العدد 159

ما تنتظره دول مجلس التعاون الخليجي من بايدن

الأحد، 28 شباط/فبراير 2021

بدأ التاريخ الأمريكي، وتاريخ العالم في العشرين من يناير الماضي،  صفحة جديدة بتولي الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن مهامه الرئاسية وممارسة سلطاته الدستورية بعد أداء القسم الرئاسي في ظل أجواء مشحونة وغير معهودة في التاريخ الأمريكي، فلم يحدث في الولايات المتحدة أن شهدت مثل ما حدث عند انتقال السلطة من الرئيس السابق ترامب إلى سلفه بايدن ما جعل بعض المحللين يذهبون إلى التشكيك في النظام الديمقراطي الأمريكي الذي كاد أن يسقط سقوطًا مدويًا لو تطورت عمليات الشغب التي اجتاحت مبنى الكابيتول في السادس من يناير الماضي  عندما كانت تنعقد جلسة مشتركة للكونغرس بغرفتيه لفرز الأصوات الانتخابية وإضفاء الطابع الرسمي على فوز جو بايدن الانتخابي.

بصفة عامة، الأحداث التي واكبت الانتخابات الأمريكية وحتى تولي الرئيس بايدن مهامه، أقلقت الشعب الأمريكي، وأقلقت أصدقاء وحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في العالم، وألقت بظلالها على أجندة الرئيس الجديد الذي يسعى إلى توحيد صفوف الشعب الأمريكي وتجاوز أزمة الانتخابات، التي كشفت هشاشة الديموقراطية الأمريكية، وأبانت تراجع إدراك الشعب الأمريكي بالأمن القومي لبلاده، وكذلك التحديات التي تواجه الولايات المتحدة، وأوضحت حصر اهتماماته في شخص رئيس مغادر البيت الأبيض، وآخر قادم لأربع سنوات، بينما تواجه الولايات المتحدة الأمريكية تحديات شتى ما جعل المحللين يتحدثون عن العودة إلى نظريتي (الانعزال والاندماج الأمريكي).

وبعد أن آلت السلطة للرئيس بايدن، بات العالم يترقب أجندة رئيس الولايات المتحدة الديموقراطي، وأخذ المحللون يعقدون المقارنات بينه وبين الرئيس الديموقراطي الأسبق بارك أوباما والذي عمل بايدن نائبًا له، وبعد مرور هذه الفترة القصيرة على تولي الرئيس بايدن السلطة وحتى الآن ظهرت مؤشرات إيجابية ومنها عودة الدفء للعلاقات الأمريكية ـ الأوروبية، ودعمه لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، ولكنه أعاد نبرة مواجهة النفوذ الروسي المتزايد، وطبعًا مواجهة التمدد الصيني على حساب الولايات المتحدة.

 وما يهمنا نحن في منطقة الخليج، هو نهج بايدن تجاه المنطقة على ضوء الشراكة الاستراتيجية بين دول مجلس التعاون والولايات المتحدة، وعلى ضوء دور إيران المزعزع للمنطقة بما في ذلك البرنامجين النووي والصاروخي، وعلى ضوء تدخلها في شؤون المنطقة العربية خاصة في اليمن ودعمها للحوثيين الانقلابين الذين استولوا على السلطة في اليمن بالقوة وبمساعدة إيرانية شديدة الجرأة، بل واستمرار تعدي هذه الفئة الانقلابية على دول الجوار بأسلحة وقذائف وطائرات مسيرة وصواريخ إيرانية وبشكل علني سافر.

لكن الإشارات التي صدرت عن بايدن وإدارته غير مبشرة ـ حتى الآن على الأقل ـ فكانت قراراته الأولى برفع ميليشيات الحوثي من على قائمة الإرهاب، وإن كان قد أبقى على رموز هذه الميليشيات على القائمة، والمؤشر الثاني أنه قرر عودة التفاوض مع إيران على البرنامج النووي، إضافة إلى تأخير شحنات أسلحة كانت مقررة ومعتمدة سلفًا بموافقة أمريكية رسمية إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وهذه الإشارات مقلقة ولا تجد ارتياحًا خليجيًا وتتطلب إيضاحًا أمريكيًا وتنسيقًا بين واشنطن والعواصم الخليجية، فدول الخليج العربية الست كانت قد أعلنت مرات كثيرة أنها لا ترفض المفاوضات بين الولايات المتحدة والمجتمع الدولي من جهة، وإيران من جهة أخرى، لكن بشرط أن تشارك دول الخليج في هذه المفاوضات كونها شريكًا أساسيًا في أمن المنطقة، ومن غير الممكن أن تكون هناك ترتيبات بين إيران وأمريكا دون مشاركة دول الخليج حيث ترفض الأخيرة أن تكون هذه الترتيبات من وراء ظهرها ودون مشاركتها وعلمها، والأخذ في الاعتبار تحفظاتها وقلقها المبر والمشروع.

كما أن المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج ترى أنه  من الضروري معاقبة إيران على دورها في اليمن لا مكافأتها، وأنه لا يجب أن تكون طهران طرفًا في أي مفاوضات تخص مستقبل اليمن الذي يجب أن يكون خاصًا بأبناء اليمن أنفسهم بجميع مكوناتهم وفصائلهم فهم الذين يقررون مصيرهم  دون أن تكون إيران طرفًا في ذلك، وإلا يكون ذلك إضفاء الشرعية على دور إيران التدخلي والتوسعي  في اليمن ومن ثم بقية الدول العربية وإذا ما حدث فسوف تستمر إيران في ذلك ويزداد نفوذها وضررها، وفي اعتقادي أنه من الضروري ألا تتورط الولايات المتحدة في إعطاء إيران دورًا لا تستحقه إطلاقًا، بل دور ترفضه دول مجلس التعاون الخليجي حيث يؤسس إلى سابقة غير مقبولة في تاريخ العلاقات الإقليمية والدولية ، وهو شرعنة لدور الجماعات المسلحة والدول المتدخلة في الشؤون الداخلية والتي تستخدم الطائفية كوسيلة لدعم الجماعات الإرهابية.  

ونأمل من الرئيس بايدن أن يعالج أخطاء من سبقوه في الإدارات الأمريكية المتعاقبة ، وألا يتجه شرقًا على حساب منطقة الخليج ومنطقة الشرق الأوسط، وألا تكون رؤيته للتعامل مع الصين على حساب المنطقة العربية، فهو يسعى لتقوية تحالف الهند واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا لمواجهة الصين، ويبدو أنه مهتم بعزل إيران عن الصين وروسيا وهنا قد يقع في خطأ أكبر وهو تحول إيران إلى دولة نووية بدعم صيني وروسي، والخطورة في أن يقع السلاح النووي في يد نظام غير عاقل وهو نظام الملالي الذي يسلح ميليشيات وأحزاب وطوائف، بل نظام يريد الهيمنة على كافة المنطقة ولا يتعامل مع الدول، بل مع ما دونها في السر كما يفعل مع حزب الله والحوثيين ومجموعات الحشد الشعبي والميليشيات الأخرى في باكستان وأفغانستان،  ومن ثم سوف يتسرب النووي إلى أيدي هذه الميليشيات الطائفية الموتورة ، كما أن المشكلة الأخرى هي تصنيع إيران صواريخ قادرة على حمل الرؤوس النووية بعيدة وقصيرة المدى ومن ثم تتسع رقعة المخاطر في إقليم الشرقين الأوسط والأقصى وفي أبعد من ذلك وتطال أوروبا والأمريكيتين.

دول الخليج ومعها الدول العربية تأمل من الإدارة الأمريكية الجديدة التحرك بشكل متوازن في المنطقة وألا تجعل من إيران قوة مهيمنة مقابل تحقيق مكاسب أمريكية في الشرق الأقصى، وعليه أن يصغي بايدن لأصدقاء أمريكا في منطقة الخليج، وكذلك يتعامل مع القضية الفلسطينية بواقعية والعودة إلى السلام العادل والشامل حتى يستمر هذا السلام المنشود وتنعم به كل دول المنطقة.

مقالات لنفس الكاتب