحية العالمية كوفيد 19 مرض على مرض. ورغم الفرق الكبير من حيث إنتاج النفط مقارنة بين الجزائر ودول الخليج، بما تتميز به هذه الأخيرة بثقل اقتصادي كبير لاستحواذها على نسبة 18 % من الطلب العالمي على النفط توفره خمسة دول خليجية وهي السعودية، الإمارات، الكويت، سلطنة عمان، ومملكة البحرين، إلا أن الجزائر لعبت دور الوسيط المحايد لتقريب مصالح الدول المنتجة، ورغم التوقعات التشاؤمية بالنسبة لسوق النفط بسبب الأزمة الصحية العالمية وانعكاساتها على النمو العالمي الذي قلص من الطلب مقابل فائض العرض، فإن وزير الطاقة الجزائري، عبد المجيد عطار، الرئيس الدوري للأوبك يصر على أن تجاوز الأزمة الصحية والاقتصادية التي أدت إلى انخفاض كبير في الطلب على الطاقة والنفط في سنة 2020م، يتطلب في الأعوام المقبلة مزيدًا من الاستقرار في سوق النفط، الذي لا يمكن ضمانه إلا من خلال تعاون المنتجين والمستهلكين.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد، بأن القدر الكبير من التعاون والتوافق الطاقوي الخليجي مع الجزائر لضمان استقرار سوق النفط، كان بدوافع برغماتية متبادلة بالأساس حيث تعتمد الدول النفطية على عائدات النفط لتسيير ميزانياتها السنوية ورسم السياسات العامة، ونتيجة للاضطرابات الاقتصادية فإن التقديرات التي وضعتها مجلة الإيكونوميست البريطانية تشير بأن الاستقرار الاقتصادي في الجزائر مثلاً يحتاج إلى سعر 157 دولارًا للبرميل بينما تحتاج سلطنة عمان إلى سعر 87 دولار للبرميل. مما يتطلب من الدول النفطية أن تنتهج استراتيجية اقتصادية قائمة على تنويع المداخيل لتجنب الصدمات الاقتصادية المستقبلية، فمثلاً توقع صندوق النقد الدولي أن تستنفد دول مجلس التعاون الخليجي كل احتياطاتها التي تصل إلى تريليوني دولار بحلول 2034م. مما يستدعي تنويع الشراكات الاقتصادية مستقبلاً خارج قطاع المحروقات.

شكل ميدان التعاون الطاقوي دائمًا الهاجس الأمني بالنسبة للجزائر ودول الخليج، وهو ما جعل الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، يقوم بأول زيارة إلى الخارج إلى المملكة العربية السعودية بتاريخ 24 فبراير 2020م، بعد توليه السلطة في نهاية 2019م، لربط العلاقات الاستراتيجية مع دولة المركز في مجلس التعاون الخليجي، وهو مدركًا بأن التحديات التنموية تستوجب التنسيق وتفعيل دبلوماسية القمة لتجاوز الصدمة النفطية العالمية، لأن الجزائر خسرت 6 مليارات دولار في عائدات الصادرات لسنة 2019م، بسبب انهيار أسعار النفط، كما أن اعتمادها على سعر 60 دولارًا  للبرميل في موازنة 2020م،  كان أكبر من التوقعات مما يؤدي إلى اختلال التوازن المالي، لأن صادرات المحروقات تمثل أكثر من 90 % من إيرادات الدولة الخارجية، مع خطر تراجع احتياطي الصرف من العملات الأجنبية الذي تقلص إلى 62 مليار دولار مع نهاية 2019م. وبالمقابل، فإن توقعات صندوق النقد الدولي تشير إلى حصول انكماش في اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 7.6 % خلال سنة 2020م، بسبب تراجع أسعار النفط وأزمة كوفيد 19، على أن تحقق نموًا بنسبة 2.5 % خلال سنة 2021م.

إلى جانب التعاون الطاقوي الذي يشكل محور العلاقات الخليجية-الجزائرية، فإن الجزائر انتهجت دبلوماسية الحياد الإيجابي في علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي وهو ما انعكس على تدفق الاستثمارات المشتركة للدول الأكثر ديناميكية في سوق الاستثمارات الجزائرية، وهي المملكة العربية السعودية، الإمارات وقطر في قطاعات حيوية واستراتيجية، الصناعات الحديدية، تركيب السيارات، العقارات، النقل واللوجيستيك، وهناك 15 شركة إماراتية تنشط في سوق الاستثمارات الجزائرية مع تسييرها لأكبر ميناء في الجزائر العاصمة، والشراكة المتميزة في مجال الصناعة الثقيلة بين شركة لصناعة المركبات التابعة للجيش الوطني الجزائري بالشراكة مع شركة مرسيدس الألمانية. وهي تكريس لاستراتيجية إماراتية تهدف إلى مضاعفة الاستثمارات في سبع دول عربية من 55 مليار دولار إلى 110 مليار دولار خلال 2020-2025م، كما أكده جمال سيف الجروان، الأمين العام لمجلس الإمارات للمستثمرين، ومن بين الدول العربية السبعة الجزائر التي تستحوذ على 10 مليارات دولار مقابل 15 مليار دولار للمغرب، 15 مليار دولار للأردن، 7.2 مليار دولار لمصر، 4 مليارات دولار في سلطنة عمان، وملياري دولار في السودان ومليار دولار في موريتانيا.

بالنسبة للاستثمارات السعودية في الجزائر فإنه تم مأسستها من خلال إنشاء الشركة الجزائرية السعودية للاستثمار سنة 2008م، مناصفة بين وزارة المالية الجزائرية وصندوق الاستثمارات العامة السعودية، بهدف تحفيز الاستثمارات في قطاعات متنوعة ومنح قروض للمشاريع في مجال السياحة، الصناعة والغذاء، وقد أنجزت الشركة عدة مشاريع على غرار قرية سيتي مول السياحية وفنادق من خمسة نجوم بمناطق سياحية جزائرية خلابة، بجاية، سكيكدة وقسنطينة. كما أنجزت شركة لإنتاج الطوب الأحمر المخصص للبناء، وشركة مخصصة للأعمال المالية والبورصات، وشركة الحديد المسلح وشركات مقاولات. وقد تراوحت في السنوات الأخيرة حجم الاستثمارات السعودية ما بين 3 مليارات و1.5 مليار بما لا يعكس واقع العلاقات السياسية والتاريخية بين البلدين، ويرجع ذلك بالأساس إلى بيئة مناخ الأعمال حسب الرؤية السعودية، حيث صرح قبل أربعة سنوات رئيس مجلس الأعمال السعودي-الجزائري، رائد أحمد المزروعي، خلال التوقيع على مذكرة تفاهم خاصة بمشاريع استثمارية سعودية تصل قيمتها إلى 100 مليار دولار، تتمثل في مجال الطاقة الشمسية وصناعة الورق والمنتجات الطبية والخدمات المعلوماتية، إن من بين الأسباب المباشرة لضعف حجم الاستثمار السعودي في الجزائر يتمثل في إلزام المستثمرين السعوديين بشريك جزائري في الاستثمار، وفي حالة إلغاء قاعدة الشريك التجاري هناك استعداد لرجال الأعمال السعوديين لضخ 100 مليار دولار في مشاريع السياحة بالجزائر. وانطلاقًا من هذه المعوقات والتحديات فإن الجزائر عازمة على إعادة النظر في بيئة الاستثمارات التي لم تكن مواتية للرأسمال العربي، تكيفًا مع الاستراتيجية التنموية خارج قطاع النفط يمكن أن تتوطد أكثر في فرص الاستثمارات لتنويع المداخيل في القطاعات التي تعطيها الجزائر الأولوية، الزراعة، الطاقة، البيئة والطاقة المتجددة، والسياحة وفرص للشراكة ضمن رؤية السعودية 2030م.

أما فيما يخص العلاقات الجزائرية-القطرية في مجال التعاون الاقتصادي والاستثمارات، فإن سنة 2020م، ميزتها زيارة أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في جولة عربية شملت كل من الأردن، تونس، والجزائر، كرست للدبلوماسية الاقتصادية لتعزيز الاستثمارات حيث تتواجد 115 شركة قطرية-جزائرية، أهمها مصنع الحديد والصلب بحجم استثمار يفوق ملياري دولار، حصيلة الشراكة بين المجمع الصناعي الجزائري " سيدار" الذي يملك 51 % من الحصص، وشريكه القطري "قطر ستيل" الذي يملك 49 % من الحصص، تكمن أهميته في مستقبل الإنتاج حيث صمم لإنتاج مليونين طن من الحديد سنويًا، مع توفير ثلاثة ألاف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، إضافة إلى شراكات في قطاع الطاقة لاسيما مشروع الشراكة مع شركة سوناطراك في مجال البتروكيماويات، واستغلال مناجم الذهب في جنوب الجزائر، ومركز للأسمدة الفوسفاتية والآزوتية، وشراكة في مجال الإمداد لضمان خدمات التخزين ومعالجة السلع والتبريد والتخزين الذي يضمن قاعدة لصناعة اللوجيستيك، ومن جهة أخرى، تستثمر قطر في قطاع الاتصالات حيث تمثل شركة "أوريدو" أكبر مستخدم للهاتف النقال في الجزائر. وتقدم الجزائر فرصًا هامة للاستثمارات الخليجية باعتبارها قوة طاقوية، وموقع جيوستراتيجي كرابط بين القارتين الأوروبية والإفريقية ومستقبلاً مع القارة الآسيوية من خلال قرار الرئيس الجزائري في بداية 2020م، بإعادة بعث مشروع الميناء الوسط الذي يعد من أهم مشاريع الصين في مبادرة الحزام والطريق، الذي انضمت إليه الجزائر رسميًا في سنة 2019م.

إلى جانب الميادين الطاقوية والاستثمارات التي تميز طبيعة العلاقات الجزائرية-الخليجية، فإن مستقبل العلاقات في القضايا الجيوسياسية ستطرح الكثير من التحديات بالنسبة للطرفين ستبرز بشكل أكبر في سنة 2021م، لا سيما في الملفين الأساسيين قضية التطبيع مع إسرائيل ومستقبل الوضع في الصحراء الغربية، لأسباب موضوعية، حيث تتمسك الجزائر بخيار المبادرة العربية الذي التزمت به في كثير من القمم العربية وتم طرحه من قبل العاهل السعودي الراحل، خادم الحرمين الشريفين  الملك عبد الله بن عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ  بما يؤدي إلى تصادم الرؤى مع السياسة الإماراتية-المغربية في شمال إفريقيا، كما أن المواقف المتناقضة بين دول مجلس التعاون الخليجي والجزائر فيما يخص مستقبل قضية الصحراء الغربية ستلقي بتأثيراتها السلبية كلما كان الاصطفاف الخليجي أكبر مع المملكة المغربية، بالرغم من أن السياسة الجزائرية المنتهجة تجاه النزاع منذ بدايته ترتكز على مبدأ أساسي مفاده أن الإطار الأممي-الإفريقي هو المكان القانوني والسياسي الذي يجب أن تحل فيه القضية، ولم تمنع الرؤية المتناقضة بين دول مجلس التعاون الخليجي والجزائر من ترقية العلاقات الاستراتيجية في ميادين التعاون كما سبق تقديمه في حجم الاستثمارات الخليجية في الجزائر.

مقالات لنفس الكاتب