array(1) { [0]=> object(stdClass)#11474 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 160

التضخم 40 % والفقر 50% في المجتمع الإيراني وتدني معدل النمو الاقتصادي إلى أقل من 2%

الإثنين، 29 آذار/مارس 2021

شكل الملف النووي الإيراني تحديًا جديدًا في سلسلة التحديات التي كانت من صنع القادة في إيران، بجانب تحديات أخرى، نتجت عن التوجهات الجذرية التي خلفتها الثورة الخومينية عام 1979م، وعلى رأسها معاداة الخارج، قريبًا كان أو بعيدًا، والانكفاء على الداخل، ومعاداة الرأسمالية وفرض سيطرة الدولة على الحياة الاقتصادية، الأمر الذي ولد شعورًا داخليًا ليس فقط بمعاداة الغرب، وإنما أيضًا التوجس والخيفة من الغير، ومهد لتبني نهجًا عدائيًا كانت ذروة السنام فيه الانغماس في الملف النووي وما جره من ويلات على الشعب الإيراني، واستنزاف موارد البلاد، وأدى إلى عزلة دولية محاطة بعقوبات اقتصادية، أسفرت جميعها عن تردي الأوضاع الاقتصادية وانخفاض في مستويات المعيشة للغالبية العظمى من السكان.

ورغم ما حدث من تغيرات سياسية  في كل من الولايات المتحدة، بقدوم إدارة ليبرالية، وما سوف تسفر عنه الانتحابات الرئاسية الإيرانية، فإن هذا الملف النووي مرهون بتغييرات جذرية يصعب التنبؤ بها في الوقت الراهن في الداخل الإيراني، وهو ما وضح من تصريح المبعوث الأمريكي إلى إيران روبرت مالي، في 11 مارس 2021م، أن "الانتخابات الرئاسية الإيرانية ليست عاملاً في عملية صنع القرار في إدارة الرئيس بايدن حيال كيفية المضي قدماً في المحادثات النووية"، كما ترى واشنطن أن تغيير الرئيس لا يغير من الوضع في شئ طالما أن الكلمة الأخيرة في تحديد اتجاهات السياسات الداخلية والخارجية في يد شخص آخر هو المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي.

لذا تتناول هذه الورقة، الأبعاد الاقتصادية للملف النووي الإيراني من منظور ماجرته ثوابت السياسة الإيرانية الداخلية والخارجية من مشاكل وتحديات كان من أبرزها الملف النووي، والمواجهة مع الغرب عمومًا والولايات المتحدة خاصة، وأثرت سلبًا على خطط البلاد التنموية، وأهدرت ثرواته الطبيعية، وأدت إلى تردي الأوضاع المعيشية لغالبية السكان.

يبلغ عدد سكان إيران حوالي 82.8 مليون نسمة، أكثر من نصف الإيرانيين تحت 30 سنة، ويقدر الناتج المحلي الإجمالي بنحو 440 مليار دولار للسنة التقويمية الإيرانية 2019/2020م، ويعتمد الاقتصاد الإيراني على قطاعات الهيدروكربونات والزراعة والخدمات، وسيطرة القطاع الحكومي على قطاعي الصناعات التحويلية والخدمات المالية. وتحتل إيران المركز الثاني في العالم من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي والمركز الرابع في احتياطيات النفط الخام المؤكدة. ورغم أن قاعدتها الاقتصادية متنوعة نسبيا في بلد نفطي، إلا أن النشاط الاقتصادي والإيرادات الحكومية لا يزالان يعتمدان على عائدات النفط، مما يعرض الناتج المحلي والإيرادات الحكومية لمخاطر التقلبات والصدمات الخارجية. 

ورغم أن معدل معرفة الكتابة والقراءة والعمر المتوقع في إيران مرتفع بالنسبة للمنطقة، حيث بلغ معدل معرفة القراءة والكتابة لأكثر من 80 % من السكان البالغين، إلا أن معدل البطالة مرتفع أكثر، وتبلغ نسبة التضخم 20% سنوياً، كما لا تزال إيران مثلها مثل باقي دول الخليج، المنتجة للنفط معتمدة بشكل كبير على قطاع استخراج النفط والغاز الطبيعي لتصديره، وتواجه الحكومة صعوبات متزايدة في توفير فرص عمل للشباب، ونقص في القوى العاملة المتعلمة، مما أدى إلى تنامي الشعور بالإحباط بين الطبقة الدنيا والطبقة المتوسطة من الإيرانيين، مع تزايد معدلات الفقر بين السكان.

التحول من الاقتصاد الحر إلى الاقتصاد المركزي

مثل باقي الدول النفطية في منطقة الخليج يعتمد النمو الاقتصادي في إيران بشكل متزايد على عائدات النفط في السبعينيات، وبحلول عام 1977م، بلغت عائدات النفط 20 مليار دولار أمريكي سنوياً (تمثل 79% من إجمالي الإيرادات الحكومية)، وعلى عكس ما كان متوقعًا تم إهمال معظم قطاعات النشاط الاقتصادي خلال هذه الحقبة، خاصة الزراعة، والصناعات التقليدية وشبه التقليدية، وقطاع الخدمات عدا ما حققته الصناعات التحويلية المتطورة من تقدم برعاية مباشرة من الدولة، مع تراجع مشاركة القطاع الخاص في التنمية.

قامت الحكومة الإيرانية بعد الثورة الإيرانية عام 1979م، بإدخال عدد من التحولات الأساسية على هيكل الاقتصاد الإيراني، تمثلت في التحول من الاقتصاد الحر، إلى اقتصاد مركزي تتملك فيه الدولة الجانب الأعظم من الموارد، وعمدت إلى تأميم الكثير من الممتلكات الخاصة، ومنها شركة النفط الوطنية الإيرانية، وامتد التأميم إلى الجهاز المصرفي. وقسم الدستور الجديد الاقتصاد الوطني إلى 3 قطاعات مختلفة، قطاع يتبع الدولة، قطاع تعاوني بديلاً عن الشركات المساهمة، وأبقى على القطاع الخاص، وأصبحت معظم الأعمال مملوكة للدولة.

وتطلب ذلك الاعتماد على التخطيط المركزي الإلزامي منهاجًا لإدارة الاقتصاد الوطني، والسيطرة على الحياة الاقتصادية، وتولى المرشد الأعلى والرئيس والمجلس وضع الخطط التنموية الخمسية، وتبع ذلك سيطرة الحكومة على الأسعار واللجوء إلى سياسات التسعير الجبري، وتقديم الكثير من السلع بأسعار مدعومة من الدولة.

وكانت الآمال عريضة مع التحول الكبير في نظام الحكم، واستهدفت التحولات تحقيق الاستقلال الاقتصادي خاصة عن الغرب والأمريكان بصفة خاصة، وتحقيق التشغيل الكامل للقوة العاملة، ورفع مستوى المعيشة، لكن الواقع كان شيئًا آخر، فملكية الدولة وإدارة الدولة لوسائل الإنتاج لم تسفر يومًا عن تحقيق الرخاء المزعوم.

لم يلبث الاقتصاد الإيراني أن واجه العديد من المصاعب بنهاية الألفية الثانية عام 2000م، حيث زاد عدد السكان لأكثر من الضعف في عشرين عامًا فقط، مما يعني أن معدل النمو بلغ 3.5% سنويًا وهو الحد الأقصى لنمو السكان الطبيعي، وزادت أعداد الفئات العمرية من الشباب بشكل كبير، وهو ما ينبئ بزيادات سكانية كبيرة في السنوات القادمة، وعلى الرغم من العدد الضخم نسبياً للمزارعين الإيرانيين، وأهمية القطاع الزراعي، والذي وضع إيران على صدارة الدول المصدرة للمنتجات الغذائية في التسعينات، إلا أن القطاع كان آخذ في التراجع مع التحولات التي جاءت بها الثورة، وأدت المصاعب الاقتصادية إلى تزايد معدلات الهجرة الداخلية من الريف للمناطق الحضرية مما أثر سلبًا على قطاع الزراعة.  حيث  تم  تأميم جميع قطاعات  الصناعة التحويلية والاستخراجية.

ومن المسلم به أن الطموحات الداخلية من النمو والتنمية والتقدم الاقتصادي، لا تستقيم مع عدم الاستقرار السياسي والأمني الذي سلكته الحكومة الإيرانية بشكل مقصود، من خلال أعمال عدائية مع الجيران بدءًا من الحرب مع العراق التي استمرت 8 سنوات، وأسفرت عن خسائر ضخمة بشرية ومالية، وتقدر تكلفة تلك الحرب بنصف تريليون دولار، وتزامن مع ذلك تطوير قطاع الطاقة بما في ذلك منشآت الطاقة النووية المحتملة.

 ويعد عام 1996م، نقطة تحول في التاريخ الاقتصادي الحديث لإيران، حين فرضت الحكومة الأمريكية قانون العقوبات على كل من إيران وليبيا، والذي بموجبه يمنع الشركات الأمريكية (وغير الأمريكية) من الاستثمار والتجارة مع إيران بأكثر من 20 مليون دولار سنوياً، مع استثناءات، لبعض السلع مثل الأدوية، والمعدات الطبية منذ عام 2000م.

ومع التحولات التي حدثت في الواقع السياسي منذ عام 2004م، حاول المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس نجاد تنفيذ عدد من الإصلاحات الاقتصادية باتجاه اقتصاد السوق وتخفيف قبضة الحكومة على الحياة الاقتصادية من خلال سياسات الخصخصة، لكن التحول لا يزال بطيئًا.

الوضع الاقتصادي والاجتماعي في إيران

وضعت إيران أول خطَّة خمسية للتنمية عام 1990م، وكانت تلك هي الخطَّة الخمسية الأولى ومنذ ذلك التاريخ، تمّ وضع 6 خططٍ تنموية خمسية حتى الآن، وعلى عكس الخطط التنموية التي يضعها الخبراء من الاقتصاديين، يضع المرشد الخطوط العريضة للخطة، ثمّ يُصادق عليها البرلمان الإيراني. ولعل أهم ما عاب تلك الخطط هو عدم ثبات السياسات الاقتصادية المتبعة.

لا يزال الاقتصاد الإيراني يصنف ضمن الدول متوسطة الدخل الشريحة العليا، ولم يصل بعد إلى الدول عالية الدخل التي يحدد لها البنك الدولي نحو 12 ألف دولار كمتوسط لدخل الفرد سنويًا، بينما يبلغ نصيب الفرد الإيراني من الناتج المحلِّي الإجمالي بالأسعار الثابتة، نحو 7 آلاف دولار في العام حتّى عام 2017م.

من ناحية أخرى لا يزال الاقتصاد الإيراني معتمدًا بشكل رئيسي على القطاعات الأولية ممثِّلة في النفط والغاز والزراعة، بينما يعاني قطاع الصناعات التحويلية من  مخاطر التقادم وعدم التطوير، وتراجع الإنتاجية، وكنتيجة لذلك،  اتسم معدل النمو الاقتصادي بالتذبذُب الحاد، ولم يتخطَ المتوسِّط السنوي لنمو اقتصاد إيران خلال الأربعين عامًا  من عمر الثورة الإيرانية 1.8%، وهو معدل متدني للغاية ليس فقط مقارنة بدول الجوار النفطية، وإنما مقارنة بمعدل نمو سكاني مرتفع، (حوالي 3.5%) لا يسمح بمجال لتحسن متوسط دخل الفرد لأنه يفوق معدل نمو الناتج بكثير.

ومنذ إعادة فرض العقوبات الأمريكية في عام 2018م، تضاءل إنتاج النفط في إيران ليصل إلى مستوى متدني بلغ مليونا برميل في اليوم، وتسارع الركود في 2019/2020م، مع تشديد العقوبات الأمريكية تدريجياً. وتقلص إجمالي الناتج المحلي الإيراني بنسبة 7.6% (سنويًا) في الأشهر التسعة الأولى من العام 2019/2020م، بسبب تراجع قطاع النفط بنسبة 37%، إضافة لتأثير جائحة كورونا. إيران: الآفاق الاقتصادية — البنك الدولي، أبريل 2020م.

وكما تشير تقارير البنك الدولي فإنه من المتوقع أن يظل نمو الناتج المحلي الإجمالي ضعيفًا في 2020 / 2021 -2022/ 2023م، متأثرا بشكل أساسي بتفشي جائحة كورونا التي أثرت سلبا على إنتاج النفط والناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في 2021/2020م، ويتوقع أن يستمر التعافي المتواضع سنتين لاحقتين، ومن المتوقع أن ينمو الإنتاج النفطي في 2022/2021م، و2023/2022م، بما يتماشى مع نمو الاستهلاك المحلي على المدى الطويل.

وقد تبنت الحكومة الإيرانية مؤخرًا توجهًا نحو تطبيق إصلاحات تقوم على التخفيف من قبضة الحكومة على النشاط الاقتصادي، والتحول نحو اقتصاد السوق، ومن بين الأولويات الرئيسية للحكومة خلال فترة الخمس سنوات إصلاح الشركات المملوكة للدولة والقطاعات المالية والمصرفية والخصخصة لعدد من المؤسسات الحكومية، وإدارة عائدات النفط، وقد ظهر في وثيقة الرؤية الاقتصادية التي تعتمدها الحكومة وتمتد 20 عامًا، كما عكستها خطة التنمية الخمسية السادسة لإيران للسنوات 2016/ 2017 – 2021/2022م، وتتألف هذه الخطة من ثلاث ركائز، هي: تطوير اقتصاد قادر على التكيف، وتحقيق تقدم في العلوم والتكنولوجيا، وتعزيز التفوّق الثقافي والحضاري، وهو البعد الذي يعك تطلعات القادة في إيران لنشر النفوذ في المنطقة. وعلى الصعيد الاقتصادي، تتوقع خطة التنمية نمواً اقتصادياً سنوياً بنسبة 8%، الأمر الذي لم يتحقق في أي سنة.

بل على العكس من ذلك انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 6.8% في 2019/2020م؛ بالإضافة إلى ذلك، انكمش قطاع النفط بنسبة 38.7%. لكن الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي حقق نموًا بنسبة 1.1%، مدفوعاً بالطلب القادم من قطاع الزراعة والصناعات التحويلية، كما ساعد انخفاض أسعار الصرف على زيادة قدرة القدرة التنافسية للإنتاج المحلي في الأسواق العالمية.

وانخفضت مكونات الإنفاق على الناتج المحلي الإجمالي في 2019/2020م، واستمر الانخفاض في الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من العام 2020/2021م، حيث ساهم إغلاق الحدود وتدابير الاحتواء التي طبقت اعتبارًا من مارس 2020م، بعد انتشار الجائحة، في انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.5% (على أساس سنوي)، إضافة إلى التأثير الضخم الذي أحدثته جائحة كورونا على قطاعات الخدمات، وعوض ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي الحكومي في الربع الأول جزئياً من انكماش القطاعات الأخرى.

وأدى الوضع الاقتصادي إلى تدهور معدلات مشاركة العمالة والتشغيل، فقد ارتفع معدل التشغيل بنسبة 1.8% إلى 24.3 مليون في 2019/2020م، قبل أن ينخفض 1.5 مليون (سنويًا) في الربع الأول 2020/2021م، حيث دفعت جائحة كورونا إلى الانخفاض في جميع القطاعات. وانخفضت المشاركة في القوى العاملة بنسبة 0.4 نقطة مئوية في 2019/2020م، إلى 44.1% وتقلص عدد القوى العاملة في الربع الأول من 2020/2021م، حوالي 1.3 مليون (مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي). إيران: الآفاق الاقتصادية — البنك الدولي. أبريل 2020م.

وعلى مستوى المالية العامة زاد معدل عجز الموازنة العامة إلى الناتج المحلي الإجمالي في 2019/2020م، إلى 2.2% من إجمالي الناتج المحلي مع تراجع عائدات النفط. وزادت المصروفات الجارية بمعدل أسرع نظراً لارتفاع فاتورة الأجور والتحويلات. ولجأت الحكومة إلى إصدار الاقتراض العام من خلال إصدار سندات حكومية وبيع عدد من الأصول لتعويض التراجع في إيرادات النفط وانخفاض الإيرادات الضريبية. وتوسعت الحكومة في الاقتراض العام، حيث زاد إصدار السندات إلى 6.9% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي 2020/2021م، بدأت الحكومة التوسع في عملية الخصخصة، من خلال بيع أسهم في الشركات المملوكة للدولة عبر سوق الأوراق المالية وأصدرت سندات حكومية من خلال مزادات عقدها البنك المركزي الإيراني.

وعلى مستوى العلاقات الاقتصادية الخارجية، فقد تأثرت بشكل أكبر، وانخفض فائض حساب المعاملات الجارية (الميزان التجاري والميزان الخدمي) مع انخفاض صافي الصادرات السلعية بنسبة 26.9%، رغم انخفاض الكبير في قيمة العملة الوطنية، والتي كان من المتوقع أن تزيد من حجم الصادرات السلعية والخدمية، لكن حدث العكس وتراجعت صادرات النفط إلى أقل من مليون برميل يوميًا في عام 2019م، بعد انتهاء فترة الإعفاء من العقوبات الأمريكية على واردات النفط الإيراني في أبريل من العام نفسه. وكان انخفاض الواردات بمعدلات أكبر (38.1%) بسبب ارتفاع أسعار السلع الأجنبية مقدرة بالعملة المحلية، وبسبب القيود على احتياطيات النقد الأجنبي والعقوبات الأمريكية الثانوية على المعاملات المصرفية المتعلقة بالتجارة مع إيران، التي أثرت سلبًا على التجارة غير النفطية فانخفضت إلى 30% عام 2020م، وذلك بسبب جائحة كورونا والتوسع في قائمة السلع الخاضعة لحظر الاستيراد.

وقد انعكست كل هذه التطورات على المستوى العام للأسعار، وأدت إلى ارتفاع الضغوط التضخمية في 2019/2020م، وعاودت الارتفاع في الأشهر الخمسة الأولى من 2020/2021م، مع انخفاض قيمة الريال. وزاد معدل التضخم الجامح بنحو 10 نقاط مئوية حيث ارتفع إلى 41.2% في 2019/2020م، وساعد على تغذيته استمرار التوقعات التضخمية وزيادة عوامل ارتفاع التكلفة، بما في ذلك ارتفاع تكلفة التجارة والانخفاض الحاد في سعر الصرف الأجنبي. وكانت الاتجاهات التضخمية أكثر وضوحًا في أسعار المواد الغذائية وإيجارات المساكن، الأمر الذي أثر بشكل سلبي على الفئات الفقيرة منخفضة الدخل من السكان، ولا تزال الاتجاهات التضخمية تهدد الفقراء، وتزيد سوء توزيع الدخل سوءُا، نتيجة استمرار تراجع سعر الريال الإيراني، حيث قفز معدل التضخم على أساس شهري إلى 6.4% (على أساس شهري في يوليو 2020م، وهو أعلى مستوى له في 21 شهراً، البنك الدولي.

وتشير تقديرات البنك الدولي في تقاريره عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والباكستان، إلى تزايد معدلات الفقر وتشير تقديرات البنك الدولي في تقاريره عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والباكستان، إلى تزايد معدلات الفقر وانخفض معدل الفقر في إيران على أساس 5.5 دولار في اليوم (عند تعادل القوة الشرائية لعام 2011م) باعتبار إيران منتسبة للدول متوسطة الدخل الشريحة العليا، إلى تراجع معدل الفقر بين عامي 2009 و2013م، بنسبة 5 نقاط مئوية إلى حوالي 8%، قبل أن يزداد في عام 2017م، إلى 10.9%. وترصد التقارير سوء توزيع في الدخل على مستوى المناطق الحضرية والريفية، حيث تزيد أعداد الفقراء كثيرًا وتصل إلى حوالي 27% في المناطق الريفية، مقارنة بنحو 6% في المناطق الحضرية. ورغم التحسن الذي طرأ على مستوى التفاوت في توزيع الدخل، وفق مؤشر جيني، حيث انخفض انخفاضًا ملحوظًا بين عامي 2009 و2013م -من 42.0 نقطة إلى 37.4 نقطة -لكنه ارتفع إلى 40.8 نقطة في عام 2017م. 

ويمكن القول إن التباطؤ الاقتصادي، والصدمة الاقتصادية الناجمة عن جائحة كورونا تزيد من حدة المخاوف بشأن مستوى المعيشة ومعدل الفقر في إيران، وقد يؤدي انخفاض الدخول في سوق العمل وحده إلى زيادة الفقر بمقدار 7 نقاط مئوية.  وهناك توقعات بوجود اختلافات فيما بين المناطق الحضرية والريفية في مستويات الفقر الآخذة في الارتفاع، فضلاً عن احتمال أن تتأثر الأسر العاملة لحساب أنفسهم في قطاع الخدمات تأثرًا كبيرًا، وذلك على الرغم من الدعم النقدي الحكومي، الذي حد كثيرًا من الفقر خلال الفترة من 2009 إلى 2013م، إلا أن استمرار الاتجاهات التضخمية تحد من تأثير تلك المساعدات بسبب التراجع الكبير في القوة الشرائية للريال الإيراني ومن ثم انخفاض الدخل الحقيقي أي مقدار ما يشتريه الفرد من سلع وخدمات. 

وفي ضوء هذا العرض من المتوقع أن تزداد الضغوط على الموازنة بسبب زيادة إصدار السندات الحكومية، وهو ما يغذي الاتجاهات التضخمية، خصوصًا إذا لجأت الحكومة إلى البنك المركزي لتمويل هذا العجز من خلال عمليات الإصدار النقدي، يضاف إلى ذلك ارتفاع تكلفة مكافحة الجائحة في الفترة 2020/2021م. والتي من المتوقع أن تسفر عن انخفاض العائدات الحكومية إلى أدنى مستوياتها في عام 2020/2021م، ومن ثم من المتوقع أن تظل الضغوط التضخمية مرتفعة نظراً لانعدام اليقين الاقتصادي والضغوط على سعر الصرف باتجاه نزولي وهو ما يدفع بالأسعار المحلية إلى أعلى.

ولا يزال الوضع الفريد الحالي للاقتصاد الإيراني يعرضه لمخاطر اقتصادية كبيرة وأهم هذه المخاطر هو التأثير الأقوى والأطول لانتشار فيروس كورونا من خلال قنوات مختلفة بما في ذلك تقليص حجم التجارة الخارجية، وتراجع السياحة وانخفاض صادرات النفط، وسيؤدي استمرار انخفاض أسعار النفط وتراجع حجم الصادرات بسبب الانخفاض الكبير في الطلب الصيني على النفط إلى صدمة واسعة وعجز ضخم بالموازنة العام الحالي.

 ومما لا شك فيه أن العقوبات الأمريكية الإضافية وتصنيف مجموعة العمل المالي الدولية مؤخرا لإيران كدولة عالية المخاطر يمكن أن تزيد من القيود المفروضة على إنتاج إيران وتجارتها مع البلدان المجاورة. ويمكن أن يؤدي تكثيف التوترات الجيوسياسية إلى جانب عوامل أخرى متعلقة بتكاليف الإنتاج، إلى معدلات ارتفاع التضخم واستمرار تراجع قيمة العملة الوطنية.

الصعود إلى الهاوية

على الرغم من التحول في انحياز الدولة باتجاه النخب والحضر في عهد الشاه، إلى نظام يعلن في دستوره الاهتمام بالقاعدة الجماهيرية، والانحياز نحو الطبقات الفقيرة، والتوسع في الخدمات الأساسية، كالكهرباء والماء والتعليم، ومدها إلى الريف المعدم منذ بداية الجمهورية الجديدة، إلا أن أحوال جموع الشعب الإيراني كانت دائمًا نحو الأسوأ، رغم توفر فوائض مالية ضخمة، مع ارتفاع أسعار النفط منذ 1974م، لكن المحصلة كانت صعودا للهاوية.

فرغم مكانة الاقتصاد الإيراني بين الدول متوسطة الدخل في الشريحة العليا، إلا أن متوسط دخل الفرد، ومن ثم مستوى المعيشة تراجع إلى اقل من مستواه قبل قيام الثورة، بسبب تدني معدل النمو الاقتصادي، إلى أقل من 2%، فإذا أضفنا لذلك تأثير ارتفاع معدلات التضخم، على مستوى القوة الشرائية للعملة الوطنية الريال الإيراني، يتضح مدى التراجع في مستوى المعيشة في بلد عائم على ثروة من النفط والغاز، ولديه قطاع زراعي يتفوق على كل دول المنطقة عدا العراق، فضلاً عن تنوع هيكل الاقتصاد الوطني، وإرث صناعي تقني ورثه عن نظام الشاه الرأسمالي.

وليس أدل على ذلك من الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار، حيث يتخطى معدل التضخم 40% في بعض السنوات. كما زادت أحوال الفقراء سوءًا بعدما تحسَنت أوضاعهم وتراجعت معدَلات الفقر خلال العقد الثالث من عمر الثورة، ما لبثت أن ارتفعت لأكثر مما كانت عليه قبل الثورة، وأصبح الفقر يهدد أكثر من 50% من الإيرانيين.

ويرتبط ذلك الاتجاه النزولي في الأوضاع الاقتصادية بشكل أساسي بمجموعة من العوامل تضافرت كلها مع التوجه العدائي للقادة الإيرانيين تجاه الجوار القريب، والغرب البعيد، رافعين شعارات بمخالفة كل من يأتي من الغرب أو من خارج البلاد، وهي أفكار انغلاقية، لا يمكن أن تستقيم في عصر العولمة، والاقتصاد الرقمي، والانفتاح على العالم.

وكما يحدث في بعض الدول التي تشهد انفجارًا سكانيًا، مع ضعف خطط التنمية، يتم ربط التخلف، بارتفاع معدل نمو السكان، خاصة وأن الزيادات السكانية الإيرانية كانت قياسية حيث تضاعف عدد السكان خلال أربعين عامًا من 37 مليونًا عام 1979م، إلى قرابة 84 مليونًا في 2020م، لكن المعالجة الموضوعية للسكان وتأثيرها على خطط التنمية، لا يمكن أن تسفر عن علاقة الارتباط السلبية التي تخبرنا بها المعالجة السطحية للمشكلة.

ورغم خطورة الموقف العدائي للحكام في إيران تجاه الغرب عمومًا، والولايات المتحدة خاصة، وما جره على البلاد من عزلة دولية، وسلسلة من  العقوبات الاقتصادية الدولية والأمريكية أثرت سلبًا على مسيرة التنمية في إيران، إلا أن الأهم من كل ذلك هو استمرار فلسفة الانغلاق، واتباع سياسات منكفئة على الداخل، ترفض الاستفادة من مزايا الانفتاح على العالم الخارجي، وتقسيم العمل الدولي، والتخصص وفق المزايا التنافسية، وحرية التبادل التجاري وجذب استثمارات أجنبية تحمل أفكارًا، وطرقًا متقدمة في الإنتاج وتحمل أساليب تقنية متطورة في التسويق والإدارة، الأمر الذي ظهر جليًا في الموقف من تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة على مدى الأربعين عامًا من الثورة حتى اليوم.

وتبقى العوامل الداخلية المرتبطة بأيدلوجية الحكام الإيرانيين، ممثلة في ترسيخ العداء تجاه الغرب، وتعظيم الهيمنة الاقتصادية للدولة، وهو ما ظهر من بدايات الثورة  في التوجهات الاقتصادية للخميني وبعض رجال الدين، واستمرار هذا التوجه سمة النظام الإيراني طويلاً، واستمرار الجدل حول فوائد ومضار العولمة والتعاون مع الغرب، أو فتح الأبواب للتجارة الدولية والاستثمارات الأجنبية، خشيةَ منافسة رأس المال الأجنبي لنظيره بالداخل، والرغبة في مقاومة العولمة والحفاظ على الاستقلال الاقتصادي وفق رؤية الثورة الإيرانية، وهو ما تجلَى بوضوح في الخطَّة الخمسية الثانية (1996-2000م)،حيث تم تقليل الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية، بدايةً من عام 1996م.

ورفض مجلس صيانة الدستور تمرير مشروع قانون جذب وحماية الاستثمار الأجنبي 3 مرات بين عامي 2001 و2002م، على أساس أن المشروع لم يتضمَن أيّ شبكات أمان للتعامل مع احتمالية عمل المستثمرين الأجانب كعملاء وجواسيس للغرب، وإسرائيل تحديدًا؛ واستمر هذا الجِدال إلى أن مرّر هاشمي رفسنجاني القرار أواخر عام 2002م، بعدما أصبح رئيسًا لمجمع تشخيص مصلحة النظام.

خلاصة القول إن أفق التنمية، والخروج من النفق المظلم الذي تسير فيه إيران اقتصاديًا رهن بالتخلص من فلسفة الانكفاء على الذات، ومعاداة الغير القريب والبعيد، ومن ثم التخلص من العزلة الدولية، ومن هيمنة البروقراطية الحكومية على عمليات تخصيص الموارد، ووضع السياسات الاقتصادية والتنموية الملائمة، والخروج على أفكار وتعاليم المرشد، وسيطرة النخب ومعادات الأجانب، وفتح الحدود أمام التجارة الدولية والمنافسة العالمية، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، وجعل رفاهة الشعب الإيراني، هي الأولوية الأولى

وحتى تحقيق ذلك سيظل الشعب الإيراني يدفع الثمن باهظًا، من سوء الأحوال المعيشية بالداخل، وعزلة دولية بالخارج، حيث ما تكاد إيران تخرج من أزمة، حتى تلج الأخرى، وقبل أن تفيق من آثار العقوبات الأمريكية السارية منذ عامين، حتى تفشى فيروس كورونا في البلاد، والذي يمكن أن تستمر آثاره لمدًا بعيد، وقبل الخروج من الركود الذي سيسببه، على إيران الخروج من عباءة الهيمنة الخومينية، والتخلص من الأفكار المتطرفة تجاه العالم بأسره، والتي أدخلت إيران في نفق مظلم، يدفع ثمنها الشعب الإيراني.

مقالات لنفس الكاتب