العدد 158

أولويات التنمية العربية

الأربعاء، 27 كانون2/يناير 2021

مصطلح التنمية المستدامة متداول في المنطقة العربية منذ أكثر من نصف قرن، فالتفكير في التعاون الاقتصادي وزيادة التبادل التجاري، قضية قديمة بدأت مع تأسيس جامعة الدول العربية في منتصف أربعينيات القرن العشرين، وخصصت الجامعة لهذا المشروع  حيزًا كبيرًا من اهتمامها، ووضعت برامج وآليات طموحة، بل حالمة ووصلت إلى حد السوق العربية المشتركة، ومازالت هذه البرامج موجودة في أدراج موظفي الأمانة العامة للجامعة، أو المسؤولين في الحكومات العربية، لكن كانت عوامل كثيرة وراء تواري تنفيذ ملفات التنمية الاقتصادية، فمنذ منتصف الخمسينات انشغلت المنطقة بقضايا أخرى قفزت إلى الواجهة وكان لها الأولوية على حساب التنمية، حيث تقدمت السياسة وتأخر الاقتصاد ؛ خاصة أن الثورات العربية حملت أيدولوجيات ذات طابع ثوري أدت إلى  صراعات عسكرية سيطرت على اهتمامات دول المنطقة، وكلما هدأت نبرة التأثير الأيديولوجي خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ظهرت كوارث أخرى أكثر ضراوة، فإضافة إلى الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ظهر الصراع العربي / الإيراني والذي بسببه دخلت المنطقة حربًا ضروسًا لمدة ثماني سنوات ومازالت تبعاتها مستمرة، ثم جاء الصراع العربي / العربي الذي بدأ باحتلال قوات الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين للكويت  في أغسطس 1990م، ثم جاءت موجة العنف التي تسمى بثورات الربيع العربي عام 2011م، التي أحدثت فراغًا كبيرًا في المنطقة العربية ؛ ما سمح لبعض الدول الإقليمية بالتغلغل والبحث عن أدوار لملء هذا الفراغ، وكل ذلك جر المنطقة إلى مستنقع الإرهاب والمواجهات الدامية والخسائر الاقتصادية الكبيرة على حساب التنمية والاستقرار، ما أدى إلى تأخر العديد من الدول العربية عن اللحاق بركب التقدم الذي قفزت إليه العديد من دول العالم الثالث التي كانت تقف خلف الدول العربية قبل منتصف القرن العشرين.

وفي المرحلة الراهنة تتبنى الدول العربية استراتيجيات تنموية طموحة وهي رؤى وطنية لمستقبل اقتصادي أفضل في إطار استراتيجية وضعتها الأمم المتحدة منذ منتصف العقد الماضي، وقد تبنت دول مجلس التعاون الخليجي هذه الرؤى في إطار من الجدية والعمل لتحقيق ما تصبو إليه، فجاءت في المملكة العربية السعودية رؤية 2030، وفي الكويت رؤية 2035، وفي سلطنة عمان رؤية 2040 وكذلك قطر، والإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين في الإطار نفسه ،والمبشر بمستقبل هذه الرؤى أن لها جدال وبرامج محددة بدقة وواقعية وفي وقت زمني محدد ومتدرج، ونجاح هذه الخطط بلا شك هو نجاح للاقتصاد العربي.

وتظل التنمية العربية الناجحة مرتبطة بتحديد الأهداف، وتنطلق من المزايا النسبية لكل دولة حتى تستطيع استثمارها للوصول إلى أهدافها التنموية ويقود ذلك لتحقيق التكامل بين الدول العربية القائم على المصالح لا الشعارات، فالمصالح وحسابات الربح والخسارة هي التي تحرك التبادل التجاري وتحقق المنافع المشتركة، وهي الجاذبة للاستثمارات خصوصًا أن المنطقة غنية بالموارد الطبيعية والفرص الاستثمارية والأيدي العاملة، وسوق استهلاكية واسعة، ما يستلزم تعظيم الفرص المتاحة أو الممكنة وتحويلها إلى مشروعات ناجحة. ويتطلب ذلك ضرورة تثيبت الأمن العربي وإيجاد صيغة دفاعية عربية جادة بالاعتماد على القوة العربية الجماعية، والتحالف مع الدول الصديقة والشقيقة التي لا تسعى إلى التدخل في الشؤون العربية الداخلية وفي إطار من الاحترام المتبادل وبعيدًا عن حالات الاستقطاب حيث لابد أن يتوفر الاستقرار ومحاربة الإرهاب لنجاح التنمية.

ومن الضروري أن تعتمد الدول العربية على الدراسات والأبحاث العلمية في التعامل مع التنمية بأبعادها المختلفة، وأن تبدأ من حيث انتهى الأخرون لا أن تبدأ بمرجعيات قديمة تجاوزها الزمن، أو تتعامل بعشوائية في ظل احتدام المنافسة وارتفاع تكلفة الإنتاج والاعتماد على التكنولوجيا المتقدمة، والتخصص الدقيق، وعليه لابد أن تعلي الدول العربية من قيمة البحث العلمي و تستعين بالمراكز الوطنية الأقدر من المراكز الأجنبية على تشخيص الواقع وتحديد الاحتياجات ورسم السياسات المستقبلية، وكذلك التوجه  نحو التعليم الفني والتطبيقي والتخلي حتى لو جزئيًا عن التعليم النظري.   

ولتكن "الصناعة" بوابة الدول العربية نحو الاقتصاد الحديث، فهي أهم منتج يقود إلى تحسين الدخل وتوفير العملات الأجنبية، كما أنها الأكثر تحصينًا ضد التقلبات الدولية والكوارث الطبيعية، إضافة إلى وجود خبرات متراكمة في المنطقة في مجال الصناعة التحويلية، أو الصناعات الثقيلة، أو القائمة على موارد المنطقة والمزايا النسبية لكل دولة ومنها الصناعات الزراعية، والدوائية إضافة إلى الصناعات العسكرية ،على أن يتم ذلك على ضوء رؤية تكاملية عربية، وهذا هو المدخل الطبيعي للتنمية المستدامة في المنطقة العربية، كما أن هذا التوجه سوف يقود إلى التكامل المنشود .

مقالات لنفس الكاتب