array(1) { [0]=> object(stdClass)#11584 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 160

إعادة هيكلة الاستراتيجية الأمنية في الخليج تتطلب تطوير الردع الخليجي

الإثنين، 29 آذار/مارس 2021

تسعى هذه الدراسة إلى توضيح الأبعاد الاقتصادية لأزمة البرنامج النووي الإيراني، وتأثير ذلك على استقرار أسعار الطاقة وحركة الملاحة في ميناء هرمز والخليج العربي، وتداعيات تحول البرنامج إلى عسكري وامتلاك طهران القنبلة النووية على استقرار منطقة الخليج واقتصاده، وذلك من النقاط التالية:

أولاً: دوافع البرنامج النووي في إيران.

ثانيًا: موقف القوى الدولية من الملف النووي الإيراني.

ثالثًا: موقف دول الخليج من الملف النووي الإيراني.

رابعًا: أثر البرنامج النووي الإيراني على دول مجلس الخليج العربي.

خامسًا: مقترح لاستراتيجية خليجية للتعامل مع إيران.

أولا: دوافع البرنامج النووي في إيران

أ-الدوافع الاقتصادية

ظلت إيران تؤكد على أن برنامجها النووي يندرج في سياق الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية، مع التركيز على أن المفاعلات النووية التي تسعى إيران إلى بنائها سوف توفر حوالي 20% من طاقاتها الكهربائية، لاسيما أن الزيادة السكانية العالية وخطط التنمية الاقتصادية سوف تزيد من معدلات استهلاك الطاقة في إيران، كما أن بناء هذه المفاعلات سوف تساعد في الحد من استهلاك الطاقة المتولدة عن طريق النفط والغاز، مما سوف يساعد بدوره على الحفاظ على هذين الموردين بهدف توجيههما نحو التصدير من أجل الحصول على المزيد من العائدات المالية.

ب-الدوافع العسكرية

قامت سياسة إيران الأمنية على محورين رئيسيين، أولهما امتلاك القدرة في مواجهة التهديدات، أما المحور الآخر فيتمثل في تعزيز الدور الاستراتيجي الذي تطمح إليه في الخليج أو الشرق الأوسط، فهي تريد أن تلعب دوراً في المنطقة بامتلاك السلاح النووي، إلى جانب حماية النظام الإيراني من محاولة تغييره خاصة أنه يواجه صعوبات كثيرة.

ج-الدوافع الاستراتيجية

تعتبر طهران أن السلاح النووي له دور في الاستراتيجية الإيرانية، بشكل يسمح لإيران بالقيام بدور استراتيجي إقليمياً ودولياً، إلى جانب بناء القوات المسلحة الإيرانية. ولذلك، فإن السلاح النووي يُمكن أن يُقدم لإيران أداة بالغة الأهمية لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، أو هكذا يعتقد النظام الإيراني.

د-الدوافع السياسية

يحيط بإيران دول جوار يربطها بها تاريخ مضطرب؛ لذا فإنها تشعر إلى إظهار نفسها كقوة متفوقة، فعلاقاتها متوترة مع العرب، ومع دول بحر قزوين ومتأرجحة مع تركيا وباكستان وأفغانستان وسيئة مع إسرائيل. ونادراً ما كانت إيران قادرة على تكوين تحالفات استراتيجية مع جيرانها، أو علاقات جوار طبيعية.

ه-موقف إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية

استنتجت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد زيارات عدة إلى مواقع إيرانية عام 2003م، أن هناك عدداً من المنشآت التقنية ذات خصوصية حساسة. وأثارت الوكالة تساؤلات إزاء احتمال قيام محاولات تخصيب لليورانيوم. جاء ذلك بعد فترة من اعتراف إيران باستيرادها مواد تستخدم لاستخلاص عنصر اليورانيوم في التخصيب وفي وقود القنبلة النووية، بالإضافة إلى إجرائها تجارب مختبرية لإنتاج الماء الثقيل. ولم تعلق الوكالة على الأمر في حينه، ولكن بعد عملية تحليل أجرتها الوكالة في يونيو 2003م، على نماذج من التربة لتخصيب الوقود وظهور يورانيوم عالي التخصيب فيها، وصرحت الوكالة أن إيران أخفقت في التزاماتها تجاه معاهدة حظر الانتشار النووي وغير شفافة في نشاطاتها النووية، أو استيرادها للمواد ذات العلاقة (مزدوجة الاستخدام)، وطالبت إيران بالإفصاح الكامل عن كافة نشاطاتها ولا سيما مشروع التخصيب وتجارب ما بعد التحويل. ثم دعتها إلى وقف نشاطات التخصيب كافة وتوقيع بروتوكول إضافي قبل أكتوبر 2003م، ويسمح للوكالة بالتفتيش الاستثنائي على المنشآت ذات العلاقة بالمشروع النووي.

ولحل الأزمة حث وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وألمانيا، إيران للموافقة للتعاون قبل نهاية فترة الإشعار. وأعلنت إيران في أكتوبر 2003م، بأنها ستتعاون مع الوكالة بشفافية ووضوح وستوقع البروتوكول وتوقف كافة نشاطات التخصيب. وتم توقيع البروتوكول فعلاً في ديسمبر 2003م. وصدر قرار مجلس الوكالة بإحالة الملف النووي إلى مجلس الأمن دون إجراءات عقابية، وبذلك أصبحت إيران على وشك فرض عقوبات عليها ما لم تمتثل لقرار مجلس الوكالة، خلال العامين 2006 و2007م، وظلت إيران تلعب على كسب الوقت مع الترديد الرسمي على أن البرنامج النووي الإيراني لن يتوقف تحت أي ظرف ومهما كانت العقوبات وأنه موجه لخدمة الأغراض السلمية. وقام الرئيس الإيراني، أحمدي نجاد، بوقف التعاون مع الوكالة الدولية، ثم قام مجلس الأمن بفرض عقوبات على طهران.

ومع انتهاء عام 2015م، توصلت إيران والدول الست الكبرى، إلى اتفاق حول البرنامج في محادثات -في لوزان بسويسرا-أتاحت إجراء مفاوضات أخرى من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي. وهذا ما تم الاتفاق عليه، السماح بدخول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لكل المواقع المشتبه بها، وخفض قدرات إيران على التخصيب، خفض عدد أجهزة الطرد المركزي، فرض قيود على البرنامج ورفع العقوبات المفروضة من قبل أوروبا والولايات المتحدة عن إيران.

أما في 2016م، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن إيران نفذت تعاهداتها بموجب الاتفاق مع القوى الست الكبرى، مما دفع أمريكا والاتحاد الأوروبي إلى الإعلان عن دخول الاتفاق حيز التنفيذ ورفع العقوبات الاقتصادية والمالية عن إيران، ويعتبر ذلك الجزء الأخير من قضية البرنامج النووي الإيراني حتى الآن، ولكنه ليس النهاية الكاملة لهذا البرنامج.

ثانيًا: موقف القوى الدولية من الملف

على الرغم من أن كافة القوى الدولية والإقليمية التي تعتبر أطرافاً رئيسية أو ثانوية في الأزمة النووية الإيرانية كانت تتفق من حيث المبدأ على ضرورة امتناع إيران عن مواصلة أنشطتها النووية المحظورة ووقف عمليات تخصيب اليورانيوم، إلا أنها تباينت في إدارتها للأزمة ليس فقط بحكم تباين مصالحها أو اختلاف علاقاتها مع إيران، ولكن بحكم اختلاف تصوراتها بشأن إدارة قضايا السلم والأمن على الساحة الدولية، ومنها قضايا منع الانتشار النووي. لكن الاتجاه السائد هو التخوف من امتلاك إيران لأسلحه نووية ووجود دوافع ورغبات قوية لإيقاف المشروع النووي الإيراني أو على الأقل ضمان استخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية. وفى الوقت الذي اعترف فيه الاتحاد الأوروبي بحق إيران في الاستخدام السلمي للتكنولوجيا النووية، أصرت الولايات المتحدة على التشدد والتلويح باللجوء للخيار العسكرى فى التعامل مع إيران التي ترى أن تطوير إيران للتكنولوجيا النووية يمثل خطرًا على السلم والأمن الدوليين.

  • الموقف الأمريكي

الموقف الأمريكي يقوم على اتهام إيران بانتهاك معاهدة حظر الانتشار النووى فمنذ وقت طويل والولايات المتحده تخشى من حصول إيران على السلاح النووي خاصة أن إيران كانت على رأس قائمة الدول التى تخشى الولايات المتحدة حصولها على هذا السلاح، مما جعلها تعرقل أي استخدام إيراني سلمى للطاقة النووية.

ب-موقف الاتحاد الأوروبى

حرصت إيران على اجراء عدة محاولات تفاوضية مع الاتحاد الأوروبي لإيمانه منذ بدء الأزمة بانتهاج المسار التفاوضي والأساليب الدبلوماسية بعيدًا عن التهديد باستخدام القوة انطلاقاً من مقولة أن الشرق الأوسط غير قادر على تحمل المزيد من الكوارث العسكرية والتي من الممكن في الحالة الإيرانية أن تتحول إلى كارثة.

ج-موقف روسيا

محددان أساسيان يحكمان الموقف الروسي من الأزمة النووية الإيرانية، الأول: علاقات التعاون النووي والاقتصادي الوثيقة مع إيران، حيث تعتبر روسيا واحدة من أقوى الشركاء التجاريين لإيران، أما الثاني: يتمثل في حرص روسيا - رغم مصالحها الوثيقة مع إيران – على ألا تستطيع إيران في نهاية المطاف امتلاك السلاح النووي حتى لا يتسبب ذلك في الإخلال بالتوازن الاستراتيجي العالمي، ويتمثل رفض روسيا للبرنامج النووي لما كان يتضمنه المشروع من فرض حظر شامل على البرنامج النووي الإيراني بالكامل، وإصرار روسيا على أن يقتصر الحظر على الأنشطة النووية الإيرانية المثيرة للشكوك ولاسيما تلك المتعلقة بتخصيب اليورانيوم وإنشاء مفاعل الماء الثقيل.

د-موقف إسرائيل

ترفض إسرائيل البرنامج النووي الإيراني سواء كان للأغراض السلمية أو العسكرية، وترفض فكرة استكمال المشروع باعتباره يشكل مصدر خطر وتهديد مباشر لأمن إسرائيل. ورفض إسرائيل لا يعزي إلى الخوف من تهديد أمن إسرائيل، ولكن الخوف من تعاظم الدور الإيراني في المنطقة، وإمكانية أن يكون هناك حليف قوي للولايات المتحدة الأمريكية بديلاً عن إسرائيل في رعاية المصالح الأمريكية والأوروبية في منطقة الخليج العربي.

ثالثًا: موقف دول الخليج من الملف النووي الإيراني

رغم زيادة عدد سكان إيران إلا أن حجم اقتصاد الدول الخليجية مجتمعة يفوق حجم الاقتصاد الإيراني بنحو أربعة أضعاف، كما أن نصيب الفرد الخليجى يعادل ثمانية أضعاف نصيب الفرد الإيراني، مما لا شك فيه أن دول الخليج تدرك أن تطوير القدرة النووية الإيرانية يعد عاملاً آخر من عوامل عدم الاستقرار التي تهدد المنطقة ولا يمكن توقع نتائجه سواء حالياً أو على المدى البعيد، وينبغي التمييز بين موقف مجلس التعاون الخليجي وموقف دول الخليج من هذا الاتفاق. بالنسبة لموقف مجلس التعاون الخليجي كمؤسسة إقليمية، فقد غلب عليه فكرة “الموافقة المشروطة” حيث رحب المجلس الوزاري الخليجي بالاتفاق بين الدول الكبرى وإيران بشأن برنامجها النووي، على أن يكون مقدمة للتوصل إلى حل شامل لهذا الملف، ودعا المجلس إلى التعاون التام مع وكالة الطاقة الذرية. والتوصل لمرحلة جديدة بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران مبنية على عدم التدخل وحسن الجوار وعدم استخدام القوة أو التهديد بها. فقد تجنب زعماء الدول الخليجية مواجهة إيران بصورة مباشرة في موضوع برنامجها النووي، وذلك بالرغم من الاتهامات الغربية التي تقول بأن طهران قد أصبحت قريبة جدًا من صنع أول سلاح نووي.

وعلى الرغم من التباينات السياسية بين إيران والدول الخليجية إلا أن التعاون الاقتصادي كان أحد أهم عوامل التقارب بين الجانبين، حيث تعد تلك الدول أكبر الشركاء التجاريين لإيران. ولم تقتصر العلاقات الاقتصادية بين الجانبين على التبادل التجاري، حيث بدأت كل من الكويت وإيران بحث مشروع نقل المياه الإيرانية إلى دولة الكويت، كما أن المشروع سوف يتيح لإيران استثمار مصادر المياه بشكل أمثل كما يتيح جذب الاستثمارات لإيران، فضلاً عن تخفيف الاعتماد على النفط والغاز لزيادة العائدات.

وتتمثل أبرز أسباب التباعد بين إيران ودول مجلس التعاون، استخدام طهران للورقة الطائفية. والتشدد الإيراني حيال قضية الجزر الإماراتية إلى درجة رفض التعاون مع اللجنة الثلاثية التي شكلها مجلس التعاون للوساطة بين طهران وأبو ظبي. بالإضافة لانتقاد إيران المتكرر للبيانات الختامية التي تصدرها قمم دول مجلس التعاون لاحتواء تلك البيانات على إدانة لها بسبب إصرارها على احتلال الجزر الإماراتية الثلاث. وإجراء مناورات بحرية ضخمة في بعض الأحيان في الخليج وعند مضيق هرمز وبحر عمان.

ومع ذلك تتمثل لتقارب خليجي ـ إيراني وزيارات متبادلة منذ عام 1997م، بين مسؤولين في قمة الهرم السياسي. والتوقيع على اتفاقيات تعاون بين إيران ومجلس التعاون، وبلغت 42 اتفاقية في مختلف المجالات التعاونية. بالإضافة لاتفاقية تعاون عسكري بين إيران وسلطنة عمان في التسعينات. واتفاقية للتعاون الأمني بين إيران والسعودية تشمل مكافحة الجريمة والإرهاب وغسيل الأموال وغيرها. كما توجد ثماني لجان مشتركة بين إيران ودول المجلس أبرزها اللجان العليا بين الجانبين. وقد تم إعفاء مواطني دول مجلس التعاون من الحصول على تأشيرات دخول إلى إيران، ومع ما يلاحظ من تغليب مسببات التقارب ومحاولة دول مجلس التعاون الاقتراب من طهران فما زال هناك نوعًا من عدم تسريع خطوات التطبيع.

رابعًا: أثر البرنامج النووي الإيراني على دول مجلس الخليج العربي

  • تهديد الاستقرار الإقليمي في منطقة الخليج

مما لاشك فيه أن امتلاك إيران لأسلحة نووية من شأنه التأثير السلبي على استقرار منطقة الخليج من زاويتين: الأولى: تكريس الخلل القائم في موازين القوى، حيث أن حقائق الجغرافيا السياسية تشير إلى أن القوة الإيرانية الحالية إذا أرادت أن تتجه فإن مسارها لن يكون للشمال أو للشرق، ففي الشرق هناك القوى النووية الآسيوية الكبرى، وفي الشمال هناك روسيا، وبالتالي فإن إمكانية التمدد المتاحة لإيران هي في الغرب، في ظل النبرة العدائية التي تتعامل بها إيران مع دول الخليج قبل امتلاكها السلاح النووي، فالأطماع الإيرانية في المنطقة لا تتوقف عند زعزعة أمنها واستقرارها، بل تتجاوزها إلى دعم ميلشيات مسلحة للتدخل في شؤون الدول العربية الخليجية وغير الخليجية لإيجاد ثغرة تستطيع من خلالها التغلغل عبر مؤيدين لسياستها في المنطقة.

أما الثانية فهي: إمكانية نشوب صراع عسكري بين إيران والأطراف المعنية بالقضية النووية تنعكس آثاره على المنطقة، ومن ثم فإن الرد الإيراني قد يأخذ أشكالاً عديدة منها أن تقوم إيران بضرب القواعد الجوية والقطع البحرية الأمريكية في الخليج العربي.

ب-صعوبة التوصل إلى صيغة مشتركة لأمن الخليج

تعد تلك القضية من القضايا الخلافية في العلاقات الإيرانية-الخليجية، فإيران تطالب دوماً بأن يكون لها دور في الترتيبات الأمنية الخاصة بالمنطقة، الأمر الذي يتعارض مع رؤية دول مجلس الخليج، وفي ظل هذا الاختلاف طرحت عدة صيغ لأمن الخليج من جانب إيران، فضلاً عما أوردته مراكز الدراسات المتخصصة في هذا الشأن، ألا أن إصرار إيران على امتلاك السلاح النووي من شأنه أن يعوق إمكانية التوصل إلى صيغة أمنية مستقبلية لأمن الخليج وذلك لعدة اعتبارات:

أولها: إمكانية قيام سباق نووي ليس في منطقة الخليج فحسب وإنما في الشرق الأوسط، حيث ستعمل الدول العربية جاهدة لدخول النادي النووي  .وثانيها: أن دول مجلس التعاون في سعيها لإقامة صيغة أمنية مشتركة في الخليج لا بد وأن تحصل على ضمانات دولية ملزمة من المجتمع الدولي بشأن إجراءات بناء الثقة مع الأطراف الإقليمية ومنها إيران، وأول هذه المتطلبات عدم تهديد أمن تلك الدول سواء بامتلاك الأسلحة النووية أو غيرها. وثالثها: امتلاك إيران للسلاح النووي من شأنه أن يقوض كافة الخطوات التي بذلها الجانبان الخليجي والإيراني واستهدفت حسن الجوار وتعزيز الثقة والمنافع المتبادلة، وصولاً إلى إيجاد منظومة أمنية وإقليمية تقوم على أسس عدة يأتي في مقدمتها نبذ اللجوء إلى القوة وحل كافة القضايا العالقة بالحوار والتفاوض.

تؤكد المؤشرات أن واشنطن لن تتراجع عن استخدام القوة ضد أي قوة نووية محتملة، وفي هذا الصدد أشار تقرير معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أنه إذا استطاعت دولة معادية للولايات المتحدة أن تحصل على أسلحة دمار شامل، خاصة الأسلحة النووية فإن الخطر سيكون كبيراً، وشدد التقرير على أن الولايات المتحدة لابد أن تكون أشد قلقاً فيما يتعلق بإيران وامتلاكها أسلحة نووية، وفي ظل إمكانية نشوب حرب ضد إيران فلن تكون الدول الخليجية الست بمنأى عن هذه الحرب. كما أنه على الرغم من أن تلك الدول تعد حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة بموجب اتفاقيات أمنية ثنائية (باستثناء المملكة العربية السعودية)، فإنه من المستبعد أن تقدم هذه الدول تسهيلات لوجيستية للعمليات العسكرية ضد إيران، بل إنها قد تدفع في سبيل الحل الدبلوماسي السلمي.

ج-الأثر على استقرار أسعار الطاقة

إن طهران ووكلاءها يتخوفون من مشاريع نقل النفط البديلة لطريق هرمز. فعلى سبيل المثال، يُعد ميناء الفجيرة أحد منافذ الإمارات البديلة لتصدير النفط من خليج عمان للأسواق الآسيوية والأوروبية بدلًا من هرمز، وذلك من خلال خط أنابيب "أبو ظبي للنفط الخام" الذي يمتد لمسافة 400 كلم من حقل حبشان بإمارة أبوظبي مرورًا بسويحان إلى الميناء، وبسعة تقارب 1.5 مليون برميل يوميًّا (أي نصف صادراتها للعالم تقريباً). ومن جانب آخر، يُعد خط أنابيب "شرق-غرب" بالسعودية أحد البدائل الرئيسية لنقل النفط دون المرور بمضيق هرمز، حيث يقوم بنقل النفط الخام من الحقول بالمنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، ويمتد الخط لمسافة 1200 كلم، ويقوم بنقل 2 مليون برميل من النفط الخام يوميًّا من أصل طاقته الكلية البالغة 5 ملايين برميل يوميًّا، كما تخطط شركة أرامكو لتوسيع طاقته إلى 6.5 ملايين بحلول عام 2023م. وتقود السعودية، أكبر مصدر للنفط بالعالم، تحالفاً يضم الإمارات والولايات المتحدة، للحفاظ على توازن الأسواق النفطية بعد التطبيق الكامل للعقوبات الأمريكية ضد إيران.

 

د-الأثر على تهديد الملاحة ومضيق هرمز والخليج العربي

تقوم إيران وأذرعها ومليشياتها بتهديد الملاحة الدولية وتهديد أمان إمدادات الطاقة، عبر استهداف ناقلات النفط وسفن التجارة في الخليج العربي وبحر العرب. ورغم أن الجهة التي تقف وراء العمليات التخريبية للسفن الأربع قرب المياه الإقليمية للإمارات، لم يتم الكشف عنها بعد، إلا أن المتتبع لهذه الهجمات يلاحظ أن طهران دائمًا ما تفتعل أزمات حول الملاحة البحرية في كل من مضيقي هرمز وباب المندب للتهرب من الأزمات الداخلية والتطورات المرتبطة بإعادة فرض العقوبات الدولية على طهران.

ويعد مضيق هرمز أحد الممرات الرئيسية حول العالم في نقل النفط، ويمر عبره 20% من استهلاك النفط العالمي من منتجي النفط الخام في الشرق الأوسط إلى الأسواق الرئيسية في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية وخارجها، ويفصل الممر المائي الضيق إيران عن شبه الجزيرة العربية، كذلك فإن نحو 10% من إنتاج النفط العالمي يمر عبر باب المندب. وبالتالي فإن تهديد أمن وسلامة الملاحة الدولية في تلك الممرات الحيوية المهمة قد يتسبب في نتائج كارثية على الاقتصاد العالمي، سواء فيما يتعلق بإمدادات الطاقة للعالم، أو أسعار النفط، أو تأثير ذلك على حركة التجارة الدولية، بما يعني أنه قد يهدد استقرار الاقتصاد الدولي، إذا ما لم يتم ردع من يعبث بأمن الملاحة في تلك الممرات المهمة، وتهديد الأمن والسلامة الدولية، ومن هنا تأتي أهمية تضافر الجهود الدولية لمنع أي تهديد لأمن وسلامة حركة الملاحة البحرية وحماية وضمان أمن إمدادات الطاقة للعالم. كذلك فإن هناك حاجة ماسة لوضع حد لقيام النظام الإيراني بالتهديد دائمًا باستخدام ورقة أمن المضائق والممرات البحرية وتهديده للأمن والاستقرار في العالم.

 

ه- الآثار البيئية المباشرة

تعد دول مجلس التعاون الخليجي في مقدمة الدول التي سوف تصاب بالضرر المباشر جراء الأسلحة النووية الإيرانية، حيث يقع مفاعل بوشهر الذي يمد أحد أهم مرافق المشروع النووي الإيراني على بعد 280 كم من مدينة الكويت ويعتمد هذا المفاعل بصفة أساسية على تقنيات مستوردة من روسيا التي لا تملك عناصر الأمان النووي المضمونة، وبالتالي فإنه في ظل الحظر الغربي على الآلات والمعدات التي تستخدم في الصناعة النووية، فإن إيران قد تسعى لإنجاز وإتمام تسلحها النووي اعتماداً على آلات نووية أقل ضماناً، ومن ثم تصبح دول الخليج في مرمى الخطر إذا ما حدث تسرب، ومن ناحية أخرى، فإن إيران في محاولتها التخلص من النفايات النووية قد تتجه إلى التخلص من الماء الثقيل في الخليج الأمر الذي من شأنه أن يخلق أزمة تلوث لكل دول المنطقة تنتج عن تسرب المواد النووية المشعة في مياه الخليج وتستمر آثارها عشرات السنوات.

يتضح مما سبق أن دول الخليج العربية تواجه تهديدات خطيرة من امتلاك إيران القدرات النووية التي تمكنها من امتلاك وتصنيع السلاح النووي، نتيجة اختلال توازن القوة في المنطقة وأنها ستسعى للاستفادة من قدرتها النووية في فرض هيمنتها وسيطرتها على المنطقة وإثارة الاضطرابات واستغلال الورقة الشيعية الطائفية بما يحقق أطماعها في المنطقة، بحيث تكون لإيران اليد العليا في منطقة الخليج العربي.

خامسا: مقترح لاستراتيجية خليجية للتعامل مع إيران

نظرًا لكون العلاقات التي تربط دول الخليج بإيران ذات طابع استراتيجي دائم ومستمر وذلك بحكم المحددات الجيوسياسية والاقتصادية والديموجرافية والثقافية، فإنه قد يكون من الناجح إعادة هيكلة استراتيجية إدارة علاقات دول مجلس التعاون الخليجي مع إيران في المجالات والقضايا كافة. لذا فقد يكون من الأوفق أن ترتكز عملية إعادة هيكلة هذه الاستراتيجية المستقبلية على المحاور الرئيسية: منها تطوير عامل ردع خليجي في مواجهة إيران، من خلال عدة آليات ومقومات تمتلكها دول مجلس التعاون الخليجي، وتتسم بخصوصيتها الخليجية الدائمة ولا ترتهن بتقلبات المصالح وتغير أدوار القوى الدولية والإقليمية المؤثرة في المنطقة. ويأتي في مقدمة هذه الآليات: الإسراع باستكمال مسيرة التكامل والاتحاد الخليجي، لاسيما في جوانبها الدفاعية، والعسكرية، والاقتصادية، وكذلك تعزيز التعاون والتنسيق على المستوى العربي، تأطير العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران بصورة مؤسسية وبشكل جماعي يتجاوز الأساس الثنائي الذي يحكم هذه العلاقات في الوقت الراهن، وتعزيز علاقات الشراكة الخليجية-الأمريكية؛ حيث ستبقى الولايات المتحدة الأمريكية الموازِن الكفء لإيران في الخليج خلال السنوات المقبلة، وذلك بالرغم من توقيع الاتفاق النووي مع طهران، فثمة مصالح حيوية دائمة لواشنطن في المنطقة، وهي حريصة على عدم السماح بانفراد إيران بأمن الخليج. وبالتالي، فإن الاتفاق النووي أسهم في تحول العلاقة بين واشنطن وطهران من الصدام إلى التقارب النسبي، دون التفريط في تحقيق أمن الحلفاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة الأميركية في المنطقة.

مما سبق يتضح أن أية محاولة لتحجيم المشاريع النووية الإيرانية لا بد لها أن تنعكس إيجابياً على السلم في منطقة الخليج بالذات لقرب المنشآت الإيرانية من المنطقة، واستقرار هذه المنطقة رهينة بالعلاقات الإيجابية بين كل من إيران والدول العربية وعلى الأخص الخليجية منها وأن التنمية المستدامة في الدول العربية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال علاقات متينة وإيجابية وثابتة ومستقرة مع جارتهم الكبرى إيران.

مقالات لنفس الكاتب