العدد 157

منطقة الخليج وتساؤلات المستقبل!

الأربعاء، 30 كانون1/ديسمبر 2020

مع بداية عام 2021م، تدخل منطقة الخليج والعالم، عامًا ميلاديًا جديدًا، مع استهلال العقد الثالث من الألفية الثالثة، وهذه البداية ليست تقليدية كما كانت الأعوام السابقة، فالعالم يعيش أزمة جائحة كورونا وتداعياتها سواء الصحية أو الاقتصادية، إضافة إلى انعكاس نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية على العالم، وكذلك القضايا الأمنية والعسكرية والاقتصادية المتشابكة التي تعيشها منطقة الخليج، إضافة إلى مواقف وسياسات إيران السلبية تجاه المنطقة، وهذا ما يدفع إلى طرح العديد من التساؤلات حول مستقبل المنطقة في العام المقبل، وهي تشغلنا وتشغل الكثير من المعنيين بالشأن الخليجي، ومنها:

إيران، فلدى الكثير من أبناء المنطقة تساؤلات حول استمرار رفض إيران لوجود علاقات جوار طبيعية مع جيرانها وفقًا لقواعد الجغرافيا والتاريخ والدين والقانون الدولي، وإلى أي مدى تؤثر المتغيرات الدولية على مستقبل العلاقات الخليجية ـ الإيرانية، وعلى سبيل المثال ما الذي يحدث إذا فتحت الإدارة الأمريكية الجديدة الحوار مع طهران حول برنامجها النووي والصواريخ الباليستية، وإذا حدث ذلك فإن السعودية لن تعترض من حيث المبدأ، لكن لابد أن تكون المملكة طرفًا في أي حوار متعلق بمستقبل منطقة الخليج، وأن تكون شريكًا في أي  ترتيبات مستقبلية للمنطقة، فليس من المقبول أن يكون هناك حوارًا حول مستقبل المنطقة في غياب الأطراف المعنية، وحول البرنامج النووي الإيراني تشترط المملكة عدم عسكرته، وضرورة خضوعه لضوابط هيئة الطاقة الذرية، وكذلك البرنامج الصاروخي لابد أن تكون الدولة الإيرانية مسؤولة عنه مسؤولية كاملة وألا يتسرب إلى الميليشيات والجماعات الإرهابية مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن حتى لا تكون هذه الصواريخ وسيلة لزعزعة أمن المنطقة وأداة للاعتداء على دول الجوار.

 وفيما يتعلق بترتيب البيت الخليجي، يوجد اهتمام سعودي بذلك كون المملكة عضو مؤسس لمجلس التعاون وتدرك جيدًا التحديات والمخاطر التي تواجه المنطقة لذلك تسعى دائمًا لتنقية الأجواء وإيجاد رؤية مشتركة لمهددات الأمن الخليجي وأن يكون حل قضايا الخليج بين أبنائه بعيدًا عن الاستقطاب والتدخلات الخارجية، مع تكثيف التكامل أملا في تحقيق الوحدة الخليجية المنشودة، لذلك توجد أسئلة حول إعادة ترتيب البيت الخليجي وفقًا لثوابت دائمة تضمن تحصينه ضد الاستهداف الخارجي والتدخل في شؤونه.

وعلى صعيد الوضع في اليمن، فرغم التطورات الإيجابية  الأخيرة والاتفاق على تشكيل حكومة الكفاءات تنفيذًا لاتفاق الرياض، إلا أن الوضع مازال دون حسم كامل جراء مواقف الحوثيين التي وضعت اليمن في مأساة طال أمدها وتأثرت بها دول الجوار، والمملكة مع إنهاء هذه الأزمة بالحل السياسي وتوافق كل اليمنيين على مستقبل دولتهم مع التوافق الدولي على ذلك، وبدون ذلك ستظل الأزمة اليمنية جرحًا غائرًا ينزف في المنطقة، والأسئلة المطروحة حول اليمن لتكريس الحلول الدائمة بضمانات دولية، وإبعاد الدول الإقليمية في الشأن اليمني وخاصة إيران.

وتظل قضية أمن البحار والممرات المائية من القضايا التي تهم السعودية ودول الخليج، فهي تولي أهمية كبيرة لها خاصة في الخليج العربي ومضيق هرمز ومضيق باب المندب والبحر الأحمر، نظرًا لأهمية هذه الممرات للأمن الوطني السعودي ودورها الحيوي في التجارة الدولية وصادرات النفط، وترى المملكة أهمية وجود تفاهمات إقليمية وضمانات دولية لتحقيق ذلك، وتطرح تساؤلات حول طبيعة هذه التفاهمات وأطرافها حيث لا تقبل المملكة هيمنة أطراف إقليمية على هذه الممرات وتعريض التجارة الدولية والأمن الإقليمي للخطر.

وبالنسبة للعراق، يمثل استقرار العراق أهمية كبيرة للمملكة، لكونها دولة جارة بحدود مشتركة طولها 900 كيلو متر، وهناك قلق حاليًا من تكثيف التواجد العسكري الأمريكي وتخصيص الجزء الأكبر من الميزانية العسكرية الأمريكية للعراق ما ينذر بمواجهة ــ أمريكية إيرانية على الأراضي العراقية وهذا يقلق المملكة التي تدعو بضرورة النأي بالعراق عن هذه المواجهة وهناك العديد من التساؤلات حول أسباب تعزيز الميزانية العسكرية الأمريكية في العراق ومدى الزج بهذه الدولة في أتون صراعات جديدة.

وعلى مستوى الدائرة العربية وعدم الاستقرار في ليبيا وسوريا وصراع شرق الأوسط، والتدخلات الإقليمية في هذا الصراع، فمازالت الأحداث مليئة بسيناريوهات صعبة وتساؤلات عديدة حول مدى التصعيد في هذه المنطقة التي تؤثر على استقرار العالم، وكيفية وضع الحلول للتهدئة والحيلولة دون انفجار صراع مسلح يجر إلى مواجهات قد تطول.

والمتغير الجديد الذي طرأ على منطقة الخليج قبل نهاية عام 2020م، هو التطبيع بين دولتي الإمارات والبحرين من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، لذلك هناك تساؤلات مطروحة حول مستقبل هذا التطبيع وما يمكن أن يصل إليه وهل يصل إلى تعاون عسكري، وهل يقود إلى تواجد إسرائيل ضمن منظومة التعاون مع هذه الدول، وإذا حدث ذلك ما هو تأثيره على التوازن العسكري الإقليمية والخليجي.

يظل مستقبل العلاقات الخليجية ـ الأمريكية، أحد أهم الأسئلة المطروحة نظرًا لأهمية وتأثير هذه العلاقة على الجانبين ومع بداية تسلم الرئيس بايدن مهامه في شهر يناير الحالي، فهناك توجس خليجي من  تصريحات بايدن خلال الدعاية الانتخابية، وكذلك ما تحمله الذاكرة عن مواقف الديموقراطيين خلال فترة الرئيس أوباما ونائبه بايدن التي لم تكن مثالية، ومع ذلك فدول الخليج تتمسك بقوة هذه العلاقات وتعتبرها شراكة استراتيجية قائمة على ثوابت وأهداف ومشتركات لها صفة الديمومة من أجل استقرار منطقة الشرق الأوسط واستمرار مسيرة التنمية التي تتجاوز حدود المنطقة إلى العالم بأسره نظرًا للدور الاقتصادي والثقل السياسي والديني للسعودية ودول مجلس التعاون، وقياسًا إلى تاريخ هذه العلاقات الممتدة لأكثر من 75 عامًا تجاوزت خلالها العديد من الصعاب، حيث تعاملت دول المنطقة مع مختلف الرؤساء الأمريكيين من ديموقراطيين وجمهوريين.  

الخلاصة، مع بداية العام الميلادي الجديد، وفي ظل التحديات المعقدة هناك الكثير من الأسئلة المشروعة المطروحة في منطقة الخليج حول الاستقرار والأمن واستمرار التنمية في المنطقة خلال العام الجديد، وما يستلزم أن تقوم به دول  المنطقة تجاه منطقتها، ودور الدول الكبرى في تثيبت أركان هذا الاستقرار خاصة في ظل جائحة كورونا، وتراجع معدلات التنمية، وضعف الاقتصادات العالمية وهبوط أسعار النفط، مع أهمية أن يكون لأمريكا ودول الاتحاد الأوروبي دور إيجابي مع ترتيب الأولويات لتحقيق ذلك، وتثبيت الأمن ومحاربة الإرهاب بكل أشكاله، ومعالجة الأزمات القائمة ومنها السلام في الشرق الأوسط وحل المعضلة الفلسطينية، ومعاودة ارتفاع معدلات التنمية، ووضع حد لطموحات إيران وفقًا لقواعد العلاقات الدولية.

مقالات لنفس الكاتب