array(1) { [0]=> object(stdClass)#11963 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 158

تجويد التعليم بتحويله لمشروع دولة وترعاه أعلى سلطة لوضع التنمية البشرية على أول الأوليات

الأربعاء، 27 كانون2/يناير 2021

تحميل    ملف الدراسة

في الخامس من يناير 2021م، التأمت الدورة الحادية و الاًربعون لقمة مجلس التعاون في مدينة العُلاء في غرب المملكة العربية السعودية، ما نتج عن تلك القمة ما هو تاريخي بالنسبة لأبناء هذه المنطقة، فقد تم غلق ملف الخلاف بين قطر و اخواتها في مجلس التعاون ومصر بعد انقطاع دام حوالي ثلاث سنوات ونيف، أو على الأقل تم  وضع  ملف العلاقات على سكة الغلق المحتمل للمشكلات العالقة في القادم من الشهور ، إلا أن بيان العُلا الذي نتج بعد ذلك الاجتماع التاريخي كان بحد ذاته تاريخيًا أيضًا، فقد احتوى على مئة وعشرون فقرة شملت كل ملفات التعاون البينية و العلاقات مع الجوار و العالم. اللافت للمتابع أن ذلك البيان كان بيانًا تنمويًا بامتياز، فمن بين المئة والعشرون فقرة خصص للتنمية عددًا من المواد يمكن أن تكون ركيزة للتنمية المحلية والبينية، ومنها على سبيل المثال الفقرة رقم 40 والتي نصت على التالي (اعتمد المجلس الأعلى استراتيجية مجلس التعاون في مجال الخدمة المدنية وتنمية الموارد البشرية (2021 -2025) ومن المتوقع أن تقوم دول الخليج بتطبيق ما يمكن تطبيقه من تلك الاستراتيجية التي عملت عليها مؤسسات وخبراء من دول الخليج. التنمية لا يمكن أن تقوم إلا على التنمية البشرية، فهو المورد الأساس لأي نشا انساني، قد يكون المجتمع ذو موارد مادية او يتمتع بمصادر ثروة طبيعية مختلفة، ولكن ذلك لا يصنع التنمية المستدامة، ما يصنعها هو الإنسان، و قد يكون المجتمع فقيرًا في الموارد المختلفة الطبيعية و المادية، و لكنه بالثروة الشرية وحسن إعدادها يستطيع أن يحقق التنمية، و الشواهد على ذلك تزخر بها أدبيات التنمية المعروفة من تجربة اليابان إلى كوريا الجنوبية إلى سنغافورة وماليزيا و دول و مجتمعات أخرى كثيرة استطاعت من خلال العناية بالموارد البشرية ( تعليمًا وتدريبًا) أن تنهض بمجتمعها و ترتقي بحياة الفرد و الجماعة و تحسن نوعية الحياة  التي يتمتع بها الإنسان في ذلك المجتمع .

رأس المال البشري:

من المتفق عليه في أدبيات التنمية بشكل عام أن (رأس المال البشري) هو أحد مقومات التنمية الشاملة وربما يكون هو أهم ركائزها، وكلما كانت القوى البشرية مدربة ومتعلمة واعية لمحيطها والعالم، كلما سارت المجتمعات في طريق التنمية بيسر وسهولة، وهي أي التنمية تعني أن يتوفر لأفراد المجتمع العيش الكريم المنتج والخدمات الإنسانية المطلوبة من سكن إلى رعاية طبية إلى عمل منتج إلى بنية تحية مادية وتقنية. وتجد مجتمعات الخليج قاطبة بدرجة أو أخرى انها تعتمد (حتى الآن) على مصدر واحد للدخل، أو أن معظم الناتج الوطني الإجمالي نابع من إنتاج النفط والغاز، وقد كانت المطالبات من النخب في الخليج ومنذ زمن طويل تتلخص تحت شعار (تنويع مصادر الدخل) وقد خطت بعض الدول الخليجية خطى معقولة بذلك الاتجاه، وأخرى لا زالت تعتمد في اغلب دخلها على مردود النفط والغاز وما يوفره من رأس مال نقدي أو عيني يتم استثماره عالميًا.  إلا أن معضلة تنويع مصادر الدخل لا زالت هاجس السياسات العامة في دول الخليج قاطبة، و أي تنويع مبتغى لا بد أن يمر جبرًا على نوعية التعليم و التدريب، بجانب وضع سياسات عامة مشجعة وداعمة  وواعية لأهمية هذا المرفق، الخطط الشاملة الموضوعة و المعلنة في دول الخليج، و التي إما تهدف لسنوات 2025 أو 2030م، هي خطط طموحة، إلا أن مفتاحها الأساس في تطوير قدرات البشر (المواطنين) للوصول إلى تلك الأهداف بقدرات ودرجات مختلفة بلا يمكن الوصول إليها أو جلها بالقدرات الحالية المتوفرة، فهي تحتاج إلى عمل وسياسات تعلمية جادة.

التعليم :

لا يجادل أحد أن التعليم الحديث و المتطور و الشامل والنوعي هو الفتاح الأساس في أي  طموح تنموي، كما إنه المدخل الحقيقي للوصول إلى أهداف التنمية الشاملة المبتغاة،  ولقد قامت دول مجلس التعاون في نصف القرن الماضي على الأقل ( بعضها يزيد عن ذلك إلى قرن كامل) بتبني التعليم كمدخل للتنمية، و قد نجحت في تحقيق الكم بشكل متميز ، فأصبح لدينا ملايين من المتعلمين و عشرات الآلاف من المدارس والجامعات، سواء الحكومية أو الخاصة، إلا أن هذا التعليم كان أساسه هو نقل نظام مؤسسة (دانلوب في التعليم) و هي الأفكار و النظام التعليمي الذي بدأ في مصر ابان الاحتلال البريطاني، ثم انتشرت في دول عربية عديدة منها دول الخليج، ولما كان النفوذ البريطاني هو السائد في بعض دول الخليج مع بدأ التعليم، فقد استمرت تلك السياسيات التعلمية وعدل بعضها جزيئًا، النتيجة النهائية أن حصلنا على كم كبير من (المتعلمين) و لكن دون (كيف) يذكر ، إلا نخبة صغيرة كان لها حظ التعلم في مواقع أخرى من المعمورة، أو اعتمدت على تثقيف نفسها، إلا أن الأغلب كان نتاجًا (سطحيًا) ومصمم لخدمة الحد الأدنى من البيروقراطية، ثم حصل تطور آخر في مسيرة التعليم الكمي حيث في وقت ما ( استولى) على سياسة التعلم ( الإسلام الحركي) نتيجة الصراع السياسي و الذي احتدم في الشرق ( مصر) على الأخص، فقد نزح عدد من المنتمين للإسلام الحركي إلى دول الخليج و دخل أغلبهم في العمل سلك التعليم المتاح بوفرة، بل وأصبحوا قادة له، ولان مجتمعات الخليج هي مجتمعات إسلامية ( طبيعية) لم تتبين خطورة ذلك التدخل إلا في وقت متأخر ، وفرضت من خلال تلك المجاميع ( مناهج) إما إقصائية للآخر، أو غيبية  حتى بعد أن عرف الجميع خطورة ذلك التدخل، لم يكن بالإمكان إرجاع العجلة إلى الخلف، فقد تم بالفعل تغيير المناهج و الأخطر إنتاج (جيل كامل) من المدرسين و المدرسات تدرب وتعلم و تثقف على يد تلك المجموعات و زاده جرعات قوية من الإعلام الرسمي في الربع الأخير من القرن العشرين، فأصبح المجتمع الخليجي أسيرًا لمقولات ومفاهيم خارج عن العصر ، ومعتمدة منهجية قطعية، وبعضها قاد إلى التطرف كما شاهدنا في السنوات الأخيرة .

البعد السياسي:

أي دارس مستقل لا بد أن يلحظ في هذا الملف (التعليم في الخليج) تأثير البعد السياسي الضاغط عالميًا و إقليميًا ومحليًا على نوعية التعليم، فقد كان لدخول قوات الاتحاد السوفيتي إلى أفغانستان ديسمبر عام 1979م، فاعل الصاعق على النطاق الدولي و الإقليمي، فأصبح هناك تحالف ( ربما غير معلن) بين دول في الإقليم و دول عالمية لمحاربة التدخل السوفيتي عن طريق ( الأيدلوجيا) الدينية، كون المجتمع الأفغاني مجتمع مسلم محافظ، ومثل أي قرار سياسي فيه الإيجابي و السلبي، فقد كان لمشاركة العرب في الجهد السياسي / العسكري المضاد للاحتلال السوفيتي نتائجه السلبية و التي نتجت من تدفق شباب لم يكتمل وعيه السياسي وزجهم  في أتون حرب أهلية مدمرة، وما أن خرج السوفييت من أفغانستان حتى اعتبرت تلك الأطراف نفسها (منتصرة)و بدأت توزع منتسبيها (مقاتليها) على أماكن أخرى في العالم، منها الشيشان في آسيا، ومنها البوسنة في أوروبا بل و في بلدانها الأصلية، حتى فوجئ العالم بتدمير مباني نيويورك الشاهقة في سبتمبر 2001م، وجر ذلك الحدث الكثير من التداعيات ما لا زلنا إلى اليوم نعاني من آثارها في المنطقة العربية. على مقلب آخر فإن انطلاق الانقلاب على نظام الشاه محمد رضا بهلوي في إيران عام 1979م، على أساس ديني، بعد غليان شعبي استمر قبلها بضع سنين، فأشاعت هذه (الثورة) جوًا من الإسلام الحركي المختلف، وكانت الإجابة على الضفة الغربية من الخليج أن تصارع فكرة الانقلاب المبني على مذهب ديني بمثله ويناقضه !!

تلك الأحداث السياسية و الجيوسياسية جعلت من التعليم في منطقة الخليج مسرحًا للتجارب المختلفة دون وضع (مشروع بديل) واضح المعالم، بل وفي فترة من التطور  أصبح المسؤول بعض المسؤولين  الأول عن التعليم  في بعض دول الخليج  أعضاء مجاهرين في التنظيمات  الحركية من هنا فإن الكم التعليمي و الذي يبلغ تقديره حوال اثنا عشر مليون طالب وطالبة في مراحل التعليم المختلفة متروك لمناهج تقليدية وكثير منها تراثي، وإلى مدرسين في الغالب غير مؤهلين و مؤدلجين بأفكار سادت في عقود وسنوات تنشئتهم و تدريبهم وهي ناتجة من عصر ما يعرف بعصر الصحوة!.

المدرسة والمنهج والمُدرس:

المهتمين في دول الخليج أدلوا ولا زالوا يدلون بآرائهم في الموضوع العريض ( إصلاح التعليم) بعضهم أعطى أولوية لإصلاح ( المناهج) و قد قام البعض بنقد المناهج القائمة، وخاصة في مجال العلوم الاجتماعية المختلفة، حيث أن العلوم التطبيقية و البحتة لا تختلف كثيرًا عن تلك المعتمدة دوليًا، فجاءت أولوية إصلاح المناهج لهؤلاء، كمقدمة أساسية لإصلاح التعليم في دول الخليج، و قد استبشر البعض بإعادة مناهج الفلسفة و المنطق في المدارس الخليجية و التي انقطعت أو أهلمت منذ أكثر من نصف قرن تقريبًا، على إنها المدخل الصحيح للإصلاح وبالفعل بدأت بعض المؤسسات التربوية القائمة على التعليم في الخليج على وضع تلك المناهج موضع التنفيذ. إلا أنه من طرف آخر هناك رأي في تقديري أكثر قربًا إلى الإصلاح التربوي، وهو العناية أولا وقبل كل شيء بتدريب واختيار المدرس، فحتى في العلوم التطبيقية والبحتة وبجانب العلوم الاجتماعية فإن المدرس له اليد العليا فيما يقدم للتلميذ من مواد وهو في فصله متوحدًا بعقول طلابه الغضة.

 

في هذا المقام لديّ عدد من التجارب أعرضها على القارئ لبيان أهمية المُدرس كونه الرافعة الأساس في العملية التعليمية، فعلى سبيل المثال قراءة مذكرات السيدة ليلى خالد، وهي لمن لا يعرف مناضلة فلسطينية منتمية إلى أحد الفصائل الفلسطينية، واشتهرت بخطفها طائرة إلى لندن في سبعينات القرن الماضي، ومن ثم إطلاق سراحها، قالت في تلك المذكرات أنها كانت مُدرسة في إحدى مدارس البنات في الكويت، وكانت عندما تدخل الفصل تقفل الباب على طالباتها وتتحدث لتلميذاتها عن «القضية الفلسطينية»! طبعًا هي كانت فخورة بما تفعل، لكن المتمعن أنها كمدرسة تجاهلت المقرر والمادة التي تدرسها والمهمة المناطة بها وبسطت رأيها في موضوعات أخرى ليس لها صلة مباشرة بما يتوجب عليها تدريسه.

تُرى كم مدرسًا يتوافق مع المنهج عندما «يقفل الفصل على طلابه»! هو ينقل لهم قناعته، الفكرية. أن «المدرس» مهما أعطيته من «نصوص» أو (مناهج) هو المتحكم في «حشو العقول» لتلاميذه، وإذا كان ذلك جزئيًا صحيحًا في التعليم العام، فهو أكثر صحة في التعليم الجامعي، وخاصة في العلوم الاجتماعية، وعلى الخصوص في جامعاتنا التي تترك للمدرس اختيار محتوى المادة التي يدرسها. المدرسة كما تصفها الثقافة الفرنسية «قلعة الحرية»؛ لأن المدرس مدرب عندهم على فهم والإيمان بالحرية، ويعاضده منهج متطور ومراقب مباشرة من السلطات المحلية وليس مركزيًا كما في الغالب في مدارسنا. مجموعة متشددة أزعجت شعبها والعالم وما زالت تفعل ظهرت من «المدرسة»، تلك المجموعة اسمها «طالبان» غذيت بحكايات تحكى بلغة دينية أغلبها أساطير، فعطلت شعبًا بكامله واستنزفت وما زالت جزءًا كبيرًا من طاقة الشعوب حوله، من خلال ممارسة السياسة كما تعلمتها هذه الجماعات في «المدرسة» بواسطة أساتذة ماضويين يحملون أفكار متشددة ذات بعد واحد.

أما تجربتي الخاصة في هذا المقام، وأستأذن بسردها، فقد نشرت في مجلة «العربي» المعروفة افتتاحية بعنوان «التسامح» ،في وقت ما في ثمانينات القرن الماضي، وبعد بضع سنوات استقر لدى كُتاب المناهج أن يقرروا المقالة على طلاب المرحلة النهائية في التعليم العام في الكويت وطلبت مني (أواسط العقد الماضي) أكثر من منطقة تعليمية أن أحضر من أجل نقاش الموضوع مع الطلبة والمدرسين وفي أكثر من مرة، والنص المقرر عادة ما توضع في نهايته أسئلة يجيب عنها الطالب، وفوجئت بأن النص المطبوع في كتاب الطلاب المقرر به أسئلة أولها «كيف تثبت أن الكاتب مسلم؟»! الحيرة فاجأتني، ماذا يريد واضع المقرر أن يصل إليه أو يوصله إلى الطلاب من هذا السؤال؟  واسمي مطبوع على رأس المقالة ويبدأ بمحمد؟! لا بد له قصد يصعب معرفته؛ فهو إما يريد أن يوجه الطالب باتجاه، أو أنه ساذج في وضع السؤال، وأستبعد الافتراض الأخير، هنا استقر لديّ ما كنت أعرف أن العيب في مؤسساتنا التعليمية ليس في المقرر فقط، ولكن في المدرس أصلا وواضع المقرر ثانيًا، تلك اللقاءات التي حضرتها و تتحدث عن التسامح كشفت لي عن أن عددًا من العاملين في تدريس المواد الاجتماعية ليس لهم علاقة بالتسامح، فهم جنود عصر آخر لهم قناعات ثابتة تميل إلى التعصب أكثر من التسامح.
في عدد من دول الخليج بعد أن كان مقرر الفلسفة والمنطق مقررًا للتدريس فيها انقلب هذا التوجه إلى عكسه منذ سبعينات أو ربما ثمانينات القرن الماضي التي ارتفع فيها صوت التشدد وجارتهم السلطات فتغيرت المناهج إلى فرض مواد تقود إلى الدوجماتية، لا يعرف أحد أسباب الموجبة، وربما منها «الارتجالية» أو اختلاف البوصلة السياسية أو الارتباك الفكري. عادة ما يقال المثل الأشهر، إن أخطاء الأطباء تختفي في المقابر، أما أخطاء المدرسين فتنطلق في المجتمع لعقود وأجيال وتنشر الفساد في الأرض، فالمدرس وإعداده وتدريبه له الأهمية القصوى في الحضارة الحديثة، بل إن بعض الدراسات تقول لنا إن تدهور الوعي العام في المجتمع الأمريكي اليوم  وشيوع الشعبوية هو نتيجة مباشرة لانتشار ما يسمى «الكليات الاجتماعية»   communit college  في ستينات القرن الماضي، والتي خفضت من مستوى التعليم وسوية المدرسين  في عموم الولايات المتحدة وأخرجت إلى المجتمع أخطر شريحة وهي أنصاف المتعلمين! والذين جلّهم انتخب السيد دونالد ترامب كما قال لنا أحد المتخصصين الأمريكيين في ندوة عامة نظمها المعهد الدبلوماسي في الكويت منذ سنوات. في عموم البلاد العربية لا المُعلم معتنى بتدريبه مهنيًا أو يحظى بمستوى مادي معقول، وقد انتشر حديث بين المختصين في السنوات الأخيرة في دول الخليج علينا أن نقرر (ترخيص للمعلم) لا يجوز أن يمتهن أحد هذه المهنة دون ذلك الترخيص، إلا أن ضغط الأعداد الكبيرة من التلاميذ لم يترك مجالا لتنفيذ تلك الفكرة على نطاق واسع، وعلينا أن نتذكر تقريرً اصدر في الولايات المتحدة «أمة في خطر» 1983م، والذي حذر من تدهور مستوى التعليم في الولايات المتحدة. المدرس في مدارسنا جزء من المشكلة، السؤال المركزي كيف نجعل المدرس جزءًا من الحل؟ تلك هي المشكلة التي تواجه التعليم بشكل عام سواء التعليم العام أو التعليم الجامعي، ولقد زادت الأمور تعقيدًا عند انتشار كل من (المدارس الخاصة) والكليات أيضًا وبعضها غير مراقب بالشكل الصحيح، أما الطامة الكبرى فهي انتشار (الشهادات العليا المزورة) والتي ابتلى بها الكثير من المجتمعات العربية وعلى رأسها مجتمعات الخليج التي وصلت فيها الظاهرة إلى شكل مرضي خطير.

العقبات التي تقف أمام تطوير القوى البشرية في الخليج:

البحث والتطوير:

أحد المؤسسات التي تفتقد على نطاق واسع في البيئة التعليمية و التدريب في الخليج هي ( مؤسسات البحث و التطوير  Recerch and Development institutions    وهي مؤسسات أصبحت من صلب أي مشروع يرغب في أن يتقدم سواء في التعليم أو في غيرها من المشروعات، وهناك بعض المؤسسات الصغيرة  في إطار المنظومة التعليمة الخليجية التي من المفروض أن تقوم بهذا العمل ( بحث وتطوير) ولكنها في الغالب تابعة للوزارة المعنية وليست مستقلة، وغني عن البيان أن مثل تلك المؤسسات المستقلة نجدها في معظم المؤسسات الحديثة في العالم، ومن المعروف أن أكبر قطاعات ينفق عليها في مجال البحث و التطوير عالميًا هي تكنولوجيا المعلومات، الأدوية و التكنولوجيا الحيوية، السيارات، والبرمجة و خدمة تكنولوجيا المعلومات و الاتصال، و في مجال التربية و التعليم فإن البحث و التطوير ليس كثيرًا على الرغم من أهميته، والجودة الشاملة في التعليم لا تتحقق دون (بحث وتطوير) جاد، يكتشف حاجات المجتمع و يقرر الاستراتيجية التي يتوجب أن تسير فيها خطط التعليم، وعلى الرغم من الدراسات الكثيفة التي تقدمها اليونسكو إلى المؤسسات العالمية في العالم و في الوطن العربي، إلا أننا لا زلنا في مرحلة ( الاختبار و التجريب) و إسقاط تجارب أخرى لمجتمعات أخرى على مجمعاتنا، والتي تحتاج إلى دراسات ( محلية) لمعرفة الحاجات في السوق المحلي الحالي و المستقبلي و تطور حاجات المجتمع و أي المساقات التي يتوجب أن نركز عليها في برامجنا التعلمية و ما هي الأولويات.

تدريب المدرسين:

بسبب الحاجة الملحة والتوسع فإن المدارس بشكل عام في دول الخليج يأتي الأساتذة من خريجي الجامعات أو معاهد اعداد المعلمين، ولكن أكثرهم من القوى المتعلمة في الدول العربية وفي كثير من الأوقات من غير المدربين تدريبًا معقولا على طرق التعليم أو تطوير المناهج المختلفة، فهم في الغالب (وعاء ناقل) دون الكثير من الابتكار وقد ابتلي النظام التعلمي الخليجي في وقت ما بتخريج أنصاف متعلمين من (معاهد المعلمين) التي أقيمت على عجل للقيام بالتدريس، وكان ذلك حطأ استراتيجيًا عانت منه المؤسسة التعلمية.

كفاءة المؤسسات المساندة:

لا يقتصر (تجويد التعليم) على التعليم فقط، ولكن هناك مؤسسات مساندة تدعم تلك الكفاءة منها تخفيض مستوى البيروقراطية في المجتمع، والتي هي عائق أمام أي كفاءة تعليمة، وأيضًا الحد من الفساد بأشكاله المختلفة، خاصة في مجال التوظيف والأعمال التجارية والأعمال الحكومية، وبناء مؤسسات تمثيلية صحيحة وقادرة على الوفاء باحتياجات المجتمع، مع حريات شخصية وعامة والأهم بناء نظام قضائي حديث وعادل ومستقل.

التحدي التقني:

جائحة كوفبد 19 أدخلت النظام التعليمي في دول الخليج في تحد غير مسبوق، فقد فوجئ النظام بالجائحة و لكن الدولة الخليجية بشكل عام حرصت على صحة المواطنين وخاصة أبنائها من الطلاب فقد أوقفت مسارات التعليم التقليدي بكل أشكاله، وبدأت تبحث عن خيارات أخرى، تبين في بعض الدول أن هناك استعداد متوسط للتعليم عن بعد وفي بعضها استعداد ضعيف، فلم تكن البنية التحتية الناعمة، Software   جاهزة لمثل تلك الطواري، ولم يكن المعلمين و الطلاب و الإداريين  على دراية بما هو المطلوب على وجه الدقة، فدخلت العملية التعلمية في تجارب غير ناجحة ، و أيضا حدث ارتباك كبير في السياسات، الأمر الذي لفت النظر إليه من أجل وضع فكرة (التعليم عن بعد) على طاولة النقاش التربوي في دول الخليج كافة. من جهة أخرى فقد فرضت الجائحة (الاجتماعات) عن بعد في الكثير من أعمال الدولة بل وتقدم التعامل مع التطبيقات Applications   في مجالات التعامل من توصيل الحاجات للناس إلى التعامل مع مؤسسات الدولة الرسمية. إلى التعامل مع البنوك وشركات التجزئة ومن هنا فإن ما فرضته الجائحة من التحول التقني سوف يستمر في النمو وسوف يلعب دورًا إيجابيًا في التنمية في المستقبل.

 

النجاحات

تلاحظ تقارير الأمم المتحدة في السنوات الأخيرة نمو كمي متسارع في العناية بمشروع التنمية البشرية في دول الخليج، خاصة في الخدمات الصحية ووفرة فرص التعليم وتوفر العمل ومستوى طول الأعمار للمواطنين، وهي لا شك نجاحات مشاهدة، وتوضح تلك التقارير UNDP أن دول مثل السعودية وقطر والإمارات والكويت تقع في (القائمة المرتفعة) المحققة، وأخرى كالبحرين وعمان في القائمة المتوسطة. كما أن المشاهد للموقف العلمي والعملي في مواجهة جائحة كرونا في دول الخليج التي عمت العالم عام 2020م، يدل على أن البناء الصحي والبناء البيروقراطي قادر على حمل مواجهة الأزمات الطارئة وفي الغالب من خلال مواطنين مدربين وكفاءات محلية، تساعدهم بالطبع كفاءات من اليد العاملة المدربة والقادمة من الخارج.  هذا النجاح المشهود دليل على أن الجهد الذي بذل في تطوير راس المال البشري له مردود إيجابي .

الربط بالخطط الاقتصادية

في قراءة سابقة للكاتب حول خطط التنمية في دول الخليج و جد أن معظم تلك الخطط اهتمت بالجانب الاقتصادي أما الجانب الاجتماعي فقد كان ( فقيرًا في التناول) و التفسير الأقرب أن من صاغ معظم تلك الوثائق اعتمد في الغالب على أدبيات البنك الدولي  المعروف أنها مهتمة أساسًا بالجانب الاقتصادي و التي ترى كما ترى المدرسة الكلاسيكية الاقتصادية ، أن (اليد الخفية) كما في تنظيرات آدم سميث يمكن أن تصلح المجتمع وإن وضع  النشاط الاقتصادي أو أغلبه في أيدي القطاع الخاص و تركت له حرية العمل، على أساس  أن مصالح الأفراد لا بد أن تصب في النهاية في مصالح المجموع وهي نظرية يعتمد عليها التنظيم الاقتصادي في الدول الرأسمالية إلى حد كبير  . إلا أن الفرق واضح في (خصوصية) الاقتصاد لدول مجلس التعاون، فهذا  الاقتصاد في أغلبه حتى اليوم ( ريعي) أي إنه يأتي من مصدر واحد و مملوك للدولة وهو النفط والغاز، ولا يمكن إنكار الدور المنظم للدولة و الذي تؤديه السلطات العامة لخدمة المجتمع  لتحقيق الفائدة العامة، حيث إن الاعتماد على القطاع الخاص ينتج سلبيتين على الأقل الأولى هي الإثراء الجامح لبعض الأفراد مما يزيد من تقسيم المجتمع و يؤجج عدم الرضا الاجتماعي ، ثانيًا يوسع كما وجد من مساحة ( الفساد) وخاصة ذلك المرتبط بمشروعات الدولة،  وهنا فإن الدولة مطالبة بوضع الخطط ليس الاقتصادية و لكن الاجتماعية الأخرى ،وهي تفعل ذلك في جانب كمثل توفير الرعاية الصحية أو خطط الإسكان الشعبي الكثير ، ولكن ليس في الجانب العملياتي من التعليم و التدريب و العناية بالكيف هنا و ليس الكم .

 

الخلاصة

من الواضح مما تقدم أن رأس المال البشري هو الركيزة الأساس لأي تنمية مستهدفة و خاصة في دول الخليج التي تعلن خططها التنموية أنها ترنو إلى تنويع مصادر الدخل و الابتعاد عن المصدر الواحد الذي قامت عليه خططها حتى الآن، و المدخل هو إصلاح التعليم من حيث الكيف بعد أن حقت نجاحات ملحوظة من حيث الكم، كما يتطلب أيضًا الارتباط الاقتصادي الأوثق بين دول الخليج و التنسيق في خطط التدريب و التعليم .حتى اليوم فإن موضوع التعليم و التدريب في الغالب هو مشروع ( للوزارة المختصة أو الوزير) في معظم  دول الخليج، النقلة النوعية من أجل تجويد مخرجات التعليم وبالتالي هي أن يتحول ملف التعليم و التدريب إلى أن يكون ( مشروع دولة) ترعاه أعلى سلطة في البلاد مراقبة و تخطيطًا و تمويلاً ومتابعة، بذلك نضع التنمية البشرية على أول الأوليات

مقالات لنفس الكاتب