array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 158

استراتيجية بايدن: توازن القوى وإيران تعيد ضبط المصالح المشتركة بين الحلفاء

الأربعاء، 27 كانون2/يناير 2021

مع دخول الولايات المتحدة الأمريكية حقبة جديدة في عهد إدارة الرئيس جو بايدن تثار عدة أسئلة استكشافية لملامح استراتيجية هذه الإدارة فيما يتعلق بالعالمين العربي والإسلامي، وهذه الأسئلة الاستكشافية تعتمد المنهجية التفكيكية (جاك دريدا ونعوم تشومسكي) لسؤال كيف يفكر العقل السياسي الأمريكي؟ وما هي منطلقاته وتوجهاته؟، لفهم ملامح استراتيجية بايدن والتنبؤ بما قد يتخذ من مواقف أو قرارات أو سياسات مستقبلاً، ومن هنا لابد من قراءة محددات هذه الاستراتيجية تجاه الشرق الأوسط :

  أولاً : الرئيس الأمريكي لا يحكم منفردًا بل بخريطة طريق تضعها مؤسسات الدولة الأمريكية، ومنها البنتاجون، والمخابرات، والكونجرس، ومجلس الأمن القومي فضلاً عن تأثير جماعات الضغط ، والمناظرات بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي حيال قضايا السياسة الخارجية وخاصة الشرق الأوسط علمًا بأن  بايدن أعلن مرارًا أن إدارته ستعمل في إطار إعادة توحيد الأمة الأمريكية التي انقسمت خلال الانتخابات وفي عهد ترامب وهذا معناه أن إدارته ستعمل في إطار التوافق بين رؤيتي الحزبين الجمهوري والديمقراطي داخليًا وخارجيًا، خاصة أنه لن يترشح في انتخابات 2024 م.

ثانيًا: قناعات الرئيس، جو بايدن شخصية وسطية، غير متطرفة، ومؤمن بالقيم الغربية التي عبرعنها تكرارًا وبأنه خاض معركته في سبيل روح الأمة الأمريكية التي انتهك ترامب قيمها ومكانتها وديمقراطيتها، وعكسها في شعارات حملته الانتخابية التي خاطبت القاعدة العريضة من الشعب الأمريكي وهي: أمريكا على المحك، وإعادة بناء الطبقة الوسطى، واستعادة القيادة الأمريكية على الساحة العالمية، وتعزيز ديمقراطية شاملة، لذا سيعتمد بايدن على أدوات القوة الناعمة لتحقيق الأهداف التي يسعي إليها كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري وهي أهداف أمريكا.

وهناك عدة عوامل تشكل هذا العقل عامة وتجاه قضايا الشرق الأوسط خاصة وهي:

أولًا: ثالوث قاعدة تفكير هذا العقل وهم المجمع الصناعي العسكري، ولوبي المحافظين، واللوبي الصهيوني، ويؤمن هذا الثالوث بمبدأ القوة والهيمنة ولذلك المؤسسات القوية هي الأكثر تأثيرًا في صناعة القرار الأمريكي مستندة على الفكر الليبرالي بشكل عام والمحافظ بشكل خاص، وكلاهما يستمد جذوره من الثقافة الأنجلو ساكسونية البروتستانتية.

ثانيًا: لوبي المحافظين التابع للكنيسة المشيخية (المسيحية الصهيونية الأصولية الأمريكية) ويقترب أنصاره من ثلث الشعب الأمريكي ويزعم أن قيام إسرائيل كان تأكيدًا لنبوءات التوراة لنهاية العالم والتي تبدأ بسيطرة إسرائيل على القدس وهدم المسجد الأقصى وإقامة مايسمى هيكل سليمان، لتحقيق نبوءة المجئ الثانى للمسيح، وهؤلاء يتعاملون مع الأحداث السياسية في الشرق الأوسط كسيناريو لنبوءات سماوية.

وبالتالي فالفكر الديني حاضر وبقوة في خريطة التفكيرالسياسي لواشنطن وخاصة مع توغل الكنيسة المشيخية في صناعة القرار وتلاقيها مع النخبة الصهيومسيحية في الحزبين، كما أن التحالف الصهيومسيحي الأمريكي قائم على أطروحات الصراع الديني المؤمنة بحرب هرمجدون وإقامة الهيكل الثالث على أنقاض الأقصى حتى يهبط السيد المسيح من السماء.

ويمتلك هذا التكتل 104 محطات تلفزيونية دينية،1006 قنوات تلفزيونية كابل، و1400 محطة اذاعية يشاهدها ويستمع اليها حوالى 100مليون أمريكى، بالاضافة لعشرات الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية، لذا أصبحت الثقافة الأمريكية بفعل اللوبى اليهودى توصف بأنها ثقافة يهو مسيحية  Judeo christian  تقوم على التقاليد الدينية اليهودية والمسيحية، الأمر الذى ترجم في النهاية إلى معنى سياسي هو توافق القيم الأمريكية والإسرائيلية على دعم إسرائيل باعتباره التزامًا دينيًا .

والركن الثاني، هو اللوبي الصهيوني الذي يلعب دورًا مهمًا في هذا المجال من خلال ما يسمي باللجنة الأمريكية /الإسرائيلية للشؤون العامة (ايباك) و تمثل قرابة 6 ملايين يهودي أمريكي، و200 منظمة لها تأثير كبيرعلى توجهات الرأي العام ، أهمها الاتحاد الصهيونى الأمريكى ومنظمة هداسا، والمنظمة الصهيونية الأمريكية ورابطة الصهيونيين الإصلاحيين، ومجلس الاتحادات اليهودية، والمجلس الاستشارى لعلاقات الطائفية اليهودية القومية، واللجنة اليهودية /الأمريكية ومنظمة بناى بريث والكونجرس اليهودى الأمريكى ونداء اليهودي المتحد واللجنة اليهودية الأمريكية للتوزيع المشترك والصندوق القومى اليهودي وصندوق قضية إسرائيل و6 مراكز أبحاث كبرى منها المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي الذي يستهدف البنتاجون والمؤسسة العسكرية الأمريكية، والمجلس الصهيوني الأمريكي وغيرهما، فضلاً عن دعم أبرز العائلات اليهودية لكلا الحزبين : (ادجاربر ونجمان) و(تشارلز) و(آل كراون) يدعمون الحزب الديمقراطى الأمريكى. وآل أننبرج و(آل لودر) وقطب عالم القمار شيلدون أدلسون المقرب من نتنياهو من أكبر الداعمين للحزب الجمهورى كما يمولون مراكز دراسات وأبحاث ومؤسسات صحفية في واشنطن ونيويورك.

وتتفوق "أيباك" في قيادة الحملات التى تعكس مواقف إسرائيل لاسيما في الكونجرس بالنظر لتأثيرها في الانتخابات. لذلك يحرص أي رئيس أمريكي ونائبه ووزراؤه على حضور اجتماعاتها السنوية لدعم الالتزام الأمريكى التاريخى والسياسى بحماية إسرائيل وتفوقها على العرب في الحرب والسلام، لذلك لم يكن غريبًا أن يحوي البرنامج السياسي لكل من ترامب وبايدن بتوصيات منظمة (ايباك) والتى أوجزها بايدن: (إن مصالح إسرائيل وأمنها هي من مصالح أمريكا وأمنها).

الركن الثالث هو المجمع الصناعي العسكري يتشكل من لوبي شركات صناعة السلاح والتكنولوجيا والطاقة وهي ترتبط بعلاقات وثيقة مع البنتاجون والمخابرات والكونجرس.

هذا الثالوث هو مركز صناعة القرار الأمريكي بشكل عام وتجاه الشرق الأوسط بشكل خاص،   وقد دشن كل ضلع في هذا الثالوث لنفسه مراكز تفكير تصنع أفكاره لتحقيق الأهداف والمصالح الأمريكية التي يراها ، فالمجمع الصناعي العسكري يدعم كل من  معهد بروكينجز ، ومركز سكوكروفت للاستراتيجية والأمن، و مركز كارنيجي للسلام الدولي، ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ومؤسسة راند  ومجلس العلاقات الخارجية و مركز وودروويلسون الدولي للباحثين ، ومركز بيو للأبحاث، وهي تقدم استشارات للبيت الأبيض والبنتاجون والخارجية والكونجرس وللحزبين الديمقراطي والجمهوري ولكثير من الهيآت الحكومية  والاستخباراتية الأمريكية.

والمحافظون الجدد يدعمون معهد كاتو كمركز للفكر المحافظ يقدم خدماته للحزب الجمهوري وللكيانات المحافظة في أمريكا من جمعيات مدنية ودينية وشخصيات عامة، كما يدعمون مؤسسة التراث التي هي أكبر مراكز الفكر المحافظ الصهيو مسيحي في أمريكا، وتقدم الدعم الاستشاري والبحثي للحزب الجمهوري أما مركز التقدم الأمريكي فهو يدعم توجهات الحزب الديمقراطي.

 ويستقي رؤساء أمريكا سياساتهم من هذه المراكز، فرونالد ريجان استقى ملامح سياساته من أبحاث مؤسسة التراث كما أخذ جورج بوش الأبن سياساته منها وأيضًا شكلت أبحاث مركز التقدم سياسات أوباما.

ويرى نعومي تشومسكي أن العوامل الثقافية الكبرى في المسيحية الصهيونية، تشكل قوة سياسية كبيرة جدًا في أوروبا وأمريكا وهذا ما تمثل في وعد بلفور ومواقف ويلسون وهاري ترومان وروزفلت، الذين وصفوا هجرة اليهود إلى فلسطين بأنه أعظم حدث في التاريخ وتحقيق لدرس موجود في الكتاب المقدس، وهذه القناعة أصبحت من مسلمات الفكر السياسي الأمريكي المعاصر وسمة لكل الإدارات الأمريكية وتنعكس في تشكيلتها بلا استثناء، وثاني تلك العوامل اعتماد طريقة تفكير العقل الأمريكي على ما يعرف بتأثير المخزون الثقافي التاريخي للشعب الأمريكي وهو مخزون عدائي يدفع للهجوم والتحفز الدائم لمواجهة الأخر والسيطرة عليه كما سيطر الأسلاف على الهنود الحمر.

فمن يدقق في نشأة الدولة الأمريكية يجد أنها كانت خلاصة مراحل من العنف، بدأت بالغزو والإبادة ضد الهنود الحمر والحرب ضد المستعمر البريطاني والحروب الأهلية والعبودية القاسية للسود، وكان أبطال الأمريكان في ذلك هم القرصان ثم الكاوبوي ثم سوبرمان والمارينز حديثًا، وهي التي زرعتها الآلة العسكرية والإعلامية الأمريكية من خلال الأفلام السينمائية والبرامج ما جعل العقل الأمريكي يؤمن بفكرة العنف والحرب وأنه لن يعيش بدون وجود أعداء حقيقيين أو وهميين.

والثالث، تعتمد طريقة تفكير العقل الأمريكي على ما يعرف بسيطرة العرق الأبيض في إطار الحاضنة الأجتماعية التي تتميز بتعددية اجتماعية وعرقية ودينية ومذهبية شكلية تعمل في إطار سيطرة العرق الأبيض ثقافيًا وحضاريًا وماليًا وعلميًا وتكنولوجيًا ومن ثم سياسيًا واستراتيجيًا على صناعة القرار الأمريكي حىي لو كان رئيس أمريكا نفسه من الملونين كأوباما  .

وبالتالي هناك تعددية صورية في الرؤي التي تطرح أمام الرأي العام حول هدف واحد وهو كيف تتحقق المصالح الأمريكية وفي النهاية ينتصر صناع القرار المتأثرون بنفوذ المجمع الصناعي العسكري لوسيلة ما من جملة الوسائل المختلفة المطروحة لتحقيق هدف واحد الكل يسعى إليه، وكثيرًا ما كانت هذه الوسيلة غير أخلاقية وغير مقبولة من كثير من الدول والشعوب الأخرى كما في حالة الحروب المباشرة وغير المباشرة التي نفذها الجمهوريون أو في حالة مؤامرات الفوضى الهدامة التي نفذها الديمقراطيون. 

ورابع تلك العوامل ما يطلق عليه الرؤية " الديموجمهورية" أو ما يعرف في طريقة تفكير العقل الأمريكي بمبدأي (النفعية والبراجماتية) التي تسمى صناعة السياسة الخارجية الأمريكية والتي تجعل في نهاية المطاف المصلحة الأمريكية فوق مصالح الشعوب الأخرى وفوق كل القيم والأعراف الدولية ويجب تحقيقها بكل الطرق المشروعة والغير مشروعة.

ففي إطار هذه الثنائية الأمريكية التي يمثلها الحزبان (الديمقراطي) و(الجمهوري) لايمكن لأي شخصية أيا كانت خلفياتها العرقية والدينية أن ترتقي سلم القيادة الأمريكية على أي من درجاته إلا أذا كانت ممتلئة أيديولوجيا برؤى أي من هذين الحزبين وإن كانا يختلفان في وسائل تحقيق ذات الأهداف.

والفرق الوحيد بين الحزبين أن الجمهوريين يصورون الثقافة العربية بتقاليدها وتعاليم دينها الإسلامي بأنها بربرية وهمجية وتمثل خطرًا  كبيرًا على الحضارة الغربية ولهذا يرون ضرورة السيطرة على المنطقة العربية وحصارها بالمشكلات والأزمات طوال الوقت لإلهاء العرب بعيدًا عن الغرب وحتي لا يشكلون له تهديدًا خطيرًا بينما يرفض الحزب الديمقراطي جميع مساعي تشويه العقائد الدينية للآخرين مع تقديره  للدين الإسلامي وللمسلمين ورفض أي مبرر للعنف والإرهاب  لكنه يتفق مع الحزب الجمهوري في الخطورة التي يمثلها العالمين العربي والإسلامي على الغرب ومصالحه .   

وخامس هذه العوامل أن العقل الأمريكي حقق انتصارات في مجالات الثورة العلمية والتكنولوجية والعسكرية والاقتصادية والمالية والسياسية منذ الحرب العالمية الأولى ثم الثانية وأثناء الحرب الباردة وتأكد ذلك بعد سقوط الشيوعية بانهيار الاتحاد السوفيتي  ما جعل هذا العقل يعتقد بصحة مذهبه وأنه دائما على حق وجميع الأمم على باطل  و ترسخ ذلك في العقل السياسي الأمريكي مع تبنيه للتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى باستخدام الثورة العلمية والتكنولوجية وجمع وتحليل البيانات ما جعل العقل الأمريكي أفضل عقول  العالم في التخطيط للمستقبل واستشرافه وفي وضع سيناريوهات مختلفة للمواقف والسياسات في الحاضر والمستقبل .

والسؤال كيف أثرت هذه المحددات على استراتيجية بايدن لقضايا الشرق الأوسط؟  فهذا ما نستقرأه كالتالي:

سيعود بايدن إلى استخدام الأساليب التقليدية للقوة الأمريكية في الخارج ومصالحها لقيادة العالم مجددًا، وفق جيسون ماركزاك وإيما أشفورد، بمركز سكوكروفت للاستراتيجية والأمن، فإدارة بايدن ستسعى إلى إعادة بناء التحالفات مع الأصدقاء في الخارج لإعادة الاستثمار في التعاون متعدد الأطراف، والمعايير الدولية، والنظام العالمي؛ كوسائل فعالة لمواجهة تحديات ملحة في الخارج كالصين وروسيا والاحتباس الحراري كما سيتبني بايدن رؤية الحزب الديمقراطي في ورقته لعام 2020 م، المعنونة ( الحلم الأمريكي واستراتيجية استعادة القيادة ) لمحاصرة واحتواء القوى الكبرى بحثًا عن القرن الأمريكي لذا سيحرص بايدن على ضمان أمن الطاقة وتدفق النفط بأسعار مناسبة وخاصة من منطقة الشرق الأوسط, باعتباره أمر لاينفصل عن رؤية واشنطن لأهمية الطاقة في رسم خريطة القوى العالمية المستقبلية وفي صعودها أو هبوطها.

كما سيعمل على زيادة الإنفاق العسكري والعلمي والتكنولوجي بحجة ضرورة استخدام القوة العسكرية الصلدة وتلك الناعمة لمواجهات التحديات العالمية قبل اندلاعها وأن تقود واشنطن العالم الحر الذي بدوره يقود باقي دول العالم لتحقيق مزيد من التوسع والسيطرة والاستيلاء على الفرص الاقتصادية في العالم بالمزاوجة بين منطق الهيمنة ونظام المشاركة في المصالح  مع رفضه رفضًا واضحًا للتوجهات الجيواستراتجية للصين وروسيا مع إحياء النظرية الأمريكية التقليدية في مواجهتهما ( الاحتواء ) لذا سيستخدم أدوات السيطرة الناعمة على الجوار الجيو استراتيجي لهما من خلال الدبلوماسية الناعمة لفرض مزيد من القيود على حركة هذه الدول المنافسة لأمريكا وبالتالي سيعود لمعاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية (ستارت 2) مع روسيا مع تبني سياسة  منع "بوتين" من إعادة بناء الامبراطورية الروسية والتوسع نحو المياه الدافيئه بنشر قوات أمريكية بدول أوروبا الشرقية المجاورة لروسيا وعدم سحب القوات الأمريكية من أفغانستان والعراق وسورية والبحر المتوسط والخليج، مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في أعالي البحار وجنوب شرق آسيا و تبني سياسة خارجية أكثر تشددًا  تجاه الدولتين خاصة الصين خوفًا ليس فقط من قوتها الاقتصادية ولكن من القوة البشرية الأكبر تعدادًا والقادرة على تشكيل تهديد وجودي للحضارة الغربية كلها، على حد قول المفكر الأمريكي روبرت كيلتر.

ويري بايدن أن ملف إيران النووي يعطي فرصة لواشنطن لقيادة العالم نحو مواجهة خطر الانتشار النووي، فهو يري أن إيران قوة "مزعزعة للاستقرار"في المنطقة، ولا يجب السماح لها بتطوير أسلحة نووية، ويعني ذلك أن بايدن سينخرط في مفاوضات مع إيران، للتوصل لصيغة بديلة للاتفاق القديم تتضمن جداول زمنية تأخذ في الاعتبار التطورات الخطيرة التي جرت على الأرض، من بينها استئناف إيران للعديد من أنشطتها النووية خلال الفترة السابقة ، ومعالجة الثغرات التي تضمنها الاتفاق النووي السابق خاصة ما يتعلق ببرنامج الصواريخ البالستية من ناحية، ومواجهة ممارسات إيران المزعزعة للأمن والاستقرار في المنطقة من ناحية ثانية، ولا سيما دعمها للميليشيات الطائفية والمسلحة في الدول المجاورة مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن، بما يحمي ويؤمن الدول الحليفة في المنطقة، خاصة أن الدول الأوروبية الأطراف في الاتفاق النووي، فرنسا وبريطانيا وألمانيا، والدول العربية تدعم هذه الرؤية.

وإذا فشلت محاولة العودة للاتفاق مع مراعاة المستجدات لن يتوانى بايدن مدعومًا من دول الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، ودولاً عربية عدة في دعم الاحتجاجات الديمقراطية الإيرانية مع فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية الصارمة على النظام الإيراني، ودعم الدبلوماسية الأمريكية بخيارعسكري حقيقي له مصداقية، من خلال وجود عسكري في بحر العرب وخليج عمان والخليج العربي، وزيادة المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل ولدول الخليج لإرسال إشارة لا لبس فيها لإيران، مفادها أن الولايات المتحدة، وبالتنسيق مع حلفائها، لن تسمح مطلقًا لإيران بامتلاك أسلحة نووية فالديموقراطيون يتفقون مع الجمهوريين في هذا الهدف وإن اختلفوا في الأدوات.

وثمة توقعات بأن إدارة بايدن ستتخذ موقفًا حاسمًا من تصرفات أردوغان غير الحكيمة في شرق المتوسط خاصة مع تدهور العلاقات الأوروبية مع أردوغان ومحاولته لعب دور أكبر من حجمه بضوء أخضر من الرئيس ترامب كما حدث في سوريا وليبيا، ما يجعل إدارة بايدن مضطرة في أي لحظة لفرض عقوبات عليه خاصة على خلفية شراء تركيا نظام صواريخ روسي الصنع من طراز إس 400.

وكلا العقلين الجمهوري والديمقراطي يؤمنان بأن إسرائيل دولة وظيفية في إطار الاستراتيجية الأمريكية الكونية بمعنى أنه لابد من حماية أمن إسرائيل لأنها تحقق مصالح أمريكية كبرى ومنها ضمان سيطرة واشنطن على مركز العالم وهو الشرق الأوسط وفق نظرية ماكيندر "من يسيطر على قلب ومركز العالم (الشرق الأوسط) يسيطر على العالم " لذا لايمكن لأمريكا تحت أي إدارة أن تفرط في سيطرتها على الشرق الأوسط الذي ورثته بعد الحرب العالمية الثانية من بريطانيا وفرنسا أو أن تفرط في أمن وتفوق إسرائيل على كل دول المنطقة - حتى لو تم التوصل لسلام شامل بالمنطقة - لتضمن من خلال ذلك كله هيمنة وسيطرة الولايات المتحدة على الشرق الأوسط والعالم الإسلامي ومن ثم بقاء القرن الحالي قرنًا أمريكيًا.

وبالنسبة لبايدن، فلن تتغير هذه الرؤية كثيرًا فيما يتعلق بقضية الصراع العربي / الإسرائيلي عن أسلافه فهو سيقبل بالاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل وبوجود السفارة الأمريكية بالقدس لكن الشيئ الذي سيكون مختلفًا عن إدارة ترامب أنه سيسعى لتحريك مفاوضات سلام حقيقية بين الفلسطينيين وإسرائيل على أساس حل الدولتين وأنه سيعود إلى الحوار مع الجانب الفلسطيني وسيعيد فتح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية ومكتب تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن واستئناف المساعدات الأمنية والاقتصادية للفلسطينيين والتي أوقفتها إدارة ترامب والسعي لدى إسرائيل وحثها على عدم القيام بأي خطوات تقوض إمكانية إقامة الدولتين وخاصة النشاط الاستيطاني،  وربما سيمارس ضغوطًا ما على إسرائيل للذهاب إلى مفاوضات جادة مع منحها سلة حوافز معينة من أجل ذلك  ومنها مواصلة تطبيع عدد آخر من الدول العربية والإسلامية لعلاقاتها مع إسرائيل .

 لكن العقبات والعراقيل التي سيواجهها بايدن لتطبيق رؤيته فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي لن تأتي من الجانب الفلسطيني الذي قد يرى أن وجود بايدن في البيت الأبيض فرصة لنيل بعض من حقوق الشعب الفلسيطيني فالعقبة الأساسية ستكون الحكومة الإسرائيلية اليمينية بقيادة بنيامين نتنياهو.

وبايدن يميل إلى استمرار الوجود العسكري في منطقة الشرق الأوسط مع تقليصه إلى أدنى درجة ممكنة بدون الانسحاب الكامل، حيث وصف الأوضاع في سوريا والعراق وأفغانستان بأنها معقدة ولا يمكنه التعهد بسحب القوات الأمريكية منها بشكل كامل في المستقبل القريب.

خاصة أن الديمقراطيين والجمهوريين مقتنعون بأن استثمار أمريكا في العراق لا يمكن أن يُترك لإيران، كما يرفض الانساحب الأمريكي من سوريا، لأنه يمثل تهديدًا للمصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، على أن تقتصر مهمة القوات الأمريكية هناك على التصدي لبقايا تنظيم داعش وتخفيف حدة العنف والوصول إلى تسوية سياسية للأزمة السورية، وهذا ما يفهم من تصريحات أنتوني بلينكن التي قال فيها: "إن استمرار وجود القوات الأمريكية على الأرض سيكون ضروريًا للاحتفاظ بالنفوذ".

ولهذا عارض بايدن قرار ترامب سحب القوات الأمريكية من شمال سوريا، بل واعتبره "خيانة للأكراد" كما انتقد التدخل التركي في شمال سوريا، وأكد أنه يجب أن تدفع أنقره ثمنًا باهظًا حيال ذلك.

 ويفضل بايدن العمل مع الأمم المتحدة لحل الأزمة السورية بالطرق السياسية وتغيير النظام السوري إلى نظام ديمقراطي مع دعم المعارضة السورية خاصة الكردية سياسيًا موجهًا انتقادات حادة لموقف كل من تركيا والصين وروسيا وإيران وحزب الله من الأزمة السورية، كما سيتركز اهتمام إدارة بايدن في لبنان في مجال محاربة «حزب الله» وتقليص نفوذه باعتباره منظمة إرهابية.

أما فيما يتعلق بأزمات اليمن وليبيا والصومال وسد النهضة فكلا الحزبين يفضلون قيادة واشنطن للحلول السياسية لهذه الأزمات بما يتيح لها تحقيق مكاسب استراتيجية واقتصادية في مواجهة كل من الصين وروسيا وإيران وتعهد بايدن بإنهاء الحرب في اليمن في بيان نشره في 5 نوفمبر الماضي. 

 وبايدن سيواصل السياسات السابقة للحزبين الجمهوري والديمقراطي تجاه الخليج ومصر وقد عبر عن هذه الرؤية في مقالة كتبها في دورية "فورين أفيرز" الأمريكية الشهيرة تحت عنوان (ماذا يجب أن تقود أمريكا من جديد؟) ونشرت في عدد مارس-أبريل 2020 م، التي تضمنت ملامح مستقبلية لسياسة بايدن تجاه الشرق الأوسط تنطلق من الحفاظ على الروابط الاقتصادية والعسكرية والسياسية مع حلفاء الولايات المتحدة، وتعزيز التدخل الفاعل بها، وعودة الدبلوماسية الأمريكية للمساهمة بفاعلية في إيجاد حلول لأزماتها.

لذا فالمراهنون على التعامل وفق المعطيات التي كانت في عهد أوباما واهمون (الإخوان وقطر وتركيا) ومن غير المتوقع أن يزيد نفوذ جماعة الإخوان المسلمين داخل أروقة إدارة بايدن الذي لن يتبنى إحياء مشروع الإسلام السياسي من جديد كما فعل أوباما لكن سيعيد بايدن إحياء سياسة أوباما فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية تجاه دول المنطقة لكن بحذر.

فجو بايدن رجل المؤسسات الأمريكية طوال 44 عامًا ، ويعلم جيدًا عمق العلاقات الاستراتيجية مع الحلفاء التقليديين، خصوصًا السعودية والإمارات ومصر، كما أن المنطقة تغيرت جيوسياسيًا عن فترة أوباما، فلن يتعامل بايدن أبدًا مع المعطيات نفسها التي كانت موجودة في فترة أوباما، فلقد تجاوزت المنطقة زمن ما عرف بالربيع العربي، وتأكد الجميع أنه كان صيفًا للشر، وفترة أطلقت فيها يدُ التطرف والإرهاب وزرع الكراهية في المنطقة، كما أن قادة السعودية والإمارات ومصر أكثر توحدًا اليوم، وبإمكانهم فرض ما يريدون على أي دولة ترغب في التعامل معهم، فالسياسة تحكمها المصالح، فالظروف السياسية التي يفرضها الواقع وتوازنات القوى على الأرض خاصة التعامل مع التهديدات الإيرانية، تغير كثيرًا من التوجهات رغم الوعود الانتخابية، ما يوفر فرصة لإعادة ضبط العلاقات على طول خطوط المصالح المشتركة طويلة الأمد .

مقالات لنفس الكاتب